قالت العلماء: مقاصد الخلق مجموعة في الدين والدنيا، ولا يوصل إلى الدين إلا بالدنيا فإنها الطريق إلى الآخرة، وليس ينتظم أمر الدنيا إلا بأعمالهم، والأعمال تنحصر في ثلاثة أقسام:
أحدها، أصول هي قوام العالم لا غناء للأغلب منهم عنها، وهي أربعة: الزراعة وهي للمطعم، والحياكة وهي للملبس، والبناء وهي للمسكن «١»، والسياسة وهي للتأليف والاجتماع والتعاون على بقية الأعمال وضبطها.
القسم الثاني: ما يهيىء هذه الصناعات ويعين عليها كالحدادة يعدّ بها آلات الزراعة، والغزل يعدّ به محلّ الحياكة.
القسم الثاني: ما يهيىء هذه الصناعات ويعين عليها كالحدادة يعدّ بها آلات الزراعة، والغزل يعدّ به محلّ الحياكة.
القسم الثالث: ما يتمّم به الأصول ويزينها، كالخبز للزراعة، والخياطة للحياكة. وأشرف هذه الصناعات أصولها، وأشرف أصولها السياسة إذ كانت حافظة نظام الكلّ، فتستدعي هذه الصناعة من الكمال ما لا تستدعيه سائر الصناعات، ولذلك يستخدم صاحبها سائر الصنّاع.
[ ١ / ٢٩١ ]
وخلق الله تعالى الدنيا زادا للمعاد ليتناول الناس منها ما يؤدّيهم إلى الدار الأخرى، فلو تناولوها بالعدل انقطعت الخصومات، ولكنهم يتناولونها بالجور ومتابعة الشّهوات ومحبة الاستئثار، فتولّدت بينهم المنازعات فاحتاجوا إلى سلطان يسوسهم ويضبط أمورهم، ولولا ردع السلطان لغلب قويّهم ضعيفهم، ولم يكن دافع عن قتل ولا وازع عن غصب.
وقد قال أردشير «١»: الدين والملك توأمان، والدين أصل والملك حارس، وما لا أصل له فمهدوم، وما لا حارس له فضائع.
ودلّت الشرائع والعقول على وجوب مقتدى به في كلّ زمان وأوان؛ وما رأينا ملة ولا دولة خلت من ذلك حتى العرب ساكني البيد والقفار والجائلين مع الوحوش في الفلوات، فإنهم لما لم يجمعهم مكان ولا نظم شملهم سلطان، جعلت كلّ فرقة منهم لها سيدا من فضلائها وذوي آلائها، يرجعون إليه في حروبهم، ويأتمرون بأمره، وينزجرون بزجره، وكانت لهم أيضا ملوك أكثرهم لها مطيعون، ولذلك قال حكيم من شعرائهم «٢» [من البسيط]
لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ولا سراة إذا جهّالهم سادوا
وعلى حسب أخلاق السلطان يكون الزمان:
_________________
(١) نسبه في العقد ١: ٣٢ للأصمعي يرويه، وهو حديث في بهجة المجالس ١: ٣٣٩ «صنفان من أمتي » وانظر نثر الدر ٤: ٨٠ وجامع بيان العلم ١: ١٨٤ وتسهيل النظر: ٤٥ والخصال ١: ٣٧ وحلية الأولياء ٧: ٥ والمصباح المضيء ١: ٢٤٥ والشفا: ٤٣ (لسفيان الثوري) .
[ ١ / ٢٩٢ ]
الناس، وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء.
[٧٨١]- وقالت الحكماء: الملوك ثلاثة: ملك دين، وملك حزم، وملك هوى. أما ملك الدين فإذا أقام لرعيته دينهم فكان هو الذي يعطيهم مالهم ويلحق بهم ما عليهم، أرضاهم بذلك وأنزل الساخط منهم بمنزلة الراضي في التسليم والاقرار. وأما ملك الحزم فإنه يقوى على الأمر ولا يسلم من الطّعن، ولن يضير طعن الذليل مع حزم القوي؛ وأما ملك الهوى فلعب ساعة ودمار دهر.
[٧٨٢]- وقالوا: الملك محتاج من الناس إلى كثير منهم، وهم محتاجون منه إلى واحد، ومن ها هنا وجب أن يوازي حلمه أحلامهم، ويوازن فهمه أفهامهم، وأن يعمّهم بعدله، ويغمرهم بفضله، ويكنفهم كنافة الجفون لنصولها والكنائن لسهامها.
[٧٨٣]- وقال علي بن أبي طالب ﵇: من نصب نفسه للناس إماما فعليه أن يبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومؤدبها أحقّ بالإجلال من معلّم الناس ومؤدبهم.
[٧٨٤]- ومن كلام عليّ ﵇، يذكر فيه حقّ الولاة والرعية بعضهم على بعض: أما بعد، فقد جعل الله لي عليكم حقا بولاية أمركم، ولكم عليّ من الحقّ مثل الذي لي عليكم، والحقّ أوسع الأشياء في التواصف
_________________
(١) الأدب الكبير: ٤٩ (والحكمة الخالدة: ٢٩٨) وعيون الأخبار ١: ٢، ٣٦ وسراج الملوك: ٩٢ ولباب الآداب: ٧٤ والشهب اللامعة: ٩ وقارن بالمرادي: ١٨٩، ١٤٥ وبهجة المجالس ٢: ١٢٨ ويتيمة السلطان (في رسائل البلغاء) ١٥٧.
(٢) هو في الأدب الصغير: ١٤ وانظر نهج البلاغة: ٤٨٠ (رقم: ٧٣) وربيع الأبرار: ٢٦٤/أوالمستطرف ١: ٢٠ والحكمة الخالدة: ٧٣.
(٣) نهج البلاغة: ٣٣٢- ٣٣٤.
[ ١ / ٢٩٣ ]
وأضيقها في التناصف، لا يجري لأحد إلا جرى عليه، ولا يجري عليه إلا جرى له؛ ولو كان لأحد أن يجري له ولا يجري عليه لكان ذلك خالصا لله تعالى دون خلقه، لقدرته على عباده، ولعدله في كلّ ما جرت عليه صروف قضائه، ولكن جعل حقّه على العباد أن يطيعوه، وجعل جزاءهم عليه مضاعفة الثواب تفضّلا منه وتوسّعا بما هو من المزيد لأهله. ثم جعل سبحانه من حقوقه حقوقا افترضها لبعض الناس على بعض، فجعلها [تتكافأ] في وجوهها، ويوجب بعضها بعضا، ولا يستوجب بعضها إلا ببعض. وأعظم ما افترض الله سبحانه من تلك الحقوق حقّ الوالي على الرعية، وحقّ الرعية على الوالي، فريضة فرضها الله تعالى لكلّ على كلّ، فجعلها نظاما لألفتهم وعزا لدينهم، فليست تصلح الرعية إلّا بصلاح الولاة، ولا تصلح الولاة إلّا باستقامة الرعية، فإذا أدّت الرعيّة إلى الوالي حقّه، وأدّى إليها حقّها، عزّ الحقّ بينهم، وقامت مناهج الدين، واعتدلت معالم العدل، فصلح بذلك الزمان، وطمع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الأعداء. وإذا غلبت الرعيّة واليها، وأجحف الوالي برعيّته، اختلفت هناك الكلمة، وظهرت معالم الجور، وكثر الإدغال في الدين، وتركت محاجّ «١» السنن، فعمل بالهوى، وعطّلت الأحكام، وكثرت علل النفوس، فلا تستوحش لعظيم حقّ «٢» عطّل، ولا لعظيم باطل فعل، فهنالك تذلّ الابرار، وتعزّ الأشرار، وتعظم تبعات الله عند العباد، فعليكم بالتناصح في ذلك وحسن التعاون عليه.
[٧٨٥]- يقال إن جمشيد وهو الثالث من ملوك الفرس ملك الأقاليم وصنّف الناس وطبقهم، وعمل أربعة خواتيم: خاتما للحرب والشرط وكتب
_________________
(١) الجهشياري: ٢ ونهاية الأرب ٦: ٣٧.
[ ١ / ٢٩٤ ]
عليه الأناة، وخاتما للخراج وجباية الأموال وكتب عليه العمارة، وخاتما للبريد وكتب عليه الوحى، وخاتما للمظالم وكتب عليه العدل. فبقيت هذه الرّسوم في ملوك الفرس إلى أن جاء الإسلام.
[٧٨٦]- وقال أردشير بن بابك في عهده المشهور: اعلموا أن من شاء ألا يسير بسيرة إلّا قرّظت له فعل، ومن شاء منكم بعث العيون على نفسه فأذكاها، فلم يكن الناس بأعلم منه بعيبه. واعلموا أن لباس الملك ومطعمه مقارب للباس السّوقة ومطعمهم، وبالحرى أن يكون فرحهما بما نالا من ذلك واحدا، وليس فضل الملك على السوقة إلّا بقدرته على اقتناء المحامد، فإنّ الملك إذا شاء أحسن، وليست السوقة كذلك. واجعلوا حديثكم لأهل المراتب، وحباءكم لأهل الجهاد، وبشركم لأهل الدين، وشرّكم عند من يلزمه خير ذلك وشرّه.
