وأنا أضمّن هذا الباب ما جاء من الآثار والأخبار والأشعار في علوّ الهمة وحمل المغارم، وحفظ الجوار وحمي الذمار، والحمية والأنف والحلم والعفو والصفح والتثبت والأناة، وما شاكل هذه المعاني وقاربها، إذ كان ما عداها قد أتى في أماكنه، مستمدا من الله سبحانه حسن التوفيق والتسديد، ومستدعيا بشكر نعمه فضل المزيد، قال الله عز من قائل: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ
(الشورى: ٤٣) وقال تعالى: الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَواحِشَ، وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ
(الشورى: ٣٧) وقال ﷿: فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ
(الشورى: ٤٠) وقال ﷾: وَالَّذِينَ إِذا أَصابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ
(الشورى: ٣٩) .
«١» وقال ﵌: من رزقه الله فبذل معروفه وكفّ أذاه فذاك السيّد [٣] .
_________________
(١) ع: ذكر.
(٢) البيت في اللسان والتاج (صعد) والبيان والتبيين ١: ١٩٥، ٢٧٠ والحيوان ٢: ٩٥، وعيون الأخبار: ٢٢٦ وبهجة المجالس ١: ٦١٢ وهو للأعلم الهذلي كما في ديوان الهذليين: ٣٢٣ والذخيرة ٤: ٤٩٩ وأكمة ذات صعداء: يشتد صعودها على الراقي؛ وقد تضبط «صعداء» .
(٣) وقعت الفقرتان: ١٤٠، ١٤١ في م بعد هذا الحديث ثم وردتا أيضا في موضعهما.
[ ٢ / ١٦ ]
«٢» - قيل لقيس بن عاصم: بم سدت قومك؟ قال: ببذل القرى، وترك المرا، ونصرة المولى.
«٣» - وقيل لأبي سفيان: بم سدت قومك؟ قال لم أخاصم أحدا قطّ إلّا تركت للصلح موضعا.
«٤» - من كلام سهل بن هارون: من لم يركب الأهوال لم ينل الرغائب، ومن ترك الأمر الذي لعلّه أن يبلغ به حاجته مخافة ما لعلّه أن يوقّاه فليس ينال جسيما.
«٥» - قال أبو بكر ﵁ لسعيد الفهميّ: أخبرني عن نفسك في جاهليتك وإسلامك، فقال: أما جاهليتي فو الله ما خمت عن بهمة، ولا هممت بلمّة، ولا فاديت غير كريم، ولا رئيت إلّا في خيل مغيرة، أو حمل جريرة، أو في نادي عشيرة، وأما مذ خطمني الإسلام فلن أزكّي لك نفسي.
٦- قال أفلاطون: إذا كبرت النفس استشعرت الخلود فعملت في العاجل ما يبقى لها في الآجل، وإذا صغرت استشعرت الفناء، فاستعجلت الأشياء خوفا من فواتها.
[ ٢ / ١٧ ]
«٧» - قال سعيد بن العاص: ما شاتمت رجلا مذ كنت رجلا لأني لا أشاتم إلا أحد رجلين: إما كريم فأنا أحقّ من احتمله، وإما لئيم فأنا أولى من رفع نفسه عنه.
«٨» - قال الكلبيّ: قال لي خالد بن عبد الله بن يزيد بن أسد بن كرز: ما تعدّون السؤدد؟ فقلت: أما في الجاهليّة فالرياسة، وأما في الإسلام فالولاية، وخير من ذا وذاك التقوى، فقال لي: صدقت، كان أبي يقول: لم يدرك الأوّل الشرف إلا بالفعل، ولا يدركه الآخر إلّا بما أدرك به الأوّل، قال: قلت: صدق أبوك، ساد الأحنف بحلمه، وساد مالك بن مسمع [١] بمحبة العشيرة له، وساد قتيبة بدهائه، وساد المهلب بهذه [٢] الخلال.
فقال لي: صدقت، كان أبي يقول: خير الناس للناس خيرهم لنفسه، وذاك أنه إذا كان كذلك أبقى على نفسه من السّرق لئلا يقطع، ومن القتل لئلا يقاد، ومن الزنا لئلا يحدّ، فسلم الناس منه لإبقائه على نفسه.
«٩» - وقالوا: من نعت السيد أن يكون لحيما ضخم الهامة، جهير الصوت، إذا خطا أبعد، وإذا تؤمّل [٣] ملأ العين لأن حقّه أن يكون في صدر
_________________
(١) م: مجمع.
