[٨٥٤]- قالوا: من صحب الملوك «١» وقرب منهم، ينبغي أن يكون جامعا للخلال المحمودة، فأولها: العقل فإنه رأس الفضائل، والعلم فإنه من ثمار العقل ولا تليق صحبة الملوك «٢» بأهل الجهل؛ والودّ فإنه خلق من اخلاق النفس يولّده العدل في الإنسان لذوي ودّه، والنصيحة وهي تابعة للودّ وهو الذي يبعث عليها؛ والوفاء فإنه شيمة لا تتمّ الصحبة إلا بها، وحفظ السرّ وهو من صدق الوفاء، والعفة عن الشهوات والأموال، والصرامة وهي شدّة القلب، فإن الملوك لا يجوز أن يصحبهم أولو النكول ولا ينال الجسيم من الأمور إلّا الشجاع النّجد؛ والصدق فإنه من لا يصدق يكذّب، ومضرّة الكذب لا تتلافى؛ وحسن الزيّ والهيئة فإن ذلك يزيد في بهاء الملك، والبشر في اللقاء فإنه يتألّف به قلب من يلاقيه وفي الكلوح تنفير عن غير ريبة، والأمانة فيما يستحفظ، ورعاية الحق فيما يستودع، والعدل والانصاف فإن العدل يصلح السرائر ويجمّل الظواهر، وبه يخاصم الإنسان نفسه إذا دعته إلى أمر لا يحسن ركوبه. وينبغي له أن يجانب أضداد هذه الخلال، وألا يكون حسودا فإن
_________________
(١) بعضه مأخوذ من الأدب الكبير: ٤٤ (٦٢) وهو قوله: «وينبغي لمن يصحب السلطان أن يأخذ لعمله الخ» .
[ ١ / ٣٣١ ]
الحسد يفسد ما بينه وبين الناس، وليفرّق بين الحسد والمنافسة فإنهما يشتبهان على من لا يعقل، وأن يخلو من اللجاج والمحك، فإن ذلك يضرّ بالأفعال إذا وقع فيها اشتراك، وأن لا يكون بذّاخا ولا متكبرا فإن البذخ من دلائل سقوط النفس، والكبر من دواعي المقت، وأن لا يكون حريصا فإن الحرص من ضيق النّفس وشدة الطيش والبعد عن الصبر، وينبغي أن لا يكون فدما وخما ولا ثقيل الروح، فإنها صفة لا تليق بمن يلاقي الملوك وأبدا تكون سببا للمقت من غير جرم. وبالجملة فالفضائل والأخلاق المحمودة كثيرة، وأولى الناس بطلب غاياتها الملوك كما هم الغاية، ثم أتباعهم، ثم سائر الرعية. وينبغي «١» لمن يصحب السلطان أن يأخذ لعمله من جميع شغله: فيأخذ من طعامه وشرابه ونومه وحديثه ولهوه ونسائه، لا كما يفعل الأغمار الجهّال بخدمة السلطان فإن أحدهم كلّما ازداد عملا نقص من ساعات نصبه وعمله فزادها في ساعات دعته وشهوته وعبثه.
[٨٥٥]- قالوا:
(١) ولتكن حاجتك في الولاية إلى ثلاث خصال: رضى ربك، ورضى سلطانك، ورضى صالح من تلي عليه، ولا عليك أن تلهى «٢» عن المال والذّكر فسيأتيك منهما ما يكفي ويطيب، فاجعل هذه الخصال بمكان ما لا بدّ منه، واجعل المال والذكر بمكان ما أنت واجد منه بدا، ولا تحدثنّ لك صحبة السلطان والاستئناس به غفلة ولا تهاونا.
_________________
(١) هذا النصّ مأخوذ من الأدب الكبير لابن المقفع، وابن حمدون ينقل غير مراع للترتيب المتسلسل، ولهذا آثرت تقسيم النصّ الى فقرات مرقمة وتخريج كل فقرة (وقارن بالحكمة الخالدة ٢٩٣- ٣٢٧ فقد استوعب هذا الكتاب الأدب الكبير، ولا حاجة هنا إلى إثبات ذلك دائما) . ١ الأدب الكبير: ٤٥ ونثر الدر ٤: ٨٦ (ما عدا قوله: ولا تحدثن ولا تهاونا) .
[ ١ / ٣٣٢ ]
(٢) وإذا رأيت السلطان يجعلك أخا فاجعله أبا، وإن زادك فزده.
(٣) وإن استطعت أن تجعل صحبتك منهم لمن قد عرفك قبل ولايته بصالح مروءتك فافعل، فإن الوالي لا علم له بالناس إلا ما كان علم قبل ولايته، فأما إذا ولي فكلّ الناس يحرص على أن يلقاه بالتزيين والتصنّع له، وكلهم يحتال لأن يثنى عليه عنده بما ليس فيه، غير أنّ الأنذال والأرذال أشدّ له تصنّعا وعليه مثابرة وفيه تمحلا، فلا يمتنع الوالي وإن كان بليغ الرأي والنظر من أن ينزل عنده كثير من الأشرار بمنزلة الأخيار، وكثير من الخونة بمنزلة الأمناء، وكثير من الغدرة بمنزلة الأوفياء، ويغطّى عنه كثير من أهل الفضل الذين يصونون أنفسهم عن التصنّع والتمحّل.
(٤) إذا نزلت من الوالي بمنزلة الثقة فاعتزل عنده كلام الملق، ولا تكثر الدعاء له في كل كلمة، فإن ذلك يشبه حال الوحشة والغربة، إلا أن تكلّمه على رؤوس الناس فلا تأل عما وقّره وعظّمه.
(٥) إذا أردت أن يقبل قولك فصحّح رأيك ولا تشوبنّه بشيء من الهوى، فإن الرأي يقبله منك العدوّ، والهوى يردّه عليك الصديق.
(٦) تبصّر ما في الوالي من الأخلاق التي تحبّ وتكره وترضى ولا
_________________
(١) . (٢) الأدب الكبير: ٥٤ ونثر الدر ٤: ٨١ والحكمة الخالدة: ٢٩٩ وتحفة الوزراء: ٢٦ والأسد والغواص: ٥٨ وكتاب الآداب: ٢٨ والمستطرف ١: ٨٩ وقارن بقول لابن المعتز في الوافي بالوفيات ١٧: ٤٥١.
(٢) الأدب الكبير: ٥٥.
(٣) الأدب الكبير: ٦٥ والبصائر ٤: ٢٢٤ وبهجة المجالس ١: ٣٢٤ وشرح النهج ١٧: ٧٦ ونهاية الأرب ٦: ١٤٣ وما بعدها.
(٤) الأدب الكبير: ٥٦.
(٥) الأدب الكبير: ٥٦- ٥٧.
[ ١ / ٣٣٣ ]
ترضى له، ولا تكابره بالتحويل عما يحبّ ويكره إلى ما تحبّ وتكره فإنها رياضة صعبة قد تحمل على الإباء والقلى، وقلما يقدر على ردّ رجل بالمكابرة والمناقصة وإن لم يكن جمح به عزّ سلطان فكيف إذا جمح به، ولكن تعينه على أحسن رأيه وتزيّنه وتقوّيه عليه، فإذا قويت المحاسن كانت هي التي تكف «١» المساوىء، وإذا استحكمت منها ناحية من الصواب كان ذلك الصواب هو الذي يبصره مواقع الخطايا بألطف من تبصيرك وأعدل من حكمك في نفسه، فإنّ الصواب في يده يؤيّد بعضه بعضا ويدعو بعضه إلى بعض، وإذا كنت له مكابرا لحقك الخطر ولم تبلغ ما تريد.