[٧٨٧]- قال ابن المقفع فيما يتأدّب به السلطان: إنك إن تلتمس رضى جميع الناس تلتمس ما لا يدرك، وكيف يتّفق لك رضى المتخالفين، أم ما حاجتك إلى رضى من رضاه الجور، وإلى موافقة من موافقته الضلالة والجهالة؟ فعليك بالتماس رضى الأخيار وذوي العقول، فإنك متى تصب ذلك تضع عنك مؤونة ما سواه. احرص أن تكون خبيرا بأمور عمّالك، فإن المسيء يفرق من خبرتك قبل أن تصيبه عقوبتك، وإن المحسن ليستبشر لعلمك فيه قبل أن يأتيه معروفك. ليعرف الناس من أخلاقك أنك لا تعاجل بالثواب ولا بالعقاب، فإنّ ذلك أدوم لخوف الخائف ولرجاء الراجي.
[٧٨٨]- قال صاحب كليلة ودمنة: رأس الحزم للملك معرفته بأصحابه
_________________
(١) عهد أردشير: ٦٦ (ف: ١٦)، ٧٠ (ف: ٢١)، ٧٢ (ف: ٢٥) .
(٢) الأدب الكبير: ٤٦- ٤٧ (والحكمة الخالدة: ٢٩٦) ونهاية الأرب ٦: ٤٦.
(٣) كليلة ودمنة: ٢٩٥- ٢٩٦.
[ ١ / ٢٩٥ ]
وإنزالهم منازلهم، واتهام بعضهم على بعض، فإنه إن وجد بعضهم إلى إهلاك بعض سبيلا، أو إلى تهجين بلاء المبلين «١»، وإحسان المحسنين، والتغطية على إساءة المسيئين، سارعوا إلى ذلك «٢»، واستحالوا محاسن أمور المملكة، وهجّنوا مخارج رأيه، ولم يبرح منهم حاسد قد أفسد ناصحا، وكاذب قد اتّهم أمينا، ومحتال قد أعطب بريئا. وليس ينبغي للملك أن يفسد أهل الثقة في نفسه بغير أمر يعرفه، بل ينبغي في فضل حلمه وبسط علمه الحيطة على رأيه فيهم، والمحاماة على حرمتهم وذمامهم، وأن لا يسرع إلى إفسادهم، ولا يغتفر مع ذلك زلّة زلّها أحد منهم، ولم يزل جهّال الناس يحسدون علماءهم، وجبناؤهم شجعانهم، ولئامهم كرماءهم، وفجّارهم أبرارهم، وشرارهم خيارهم.
[٧٨٩]- وقال سابور بن أردشير في عهده إلى ولده: وليكن وزيرك مقبول القول عندك «٣»، قويّ المنزلة لديك، يمنعه مكانه منك وما يثق به من لطافة منزلته من الخشوع لأحد أو الضراعة لأحد، أو المداهنة في شيء مما تحت يده، لتبعثه الثقة بك على محض النصيحة لك، والمنابذة لمن أراد غشّك، وانتقاصك حقّك، وإن أورد عليك رأيا يخالفك ولا يوافق الصواب عندك، فلا تجبهه جبهة الظنين، ولا ترده عليه بالتهجم فيفت في عضده ذلك ويقبضه عن ابثاثك «٤» كلّ رأي يلوح صوابه، بل اقبل ما ارتضيت من قوله، وعرّفه ما تخوّف من ضرر الرأي الذي انصرفت عنه، لينتفع بأدبك فيما يستقبل الرأي فيه، واحذر كلّ الحذر أن تنزل بهذه المنزلة سواه ممّن يطيف بك من خدمك
_________________
(١) نثر الدر ٧: ٤٣ (رقم: ٩٩) والجهشياري: ٦ وانظر السعادة والاسعاد: ٤٣٢ وقوانين الوزارة: ١٧٥- ١٧٦ وتحفة الوزراء: ٢١ ونهاية الأرب ٦: ١٨.
[ ١ / ٢٩٦ ]
وحاشيتك، وأن تسهل لأحد منهم السبيل إلى الانبساط بالنطق عندك، والإفاضة في أمور رعيتك وولايتك، فإنه لا يوثق بصحّة رأيهم ولا يؤمن الانتشار فيما أفضى من السرّ إليهم.
[٧٩٠]- قال أبو إسحاق الصابي في كلام جمعه من كلام الحكماء:
الملك باصطفاء رجاله أحقّ منه باصطفاء أمواله، لأنّ كلّ درهم يسدّ مكان أخيه، وما كلّ رجل يسدّ مكان أخيه.
[٧٩١]- قال علي بن أبي طالب ﵇: يجب على الوالي أن يتعهّد أموره ويتفقّد أعوانه حتى لا يخفى عليه إحسان محسن ولا إساءة مسيء، ثم لا يترك أحدهما بغير جزاء، فإنه إذا ترك ذلك تهاون المحسن.
واجترأ المسيء، وفسد الأمر وضاع العمل.
[٧٩٢]- ومن كلام «١» له ﵇: ازجر المسيء بثواب المحسن؛ أخذ المعنى إبراهيم بن العباس الصولي فقال: إذا كان للمحسن من الثواب ما ينفعه، وللمسيء من العقاب ما يقمعه، بذل المحسن ما عنده رغبة، وانقاد المسيء للحقّ رهبة.
[٧٩٣]- كتب أبرويز إلى ابنه شيرويه وهو في حبسه: لا توسعنّ على
_________________
(١) قارن بالتمثيل والمحاضرة: ١٤١ وزهر الأداب: ٥٨٨.
(٢) ورد هذا القول في كليلة ودمنة: ٢٩٠ وانظر لباب الآداب: ٤٢.
(٣) نهج البلاغة: ٥٠١ (رقم: ١٧٧) وقوله: «ازجر المسيء بثواب المحسن» في ربيع الأبرار ١: ٦٠٣، وقول الصولي في لقاح الخواطر: ٥٨ ب.
(٤) نثر الدر ٧: ٣٥ (رقم: ٣٤) وعيون الأخبار ١: ١١ والعقد ١: ٢٦ ومحاضرات الراغب ١: ١٦٥ والبصائر ٤: ٣٩٥ (وفيه ورد قول المنصور أيضا كما ورد في البيهقي: ٤٦١ ولقاح الخواطر: ٧٨/أوفي المثل «أجع كلبك يتبعك» انظر فصل المقال: ٤٨٩ وجمهرة العسكري ١: ١١١ والميداني ١: ١١١ والحيوان ١: ٢٩٠ ونزهة الأرواح ١: ٢١٤ (لذيوجانس) وكذلك مختار الحكم: ٧٩ والمقترح في جوامع الملح (باب الحكايات) .
[ ١ / ٢٩٧ ]
جندك فيستغنوا عنك، ولا تضيقنّ عليهم فيضجّوا منك، أعطهم عطاء قصدا، وامنعهم منعا جميلا، ووسّع عليهم «١» في الرجاء، ولا توسّع عليهم في العطاء.
وروي أن المنصور لما سمع هذا الكلام قال في عقيبه، صدق الأعرابي:
«أجع كلبك يتبعك» فقام أبو العباس الطوسيّ فقال: يا أمير المؤمنين أخشى أن يلوّح له غيرك برغيف فيتبعه ويدعك، فسكت المنصور وعلم أنها كلمة لم تخطم.
[٧٩٤]- كتب أرسطاطاليس الى الإسكندر: املك الرعية بالإحسان إليها تظفر بالمحبة منها، فإنّ طلبك بإحسانك أدوم بقاء منه لا عتسافك، واعلم أنك إنما تملك الأبدان فتخطّها إلى القلوب بالمعروف، واعلم أن الرعية إذا قدرت أن تقول قدرت على أن تفعل، فاجتهد على أن لا تقول تسلم من أن تفعل.
وهذا مخالف لما روي عن معاوية: فإنّ رجلا أغلظ له فحلم عنه، فقيل له: أتحلم عن مثل هذا؟ فقال: إنّا لا نحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين سلطاننا.
