(الباب الثامن في الصدق والكذب (ويتصل به فصل من العهود والمواثيق وأقسام العرب» ٧٤- قال الله ﷿ مبشّرا للصادقين (هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ)
(المائدة: ١١٩) وقال ﷿ (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ وَالْقانِتِينَ وَالْقانِتاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِراتِ وَالْخاشِعِينَ وَالْخاشِعاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِماتِ وَالْحافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحافِظاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِراتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا)
(الأحزاب: ٣٥) وقال تعالى في الكاذبين (وَلَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ)
(البقرة: ١٠) وإن كان أراد الكذب عليه سبحانه في آي كثير من القرآن: (وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ)
(الجاثية: ٧) (إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِآياتِ اللَّهِ)
(النحل: ١٠٥) وفي شهادة الزور والكذب (وَلا تَقْفُ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا)
(الإسراء: ٣٦) .
«٧٥» - وقال رسول الله ﷺ: إنّ الطير يوم القيامة لتضرب بمناقيرها، وتقذف بما في حواصلها، وتحرّك أذنابها، من هول يوم القيامة، وما يكلّم شاهد الزور ولا تقرّ قدماه في الأرض حتى يقذف به في النار.
[ ٣ / ٤٨ ]
«٧٦» - وقال ﷺ: إياكم والكذب فإنه يهدي إلى الفجور، والفجور يهدي إلى النار. وتحرّوا الصدق فإنّ الصدق يهدي إلى البرّ والبرّ يهدي إلى الجنة.
«٧٧» - روي أنّ رجلا أتى النبي صلّى الله عليه وعلى آله فأسلم ثم قال: يا رسول الله إنّما أوخذ من الذنوب بما ظهر، وأنا أستسرّ بخلال أربع: الزنا والسّرق وشرب الخمر والكذب، فأيهنّ أحببت تركت لك سرّا. قال: دع الكذب. فلما تولّى من عند رسول الله ﷺ همّ بالزنا فقال: يسألني رسول الله فإن جحدت نقضت ما جعلت له، وإن أقررت حددت؛ فلم يزن، ثم همّ بالسرق، ثم بشرب الخمر فتفكّر في مثل ذلك فرجع إلى رسول الله ﷺ فقال:
يا رسول الله قد تركتهنّ جمع.
«٧٨» - ومن كلام لعليّ بن أبي طالب ﵇: علامة الإيمان أن تؤثر الصدق حيث يضرّك، على الكذب حيث ينفعك.
«٧٩» - وقال عمر ﵁: عليك بالصدق وإن قتلك.
«٨٠» - وقيل: ما السيف الصارم في كفّ الشجاع بأعزّ له من الصّدق.
«٨١» - وقيل: الصدق زين إلّا أن يكون سعاية فإنّ الساعي أخبث ما يكون إذا صدق.
[ ٣ / ٤٩ ]
«٨٢» - قال رسول الله ﷺ: ثلاث من كنّ فيه فهو منافق وإن صلّى وصام وزعم أنه مسلم: من إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان.
«٨٣» - قال الأصمعيّ: كان ربعيّ بن خراش لم يكذب قطّ، فأقبل ابنان له من خراسان من عند قتيبة وقد أخلّا بمركز هما فباتا عنده، فسعي بهما، فدعا به عامل البصرة فقال: أين ابناك؟ قال: تركتهما في المنزل قال: هما لك.
«٨٤» - لما نصب معاوية ابنه يزيد لولاية العهد أقعده في قبّة حمراء وجعل الناس يسلّمون على معاوية ثم يميلون إلى يزيد، حتى جاء رجل ففعل ذلك ثم رجع إلى معاوية فقال: يا أمير المؤمنين اعلم انك لو لم تولّ هذا أمور المسلمين لأضعتها، والأحنف جالس، فقال معاوية: ما بالك لا تقول يا أبا بحر؟ فقال:
أخاف الله إن كذبت، وأخافكم إن صدقت. فقال: جزاك الله عن الطاعة خيرا؛ وأمر له بألوف.
فلما خرج الأحنف لقيه الرجل بالباب فقال: يا أبا بحر، إني لأعلم أنّ شرّ ما خلق الله تعالى هذا وابنه، ولكنهم قد استوثقوا من هذه الأموال بالأبواب والأقفال، فلسنا نطمع في استخراجها إلّا بما سمعت. قال له الأحنف: يا هذا أمسك، فإنّ ذا الوجهين لا يكون عند الله وجيها.
«٨٥» - قال رجل لعبد الملك بن مروان: إني أريد أن أسرّ إليك شيئا، فقال له عبد الملك: قف، لا تمدحني فإني أعلم بنفسي، ولا تكذبني فإنّه لا رأي لمكذوب، ولا تغتب عندي أحدا. فقال: يا أمير المؤمنين، أتأذن في الانصراف؟
قال: إذا شئت.
[ ٣ / ٥٠ ]
«٨٦» - روي أنّ الحجّاج جلس لقتل أصحاب عبد الرحمن بن محمد بن الأشعث، فقام رجل منهم: فقال: أصلح الله الأمير، إنّ لي عليك حقّا قال:
وما حقّك؟ قال: سبّك عبد الرحمن يوما فرددت عليه، فقال: من يعلم ذلك؟
قال: أنشد الله رجلا سمع ذلك إلّا شهد به. فقام رجل من الأسراء فقال: قد كان ذاك أيها الأمير، قال: خلّوا عنه. ثم قال للشاهد: فما منعك أن تنكر كما أنكر؟ قال: لقديم بغضي إياك، قال: وليخلّ عنه لصدقه.