(٧) لا يكن طلبك ما عند السلطان بالمسألة، ولا تستبطئه وإن أبطأ، ولكن اطلب ما عنده بالاستحقاق له والاستيناء به، وإن طالت الأناة «٢»، فإنك إذا استحققته أتاك من غير طلب، وإن لم تستبطئه كان أعجل له، ولا تخبرنّ الوالي أنّ لك عليه حقا وأنك تعتدّ عليه ببلاء «٣»، وإن استطعت أن تنسى حقّك وبلاءك فافعل، وليكن ما تذكره به تجديدك له النصيحة والاجتهاد وألا يزال ينظر منك إلى آخر يذكّره الأول، فإن السلطان إذا انقطع عنه الآخر نسي الأول، وإن أرحامهم منقطعة وحبالهم منصرمة إلا من رضوا عنه في يومهم وساعتهم.
(٨) اعلم أن أكثر الناس عدوا وزير السلطان ذو المكانة عنده لأنه منفوس عليه مكانه كما ينفس على الملك ملكه، ومحسود كما يحسد عليه، غير أنه يجترأ عليه ولا يجترأ على الملك، لأن حسّاده أحبّاء الملك الذين
_________________
(١) . (٧) الأدب الكبير: ٥٧.
(٢) الأدب الكبير: ٥٩.
[ ١ / ٣٣٤ ]
يشاركونه في المداخل والمنازل، وهم حضور، وليسوا كعدوّ الملك النائي عنه المكتّم لعداوته، فهم لا يغفلون عن نصب الحبائل له، فالبس لهؤلاء الأعداء سلاح الصحة والاستقامة ولزوم الحجّة فيما تسرّ وتعلن، ثم روّح عن قلبك كأن لا عدوّ لك ولا حاسد.
(٩) جانب «١» المسخوط عليه والمظنون به عند السلطان، ولا يجمعنّك وإياه مجلس ولا منزل، ولا تظهرنّ له عذرا ولا تثنينّ عليه خيرا، فإذا رأبته قد بلغ في الإعتاب مما سخط عليه ما ترجو أن تلين له الوالي [فضع عذره عند الوالي] «٢» واعمل في إرضائه [عنه] بالرفق واللطف.
(١٠) إذا أصبت الجاه عند الوالي وكانت لك خاصة منزلة فلا يحدثنّ لك تغيرا على أهله وأعوانه واستغناء عنهم، فإنك لا تدري متى ترى أدنى جفوة فتذلّ لهم، وفي تلوّن الحال في ذلك من العار ما فيه.
(١١) إن استطعت أن تعرّف صاحبك أنك تنحله صواب رأيك فضلا عن صوابه فتسند ذلك إليه وتزيّنه به فافعل، فإن الذي أنت بذلك آخذ أفضل من الذي أنت به معط.
(١٢) إذا سأل الوالي غيرك فلا تكن أنت مجيبا فإن استلابك الكلام خفّة منك واستخفاف بالمسؤول والسائل، فما أنت قائل إن قال لك السائل: ما إياك سألنا، أو قال المسؤول عند المسألة تعارضه فيها:
دونك فأجب. وإذا عمّ السائل بمسألة الجلساء فلا تسابقهم بالجواب،
_________________
(١) . (٩) الأدب الكبير: ٦٠.
(٢) الأدب الكبير: ٦١.
(٣) الأدب الكبير: ٦٢.
(٤) الأدب الكبير: ٦٢ ونهاية الأرب ٦: ١٣.
[ ١ / ٣٣٥ ]
ولا تواثب الكلام، فإن في ذلك مع الشّين والتكلّف والخفة أنك إذا سابقتهم إلى الجواب صار كلامك خصما فتعقّبوه بالعيب والطعن، وإذا لم تعجل بالجواب وخلّيته للقوم اعترضت كلامهم على قلبك، ثم تدبّرته وفكّرت فيما عندك ثم هيأت من تفكّرت ومحاسن ما سمعت جوابا رضيّا، ثم استدبرت به أقاويلهم حين تصيخ إليك الأسماع وتهدأ عنك الخصوم، فإن لم يبلغك الكلام واكتفي بغيرك وانقطع الحديث قبل ذلك، فلا يكوننّ من الغبن عند نفسك فوت ما فاتك من الجواب، فإن صيانة القول خير من سوء موضعه، وإن كلمة واحدة من الصواب تصيب بها فرصتها وموضعها [خير من مائة كلمة تقولها في غير فرصها ومواضعها] مع أن كلام العجلة والمبادرة موكّل به الزلل والعثار وسوء القرين «١»، وإن ظنّ صاحبه أنه قد أتقن وأحكم.
(١٣) إذا كلّمك الوالي فأصغ لكلامه، ولا تشغل طرفك عنه بالنظر، ولا أطرافك بالعمل، ولا قلبك بحديث النفس، وتعهّد ذلك واحذره من نفسك.
(١٤) وارفق بنظرائك من وزراء السلطان ودخلائه فاتّخذهم أعوانا «٢» ولا تتخذهم أعداء، ولا تنافسهم في الكلمة يتقربون بها والعمل يؤمرون به، فإنما أنت في ذلك أحد رجلين: إما أن يكون عندك فضل على ما عند غيرك فسوف تبدي ذلك ويحتاج إليك أو يلتمس منك وأنت محمود «٣»، وإما أن لا يكون ذلك عندك، فما أنت مصيب من حاجتك عندهم بمقاربتك وملاينتك، وما أنت واجد في موافقتك إياهم ولينك لهم
_________________
(١) . (١٣) الأدب الكبير: ٦٣.
(٢) الأدب الكبير: ٦٤.
[ ١ / ٣٣٦ ]
من موافقتهم إياك ولينهم لك أفضل مما أنت مدرك بالمنافسة والمنافرة «١» لهم.
(١٥) اعلم أنّ السلطان يقبل من الوزراء التبخيل ويعدّه منهم شفقة ونظرا، ويحمدهم عليه وإن كان جوادا، فإن كنت مبخّلا غششت صاحبك بفساد مروءته، وإن كنت مسخّيا لم تأمن إضرار ذلك بمنزلتك، فالرأي لك تصحيح النصيحة والتماس المخرج بأن لا يعرف منك ميلا إلى شيء من هواك.
(١٦) لا تكونن صحبتك للسلطان إلا بعد رياضة نفسك على طاعتهم في المكروه وموافقتهم فيما خالفك من ذلك، وتزيين الأمور على أهوائهم دون هواك، وعلى أن لا تكتمهم سرّك، ولا تستطلع ما كتموك، وتخفي ما أطلعوك عليه عن الناس كلّهم، حتى تحمي نفسك الحديث به، وعلى الاجتهاد في رضاهم والتلطّف بحاجتهم، والتثبيت لحجّتهم، والتصديق لمقالتهم، والتزيين لرأيهم، وقلة الاستقباح لما فعلوا إذا أساءوا، وكثرة الاستحسان لما فعلوا إذا أحسنوا، وكثرة النشر لمحاسنهم، وحسن الستر لمساوئهم، والمقاربة لما قاربوا وان كانوا بعداء، والمباعدة لمن باعدوا وإن كانوا قرباء، والاهتمام بأمرهم وإن لم يهتمّوا به، والتحفّظ له وإن ضيعوه، والذكر له وإن نسوه، والتخفيف عنهم لمؤونتك، والاحتمال لمؤونتهم، والرضى منهم بالعفو، وقلة الرضى من نفسك لهم بالمجهود.
(١٧) إنك لا تأمن أنف الملوك إن أعلمتهم، ولا تأمن عقوبتهم إن كتمتهم. إنك إن لزمتهم لا تأمن برمهم، وإن زايلتهم لم تأمن قلّة
_________________
(١) . (١٥) الأدب الكبير: ٦٨ ونهاية الأرب ٦: ١١.