[٧٩٥]- وقال بعض ملوك العجم: إنما أملك الأجساد لا النيات،
_________________
(١) نثر الدر ٧: ٢٢ (رقم: ٩٠) وعيون الأخبار ١: ٨ والعقد ١: ٢٤ ومحاضرات الراغب ١: ١٦٨ وبهجة المجالس ١: ٣٠٦. ومختار الحكم: ١٩٧ وسراج الملوك: ١٩٩ ولباب الآداب: ٤٤ (منسوبا لابرويز) وقول معاوية «إنا لا نحول بين الناس » . في انساب الاشراف ٤/أ: ٢٠ وعيون الأخبار ١: ٩، ٢٨٣ ومحاضرات الراغب ١: ١١١، ٢٢٦ والمجتنى: ٤٠ والطبري ٢: ٢١٤ ونهاية الأرب ٦: ١٦ وابن الأثير ٤: ٨ وفاضل المبرد: ٨٧ وسراج الملوك: ٢٠٠ وشرح النهج ٣: ٤١٧ والجوهر النفيس: ٤٥ ب ولقاح الخواطر: ٣٢ ب.
(٢) عيون الأخبار ١: ٨ والعقد ١: ٢٥ وسراج الملوك: ٢٠٠ وربيع الأبرار: ٢٤٣ ب (لكسرى ابن قباذ) وأصله في عهد أردشير: ٥٦ (الفقرة: ٦) وانظر غرر الخصائص: ٦٢ ومحاضرات
[ ١ / ٢٩٨ ]
وأحكم بالعدل لا بالرضى، وأفحص عن الأعمال لا عن السرائر. وقد قال من قبلنا: أسوس الناس من قاد أبدان الرعية إلى طاعته بقلوبها.
[٧٩٦]- وقال الوليد بن عبد الملك لأبيه: يا أبة ما السياسة؟ قال:
هيبة الخاصّة مع صدق مودّتها، واقتياد قلوب العامة بالإنصاف لها، واحتمال هفوات الصنائع.
[٧٩٧]- قال صاحب كليلة ودمنة: إذا عرف الملك أنّ رجلا يساوى به في المنزلة والرأي والهمّة والمال والتّبع فليصرعه، فإن لم يصرعه فهو المصروع.
[٧٩٨]- وقال معاوية: ليس بين الملك وبين أن يملك جميع رعيته أو يملكه جميعهم إلا حزم أو توان.
[٧٩٩]- قال «١» صاحب كليلة ودمنة: لا ينبغي للملك أن يثق بهذه الأصناف: من قد عوقب العقوبة الكثيرة في غير جرم، أو من ناله الضرّ
_________________
(١) الراغب ١: ١٦٧، ٢٢٧ (وقارنه بقول بزرجمهر في الحكمة الخالدة: ٤٧) والبصائر ١: ٤٨٧ وقوانين الوزارة: ١٧٦- ١٧٧ ولباب الآداب: ٣٧- ٣٨، ٧٢ وخاص الخاص: ٨٥ والايجاز والاعجاز: ١٣ وتسهيل النظر: ٢٨٥ ونهاية الأرب ٦: ١٦، ١٢٢ وشرح النهج ١١: ٩٩.
(٢) عيون الأخبار ١: ١٠ والعقد ١: ٢٤ ولباب الآداب: ٣٥ وبهجة المجالس ١: ٣٣٥ وتسهيل النظر: ٢٦٦ ونهاية الأرب ٦: ٢٦٦ ونثر الدر ٣: ١٥ وأمالي القالي ٢: ٨٠ ولقاح الخواطر: ٣٣ ب.
(٣) كليلة ودمنة: ١٠٤ والجهشياري: ١١ وعيون الأخبار ١: ٤٥ ولباب الآداب: ٤٣ ونهاية الأرب ٦: ٤٦.
(٤) سراج الملوك: ٩٨ ولباب الآداب: ٣٥ والعقد ١: ٤٣ (لعبد الملك بن مروان يقوله لابنه الوليد وكان ولي عهده، وكذلك نسب لعبد الملك في كتاب الآداب: ٢٧) وانظر عيون الأخبار ١: ٣٣ والسعادة والاسعاد: ٢٩٤ وتسهيل النظر: ٢٥٠ ونهاية الأرب ٦: ٤٥.
(٥) كليلة ودمنة: ٣٠٠.
[ ١ / ٢٩٩ ]
العظيم منهم، أو من عزلوه عن ولاية وعمل كانا في يده، ومن سلبوه ماله وعقاره، ومن كان في مكان الثقة عندهم فأقصوه وقطعوا طمعه، وذا المروءة والنبل إذا أنزل عن منزلته، ومن قدّم عليه أكفاؤه ونظراؤه، والمظلوم الطالب المنصفة غير المنصف، ومن يرجو المنفعة والصلاح بمضارّ «١» السلطان، ومن استقبل بما يكره في المحافل، وذي الحرص القليل القنوع، والمذنب الراجي العفو فلم يعف عنه.
[٨٠٠]- قيل: مضارّ السلطان من قبل ستّة أشياء: الحرمان، والفتنة، واللهو «٢»، والفظاظة، والزمان، والخرق. فأما الحرمان فأن يحرم خصالا ستا، أو يعطاها منقوصة فاسدة، منها: صالحو الوزراء من أهل الرأي والنصيحة والأمانة، ومنها الأجناد، ومنها الأموال، ومنها البلد، ومنها الحصون، ومنها البرد والرسل. وأما الفتنة فتهيج «٣» بعض الأعوان واعوجاجه إلى الخروج على الملك، أو شغب الجند وتحاربهم. وأما اللهو فالإغرام بالنساء أو الشراب أو الملاعب أو الصيد إغراما يستغرق الفراغ؛ وأما الفظاظة فافراط الخشونة حتى يجمع اللسان بالشتم، واليد بالبسط والابتزاز لما ليس له بحقّ.
وأما الزمان فهو ما يصيب الناس من السنين من الغرق والحرق والوباء وكثرة الأمطار والبرد وقلة الأمطار، وشدّة البرد والحرّ بافراط، وكثرة الهوامّ التي يكون بها نقص الثمرات أو الموتان. وأما الخرق وسوء التدبير فإن يعامل الأعداء في موضع السلم بالحرب، وفي مواضع الحرب بالسلم والموادعة، وفي المواضع التي يحتاج فيها إلى المكيدة والصبر والحذر والتدبير بالخطأ والمغالبة والغلظة وترك السياسة.
_________________
(١) كليلة ودمنة: ٩٨ (وبين النصين اختلاف وما هنا اكثر بسطا) ولباب الآداب: ٤٢- ٤٣.
[ ١ / ٣٠٠ ]
[٨٠١] قيل: أهل الحزم من الملوك يجعلون لكل ذنب عقوبة: فلذنب السّر عقوبة السر، ولذنب العلانية عقوبة العلانية.
[٨٠٢]- ومن كتاب أبرويز إلى ابنه شيرويه: اجعل عقوبتك على اليسير من الجناية «١» كعقوبتك «٢» على الكثير منها، فإذا لم يطمع منك في الصغير لم يجترأ عليك في الكبير، وأبرد البريد في الدرهم ينقص من الخراج، ولا تعاقبنّ على شيء [كعقوبتك على كسره، ولا ترزقنّ على شيء] «٣» كرزقك على إزجائه.
[٨٠٣]- وقال لصاحب بيت ماله: إني لا أحتملك على خيانة درهم، ولا أحمدك على حفظ ألف ألف، لأنك إنما تحقن بذلك دمك، وتعمر به أمانتك، وإنك إن خنت قليلا خنت كثيرا.
[٨٠٤]- وقال زياد: أحسنوا إلى أهل الخراج فانكم لا تزالون سمانا ما سمنوا.
[٨٠٥]- من كلام ابن المقفع: ليس للملك أن يغضب لأن القدرة من
_________________
(١) كليلة ودمنة: ١٠٨ والمرادي: ١٥٠ وقارن بالحكمة الخالدة: ٣١٥ وتحفة الوزراء (بغداد): ١٥٠.
(٢) عيون الأخبار ١: ٥٩.
(٣) عيون الأخبار ١: ٥٩ والعقد ١: ١٣.
(٤) عيون الأخبار ١: ١٠ ونثر الدر ٥: ٣ وسراج الملوك: ٢٠٨ (وفيه: أحسنوا الى المزارعين ) وأنساب الأشراف ٤/أ: ٢٢٣ (أحسنوا إلى الدهاقين) ومحاضرات الراغب ١: ٨١، ١٩١ وشرح النهج ٤: ٧٤ وتسهيل النظر: ١٦١ وربيع الأبرار ١: ١٩٩.