(٢) نثر الدر: بجميع هذه.
(٣) ر: يؤمل.
[ ٢ / ١٨ ]
مجلس أو ذروة منبر أو منفردا في موكب.
«١٠» - وكانوا يقولون في نعت السيد: يملأ العين جمالا والسمع مقالا.
«١١» - وقال رجل لبعض أهله: والله ما أنت بعظيم فتكون سيدا، ولا بأرسح فتكون فارسا.
«١٢» - وقال آخر: والله ما فتقت فتق السادة ولا مطلت مطل الفرسان.
«١٣» - قيل للأشعث بن قيس بن معدي كرب الكندي: بم كنتم تعرفون السؤدد في الصبيّ [١] منكم؟ قال: إذا كان ملوث الأزرة، طويل الغرلة، سائل الغرّة كأنّ به لوثة فلسنا نشكّ في سؤدده.
هذه أمارات تصيب وتخون، والمعوّل على ما أدركته الحقيقة لا الظنون.
«١٤» - قيل للأحنف: من السيد؟ قال: الذليل في نفسه، الأحمق في ماله، المعنيّ بأمر قومه، الناظر للعامة.
«١٥» - وقال عدي بن حاتم: السيد الأحمق في ماله، الذليل في
_________________
(١) م: الفتى.
[ ٢ / ١٩ ]
عرضه، المطرّح لحقده، المعنيّ بأمر جماعته، وأحسن القول ما قارنه الفعل.
«١٦» - قدم وفد العراق على معاوية وفيهم الأحنف، فقام الآذن وقال:
إن أمير المؤمنين يعزم عليكم أن يتكلم أحد إلا لنفسه، فلما وصلوا إليه قال الأحنف: لولا عزمة أمير المؤمنين لأخبرته أنّ رادفة ردفت، ونازلة نزلت، ونائبة نابت، والكلّ بهم الحاجة إلى معروف أمير المؤمنين وبره. فقال:
حسبك يا أبا بحر فقد كفيت الغائب والشاهد.
«١٧» ومثل ذلك، بل أبلغ وأصلت [١]، ومن امرأة أعظم وأغرب، ما روي عن سودة بنت عمارة الهمدانيّة، وفدت على معاوية فقال لها: ما حاجتك؟ قالت: إنك أصبحت للناس سيدا، ولأمرهم متقلّدا، والله مسائلك عن أمرنا، وما افترض عليك من حقّنا، ولا يزال يقدم علينا من ينوء [٢] بعزّك ويبطش بسلطانك فيحصدنا حصد السّنبل، ويدوسنا دوس [٣] البقر، ويسومنا الخسيسة، ويسلبنا [٤] الجليلة، وهذا بسر بن أرطأة قدم علينا من قبلك فقتل رجالي، يقول لي فوهي [٥] بما أستعصم الله ﷾ منه وألجأ إليه فيه، ولولا الطاعة لكان فينا عزّ ومنعة. فإما عزلته عنّا فشكرناك، وإما لا فعرفناك. فقال معاوية: أتهدديني بقومك؟ لقد هممت أن أحملك على قتب [٦] أشرس فأردّك إليه ينفذ فيك حكمه. فأطرقت تبكي ثم أنشأت تقول:
[من البسيط]
_________________
(١) م: وأصلب.
(٢) العقد: ينهض.
(٣) العقد: دياس.
(٤) العقد: ويسألنا.
(٥) م: فهو.
(٦) م: ذنب.
[ ٢ / ٢٠ ]
صلّى الاله على جسم [١] تضمّنه قبر فأصبح فيه العدل مدفونا
قد حالف الحقّ لا يبغي به بدلا [٢] فصار بالحقّ والإيمان مقرونا
فقال لها: ومن ذاك؟ قالت: عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه.