(٢) الأدب الكبير: ٦٩ وشرح النهج ١٧: ٧٦.
(٣) الأدب الكبير: ٧٠. ٢٢ ١ التذكرة
[ ١ / ٣٣٧ ]
تفقّدهم «١» . إنك إن استأمرتهم حملت الأمور «٢» عليهم، وإن قطعت الأمر دونهم لم تأمن فيه مخالفتهم. إنك لا تأمن أمرهم إن صدقتهم، ولا تأمنهم إن كذبتهم. كن حافظا إن ولوك «٣»، حذرا «٤» إن قرّبوك، أمينا إن ائتمنوك، وعلّمهم كأنك تتعلّم منهم، وأدّبهم كأنهم أدبوك، واشكرهم ولا تكلّفهم الشكر؛ كن بصيرا بأهوائهم مؤثرا لمنافعهم، ذليلا إن ضاموك «٥»، راضيا إن أسخطوك، وإلا فالبعد منهم كلّ البعد، والحذر كلّ الحذر.
وهذه جملة من كلام القدماء هي أدب لأتباع الملوك على اختلاف طبقاتهم، ولا حاجة بنا إلى تخصيص كلّ طائفة بما ينبغي لها «٦» فعله وتوخّيه، ويجب عليها تركه وتنحيته، فإن الأدب والسياسة يشترك فيهما أصل الحسّ ثم يأخذ كلّ منهما بمقدار حظّه من الولاية، ولو أوردنا ذلك لخرج عن معنى هذا الكتاب، ولكان مصنّفا مخصوصا به فيحتمل حينئذ التحبيس والتفريع. وسنذكر من كلام الخلفاء وملوك الاسلام، وما أخذوه على أتباعهم، ورسموه لهم ما يكمل به المقصود إن شاء الله.
[٨٥٦] وقد قالت القدماء: إن وجدت عن صحبة السلطان غنى فأغن نفسك عنه واعتزله جهدك، فإن من يأخذ للسلطان بحقّه يحل بينه وبين لذّة الدنيا وعمل الآخرة، ومن لا يأخذ بحقه يحتمل الفضيحة في الدنيا والوزر في الآخرة.
_________________
(١) الأدب الكبير: ٦٩- ٧٠ (والحكمة الخالدة: ٣٠٩) ونهاية الأرب ٦: ١٥٠ وشرح النهج ١٧: ٧٧.
[ ١ / ٣٣٨ ]
[٨٥٧]- قال علي بن أبي طالب ﵇: صاحب السلطان كراكب الأسد يغبط بموقعه وهو أعلم بموضعه.
[٨٥٨]- وقال زياد بن أبيه يوما لاصحابه: من أنعم الناس عيشا؟
قالوا: الأمير قال: قولوا، قالوا: الأمير وأصحابه- قال: كلّا إن لأعواد المنبر لفزعة، وإن لقعقعة لجام البريد لروعة، ولكنّ أنعم الناس رجل لا نعرفه ولا يعرفنا، له صنعة تمونه فإنا إن عرفناه أسهرنا ليله وأتعبنا نهاره.
[٨٥٩]- وقال حكيم «١»: إنما يستطيع عمل السلطان وصحبتهم رجلان:
إما رجل فاجر ينال حاجته بفجوره ويسلم بمصانعته، وإما رجل مهين مغفّل لا يحسده أحد، فأما من أراد صحبتهم بالصدق والنصيحة والعفاف لا يخلط ذلك بمصانعة، فقلّ ما يستتمّ له صحبتهم، فانه يجتمع عليه عدوّ السلطان وصديقه بالبغي والعداوة والحسد، أما صديق السلطان فينافسه، وأما عدوّ السلطان فيضطغن عليه نصيحته وغناه عنه، فإذا اجتمع هذان الصنفان عليه كان يتعرّض للهلاك.
_________________
(١) نهج البلاغة: ٥٢١ (رقم: ٢٦٣) وربيع الابرار: ٣٧٦ ب والعقد ٣: ٢٠١ ونثر الدر ٤: ٨١ وعيون الاخبار ١: ٢١ مثل صاحب السلطان مثل راكب الأسد يهابه الناس وهو لمركبه أهيب (لابن المقفع) وبهجة المجالس ١: ٣٥٣ (دون نسبة) وقوانين الوزارة: ١٧٠ وكتاب الآداب: ٢٩ والأسد والغواص: ٥٨ والمرادي: ١٢٥ ومفيد العلوم: ١٥٨ وفقر الحكماء: ٢٧٦ والتمثيل والمحاضرة: ١٣١ والمستطرف ١: ٩٠ وزهر الآداب: ٦٧٥ وتحسين القبيح: ٩٠.
(٢) عيون الأخبار ١: ٢٦٤ والعقد ١: ٨٣، ٢٠٠ وقارن بقول منسوب إلى الاسكندر في ربيع الأبرار: ٣٧٠/أالسعيد من لا يعرفنا ولا نعرفه فانا إذا عرفناه أطلنا يومه وأطرنا نومه؛ وأخبار القضاة ٢: ١١٨ وغرر الخصائص: ٤٦٨ والبصائر ١: ٣٠٩ ومنتخب صوان الحكمة: ١٦٥ وانظر مطالع البدور ١: ١٢ حيث نسب القول للمأمون.
(٣) كليلة ودمنة: ٢٩١.
[ ١ / ٣٣٩ ]
[٨٦٠]- وقيل: ثلاثة لا يستطيعها أحد إلا بمعونة وارتفاع همة، وعظيم خطر: صحبة الملوك، وتجارة الماء، ومناجزة العدوّ.
[٨٦١]- وقيل: إن ابتليت بصحبة وال لا يريد صلاح رعيته، فاعلم أنّك قد خيّرت بين خلّتين ليس فيهما خيار: إما الميل مع الوالي على الرعية فهذا هلاك الدين، وإما الميل مع الرعية على الوالي فهذا هلاك الدنيا، ولا حيلة لك في ذلك إلا الهرب أو الموت، ولا ينبغي لك، وإن كان الوالي غير مرضيّ السيرة إذا علقت حبائلك حبائله إلا المحافظة عليه، إلا أن تجد إلى الفراق الجميل سبيلا.
[٨٦٢]- وقال أفلاطون: إذا ثقل على الرئيس الوعظ، ولجّ في ترك الانقياد للناصح، وآثر التفويض، واحتقر العدوّ فاطلب الخلاص منه.
[٨٦٣]- وقال: ينبغي للعاقل أن يكون مع سلطانه كراكب البحر، إن سلم من الغرق لم يسلم من الفرق.
فأما ما جاءت به الأمثال والأخبار من الخوف على أتباع السلطان، والتحذير من ممالأته والنهي عن العمل معه، مما لو تكلفناه لأراد كتابا مفردا، وقد جاء بعض ذلك في الباب الأول. وهذا بيّن واضح لأنّ الشريعة جاءت برفض الدنيا والتقلل منها والاكتفاء بما يزوّد للآخرة، والتحوّب مما تكون به التبعات ولا شيء أدعى إلى ذلك من خدمة السلطان لا سيما في هذا الأوان.
[٨٦٤]- وقال رسول الله ﷺ: إنّا إذا أمّرنا رجلا وفرضنا له رزقا فما
_________________
(١) كليلة ودمنة: ٨٨ وكتاب النمر والثعلب: ١٦٥ (١٦) ومحاضرات الراغب ١: ٤٤٤ وقارن بما في محاضرات الراغب ٢: ٧٠٣ وأمثال الماوردي: ٩٦ ب والبصائر ٤: ٢١٨.