(٥) الأدب الكبير: ٥١، ٥٢- ٥٣ وأصله في عهد أردشير: ٦٩ (الفقرة: ١٨) . وانظر عيون الأخبار ١: ٢٨٩ ونثر الدر ٤: ٨١ ولباب الآداب: ٧٠- ٧١، وكتاب الآداب: ٢٦ وسراج الملوك: ٩٧ والذهب المسبوك: ١٦١ (يقوله موبذ لكسرى) ونهاية الأرب ٦: ٤ والتحفة الملوكية: ٩٣٠ وقوله «فإنما يصول الكريم اذا جاع واللئيم » منسوب لعليّ في نهج
[ ١ / ٣٠١ ]
وراء حاجته، وليس له أن يكذب لأنه لا يقدر أحد على استكراهه على غير ما يريد، وليس له أن يبخل لأنه أقلّ الناس قدرا في خوف الفقر، وليس له أن يكون حقودا لأن خطره قد عظم عن مجازاة كلّ الناس، وليتّق أن يكون حلّافا، فأحقّ الناس باتقاء الأيمان الملوك، وإنما يحمل الرجل على الحلف إحدى خلال: إما مهانة يجدها في نفسه وضرع وحاجة إلى تصديق الناس إياه، وإما عيّ بالكلام حتى يجعل الأيمان لكلامه حشوا ولمنطقه وصلا، وإما تهمة قد عرفها من الناس لحديثه فهو ينزل نفسه بمنزلة من لا يقبل له قول إلا بعد جهد اليمين، وإما عبث في القول وإرسال اللسان على غير تروية ولا تقدير ولا حسن تعويد له، فيعوّد قول السداد والتثبيت. ليعلم الوالي أن الناس يصفون الولاة بسوء العهد ونسيان الودّ، فليكابد نقض قولهم، وليبطل عن نفسه وعن الولاة صفات السوء التي يوصفون بها. ليتفقد الوالي فيما يتفقد من أمور رعيته فاقة الأحرار والأخيار فليعمل في سدّها، وطغيان السّفلة منهم فليقمعه، وليستوحش من الكريم الجائع واللئيم الشعبان، فإنما يصول الكريم إذا جاع واللئيم إذا شبع. لا يحسن بالوالي أن يحسد من دونه، فأنه أقلّ عذرا في ذلك من السّوقة التي إنما تحسد من هو فوقها، وكلّ لا عذر له، لا يولعنّ الوالي بقول الناس في سوء الظن «١»، وليجعل لحسن الظنّ من نفسه نصيبا موفورا، ويروّح به عن قلبه ويصدّر به أعماله. لا يضيعنّ الوالي التثبت عند قوله وفعله وعطائه، فإن الرجوع عن الصمت أحسن من الرجوع عن الكلام، وإن الإقدام على العمل بعد التأني فيه أحزم من الإمساك عنه بعد الإقدام عليه،
_________________
(١) البلاغة؛ ولحكيم الهند في البصائر ١: ٤٧٧ ولاردشير في الامتاع ٣: ٤٠ ولا افلاطون في ابن هندو: ٩ وللاسكندر في كتاب الآداب: ١١ ولبزرجمهر في محاضرات الأبرار ٢: ٢٦١ ولعمرو ابن العاص في الجوهر النفيس: ٤٨ ب ولأردشير في البيان والتبيين ٣: ١٦٩ وبهجة المجالس ١: ٦٢٧ ودون نسبة فيه ١: ٣٣٦ ولكسرى في عيون الأخبار ١: ٢٣٨ والعقد ٢: ٣٥٥.
[ ١ / ٣٠٢ ]
وإنّ العطية بعد المنع أحسن من المنع بعد الإعطاء، وكلّ الناس محتاجون إلى التثبّت، وأحوجهم إليه ملوكهم الذين ليس لقولهم وفعلهم دافع وليس عليهم مستحثّ.
[٨٠٦]- وقد جمع أبو إسحاق إبراهيم بن هلال الصابي من كلام الحكماء فقرا فمنها: الملك القادر أولى بالتأني في حكوماته، والتثبت في عزماته، لأنه إن أخذها على شبهة وأمضاها على غير بيّنة لم يكن له دافع عنها، ولم يخل أيضا من مساعد عليها. الملك المنعّم إذا أفاض المكارم، واغتفر الجرائم، ارتبط بذلك خلوص نية من قرب منه وهم الأقلّ، وانفساح الأمل ممن بعد عنه وهم الأكثر، فيستخلص حينئذ ضمائر الكلّ من حيث لم يصل معروفه إلا إلى البعض. الملك تلزمه الحقوق بأيسر سعي الساعي لها، وأقصر أمد الجارين إليها، لأنه ان انتظر بهم أن يعقدوا عليه المنن الجمّة، وان يسبغوا عليه النعمة الضخمة، لم يكن لهم بذلك طاقة، ولم يكن به إليهم فاقة، لكن المحلّ الذي حلّه، والمكان الذي تبوّأه يوجبان عليه أن يكون على القليل من الذمام محافظا، وبعين الرعاية لهم ملاحظا. الملك إذا وعد وفى، وإذا أوعد عفا. الملك إذا استكفى أحد ثقاته أمرا تشكل عواقبه، وتشتبه أعجازه، فانتشر ذلك الأمر عليه من حيث لم يأل جهدا في طلب نظامه والسعي لالتئامه، فواجب أن يحمده أو أن يذمّه، فإنه إن ذمّه قبضه وقبض نظراءه عن الدأب في المصالح والطلب للمناجح، ولحقهم من قصور الهمم ما يعود وهنه عليه وتتعلّق شكايته به، لأنهم يشغلون عن التوصل إلى ما يرومه، بالتحرز عما يضرهم. الملك يتوصل إليه كلّ من تنكّر له وتعتّب عليه، وهم طبقات ثلاث: فمنهم من ذنبه مقرون بعذره قد أماطه عنه وأخرجه سليما منه، ويقال أقرّ بالذنب طاعة، وأمسك عن العذر هيبة، ولا يحسن أن يقتصر بمن هذه
_________________
(١) بعضه في زهر الآداب: ٥٨٨ ولقاح الخواطر: ٨٨/أ.
[ ١ / ٣٠٣ ]
حاله على أن تسقط اللائمة عنه دون أن تجب المحمدة له؛ ومنهم من ذنبه واضح وعذره معوز، ولكنه فرد لا أخ له وفذّ لا تؤام معه، والأولى به أن يقال إذا اعترف بالحوبة وأخلص في التوبة؛ ومنهم المتردّد في هفواته والمتكرر في عثراته، الجارية عادته أن يكسر التوبة إذا تاب، ويفسخ عقد الإنابة إذا أناب، فذلك الذي يعاقب بالاطّراح ولا يطمع منه بالفلاح. الملك بمن غلط من أتباعه فاتعظ أشد انتفاعا منه بمن لم يغلط ولم يتعظ، فإن الأول كالقارح الذي أدّبته العثرة وأصلحته الندامة، والثاني كالذي هو راكب للغرّة وراكن إلى السلامة؛ والعرب تزعم أن العظم إذا جبر من كسره، عاد صاحبه أشد بطشا وأقوى يدا.
[٨٠٧]- وقال ابن المقفع فيما يتأدب به السلطان: عوّد نفسك الصبر على ما خالفك من رأي ذوي النصيحة، والتجرع لمرارة قولهم وعذلهم، ولا تسهّلنّ سبيل ذلك إلا لأهل الفضل والمروءة والعقل في ستر، لئلا ينتشر من ذلك ما يجترىء به سفيه، أو يستخفّ به شانىء. واعلم أن رأيك لا يتّسع لكلّ شيء ففرّغه لمهمّ ما يعنيك، وأن مالك لا يتّسع للناس، فاخصص به أهل الحقّ، وأنّ كرامتك لا تطيق العامة، فتوّخ بها أهل الفضل، وأنّ ليلك ونهارك لا يستوعبان حاجاتك وان دأبت فيهما فأحسن قسمتهما بين عملك ودعتك. واعلم أن ما شغلت من رأيك بغير المهم أزرى بك في المهمّ، وما صرفت من مالك في الباطل فقدته حين تريده للحقّ، وما عدلت به من كرامتك إلى أهل النقص أضرّ بك في العجز عن أهل الفضل. إن كان سلطانك عند جدّة دولة فرأيت أمرا استقام بغير رأي أو أعوانا اجزأوا بغير نيل، وعملا أنجح بغير حزم، فلا يغرنّك ذلك ولا تستنيمنّ إليه، فإن الأمر الجديد مما يكون له
_________________
(١) الأدب الكبير: ٤٧- ٤٨، ٥٠ (الحكمة الخالدة: ٢٩٦ وما بعدها) وانظر بعضه في نهاية الأرب ٦: ١٨ والبصائر ٤: ٢٢٠.
[ ١ / ٣٠٤ ]
مهابة في أنفس أقوام «١» وحلاوة في قلوب قوم آخرين، فيعين قوم على أنفسهم، ويعين قوم بما قبلهم، ويستتبّ ذلك الأمر غير طويل، ثم تصير الشّؤون إلى حقائقها وأصولها، فما كان شيء من الأمر على غير أركان وثيقة ودعائم محكمة أوشك أن يتداعى ويتصدع. لا تكوننّ نزر الكلام والسلام، ولا تبلغنّ إفراط «٢» البشاشة، فإن إحداهما من الكبر والأخرى من السّخف.