قال: وما صنع بك حتّى صار عندك كذا؟ قالت: قدمت عليه في مصدّق قدم علينا من قبله، والله ما كان بيني وبينه إلا ما بين الغثّ والسمين، فأتيت عليّا لأشكو إليه ما صنع بنا فوجدته قائما يصلي. فلما نظر إليّ انفتل من صلاته ثم قال لي، برأفة وتعطّف: ألك حاجة؟ فأخبرته، فبكى ثم قال: اللهم أنت الشاهد عليّ وعليهم، إني لم آمرهم بظلم خلقك ولا بترك حقّك؛ ثم أخرج من جيبه قطعة جلد كهيئة طرف الجراب، فكتب فيها: بسم الله الرحمن الرحيم أَوْفُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْياءَهُمْ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَما أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ
(هود: ٨٥- ٨٦) . إذا [٣] قرأت كتابي هذا فاحتفظ بما في يديك من عملنا حتّى يقدم عليك من يقبضه منك، والسلام.
فأخذته منه والله ما ختمه بطين ولا خزمه بخزام، فقرأته.
فقال لها معاوية: لقد لمّظكم [٤] ابن أبي طالب الجرأة على السلطان، فبطيئا ما [٥] تفطمون، ثم قال: اكتبوا لها بردّ مالها والعدل عليها. قالت: ألي خاصة أم لقومي عامة؟ قال: ما أنت وقومك؟ قالت: هي إذن والله الفحشاء واللؤم، إن كان عدلا شاملا وإلا أنا كسائر قومي، قال: اكتبوا لها ولقومها.
_________________
(١) العقد: روح؛ م: قبر.
(٢) العقد: ثمنا.
(٣) ع: واذا.
(٤) لمظكم: ذوقكم.
(٥) ما: زيادة من رم.
[ ٢ / ٢١ ]
«١٨» - ومثله خبر الراعي مع عبد الملك لما أنشده قوله: [من البسيط]
فإن رفعت بهم رأسا نعشتهم وإن لقوا مثلها في قابل فسدوا
قال له: تريد ماذا؟ قال: تردّ عليهم صدقاتهم، وتدرّ أعطياتهم، وتنعش فقيرهم، وتخفّف مؤونة غنيّهم، قال: إنّ ذا لكثير، قال: أنت أكثر منه، قال: قد فعلت فسلني حوائجك، قال: قد قضيتها، قال: سل لنفسك، قال: لا والله لا أشوب هذه المكرمة بالمسألة لنفسي.
«١٩» - ومما يناسبه أن البادية قحطت في أيام هشام، فقدمت عليه العرب فهابوا أن يتكلموا وفيهم درواس بن حبيب ابن ست عشرة سنة له ذؤابة وعليه شملتان، فوقعت عليه عينا هشام فقال لحاجبه: ما يشاء أحد يدخل علي إلا دخل حتى [١] الصبيان؟! فوثب درواس بن حبيب حتى وقف بين يديه مطرقا، فقال: يا أمير المؤمنين إن للكلام نشرا وطيّا، وإنه لا يعرف ما في طيه إلا بنشره، فإن أذنت لي أن أنشره نشرته. قال: انشر لا أبا لك، وقد أعجبه كلامه مع حداثة سنه. فقال: إنه أصابتنا سنون ثلاث: سنة أذابت الشحم، وسنة أكلت اللحم، وسنة أنقت العظم، وفي أيديكم فضول أموال، فإن كانت لله ففرّقوها على عباده، وإن كانت لهم فعلام تحبسونها عنهم؟ وإن كانت لكم فتصدّقوا بها عليهم إِنَّ اللَّهَ يَجْزِي
_________________
(١) حتى: سقطت من ر.
[ ٢ / ٢٢ ]
الْمُتَصَدِّقِينَ
(يوسف: ٨٨) فقال هشام: ما ترك لنا الغلام في واحدة من الثلاث عذرا. فأمر للبوادي بمائة ألف دينار، وله بمائة ألف درهم، فقال:
ارددها يا أمير المؤمنين إلى جائزة العرب، فإني أخاف أن تعجز عن بلوغ كفاية [١] . فقال: أما لك حاجة؟ قال: ما لي حاجة في خاصّة نفسي دون عامة المسلمين. فخرج وهو من أنبل القوم.
«٢٠» - قال رجل للأحنف: لم سوّدك قومك وما أنت بأشرفهم بيتا، ولا أصبحهم وجها، ولا أحسنهم خلقا؟ قال: بخلاف ما فيك يا بني، قال: وما ذاك؟ قال: بتركي من أمرك ما لا يعنيني كما عناك من أمري ما لا يعنيك.