(٢) الأدب الكبير: ٥٦ (والحكمة الخالدة: ٣٠٠) ونثر الدر ٤: ٨٦.
(٣) مختار الحكم: ١٧١ ولباب الآداب: ٤٥٥.
(٤) مختار الحكم: ١٣٨ والكلم الروحانية: ١٦.
[ ١ / ٣٤٠ ]
أصاب من شيء بعد كان غلولا.
[٨٦٥]- وفي حديث آخر: من ولي لنا شيئا فلم يكن له امرأة فليتزوج، ومن لم يكن له مسكن فليتّخذ مسكنا، ومن لم يكن له مركب فليتّخذ مركبا، ومن لم يكن له خادم فليتخذ خادما، فمن أعدّ سوى ذلك جاء يوم القيامة غالّا سارقا.
[٨٦٦]- ولعليّ ﵇ من كتاب إلى بعض عماله «١»: أما بعد فإنك ممن أستظهر به على إقامة الدين، وأقمع به نخوة الأثيم، وأشدّ به لهاة الثغر المخوف، فاستعن بالله على ما أهمّك، واخلط الشدّة بضغث من اللّين، وارفق ما كان الرفق أوفق، واعتزم بالشدّة حين لا يغني عنك إلا الشدة، واخفض للرعية جناحك، وألن لهم جانبك، وآس بينهم في اللحظة والنظرة والاشارة والتحية حتى لا يطمع الأقوياء في حيفك ولا ييأس الضّعفاء من عدلك.
[٨٦٧]- ومن كلام الحكماء: للكاتب على الملك ثلاث: رفع الحجاب عنه، واتهام الوشاة عليه، وإفشاء السرّ إليه.
[٨٦٨]- وقال أبرويز لكاتبه: اكتم السرّ، واصدق الحديث واجتهد في النصيحة، واحترس بالحذر فإنّ لك عليّ ألا أعجل بك حتى أستأني لك، ولا أقبل عليك قولا حتى أستيقن، ولا أطمع فيك فتغتال. لا «٢» تدعنّ أن ترفع إليّ الصغير فإنّه يدلّ على الكبير. هذّب أمورك ثم القني بها، وأحكم لسانك
_________________
(١) نهج البلاغة: ٤٢٠- ٤٢١.
(٢) عيون الأخبار: ١: ٤٤ (ونسبه الى المنصور) ونثر الدر ٤: ٨١ وشرح النهج ١٧: ٧٩.
(٣) عيون الأخبار ١: ٤٥ وشرح النهج ١٧: ٨١.
[ ١ / ٣٤١ ]
ثمّ راجعني به. لا تجترئنّ عليّ فأمتعض، ولا تنقبض عنّي فأتّهم، ولا تمرّض بما تلقاني ولا تجحدنّه، وإذا أفكرت فلا تعجل، وإذا كتبت فلا تعذر، ولا تستعن بالفضول فإنّها علاوة على الكفاية، ولا تقصّرنّ عن التحقيق عن التحقيق فإنها هجنة بالمقالة، ولا تلبّسنّ كلاما بكلام ولا تباعدنّ معنى عن معنى.
وللكتّاب آداب تخصّهم ليس هذا موضعها، ومكانهم من العلوم والسياسة وحسن التدبير وأصالة الرأي ووضع الأشياء مواضعها، أجلّ من أن ينبّه عليه، هذا إذا كان فيهم أدوات الكتابة وشروطها، فأمّا من تجمّل بالاسم دون المعنى فخارج عن هذا الإطراء.
[٨٦٩]- وقد قال حكيم لبنيه: يا بنيّ تزيّوا بزيّ الكتاب فإن فيهم أدب الملوك وتواضع السوقة.
[٨٧٠]- وقد ذكرهم عبد الحميد بن يحيى مولى العلاء بن وهب العامري في رسالة له يوصيهم فيها بمحاسن الأفعال، نحن نقتصر عليها في وصفهم وما ينبغي لهم أن يتأدبوا به، أولها: أما بعد، حفظكم الله يا أهل هذه الصناعة «١»، فإنّ الله تعالى جعل الناس من بعد الأنبياء والمرسلين، صلوات الله عليهم جميعا، وبعد الملوك المكرّمين شرفا، وصرّفهم في صنوف الصناعات التي منها سبب معاشهم، فجعلكم معشر الكتاب في أشرفها صناعة، أهل الأدب والمروءة والحلم والرويّة، وذوي الأخطار والهمة وسعة الذّرع في الإفضال
_________________
(١) عيون الأخبار ١: ٤٦ والبصائر ١: ٤٢٨ (لسهل بن هارون) ونثر الدر ٤: ٦٨ والعقد ٤: ١٧١، ١٧٩ وبهجة المجالس ١: ٣٥٨؛ وفي لباب الآداب: ٢٢٩ أبو السمراء: قال لنا أبي وانظر الريحان والريعان ١: ٩٨.
(٢) رسائل البلغاء: ٢٢٢- ٢٢٦ والجهشياري: ٧٣- ٧٩ وصبح الأعشى ١: ٨٥- ٨٩ (وفي النص هنا بعض اختلافات وتفاوت في ترتيب الفقرات) .
[ ١ / ٣٤٢ ]
والصّلة، بكم ينتظم الملك، وبتدبيركم وسياستكم يصلح الله سلطانهم ويجمع فيئهم ويعمر بلدانهم، يحتاج إليكم الملك في عظيم ملكه، والوالي في سنيّ قدره، فموقع أسماعهم التي بها يسمعون، وأبصارهم التي بضوئها ينظرون، وألسنتهم التي بها ينطقون، وأيديهم التي بها يبطشون. أنتم إذا آلت الأمور إلى موئلها وصارت إلى محاصلها ثقاتهم دون أهليهم وأولادهم وقراباتهم ونصائحهم، فأمتعكم الله بما خصّكم من فضل «١» صناعتكم، ولا نزع عنكم سربال النعمة عليكم، وليس أحد من أهل الصناعات كلّها أحوج إلى اجتماع خلال الخير المحمودة، وخصال الفضل المذكورة والمعدودة منكم.
أيها الكتّاب؛ إنكم على ما سبق به الكتّاب من سنتكم، فإنّ الكاتب يحتاج من نفسه، ويحتاج من صاحبه الذي يثق به في مهمّات أموره إلى أن يكون حليما في موضع الحلم، حكيما في موضع الحكمة، مقداما في موضع الإقدام، محجما في موضع الإحجام، ليّنا في موضع اللين، شديدا في موضع الشدّة، مؤثرا للعفاف والعدل والإنصاف، كتوما للأسرار، وفيّا عند الشدائد، عالما بما يأتي ويذر، ويضع الأمور مواضعها، وقد نظر في كلّ صنف من صنوف العلم فأحكمه، وإن لم يحكمه شدا منه شدوا يكتفي به، يكاد يعرف بغريزة عقله وحسن أدبه وفضل تجربته ما يرد عليه قبل وروده، وعاقبة ما يصدر عنه قبل صدره، فيعدّ لكلّ أمر عدّته ويهيّىء له أهبته.
فتنافسوا معشر الكتّاب في صنوف العلم والأدب وتفقهوا في الدين وابدأوا بعلم كتاب الله ﷿ والفرائض، ثم العربية فإنها ثقاف ألسنتكم، وأجيدوا الخطّ فإنه حلية كتبكم، وارووا الأشعار واعرفوا معانيها وغريبها، وأيام العرب والعجم وأحاديثها وسيرها، فإنّ ذلك معين لكم على ما تسمون إليه بهممكم، ولا يضعفنّ نظركم في الحساب فإنه قوام كتّاب الخراج منكم،
[ ١ / ٣٤٣ ]
وارغبوا بأنفسكم عن المطامع سنيّها ودنيّها، ومسافّ الأمور ومحاقرها فإنها مذلّة للرقاب مفسدة للكتاب، ونزّهوا صناعتكم واربأوا بأنفسكم عن السعاية والنميمة، وما فيه أهل الجهالة «١» والدناءة.