[٨٠٨]- ومن كلام الحكماء: إذا كان الملك محصّنا للأسرار، متخيرا لصالح الوزراء، مهيبا في أنفس العامة، بعيدا أن يعلم ما في نفسه، لا يسلم منه ذو جريمة بجريمته، ولا يضيع عنده بلاء، مقدرا لما ينفق وما ينفد «٣»، كان جديرا ألا يسلب صالح ما أوتي.
[٨٠٩]- قال سهل بن هارون: للسلطان سكرات فمنها الرضى عن بعض من يستوجب السخط، والسخط على بعض من يستوجب الرضى، ولذلك قيل قد خاطر من لجّج في البحر وأشدّ منه مخاطرة صاحب السلطان.
الملك «٤» صبيّ الرضا كهل الغضب، يأمر بالقتل وهو يضحك، ويستأصل شأفة القوم وهو يمزح، يخلط الجدّ بالهزل، ويجاوز في العقوبة قدر الذنب، ربما أحفظه الذنب اليسير، وربما أعرض صفحا عن الخطب الكبير؛ أسباب الموت
_________________
(١) كليلة ودمنة: ١٨٩.
(٢) جاءت كلمة سهل هذه في كتاب النمر والثعلب: ٦٥ (١٦)، ١٥٧ (٢٤)؛ ومعظمها في العقد ١: ٥٢ ونهاية الأرب ٦: ٦؛ وقارن بقوله: «صبي الرضا كهل الغضب» قول معاوية: «إياك والسلطان فإنه يغضب غضب الصبيان ويصول صولة الأسد» (أنساب الأشراف ٤/١: ٤٨، ٥٥، ٥٩) . ٢٠ ١ التذكرة
[ ١ / ٣٠٥ ]
والحياة مضاعفة «١» بطرف لسانه، لا يعرف ألم العقوبة فيتقي، ولا يؤتى «٢» على بادرة فينتهي، يخطىء فيصيب «٣» ويصيب فيفرط، مفتون الهوى فظ الخليقة على اختراق العقوبة، لا يمنعه من ذوي الخاصّة به ما يعلم من عناية وطول صحبة، أن يقتله بخطرة من خطرات موجدته، ثم لا ينفكّ أن يخطب إليها مكانه، وينافس الرجال موضعه، فلا الثاني بالأول يعتبر، ولا الملك عن مثل ما فرط ينزجر.
[٨١٠]- قال صاحب كليلة ودمنة: السلطان لا يقرّب الرجال على قرب آبائهم ولا يباعدهم لبعدهم، ولكنه ينزلهم على قدر ما عند كلّ امرىء منهم فيما ينتفع به، وقد يكون الجرذ في البيت جارا مجاورا، فينفى إذا كان ضارّا مؤذيا، ولما كانت في البازي منفعة وهو وحشيّ اقتني واتّخذ.
[٨١١]- قال «٤» ابن المقفع: جميع ما يحتاج إليه الوالي رأيان: رأي يقوّي سلطانه ورأي يزيّنه في الناس، ورأي القوة أولاهما بالتقديم وأحقّهما بالأثرة، ورأي التزيين أحضرهما حلاوة وأكثرهما أعوانا، مع أن الزينة من القوة، والقوة بالزينة، ولكنّ الأمر ينسب إلى معظمه «٥» .
[٨١٢]- وقال: ليعلم الوالي أنّ الناس على دينه «٦» إلا من لا يبالي
_________________
(١) كليلة ودمنة: ٩٠.
(٢) الأدب الكبير: ٥٤ ولباب الآداب: ٨٤.
(٣) الأدب الكبير: ٥٤ (والحكمة الخالدة: ٢٩٩) .
[ ١ / ٣٠٦ ]
به «١»، فليكن للدين والمروءة عنده نفاق فسيكسد بذلك الدناءة والفجور في آفاق الأرض.
[٨١٣]- وقال أفلاطون في معناه «٢»: الملك كالبحر تستمدّ منه الأنهار، فان كان عذبا عذبت، وإن كان ملحا ملحت «٣» .
وقد أكثر المتأخرون في هذا المعنى، قال أبو الفضل ابن العميد: صفة كلّ زمان منبجسة من سجايا سلطانه؛ وقال سيف الدولة علي بن حمدان:
السلطان سوق يجلب إليها ما ينفق فيها «٤» .
[٨١٤]- كتب أبرويز إلى ابنه شيرويه من الحبس: ليكن من تختاره لولايتك امرءا كان في ضعة فرفعته، وذا شرف وجدته مهتضما فاصطنعته، ولا تجعله امرءا أصبته بعقوبة فاتّضع عنها، ولا امرءا أطاعك بعدما أذللته، ولا
_________________
(١) الكلم الروحانية: ١٧ والسعادة والاسعاد: ٢١٣ ومختار الحكم: ١٣٥ ولباب الآداب: ٧٠ وكتاب الآداب: ٢٥ وتسهيل النظر: ٤٥ وعيون الأنباء ١: ٥١، وتشبيه الملك بالبحر ورد في كليلة ودمنة: ١٨٨ والأدب الصغير: ٣٣ «الملك الحازم يزداد برأي الوزراء الحزمة كما يزداد البحر بمواده من الأنهار» وقوله: «الملك سوق » ورد في عيون الأخبار ١: ٢ والعقد ١: ٣٢ وأنساب الأشراف ٣: ١٩٩ وحلية الأولياء ٣: ٢٤٠ ومروج الذهب ٤: ١٠- ١١ (منسوبا لأبي حازم الأعرج في الأغلب؛ ووروده في هذه المصادر المبكرة بهذه النسبة يبعد نسبته عن سيف الدولة)؛ وقد ورد منسوبا لأبي حازم أيضا في نثر الدر ٤: ٨١ وكتاب الآداب: ٢٥ كما نسب لميمون بن مهران في طبقات ابن سعد ٥: ٣٩٤ يخاطب به عمر بن عبد العزيز؛ وورد أيضا في بهجة المجالس ١: ٣٥٤ والتمثيل والمحاضرة: ١٣١ ومحاضرات الراغب ١: ١٩١ والشفا: ٦٢؛ ونسب لسيف الدولة (كما ذكر ابن حمدون) في الايجاز والاعجاز: ٢٣ وربيع الأبرار: ٣٧٥ ب ولعمر بن عبد العزيز في تاريخ الخلفاء: ٢٩٣ وأيا كانت نسبته فالقول قديم قبل عصر سيف الدولة بكثير.
(٢) الجهشياري: ١٠ وعيون الأخبار ١: ١٥ والعقد ١: ٢٧.
[ ١ / ٣٠٧ ]
أحدا ممن يقع في خلدك أنّ إزالة سلطانك خير له من ثبوته، وإياك أن تستعمل ضرعا غمرا كثر إعجابه بنفسه وقلّت تجاربه في غيره، ولا كبيرا مدبرا قد أخذ الدهر من عقله كما أخذت السنّ من جسمه.
[٨١٥]- قال لقيط الإياديّ في مثله: [من البسيط]
فقلّدوا أمركم لله درّكم رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعا
لا مترفا إن رخاء العيش ساعده ولا إذا عضّ مكروه به خشعا
ما زال يحلب درّ الدهر أشطره يكون متّبعا طورا ومتّبعا
حتى استمرّت على شزر مريرته مستحصد الرأي لا قحما ولا ضرعا
القحم: الشيخ المسن، والضرع: الضعيف الصغير.
[٨١٦]- استشار عمر بن عبد العزيز في قوم يستعملهم، فقال له بعض أصحابه: عليك بأهل العذر الذين إن عدلوا فهو ما رجوت فيهم، وإن قصّروا قال الناس: قد اجتهد عمر.
[٨١٧]- كتب علي بن أبي طالب ﵇ إلى أهل البصرة من كتاب له: ولئن ألجأتموني إلى المسير إليكم لأوقعنّ بكم وقعة لا يكون يوم الجمل إليها إلا كلعقة لاعق، مع أنّي عارف لذي الطاعة منكم فضله، ولذي النصيحة حقّه، غير متجاوز متّهما إلى بريء، ولا ناكثا إلى وفي.
هذا القول الفصل والفعل العدل، لا كما قال زياد: والله لآخذنّ الوليّ
_________________
(١) ديوان لقيط: ٤٧ وشرح النهج ١٨: ٢٣٨ ونهاية الأرب ٦: ١٧ وديوان المعاني ١: ٥٥ ونشوة الطرب: ٦٦٦ والكامل ٢: ١٥٢، ٣: ٤٠٦.
(٢) عيون الأخبار ١: ١٧ ومحاضرات الراغب ١: ١٦٥.
(٣) نهج البلاغة: ٣٨٩- ٣٩٠ وربيع الأبرار ٢٤٢ ب- ٢٤٣/أوقول زياد «لآخذن الوليّ » من خطبته المشهورة، انظر البيان والتبيين ٢: ٦٣ والعقد ٤: ١١٠- ١١٣.