«٢١» قال عمرو بن العاص لدهقان نهر تيرى: بم ينبل الرجل عندكم؟ قال: بترك الكذب فإنه لا يشرف من لا يوثق بقوله، وبقيامه بأمر أهله فإنه لا ينبل من يحتاج أهله إلى غيره، وبمجانبة الريب فإنه لا يعزّ من لا يؤمن أن يصادف على سوءة، وبالقيام بحاجات الناس فإنه من رجّي الفرج عنده كثرت غاشيته.
«٢٢» - وقال بزرجمهر: من كثر أدبه كثر شرفه وإن كان قبل وضيعا، وبعد صوته وإن كان خاملا، وساد وإن كان غريبا، وكثرت الحاجات إليه وإن كان فقيرا.
_________________
(١) ر: كفايتهم.
[ ٢ / ٢٣ ]
«٢٣» - قال المعلوط الرّبعي: [من الطويل]
فما سوّد المال اللئيم ولا دنا لذاك ولكن الكريم يسود
إذا المرء أعيته المروءة ناشئا فمطلبها كهلا عليه شديد
ولهذا المعنى الذي بيّنه المعلوط قالوا: السؤدد مع السواد.
«٢٤» - وقال المقنع الكنديّ [١]: [من الطويل]
يعاتبني في الدين قومي وإنما ديوني في أشياء تكسبهم حمدا
أسدّ به ما قد أخلّوا وضيّعوا ثغور حقوق ما أطاقوا لها سدا
وفي جفنة ما يغلق الباب دونها مكللة لحما مدفّقة ثردا
وفي فرس نهد عتيق جعلته حجابا لبيتي ثم أخدمته عبدا
فإن الذي بيني وبين بني أبي وبين بني عمي لمختلف جدا
إذا أكلوا لحمي وفرت لحومهم وإن هدموا مجدي بنيت لهم مجدا
وإن ضيّعوا غيبي حفظت غيوبهم وإن هم هووا غيّي هويت لهم رشدا
_________________
(١) م: والمقنع الكندي الذي يقول.
[ ٢ / ٢٤ ]
ولا أحمل الحقد القديم عليهم وليس رئيس القوم من يحمل الحقدا
لهم جلّ مالي إن تتابع لي غنى وإن قلّ مالي لم أكلّفهم رفدا
وإني لعبد الضيف ما دام ثاويا وما شيمة لي غيرها تشبه العبدا
«٢٥» - وقال آخر أيضا: [من الطويل]
وليس فتى الفتيان من جلّ همّه صبوح وإن أمسى ففضل غبوق
ولكن فتى الفتيان من راح واغتدى لضرّ عدوّ أو لنفع صديق
٢٦- وقد كان أحمد بن أبي دواد القاضي جبل على مثل هذا، قال أبو العيناء: ما رأيت مثل ابن أبي داود من رجل قد مكّن له في الدنيا ذلك التمكين، كنت أراه في مجلس سقفه غير مغرّى، جالسا على مسح وأصحابه معه، يتدرّن القميص عليه فلا يبدّله حتى يعاتب في ذلك، ليس له همة ولا لذة في الدنيا إلا أن يحمل رجلا على منبر وآخر على جذع.
«٢٧» - قال أسد بن عبد الله القسريّ لسلم بن نوفل: ما أرخص السؤدد فيكم!! فقال سلم: أما نحن فلا نسوّد إلا من بذل لنا ماله، وأوطأنا عرضه، وامتهن في حاجتنا نفسه؛ فقال أسد: إنّ السؤدد فيكم لغال.
«٢٨» - وقال معاوية لعرابة بن أوس بن قيظيّ الأنصاري: بم سدت
[ ٢ / ٢٥ ]
قومك؟ قال: لست بسيدهم ولكني رجل منهم فعزم عليه فقال: أعطيت في نائبتهم، وحلمت عن سفيههم، وشددت على يدي حليمهم، فمن فعل منهم فعلي فهو مثلي، ومن قصّر عني فأنا أفضل منه، ومن تجاوزني فهو أفضل مني.
وقيل في رواية بأربع خلال: أنخدع لهم في مالي، وأذلّ لهم في عرضي، ولا أحتقر صغيرهم، ولا أحسد رفيعهم.