إيّاكم والكبر [والصلف] والعظمة فإنها عداوة مجتلبة بغير إحنة، وتحابّوا في الله ﷿ في صناعتكم، وتواصوا عليها فإنها شيم أهل الفضل والنبل من سلفكم. وإن نبا الزمان برجل منكم، فاعطفوا عليه وواسوه حتى يرجع إليه حاله، فإن أقعد الكبر أحدكم عن مكسبه ولقاء إخوانه فزوروه وعظّموه وشاوروه، واستظهروا بفضل تجربته وقديم معرفته، وليكن الرجل منكم على من اصطنعه واستظهر به ليوم حاجته إليه أحدب وأحوط منه على أخيه وولده، وإن عرضت مذمّة فليحملها من دونه، وليحذر السّقط والزلّة والملال عند تغيّر الحال، فإنّ العيب إليكم معشر الكتاب أسرع منه إلى المرآة «٢»، وهو لكم أفسد منه [لها] . وابذلوا وفّقكم الله ذلك من أنفسكم في الرخاء والشدة، والاحسان والاساءة، والغضب والرضى، والسّرّاء والضّراء، والحرمان والمواساة، فنعمت «٣» هذه السمة لمن يوسم بها من أهل هذه الصناعة الشريفة.
وإذا ولي الرجل منكم أو صيّر إليه من أمور خلق الله وعياله أمر فليراقب الله تعالى ذكره، وليؤثر طاعته فيه، وليكن على الضعيف رفيقا وللمظلوم منصفا، فإن الخلق عيال الله، وأحبّهم إليه أرفقهم على عياله، وليكن بالحقّ عالما، وللأشراف مكرما، وللفيء موفّرا، وللبلاد عامرا، وللرعيّة متألّفا، وليكن في مجلسه متواضعا حليما لينا، وفي استجلاب خراجه واستقضاء حقّه رفيقا إن شاء الله.
[ ١ / ٣٤٤ ]
وإذا صحب أحدكم الرجل فليستشفّ خلائقه كما يستشفّ الثوب يشتريه لنفسه، وإذا عرف حسنها وقبيحها أعانه «١» على ما يوافقه من الحسن، واحتال لصرفه عما يهوى من القبيح بألطف حيلة وأحسن مداراة ورفقة، فقد عرفتم أن سائس البهيمة إذا كان حاذقا بسياستها التمس معرفة أخلاقها، فإن كانت رموحا اتّقاها من قبل رجلها، وإن كانت جموحا لم يهجها إذا ركبها، وإذا كانت شبوبا توقّاها من ناحية يدها، وإن خاف منها عضاضا توقّاها من تلقاء رأسها، وإن كانت حرونا لم يلاحها بل يتبع هواها في طريقها، وإذا استمرّت عطفها فسلس عليه قيادها، وفي هذا الوصف من سائس البهيمة [في] رفق سياسته «٢» دليل وأدب لمن ساس الناس وعاملهم وخدمهم وصحبهم، والكاتب بفضل أدبه وشريف صناعته ولطف حيلته ومعاملته من الناس لمن يحاوره ويناظره ويفهم عنه ويخاف سطوته أولى بالرفق «٣» بصاحبه ومداراته وتقويم أوده من سائس البهيمة التي لا تحير جوابا، ولا تعرف خطأ ولا صوابا، إلّا بقدر ما يصيّرها إليه سائسها أو صاحبها الراكب. فأدقّوا «٤» رحمكم الله في ذلك النظر، وأعملوا فيه الروية والفكر، تأمنوا ممن صحبتموه- بإذن الله- النبوة والاستثقال والجفوة، ويصر منكم إلى الموافقة، وتصيروا منه إلى المواساة والشفقة، إن شاء الله.
ولا يجوزنّ «٥» الرجل منكم في هيئة مجلسه وملبسه ومركبه ومطعمه ومشربه وبنائه وخدمه وغير ذلك من فنون «٦» أمره قدر صناعته، فإنّكم مع ما فضّلكم الله به من شرف صناعتكم خدمة لا تحتملون في خدمتكم على التقصير،
[ ١ / ٣٤٥ ]
وخزّان وحفظة لا يحتمل منكم التضييع والتبذير، واستعينوا على عفافكم بالقصد في كلّ ما عدا عليكم، فنعم العون عونكم على صيانة دينكم، وحفظ أمانتكم وصلاح معاشكم. واحذروا متالف السّرف وسوء عاقبة التّرف، فإنّهما يعقبان الفقر، ويذلّان الرقاب، ويفضحان أهليهما، ولا سيّما الكتاب.
والأمور أشباه وبعضها دليل على بعض، فاستدلّوا على مؤتنف عملكم بما سبقت إليه تجربتكم، ثم اسلكوا من مسالك التدبير أوضحها محجّة، وأرجحها «١» حجّة، وأحمدها عاقبة. واعلموا أن للتدبير آفة وضدا واقعا لا يجتمعان في أحد أبدا، وهو الوصف المشغل لصاحبه عن إنفاذ عمله ورويّته، فليقصد الرجل منكم في مجلس تدبيره قصد الكافي في منطقه، وليوجز في ابتدائه، وليأخذ بمجامع حججه، فإنّ ذلك مصلحة لعقله، ومحجّة لذهنه، ومدفعة للتشاغل عن إكثاره، وإن لم يكن الاكثار عادة، ثم وضع وضعه في ابتداء كتاب أو جواب لحاجة فلا بأس؛ ولا يدعونّ الرجل صنيع الله جلّ ذكره في أمره وتأييده إياه بتوفيقه، إلى العجب المضرّ بدينه وعقله وأدبه، فإنّه إن ظنّ منكم ظانّ، أو قال قائل، إنّ ذلك الصّنع لفضل حيلة، وأصالة رأي وحسن تدبير كان متعرضا «٢» لأن يكله الله تعالى إلى نفسه، فيصير بها إلى غير كاف.
ولا يقل أحد منكم إنه آدب وأعقل وأحمل لعبء التدبير والعمل من أخيه في صناعته، فإنّ أعقل الرجلين عند ذوي الألباب القائل إنّ صاحبه أعقل منه، وأحمقكم الذي يرى أنه أعقل من صاحبه، لعجب هذا بنفسه، ونبذ ذلك العجب وراء ظهره إذ كان الآفة العظمى من آفات عقله. ولكن قد يلزم الرجل أن يعرف فضل الله ﷿ من [غير] عجب، ويحمده بالتواضع لعظمته، وأنا أقول في آخر كتابي هذا وغبر كلامه بعد الذي فيه من ذكر الله
[ ١ / ٣٤٦ ]
﷿ فلذلك جعلته آخره وختمته به: تولّانا الله وإياكم معشر الكتاب بما يتولّى من سبق عمله في إسعاده وإرشاده، فإنّ ذلك إليه وبيده، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
فأما القضاء والمظالم فمن أكبر أسباب السلطان، ومتوليها أعلى منزلة من أعوانه، وكتب الفقه أولى مكان لذلك.
[٨٧١]- وقد كتب عمر بن الخطّاب ﵁ إلى أبي موسى الأشعري كتابا يمثّل به أدب القضاء نحن نقتصر عليه: أما بعد فإنّ القضاء فريضة محكمة، وسنّة متّبعة، فافهم إذا أدلي إليك، فإنّه لا ينفع تكلّم بحق لا نفاذ له، وآس بين الناس في مجلسك ووجهك وعدلك حتى لا يطمع شريف في حقّك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. البينة على من ادّعى واليمين على من أنكر، والصلح بين المؤمنين جائز إلّا صلحا أحلّ حراما أو حرّم حلالا.