[ ١ / ٣٠٨ ]
بالوليّ والسميّ بالسميّ حتى يلقى الرجل صاحبه فيقول: انج سعد فقد هلك سعيد.
[٨١٨]- قال عبد الملك بن مروان لأخيه عبد العزيز حين وجهه إلى مصر: تفقّد كاتبك وحاجبك وجليسك، فإن الغائب يخبر عنك بكاتبك، والمتوسّم يعرفك بحاجبك، والخارج من عندك يعرفك بجليسك.
[٨١٩]- وكان عمر بن الخطاب ﵁ إذا بعث عاملا اشترط عليه أربعا: لا يركب البراذين، ولا يلبس الرقيق، ولا يأكل النقيّ، ولا يتّخذ بوابا.
[٨٢٠]- وكان زياد إذا ولّى رجلا قال له: خذ عهدك، وسر إلى عملك، واعلم أنك مصروف رأس سنتك، وأنك تصير إلى أربع خلال، فاختر لنفسك: إنا إن وجدناك أمينا ضعيفا استبدلنا بك لضعفك وسلّمتك من معرّتنا أمانتك، وإن وجدناك خائنا قويا استهنّا بقوتك وأحسنّا على خيانتك أدبك، فأوجعنا ظهرك وأثقلنا غرمك، وإن جمعت علينا الجرمين جمعنا عليك المضرّتين، وإن وجدناك قويا أمينا زدنا في عملك، ورفعنا لك ذكرك وكثّرنا مالك وأوطأنا عقبك.
[٨٢١]- وكان عبد الملك إذا أراد أن يولّي رجلا عمل البرد سأل عن صدقه ونزاهته وأناته، ويقول: كذبه يشكّك في صدقه، وشرهه يدعوه في
_________________
(١) رسائل الجاحظ ٢: ٤٠ وعيون الأخبار ١: ٤٤ ونثر الدر ٣: ١٥ ومحاضرات الراغب ١: ٢٠٥.
(٢) عيون الأخبار ١: ٥٣ وسراج الملوك: ٢٤٠ وشرح النهج ١٢: ٢٣ والحكمة الخالدة: ١٥٧.
(٣) أمالي القالي ٢: ٨٠ وعيون الأخبار ١: ٥٥ والجليس الصالح ٢: ١٣٣ وغرر الخصائص: ١٠٣.
(٤) نثر الدر ٣: ١٧ وهذا النصّ أيضا في نسخة الفاتح من البصائر ولم يرد في المطبوعة وموضعه منها ٣: ٥٩ وبهجة المجالس ١: ٢٧٨.
[ ١ / ٣٠٩ ]
الحقّ إلى كتمانه، وعجلته تهجم بمن فوقه على ما يؤثّمه ويندّمه.
[٨٢٢]- ولّى المهدي الربيع بن أبي الجهم فارس فقال له: يا ربيع آثر الحقّ، والزم القصد، وارفق بالرعية، واعلم أنّ أعدل الناس من أنصف من نفسه، وأجورهم من ظلمهم لغيره.
[٨٢٣]- قال المنصور: الملوك تحتمل كلّ شيء إلا ثلاث خلال: إفشاء السرّ، والتعرّض للحرم، والقدح في الملك.
[٨٢٤]- كان يقال: طاعة السلطان على أربعة أوجه: على الرغبة والرهبة والمحبة والديانة.
[٨٢٥]- كان أنوشروان إذا ولّى رجلا أمر الكاتب أن يدع في العهد موضع أربعة أسطر ليوقّع فيها بخطّه، فإذا أتى بالعهد وقّع فيه: سس خيار الناس بالمحبة، وامزج للعامة الرغبة بالرهبة، وسس سفلة الناس بالإخافة.
[٨٢٦]- قال عمر بن عبد العزيز ﵀: إني لأجمع أن أخرج للمسلمين أمرا من العدل فأخاف أن لا تحتمله قلوبهم، فأخرج لهم معه طمعا
_________________
(١) العقد ١: ٣١ ونثر الدر ٣: ٣٢ ونهاية الأرب ٦: ٣٥.
(٢) نثر الدر ٣: ٣٠ والبيهقي: ٣٧٤ والمحاسن والأضداد: ١٨ وبرد الأكباد: ١١٧ ومحاضرات الأبرار ٢: ٢٩ وهو للمأمون في التمثيل والمحاضرة: ١٣٩ وبهجة المجالس ١: ٣٤٧ وزهر الآداب: ٢١٤ ولباب الآداب: ٢٤٣ وللأكاسرة في السعادة والاسعاد: ٣٠٦؛ وانظر العقد ١: ١٢ وكتاب الآداب: ٤٣ والأسد والغواص: ١١٥- ١١٦ ونهاية الأرب ٦: ٧ وقارن بمروج الذهب ٤: ٣٠٢ (للمأمون) وتاريخ الخلفاء: ٢٩٣.
(٣) عيون الأخبار ١: ٧ وشرح النهج ١٥: ١٠٢.
(٤) عيون الأخبار ١: ٨ وسراج الملوك: ٢٤٢ وقارن بقول منسوب الى افليمن في منتخب صوان الحكمة: ٢٤٦.
(٥) عيون الأخبار ١: ٩ وسراج الملوك: ٢٠٠ وشرح النهج ١٥: ١٠٢ وبايجاز في البصائر ١: ٣٠ وجاء في السعادة والاسعاد: ٢١٧ من كلام أرسطاطاليس: «إذا أردت إلى رعيتك أمرا في باب الخير فامزج معه طمعا من الدنيا» .
[ ١ / ٣١٠ ]
من طمع الدنيا، فإن نفرت القلوب من هذا سكنت إلى هذا.
[٨٢٧]- كتب الوليد بن عبد الملك إلى الحجاج يأمره أن يكتب إليه بسيرته، فكتب إليه: إني أيقظت رأيي وأنمت هواي، وأدنيت السيد المطاع في قومه، وولّيت الحرب «١» الحازم في أمره، وقلدت الخراج المؤتمن «٢» لأمانته، وخصمت لكلّ خصم من نفسي قسما يعطيه حظا من نظري ولطيف عنايتي، وصرفت السيف إلى النّطف المسيء، فخاف المريب صولة العقاب، وتمسّك المحسن بحظّه من الثواب.
[٨٢٨]- قال معاوية: ينبغي أن يحترز الملك من خمس خصال «٣»: لا ينبغي أن يكون كذابا، فإنه إذا «٤» كان كذابا فوعد لم يرج وإذا «٥» أوعد بشرّ لم يخف، ولا ينبغي أن يكون بخيلا فإنه إذا كان بخيلا لم يناصحه أحد، ولا تصلح الولاية إلا بالمناصحة [ولا ينبغي أن يكون حديدا فإنه إذا كان حديدا مع القدرة هلكت الرعية]، ولا ينبغي أن يكون حسودا فإنه إذا كان حسودا لم يشرف أحد، ولا يصلح الناس إلّا على أشرافهم، ولا ينبغي أن يكون جبانا فإنه إذا كان جبانا اجترأ عليه عدوّه.
_________________
(١) عيون الأخبار ١: ١٠ والعقد ١: ٢٢ ونثر الدر ٥: ١١ وسراج الملوك: ١٠٢ والبصائر ٢: ٢٦٨ ونهاية الأرب ٦: ٤٣.
(٢) عيون الأخبار ١: ١٣ وسراج الملوك: ٩٦- ٩٧ والبصائر ١: ٢٠٣ ومحاضرات الراغب ١:
(٣) ١٥٧ وكتاب الآداب: ٢٦ ونهاية الأرب ٦: ٤ ولباب الآداب ٧٠- ٧١ والمختار من شعر بشار: ٢٠٠.
[ ١ / ٣١١ ]
[٨٢٩] قال الحسن: كان النبي ﷺ يستشير حتى المرأة، فتشير «١» عليه بالشيء فيأخذ به.
[٨٣٠]- وفي «٢» كتاب التاج أن بعض ملوك العجم استشار وزراءه، فقال أحدهم: لا ينبغي للملك أن يستشير منّا أحدا إلا خاليا، فإنه أموت للسّر، وأحزم للرأي، واجدر بالسلامة، وأغنى ببعضنا من غائلة بعض، فإن إفشاء السرّ إلى رجل أوثق من إفشائه إلى اثنين، وإفشاؤه إلى ثلاثة كإفشائه إلى العامّة، لأن الواحد رهن بما أفشي إليه، والثاني يطلق عن ذلك الرهن، والثالث علاوة فيه، وإذا كان سر الرجل عند واحد كان أحرى ألا يظهره رهبة ورغبة إليه، وإذا كان عند اثنين دخلت الشبهة على الملك واتّسعت على الرجلين المعاذر فإن عاقبهما عاقب اثنين بذنب واحد، وإن اتهمهما اتّهم بريئا بجناية مجرم، وإن عفا عنهما كان العفو عن أحدهما ولا ذنب له وعن الآخر ولا حجّة عليه.