٨٧- كتب عمر بن عبد العزيز في إشخاص إياس بن معاوية المزني وعديّ ابن أرطأة الفزاري، أمير البصرة وقاضيها يومئذ، فصار إليه عديّ فقرب أن يثني عليه عند الخليفة فقال: يا أبا وائلة إنّ لنا حقّا ورحما، فقال إياس: أعلى الكذب تريدني؟! والله ما يسرّني أن كذبت كذبة يغفرها الله لي ولا يطّلع عليها إلا هذا- وأومأ إلى ابنه- ولي ما طلعت عليه الشمس.
«٨٨» - امتدح ابن ميادة جعفر بن سليمان فأمر له بمائة ناقة فقبّل يده وقال:
والله ما قبّلت يد قرشيّ غيرك إلا واحدا فقال: أهو المنصور؟ قال: لا والله قال:
فمن هو؟ قال: الوليد بن يزيد. فغضب، فقال: والله ما قبّلتها لله، ولكن قبّلتها لنفسي فقال: والله لا ضرّك الصدق عندي، أعطوه مائة ناقة أخرى.
«٨٩» - استشهد ابن الفرات في أيام وزارته عليّ بن عيسى فلم يشهد له وكتب إليه لما عاد إلى بيته: لا تلمني على نكوصي عن نصرتك بشهادة زور، فإنه لا اتفاق على نفاق، ولا وفاء لذي مين واختلاق، وأحر بمن تعدّى الحقّ في مسرّتك إذا رضي، أن يتعدّى إلى الباطل في مساءتك إذا غضب.
«٩٠» - قيل: أيّ الصدقين السكوت عنه أمثل؟ قيل تزكية المرء نفسه.
[ ٣ / ٥١ ]
«٩١» - وقيل: إنّ الكذب يحمد إذا قرّب بين المتقاطعين، ويذمّ الصدق إذا كان غيبة.
«٩٢» - وقد رفع الحرج عن الكاذب في الحرب، والمصلح بين المرء وزوجه.
«٩٣» - وكان المهلّب في حرب الخوارج يكذب لأصحابه، يقوّي بذاك جأشهم، فإذا رأوه مقبلا إليهم قالوا: قد جاءنا يكذب.
٩٤- وقيل: خصلتان لا تفارقان صاحبهما: الأبنة والكذب.
«٩٥» - وقال يحيى بن خالد: رأيت شرّيب خمر نزع، ولصّا أقلع، وصاحب فواحش راجع، ولم نر كذّابا قطّ صار صادقا.
٩٦- وقالوا: لا تجعل رسولك كذّابا فإنه إن كذبك أو رطك، وإن صدقك حيّرك.
«٩٧» - قال أبو عمرو ابن العلاء: ساد عتبة بن ربيعة وكان مملقا، وساد أبو جهل وكان حدثا، وساد أبو سفيان وكان بخّالا، وساد عامر بن الطفيل وكان عاهرا، وساد كليب وائل وكان ظلوما، وساد عيينة وكان محمّقا، ولم يسد قطّ كذاب. فصلح السؤدد مع الفقر والحداثة والبخل والعهر والظلم والحمق، ولم يصلح مع الكذب، لأنّ الكذب يعمّ الأخلاق كلّها بالفساد.
[ ٣ / ٥٢ ]
«٩٨» - قال الجاحظ: قلت لروح بن الطائفية: رأيت من يكذب فيما يضرّ وينفع، ولم أر من يكذب فيما لا يضرّ ولا ينفع غيرك، فقال: يا أبا عثمان، لا يكون الكذّاب عندنا كذّابا حتى يكذب فيما لا يضرّه ولا ينفعه.
«٩٩» - قيل لكذاب بما تغلب الناس؟ قال: أبهت بالكذاب وأستشهد بالموتى.
١٠٠- قال الأصمعي: عذلت كذابا في الكذب فقال: والله إني لأسمعه من غيري فيدار بي من شهوته.
١٠١- من كلام سهل بن هارون: إنّ زخرف الكلام لا يثبّت زلل الأقدام، وللصدق آثار في القلوب لا تعفّيها عواصف رياح الكذوب.
«١٠٢» - وللعرب أقوال منكرة، فمن ذاك قول رجل من آل الحارث بن ظالم: والله لقد غضب الحارث يوما فانتفخ في ثوبه، فبدر من عنقه أربعة أزرار، ففقأت أربعة أعين من عيون جلسائه.
وتزعم الرواة أنّ عروة بن عتبة بن جعفر بن كلاب قال لابني الجون الكنديين: إنّ لي عليكما حقّا لرحلتي ووفادتي، فدعاني أنذر قومي من موضعي، فقالا: شأنك، فصرخ بقومه فأسمعهم على مسيرة ليلة.
ويقولون إنّ أبا عروة السبّاع كان يصيح على السبع فيفتق مرارته في جوفه.
ويقولون في خبر لقمان بن عاد: إنّ جارية له سئلت عما بقي من بصره لدخوله في السنّ، فقالت: لقد ضعف بصره، ولقد بقيت منه بقيّة، إنه ليفصل
[ ٣ / ٥٣ ]
بين أثر الأنثى والذكر من الذرّ إذا دبّ على الصفا.