لا يمنعك قضاء قضيته اليوم، فراجعت فيه عقلك وهديت فيه رشدك أن ترجع إلى الحق، فإنّ الحقّ قديم، ومراجعة الحقّ خير من التمادي في الباطل. الفهم الفهم فيما يتلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنّة، ثم اعرف الأمثال والأشباه فقس الأمور عند ذلك [بنظائرها]، واعمد إلى أقربها إلى الله ﷿ وأشبهها بالحقّ، واجعل لمن ادّعى حقا غائبا أو بينة أمدا ينتهي إليه، فإن أحضر بينته أخذت له بحقّه، وإلّا استحالت عليه القضية، فإنّه أخفى للشكّ وأجلى للعمى. المسلمون عدول بعضهم على بعض إلّا مجلودا في حدّ أو مجرّبا عليه شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو نسب، فإنّ الله ﷿ تولّى منكم السرائر ودرأ بالبينات والأيمان. وإياك والقلق والضجر والتأذي بالخصوم والتنكر عند الخصومات، فإنّ الحقّ في مواطن الحقّ يعظّم الله به الأجر ويحسن به
_________________
(١) البيان والتبيين ٢: ٤٨- ٥٠ وعيون الأخبار ١: ٦٦ والكامل للمبرد ١: ١٤ والعقد ١: ٨٦ ونثر الدر ٢: ٢٤- ٢٥ وأخبار القضاة ١: ٧٠- ٧٣ ورونق التحبير، الورقة: ١٨/أ (مخطوطة الرباط/ د: ١١٨٢) ولقاح الخواطر: ٩ ب (وفيه تفسير ألفاظه) .
[ ١ / ٣٤٧ ]
الذخر، فمن صحّت نيته وأقبل على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تخلّق للناس بما يعلم الله أنه ليس من نفسه شانه الله [فما ظنك بثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته؟] .
[٨٧٢]- قال الزهري: ثلاث إذا كنّ في القاضي فليس بقاض، إذا كره اللوائم، وأحبّ المحامد، وكره العزل.
[٨٧٣]- وقال ابن وهب: إذا لم يكن في القاضي ثلاث خصال فليس بقاض: يشاور إن كان عالما، ولا يسمع شكيّة من أحد إلا ومعه خصمه، ويقضي إذا علم.
[٨٧٤]- عزل عمر بن عبد العزيز قاضيا فقال له: لم عزلتني؟ قال:
بلغني أنّ كلامك أكثر من كلام الخصمين.
[٨٧٥]- قال الاسكندر لصاحب حرسه: إنّك مستودع روحي فاحفظ هذه المنزلة لنفسك وعقبك، وقال لحاجبه: إنك مالك وجهي فانف قذاه أبصر لك. وقال لطبّاخه: إنك مسلّط على مروءتي فاجتهد أحمدك، وقال لكاتبه: إنك مصرّف عقلي فاحفظني بك. وقال لنديمه: إنك روضة أنسي فاحذر القبيح والدّخول تدم نزهي فيك واستراحتي إليك، والسلام.
[٨٧٦]- كان الفضل بن الربيع يقول: المسألة عن حال الملوك من تحيّة النوكى، فإذا أردت أن تقول للملك كيف أصبحت، فقل: صبّحك الله
_________________
(١) محاضرات الراغب ١: ١٩٤ وعيون الأخبار ١: ٦٥ وأخبار القضاة ١: ٨٠.
(٢) عيون الأخبار ١: ٦٥ وأخبار القضاة ١: ٨٠ ونثر الدر ٥: ٤٥.
(٣) محاضرات الراغب ١: ١٩٤ وبهجة المجالس ١: ٦١ وربيع الأبرار: ٣١٥ ب ونثر الدر ٢: ١١٨ وشرح النهج ١٧: ٦٤.
(٤) البيان والتبيين ٢: ٢٧٥، ٢٨٦، وعيون الأخبار ١: ٢٢ والعقد ٢: ١٢٤، ٤٦٠ والجهشياري: ٢٩٤ والتمثيل والمحاضرة: ١٤٢ ونثر الدر ٤: ٨٢ ونزهة الظرفاء: ٥ ب.
[ ١ / ٣٤٨ ]
بالخير، وإذا أردت أن تقول كيف تجدك، فقل: أنزل الله عليك الشفاء والرحمة، فإنك إذا قلت: كيف تجدك؟ فإما أجابك فقد ألزمته مؤونة الجواب، وإما سكت عنك وذاك شديد على من يعقل.
وكان الفضل هذا سديدا عاقلا ومتصرفا بخدمة الملوك، قال له المهديّ:
إنّي قد ولّيتك ستر وجهي وكشفه، فلا تجعل الستر بيني وبين خواصّي سبب ضغنهم عليّ بقبح ردّك وعبوس وجهك، وقدّم أبناء الدولة فإنّهم أولى بالتقديم، وثنّ بالأولياء، واجعل للعامّة وقتا إذا وصلوا فيه أعجلهم ضيقه من التلبّث وحثّك لهم عن التمكّث.
[٨٧٧]- قال الفضل بن سهل لحاجبه: إنك تسمع مني السرّ والعلانية، وربما ذكرت الرجل، فأسأت ذكره، فلا ترينّ ذلك قليلا ولا تتغيرنّ له بما سمعت، فلعلّ ذلك غاية عقوبتي إياه.
[٨٧٨]- وقال زياد لحاجبه: يا عجلان إني ولّيتك هذا الباب، وعزلتك عن أربع، عزلتك عن هذا المنادي إذا دعا إلى الصلاة، فلا سبيل لك عليه، وعن طارق الليل فشرّ ما جاء به، ولو جاء بخير ما كنت من حاجته. وعن رسول صاحب الثّغر فإنّ إبطاء ساعة يفسد تدبير سنة، وعن هذا الطباخ إذا فرغ من طعامه.
[٨٧٩]- قال الحجاج: دلّوني على رجل أولّيه الشرطة؟ فقيل له: أيّ الرجال تريد؟ فقال: أريده دائم العبوس، طويل الجلوس، سمين الأمانة، أعجف الخيانة، لا يحنق في الحقّ على جرّة، ويهون عليه سبال الأشراف في الشفاعة، فقيل له: عليك بعبد الرحمن بن عبيد التميمي، فأرسل إليه
_________________
(١) رسائل الجاحظ ٢: ٣٦ والكامل ١: ٢٥٨ والعقد ١: ٧١ ونثر الدر ٥: ٥٠ ومحاضرات الراغب: ١: ٢٠٥ والجوهر النفيس: ٣٤ ب- ٣٥/أولقاح الخواطر: ٢٢/أ.
(٢) عيون الأخبار ١: ١٦ ومحاضرات الراغب ١: ١٦٥ وزهر الآداب ١٠٠٦- ١٠٠٧.
[ ١ / ٣٤٩ ]
فاستعمله. قال: لست أقبلها إلّا أن تكفيني عيالك وولدك وحاشيتك.
فقال: يا غلام من طلب إليه منهم حاجة فقد برئت منه الذمّة. قال الشعبي: فلا والله ما رأيت صاحب شرطة قطّ مثله، كان لا يحبس إلّا في الدّين، وكان إذا أتي برجل قاتل بحديد أو شهر سلاحا قطع يده، وإذا أتي بنبّاش قبر حفر له قبرا فدفنه فيه، فإذا أتي برجل قد احرق على قوم منازلهم أحرقه، وإذا أتي برجل يشكّ فيه وقد قيل إنه لصّ ولم يكن منه شيء ضربه ثلاثمائه سوط، فربما أقام أربعين ليلة لا يؤتى بأحد، فضمّ إليه الحجاج شرطة البصرة مع شرطة الكوفة.