وما جاء في المشورة من الأخبار والأشعار وكلام الحكماء قد ذكر في مكان آخر، إذ ليس هذا موضعه، والذي ذكر مما يليق بهذا الباب فيه كفاية.
[٨٣١]- يقال: لا يكون الملك ملكا حتى يعاقب على صغير الذنوب
_________________
(١) عيون الأخبار ١: ٢٧ وفي السعادة والاسعاد: ٤٢٤ كان عمر يستشير الخ وكذلك في بهجة المجالس ١: ٤٥٥.
(٢) نثر الدر ٧: ٤٦ (رقم: ١٠٧) وعيون الأخبار ١: ٢٧ والجهشياري: ١١ والعقد ١: ٦٦ وسراج الملوك: ١٣٣ ونهاية الأرب ٦: ٧٣ ولقاح الخواطر: ٧٦/أوالريحان والريعان ١: ٩٩.
(٣) البيتان في عيون الأخبار ١: ١٠٠ ومروج الذهب ٣: ٢٤١ والتمثيل والمحاضرة: ١٣٤ وتسهيل النظر: ٢٨١ وحماسة الظرفاء ١٠: ١٧٨ ونهاية الأرب ٦: ٧ والجوهر النفيس: ٤٣ ب وربيع الأبرار ١: ٧٣٣ والمنهج المسلوك: ١٥/أ.
[ ١ / ٣١٢ ]
ويعفو عن كبيرها، ومثله قول الشاعر: [من الكامل المجزوء]
تعفو الملوك عن العظيم من الذنوب لفضلها «١»
ولقد تعاقب في اليسير وليس ذاك بجهلها
[٨٣٢]- وقال أبرويز: أطع من فوقك يطعك من دونك.
[٨٣٣]- وقال النجاشي: الملك يبقى على الكفر ولا يبقى على الظلم.
[٨٣٤]- قال عمرو بن هند: الملوك يشتمون بالأفعال لا بالأقوال، ويسفهون بالأيدي لا بالألسن. ومثله لمعبد بن علقمة: [من الطويل] .
وتجهل أيدينا ويحلم رأينا ونشتم بالأفعال لا بالتكلّم
[٨٣٥]- قال مروان بن محمد لما أحيط به: وا لهفاه على دولة ما نصرت، وكفّ ما ظفرت، ونعمة ما شكرت؛ فقال له خادمه باسيل «٢»، وكان من أشراف الروم فوقع عليه سباء: من أغفل الصغير حتى يكبر، والقليل حتى يكثر، والخفيّ حتى يظهر، أصابه هذا.
_________________
(١) لباب الآداب: ٣٦ (وفيه: اتق من فوقك ) والتمثيل والمحاضرة: ١٣٨ والايجاز والاعجاز: ١٤ وأدب الدنيا والدين: ١٤٢ وشرح النهج ١١: ٩٤ وزهر الآداب: ٢١٢ وربيع الأبرار ٢: ٧٩٢.
(٢) بهجة المجالس ١: ٣٥٣ (دون نسبة) وربيع الأبرار: ٢٢٩ ب والتمثيل والمحاضرة: ١٣٠ والايجاز والاعجاز: ١٥ وتسهيل النظر: ١٨٤ وأدب الدنيا والدين: ١٤٢ والمصباح المضيء ١: ٢٣١ والشفا: ٥٤.
(٣) الايجاز والاعجاز: ١٥ ونهاية الأرب ٦: ٦ وفيه البيت وورد أيضا في بهجة المجالس ١: ٤٣٢ وأدب الدنيا والدين: ٢٤٨.
(٤) سراج الملوك: ٩٤.
[ ١ / ٣١٣ ]
[٨٣٦] قال قابوس: لذة الملوك فيما لا تشاركهم فيه العامة من معالي الأمور.
[٨٣٧]- قال «١» أنوشروان: العدوّ الضعيف المحترس من العدوّ القوي أحرى بالسلامة من العدوّ المغتّر بالعدوّ الضعيف.
[٨٣٨]- وقال صالح بن سليمان: لا تستصغر عدوا فإن العزيز ربما شرق بالذباب.
[٨٣٩]- وروي أن عبد الملك بن مروان كتب إلى الحجاج: لا تولينّ الأحكام بين الناس جاهلا بالأحكام، ولا حديدا طائشا عند الخصام، ولا طمعا هلعا يقرّب «٢» أهل الغنى ويبشّ بأهل السعة فيكسر بذلك أفئدة ذوي الحاجة، ويقطع ألسنتهم عن الادلاء «٣» بالحجّة والإبلاغ في النصفة، واعلم أن الجاهل لا يعلم، والحديد لا يفهم، والطائش القلق لا يعقل، والطّمع الشّره لا ينفع عنده الحجة ولا تغني قبله البينة.
[٨٤٠]- قال أم جبغويه «٤» ملك طخارستان لنصر بن سيار: ينبغي أن
_________________
(١) كتاب الآداب: ٢٢ والايجاز والاعجاز: ٢٣.
(٢) نثر الدر ٤: ٦٥ وربيع الأبرار: ٢٤٠/أوالبصائر ٧: ٩١ ولباب الآداب: ٤٦ ومحاضرات الراغب ١: ٢٤٧، وأصل هذا القول في كليلة ودمنة: ٢٧٨.
(٣) لباب الآداب: ٤٧ وربيع الأبرار: ٢٤٠/أ، وجاء في البصائر ٧: ٢٤٧ لا تستصحب واجدا فإن الخ وقارن بما في عيون الأخبار ٣: ١٠٨ «احذر معاداة الذليل » .
(٤) البصائر ٣: ٣١١ ونثر الدر ٣: ١٧.
(٥) عيون الأخبار ١: ١١٠ وسراج الملوك: ١٢٢ (وفيه: وأوصت امرأة ابنها وكان ملكا) ولباب الآداب: ٣٨ ونهاية الأرب ٦: ٧ والمنهج المسلوك: ٨ ب.
[ ١ / ٣١٤ ]
يكون للأمير ستة أشياء: وزير يثق به ويفضي إليه بسرّه، وحصن يلجأ إليه إذا فزع أنجاه، يعني فرسا، وسيف إذا نازل الأقران لم يخنه، وذخيرة خفيفة المحمل إذا نابته نائبة أخذها، وامرأة إذا دخل إليها أذهبت همّه، وطباخ إذا لم يشته الطعام صنع له شيئا يشهّيه.
[٨٤١]- العتابي في الرشيد: [من الطويل]
أيا من له كفّ يضمّ بنانها عصا الدين ممنوعا من البري عودها
وعين محيط بالبريّة طرفها سواء عليها قربها وبعيدها
[٨٤٢]- وقالوا: من حقّ الملك أن يفحص عن أسرار الرعية؛ وكان أردشير متى علم شيئا «١» قال لأرفعهم وأوضعهم: كان عندك في هذه الليلة كيت وكيت، حتى كان يقال يأتيه ملك من السماء، وما ذاك إلا لتصفّحه وتيقظه.
وكان عمر ﵁ علمه بمن نأى عنه كعلمه بمن بات معه على وسادة واحدة، واقتفى معاوية أثره وكذلك زياد؛ وتعرّف إلى زياد رجل فقال: أتتعرّف إليّ وأنا أعرف بك منك بأبيك وأمك، وأعرف هذا البرد الذي عليك؟ فرعب الرجل حتى أرعد.
[٨٤٣]- كتب عليّ ﵇ عهدا لمالك الأشتر النخعي حين ولاه
_________________
(١) البيان والتبيين ٣: ٤٠، ٣٥٣ ومعجم المرزباني: ٢٤٥.
(٢) ربيع الأبرار: ٣٧١/أوالبيهقي: ١٤٣- ١٤٤ والمستطرف ١: ٨٨ وقارن بتسهيل النظر: ٢٤٩ وعن تحري زياد وحده انظر المستطرف ٢: ١٠٦.
(٣) نهج البلاغة: ٤٢٦- ٤٤٥ ونهاية الأرب ٦: ١٩- ٣٢ ودعائم الاسلام ١: ٣٥٤ ومنه أجزاء مفرقة في السعادة والاسعاد، وورد جزء يسير منه في ربيع الأبرار: ٢٤٥/أ، ٣٧٦ ب وانظر عن هذا العهد ونسبته مقالا للدكتورة وداد القاضي بمجلة: L StudiaIslamica LL (١٩٧٨) .