«٢٩» وكان سبب ارتفاع ذكر عرابة أنه قدم من سفر فجمعه والشمّاخ ابن ضرار المرّي الطريق فتحادثا، فقال له عرابة: ما الذي أقدمك المدينة؟
قال: قدمتها لأمتار منها، فملأ له عرابة رواحله برّا وتمرا وأتحفه بغير ذلك، فقال الشماخ: [من الوافر]
رأيت عرابة الأوسيّ يسمو إلى الخيرات منقطع القرين
إذا ما راية رفعت لمجد تلقاها عرابة باليمين
إذا بلّغتني وحملت رحلي عرابة فاشرقي بدم الوتين
«٣٠» - سأل عبد الملك بن مروان روح بن زنباع عن مالك بن مسمع فقال: لو غضب مالك لغضب معه مائة ألف لا يسأله واحد منهم لم غضب، قال عبد الملك: هذا والله السؤدد.
«٣١» - كتب معاوية إلى زياد: اعزل حريث بن جابر فإني ما أذكر فتنة
[ ٢ / ٢٦ ]
صفين إلا كانت حزازة في صدري. فكتب إليه: خفّض عليك يا أمير المؤمنين، فقد بسق حريث بسوقا لا يرفعه عمل ولا يضرّه [١] عزل.
«٣٢» - وكتب إليه: انظر رجلا يصلح لثغر الهند فولّه، فكتب إليه زياد: إن قبلي رجلين يصلحان لذلك: الأحنف بن قيس وسنان بن سلمة.
فكتب معاوية: بأيّ يومي الأحنف نكافئه: ألخذلان أم المؤمنين أم بسعيه علينا يوم صفين؟ فوجّه سنانا. فكتب إليه زياد: إنّ الأحنف قد بلغ من الشرف والسؤدد ما لا ترفعه الولاية ولا يضعه العزل.
«٣٣» - وقيل لرجل: بم ساد عليكم الأحنف؟ فو الله ما كان بأكبركم سنّا ولا بأكثركم [٢] نشبا. قال: بقوّته على سلطان نفسه.
«٣٤» - لما ولي زياد البصرة خطب فقال: إني رأيت خلالا ثلاثا نبذت إليكم فيهن النصيحة: لا يأتيني شريف بوضيع لم يعرف له شرفه إلا عاقبته، ولا كهل بحدث لم يعرف له فضل سنه [٣] إلا عاقبته، ولا عالم يجاهل عنته إلا عاقبته، فإنما الناس بأشرافهم وذوي سنهم وعلمائهم.
«٣٥» - أراد أنوشروان أن يقلد ابنه هرمز ولاية العهد، فاستشار عظماء
_________________
(١) البصائر: يضعه.
(٢) ر: بأكرمكم (اقرأ بعدها: نسبا) .
(٣) ع: لم يعرف له شرفه.
[ ٢ / ٢٧ ]
مملكته فأنكروا عليه، وقال بعضهم: إن الترك ولدته وفي أخلاقهم ما علمت فقال: الأبناء ينسبون إلى الآباء لا إلى الأمهات، وكانت أم قباذ تركية، وقد رأيتم من عدله وحسن سيرته ما رأيتم. فقيل: هو قصير وذاك يذهب ببهاء الملك. فقال: إن قصره من رجليه ولا يكاد يرى إلا جالسا أو راكبا فلا يستبين ذلك فيه، فقيل: هو بغيض في الناس، فقال: أوه، أهلكت ابننا هرمز فقد قيل: إن من كان فيه خير واحد ولم يكن ذلك الخير المحبة في الناس فلا خير فيه، ومن كان فيه عيب واحد ولم يكن ذلك العيب المبغضة في الناس فلا عيب فيه.
«٣٦» - ذكرت البيوتات عند هشام بن عبد الملك فقال: البيت ما كانت له سالفة ولا حقة وعماد حال ومساك دهر، فإذا كان كذلك فهو بيت قائم؛ أراد بالسالفة ما سلف من شرف الآباء، واللاحقة ما لحق من شرف الأبناء، وبعماد الحال الثروة، وبمساك الدهر الجاه عند السلطان.
٣٧- وكان يقال: مضر خيرة الله من خلقه، وقريش خيرة مضر، وهاشم خيرة قريش، وعترة رسول الله ﵌ خيرة هاشم.
«٣٨» - وأحفظ معاوية الأحنف وجارية بن قدامة ورجالا من بني سعد فأغلظوا له، وذلك بمسمع من بنت قرظة، فأنكرت ذلك فقال لها: إن مضر كاهل العرب، وتميما كاهل مضر، وسعدا كاهل تميم، وهؤلاء كاهل سعد.