[٨٨٠]- وتحدّث المأمون فضحك إسحاق بن إبراهيم المصعبي، فقال:
يا إسحاق أؤهّلك لشرطتي وتفتح فاك من الضحك؟! خذوا سواده وسيفه، ثم قال: أنت بالشرابيّ أشبه، فضعوا منديلا على عاتقه، فقال إسحاق:
أقلني يا أمير المؤمنين، قال: قد أقلتك؛ فما ضحك إسحاق بعدها.
وكتب عليّ ﵇ كتبا إلى عماله في الحروب والصدقات وغيرها، ووصّى فأوقفهم فيها على سبيل الهداية، وبصّرهم من تيه العماية، يحصل بالوقوف عليها التأدب المغني عن التمثيل بغيرها:
[٨٨١]- فمنها ما وصّى به معقل بن قيس الرياحي حين أنفذه إلى الشام مقدمة له: اتّق الله الذي لا بدّ لك من لقائه، ولا منتهى لك دونه، ولا تقاتلنّ إلّا من قاتلك، وسر البردين، وغوّر الناس، ورفّه في السير، ولا تسر أول الليل فإنّ الله جعله سكنا، وقدره مقاما [لا ظعنا] فأرح فيه بدنك، وروّح ظهرك، فإذا وقفت حتى فجر الصبح «١» فسر على بركة الله، فإذا رأيت
_________________
(١) نثر الدر ٣: ٤٣ ومحاضرات الراغب ١: ٢٨٣ والشهب اللامعة: ٧٩.
(٢) نهج البلاغة: ٣٧٢.
[ ١ / ٣٥٠ ]
العدوّ فقف في أصحابك وسطا، ولا تدن من القوم دنوّ من يريد أن ينشب الحرب، ولا تباعد بهم تباعد من يهاب البأس حتى يأتيك أمري، ولا يحملنكم شنآنهم على قتالهم قبل دعائهم والإعذار إليهم.
[٨٨٢]- وكتب إلى قثم بن العباس وهو عامله على مكّة: أما بعد فأقم للناس الحجّ، وذكّرهم بأيام الله ﷿، واجلس لهم العصرين، فأفت المستفتي، وعلّم الجاهل، وذاكر العالم، ولا يكن لك إلى الناس سفير إلّا لسانك، ولا حاجب إلا وجهك، ولا تحجبنّ ذا حاجة عن لقائك بها فإنها إن ذيدت عن أبوابك في أول وردها لم تحمد فيما بعد على قضائها. وانظر إلى ما اجتمع عندك من مال الله فاصرفه إلى من قبلك من ذوي العيال والمجاعة مصيبا به مواضع المفاقر والخلّات، وما فضل «١» عن ذلك فاحمله إلينا لنقسمه فيمن قبلنا، ومر أهل مكة ألا يأخذوا من ساكن أجرا، فإنّ الله تعالى يقول:
سَواءً الْعاكِفُ فِيهِ وَالْبادِ
(الحج: ٢٥)، فالعاكف المقيم به، والبادي الذي يحجّ إليه من غير أهله، وفّقنا الله وإياك لمحابّه والسلام.
[٨٨٣]- وقال لزياد وقد استخلفه لعبد الله بن العباس على فارس وأعمالها، في كلام طويل كان بينهما نهاه فيه عن تقديم الخراج: استعمل العدل واحذر العسف والحيف، فالعسف يعود بالجلاء والحيف يدعو إلى السيف.
[٨٨٤]- ومن كلام له كان يوصي به المصدقين: انطلق على تقوى الله ﷿، فاذا قدمت على الحيّ فانزل بمائهم من غير أن تخالط أبياتهم ثم امض اليهم بالسكينة والوقار حتى تقوم بينهم فتسلم عليهم، ولا تخدج بالتحية، ثم
_________________
(١) نهج البلاغة: ٤٥٧.
(٢) نهج البلاغة: ٥٥٩.
(٣) نهج البلاغة: ٣٨٠ وبعض هذه الوصية في ربيع الابرار: ٢٤٥/أ.
[ ١ / ٣٥١ ]
تقول: عباد الله، أرسلني إليكم وليّ الله وخليفته لآخذ منكم حقّ الله في أموالكم، فهل لله في أموالكم من حقّ فتؤدوه؟ فإن قال قائل [لا] فلا تراجعه، وإن أنعم لك منعم فانطلق معه من غير أن تخيفه أو توعده أو تعسفه أو ترهقه، فخذ ما أعطاك من ذهب أو فضة، وإن كانت له ماشية أو إبل، فلا تدخلها إلا باذنه، فإن أكثرها له، فإذا أتيتها فلا تدخلها دخول متسلّط عليها ولا عنيف به. ولا تنفرنّ بهيمة ولا تفزّعها، ولا تسوءنّ صاحبها فيها، واصدع المال صدعين ثم خيّره، فإذا اختار فلا تعترض لما اختار، فلا تزال بذلك «١» حتى يبقى ما فيه وفاء لحقّ الله في ماله، فاقبض حقّ الله منه، فإن استقالك فأقله «٢» ثم اخلطها، ثم اصنع مثل الذي صنعت أولا حتى تأخذ حقّ الله في ماله، ولا تأخذنّ عودا ولا هرمة ولا مكسورة ولا مهلوسة ولا ذات عور «٣»، ولا تأمننّ عليها إلا من تثق بدينه رافقا بمال المسلمين حتى توصله إلى وليّهم فيقسمه بينهم، ولا توكّل بها إلا ناصحا شفيقا وأمينا حفيظا غير معنف ولا مجحف، ولا ملغب «٤» ولا متعب، ثم احدر إلينا ما اجتمع عندك نصيّره حيث أمر الله به، فإذا أخذها أمينك فأوعز إليه الا يحول بين ناقة وفصيلها، ولا يمصر بلبنها فيضرّ ذلك بولدها، ولا يجهدها ركوبا، وليعدل بين صواحباتها وبينها في ذلك، وليرفّه على اللاغب وليستأن بالنّقب والظالع، وليوردها ما تمرّ به من الغدر، ولا يعدل بها عن نبت الأرض إلى جوادّ الطرق، وليروّحها في الساعات، وليمهلها عند النّطاف والأعشاب، حتى تأتينا بها باذن الله بدّنا منقيات غير متعبات ولا مجهودات لنقسمها على كتاب الله وسنّة نبيه صلّى الله عليه، فإنّ ذلك أعظم لأجرك، وأقرب لرشدك، إن شاء الله تعالى.
[ ١ / ٣٥٢ ]
[٨٨٥]- قال معاوية لعامل له: كل قليلا تعمل طويلا، والزم العفاف يلزمك العمل، وإياك والرّشا يشتدّ ظهرك عند الخصام.
[٨٨٦]- وقال البحتري يذكر ولاية الحسن بن مخلد: [من الكامل المجزوء] .
ولي السياسة واسطا بين التسهل والتشدّد
كالسيف يقطع وهو مس لول ويرهب وهو مغمد
[٨٨٧]- ومن الكلام البديع فيما يوصّى به أتباع السلطان ما وصّى به الرشيد الأصمعيّ في أول ما عزم على تأنيسه. قال له: يا عبد الملك، أنت أحفظ منّا ونحن أعقل منك، لا تعلّمنا في ملاء، ولا تسرع إلى تذكيرنا في خلاء، واتركنا حتى نبتدئك بالسؤال، فإذا بلغت من الجواب قدر استحقاقه فلا تزد، وإياك والبدار إلى تصديقنا، أو شدة العجب بما يكون منّا، وعلّمنا من العلم ما نحتاج إليه على عتبات المنابر وفي أعطاف «١» الخطب وفواصل المخاطبات، ودعنا من رواية حوشيّ الكلام وغرائب الأشعار، وإياك وإطالة الحديث إلّا أن يستدعى ذلك، ومتى رأيتنا صادفين عن الحقّ فأرجعنا إليه ما استطعت، من غير «٢» تقرير بالخطأ ولا إضجار بطول الترداد. قال الأصمعي:
أنا إلى حفظ هذا الكلام أحوج منّي إلى كثير من البر.
_________________
(١) عيون الأخبار ١: ٦٠ (ونسبه لبعض السلاطين) وبهجة المجالس ٢: ٢٥٢ (لمعاوية يخاطب سفيان بن عوف) ونثر الدر ٣: ٤ وفيه ٤: ٧٨ من أكل قليلا عمل طويلا.
(٢) ديوان البحتري: ٦٠٦.
(٣) أدب الدنيا والدين: ٩١ والشريشي ٥: ٢١٥ ونثر الدر ٣: ٣٧ ولقاح الخواطر: ٣٠ ب. ٢٣ ١ التذكرة
[ ١ / ٣٥٣ ]
[٨٨٨]- وقال عتبة بن أبي سفيان لمعلّم ولده: ليكن أول إصلاحك لولدي إصلاح نفسك، فإن عيونهم معقودة بعينك، فالحسن عندهم ما استحسنته والقبيح عندهم ما استقبحته. علّمهم كتاب الله تعالى، وروّهم من الحديث أشرفه، ومن الشعر أعفّه، ولا تكرههم على علم فيملّوه، ولا تخرجهم من علم إلى علم فإنّ ازدحام العلم في السمع مضلّة للفهم، وعلّمهم سير الحكماء، وهدّدهم بي، وأدّبهم دوني، ولا تتكل على عذر منّي، فإنّي أتّكل على كفاية منك.
[٨٨٩]- قال سهل بن هارون: ليس يواظب على باب السلطان أحد فيلقي عنه الأنف، ويحتمل الأذى، ويكظم الغيظ، ويرفق بالناس، إلّا خلص إلى حاجته.
[٨٩٠]- وقيل إنه رأى أبا يوسف القاضي على باب الرشيد والشمس تنقله من ظل ظلّ، فقال له: أمثلك مع علمك وفضلك تقف هذا الموقف؟
فأنشد: [من الطويل] .
أهين لهم نفسي لأكرمها بهم ولا تكرم النفس التي لا تهينها
[٨٩١]- قال ابن عباس: قال لي أبي: يا بنّي إني أرى أمير المؤمنين عمر يستخليك ويستشيرك ويقدّمك على كثير من أصحاب رسول الله ﷺ، وإني أوصيك بخلال ثلاث: لا تفشينّ له سرّا، ولا يجرّبنّ عليك كذبا، ولا
_________________
(١) البيان والتبيين ٢: ٧٣ وعيون الاخبار ٢: ١٦٦ والعقد ٢: ٤٣٦ ونثر الدر ٣: ٥٩ وربيع الأبرار ١: ٥٢٣ ونور القبس: ١٨٧ ومحاضرات الراغب ١: ٥٣ والشريشي ٥: ٢١٤.
(٢) ورد هذا القول في كتاب النمر والثعلب: ١٦٦ وقارن بما في عيون الاخبار ١: ١٩ (دون نسبة) وشرح النهج ١٧: ٩٣ والعقد ١: ٦٩ ومحاضرات الراغب ١: ١٩٢.
(٣) ورد البيت في بهجة المجالس ١: ٣٦٥ (لأعرابي) وكذلك في البيان والتبيين ٢: ١٨٩.
(٤) قد مرّ هذا تحت رقم: ١٩٠ وتخريجه هنالك.
[ ١ / ٣٥٤ ]
تغتابنّ عنده أحدا. قال الشعبي قلت لابن عباس: كلّ واحدة منها خير من ألف. قال: أي والله ومن عشرة آلاف.
[٨٩٢]- وقال القدماء: إقبال السلطان تعب وإعراضه مذلّة.
[٨٩٣]- وقال آخر: السلطان إذا أرضيته أتعبك وإذا أغضبته أعطبك.
[٨٩٤]- قال الفضل بن سهل: من أحبّ المنزلة عند سلطانه فليكفه، ومن أحبّ المزيد من النّعم فليشكر.
[٨٩٥]- قال أحمد بن أبي خالد للمأمون لما همّ أن يستوزره: اجعل بيني وبين العامّة منزلة يرجوها الصديق ويخافها العدو، فما بعد الغايات الا الآفات.
[٨٩٦]- نفذ أبو عبيد الله كاتب المهديّ الى جعفر بن محمد ﵄ رسولا وكتابا منه يقول: حاجتي إلى أن تهدي إليّ من تبصيرك على مداراة الناس والسلطان، وتدبير أمري كحاجتي إلى دعائك لي. فقال لرسوله: احذر أن يعرفك السلطان بالطّعن عليه في اختيار الكفاة، وإن أخطأ في اختيارهم، أو مصافاة من يباعد منهم، وإن قربت الأواصر بينك وبينه، فإنّ الأولى تغريه بك والأخرى توحشه منك، ولكن بتوسّط الحالين. واكفف عن عيب من
_________________
(١) نثر الدر ٤: ٨٠ (لابن المقفع) والأسد والغواص: ٤٧ احذر صحبة السلطان فان اقباله الخ.
(٢) نثر الدر ٤: ٨٠.
(٣) المحاسن والأضداد: ٢٤: «من أحب الازدياد من النعم فليشكر ومن أحب المنزلة فليكف ومن أحب بقاء عزه فليسقط دالته ومكره» ونثر الدر: ٤٥ وقارن بقول للحسن بن سهل في لباب الآداب: ٢٠ «من أحب الازدياد من النعم فليشكر ومن أحب المنزلة عند السلطان فليعظه، ومن أحب بقاء عزه فليتواضع، ومن أحب السلامة فليدم الحذر» .
(٤) محاضرات الراغب ١: ٤٥٠ وتحسين القبيح: ٨٧ ومطالع البدور ٢: ١١٢.
[ ١ / ٣٥٥ ]
اصطفوا والإمساك عن تقريظهم عنده، ومخالطة من أقصوا والتّنائي عن تقريبهم، وإذا كدت فتأنّ في مكايدتك، واعلم أنّ من عنف بحيلته كدحت فيه بأكثر من كدحها في عدوّه، ومن صحب حيلته بالصبر والرفق كان قمنا أن يبلغ بها إرادته وينفذ فيها مكايده. واعلم أنّ لكلّ شيء حدا فإن جاوزه كان سرفا، وإن قصّر عنه كان عجزا. فلا تبلغ بك نصيحة السلطان إلى أن تعادي له حاشيته وخاصته فإن ذلك ليس من حقه عليك، ولكنّ الأقضى لحقّه والأدعى إلى السلامة إليك أن تستصلحهم له جهدك، فإنّك إذا فعلت ذلك شكرت نعمته وأمنت حجّته وطلت عدوّك عنده. واعلم أن عدوّ سلطانك عليك أعظم مؤونة منه عليك، وذلك أنه يكيده في الأخصّ فالأخصّ من كفاته وأعوانه، فيحصي مثالبهم ويتبع آثارهم.
وهذا الكلام أكثر معانيه قد سبق إيرادها في أماكن متفرقة من هذا الفصل، إلا أني وجدته هاهنا أحوى وأوجز وأبلغ فلزمني إثباته.
[ ١ / ٣٥٦ ]