[ ١ / ٣١٥ ]
مصر جمع فيه بين حاشيتي التقوى والسياسة على بعد أقطارهما، وجدته يغني عن كثير من كلام الحكماء والقدماء، وهو مع فرط الإطالة مأمون الملالة، لجمعه بين البلاغة البارعة «١» والمعاني الرائعة، ولولا رغبة الناس في تغاير الكلام وميل النفوس إلى التنقل في الألفاظ، لا كتفيت بايراد هذا العهد عن غيره، إذ كان حاويا لأشتات الآداب والسياسات، جامعا للأسباب التي تلزم الملوك والولاة، والعهد:
هذا ما أمر عبد الله عليّ أمير المؤمنين مالك بن الحارث الأشتر في عهده إليه حين ولاه مصر: جباية خراجها وجهاد عدوّها، واستصلاح أهلها، وعمارة بلادها: أمره بتقوى الله وإيثار طاعته، واتّباع ما أمر به في كتابه من فرائضه وسنّته التي لا يسعد أحد إلا باتباعها، ولا يشقى إلا مع جحودها وإضاعتها، وأن ينصر الله تعالى بيده وقلبه ولسانه، فإنه جلّ اسمه قد تكفّل بنصر من نصره وإعزاز من أعزّه، وأمره أن يكسر من نفسه عند الشهوات ويردعها عند الجمحات، فإنّ النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم الله.
ثم اعلم يا مالك أني قد وجهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور، وأنّ الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمور الولاة قبلك، ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم، وإنما يستدلّ على الصالحين بما يجري الله لهم على ألسن عباده، فليكن أحبّ الذخائر إليك ذخيرة العمل الصالح، فاملك هواك وشحّ بنفسك عما لا يحلّ لك فإن الشحّ بالنفس الانصاف منها فيما أحبّت وكرهت. وأشعر قلبك الرحمة بالرعية والمحبة لهم واللطف بهم، ولا تكوننّ عليهم سبعا ضاريا، يغتنم أكلهم، فإنهم صنفان:
إما أخ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتى على أيديهم في العمد والخطأ، فأعطهم من عفوك وصفحك
[ ١ / ٣١٦ ]
مثل الذي تحبّ أن يعطيك الله من عفوه وصفحه فإنك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاك، وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم.
ولا تنصبنّ نفسك لحرب الله، فإنه لا يدلك بنقمته، ولا غنى بك عن عفوه ورحمته، ولا تندمنّ على عفو، ولا تبجحنّ بعقوبة، ولا تسرعنّ إلى بادرة وجدت عنها مندوحة، ولا تقولنّ إنّي مؤمّر آمر فأطاع، فإن ذلك إدغال في القلب، ومهلكة «١» للدين وتقرّب من الغير، فإذا أحدث لك ما أنت فيه من سلطانك أبّهة ومخيلة، فانظر إلى عظم ملك الله ﷿ فوقك، وقدرته منك على ما لا تقدر عليه من نفسك، فإن ذلك يطامن إليك من طماحك، ويكفّ عنك من غربك «٢»، ويفيء إليك بما عزب عنك من عقلك. وإياك ومساماة الله في عظمته والتشبه به في جبروته، فإن الله يذلّ كلّ جبار، ويهين كلّ مختال. أنصف الله وأنصف الناس من نفسك ومن خاصّة أهلك ومن لك فيه هوى من رعيتك، فإنك إلّا تفعل تظلم، ومن ظلم عباد الله كان الله خصمه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجّته، وكان لله حربا حتى يرجع ويتوب، وليس شيء أدعى إلى تغيير نعمة الله وتعجيل نقمته من إقامة على ظلم.
وليكن أحبّ الأمور إليك أوسطها في الحقّ، وأعمّها في العدل، وأجمعها لرضى الرعية، فإن سخط العامة يجحف برضى الخاصة، وانّ سخط الخاصة يغتفر مع رضى العامة، وليس أحد من الرعيّة أثقل على الوالي مؤونة في الرخاء وأقلّ معونة له في البلاء وأكره للانصاف وأسأل بالإلحاف، وأقلّ شكرا عند الإعطاء وأبطأ عذرا عند المنع، وأضعف صبرا عند ملمّات الدهر من أهل الخاصة، وإنما عمود الدين وجماع المسلمين والعدّة للأعداء العامة من الأمة، فليكن صغوك [لهم] وميلك معهم.
[ ١ / ٣١٧ ]
وليكن أبعد رعيتك منك وأشنأهم عندك أطلبهم لمعايب الناس، فإنّ في الناس عيوبا الوالي أحقّ من سترها، فلا تكشفنّ عما غاب عنك منها، فإنما عليك تطهير ما ظهر لك، والله يحكم على ما غاب عنك، فاستر العورة ما استطعت يستر الله عليك ما تحبّ ستره من عيبك، أطلق عن الناس عقدة كلّ حقد، واقطع عنهم سبب كلّ وتر، وتغاب عن كلّ ما لا يضح لك، ولا تعجلنّ إلى تصديق ساع، فإن الساعي غاشّ، وان تشبّه بالناصحين. ولا تدخلن في مشورتك بخيلا يعدل بك عن الفضل ويعدك الفقر، ولا جبانا يضعفك عن الأمور، ولا حريصا يزيّن لك الشره بالجور، فإن البخل والجبن والحرص غرائز شتّى يجمعها سوء الظنّ بالله.
شرّ وزرائك من كان للأشرار قبلك وزيرا، ومن شركهم في الآثام فلا يكوننّ لك بطانة، فانهم أعوان الأئمة وإخوان الظّلمة، وأنت واجد منهم خير الخلف ممن له مثل آرائهم ونفاذهم، وليس عليه مثل آصارهم وأوزارهم، ممن لا يعاون ظالما على ظلمه، ولا آثما على إثمه، أولئك أخفّ عليك مؤونة، وأحسن لك معونة، وأحنى عليك عطفا، وأقلّ لغيرك إلفا، فاتخذ أولئك «١» خاصة لخلواتك وجفلاتك، ثم ليكن آثرهم عندك أقولهم بمرّ الحقّ، وأقلّهم مساعدة فيما يكون منك مما كره الله لأوليائه واقعا ذلك من هواك حيث وقع؛ والصق بأهل الورع والصدق ثم رضهم على أن لا يطروك، ولا يبجحوك بباطل لم تفعله، فان كثرة الإطراء تحدث الزهو وتدني من الغرّة.
ولا يكوننّ المحسن والمسيء عندك بمنزلة واحدة، فإن في ذلك تزهيدا لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريبا لأهل الإساءة على الإساءة، وألزم كلّا منهم ما ألزم نفسه، واعلم أنه ليس شيء أدعى إلى حسن ظنّ وال برعيته من إحسانه إليهم وتخفيفه المؤونات عنهم، وترك استكراهه إياهم على ما ليس له
[ ١ / ٣١٨ ]
قبلهم، فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظنّ برعيتك، فإن حسن الظنّ يقطع عنك نصبا طويلا، وان أحقّ من حسن ظنّك به لمن حسن بلاؤك عنده، وإن أحقّ من ساء ظنك به لمن ساء بلاؤك عنده؛ ولا تنقض سنّة صالحة عمل بها صدور هذه الأمة، واجتمعت بها الألفة، وصلحت عليها الرعية، ولا تحدثنّ سنة تضرّ بشيء من ماضي تلك السنن، فيكون الأجر لمن سنّها، والوزر عليك بما نقضت منها.
وأكثر مدارسة العلماء ومناقشة الحكماء في تثبيت ما صلح عليه أمر بلادك، وإقامة ما استقام به الناس قبلك.
واعلم أن الرعية طبقات لا يصلح بعضها إلا ببعض، ولا غنى ببعضها عن بعض، فمنها جنود الله، ومنها كتّاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل، ومنها عمّال الإنصاف والرفق، ومنها كتّاب أهل الجزية والخراج من الذمة ومسلمة الناس، ومنها التجار وأهل الصناعات، ومنها الطبقة السفلى من ذوي الحاجة والمسكنة، وكل من قد سمّى الله سهمه، ووضع على حدّه وفريضته في كتابه وسنة نبيه ﵇ عهدا منه محفوظا:
فالجنود باذن الله حصون الرعية وزين الولاة وعزّ الدين وسبل الأمن، وليس الرعية إلا بهم، ثم لا قوام للجنود إلا بما يخرج الله لهم من الخراج الذي يقوون به في جهاد عدوهم، ويعتمدون عليه فيما أصلحهم، ويكون من وراء حاجاتهم، ثم لا قوام لهذين الصنفين إلا بالصنف الثالث من القضاة والعمال والكتاب، لما يحكمون من المعاقل «١» ويجمعون من المنافع، ويؤتمنون عليه من خواصّ الأمور وعوامّها، ولا قوام لهم جميعا إلا بالتجّار وذوي الصناعات فيما يجتمعون عليه من مرافقهم ويقيمون من أسواقهم ويكفونهم بالرفق بأيديهم مما لا يبلغه رفق غيرهم، ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة الذين يحقّ
[ ١ / ٣١٩ ]
رفدهم ومعونتهم، وفي الله لكلّ سعة، ولكلّ على الوالي حقّ بقدر ما يصلحه. فولّ من جنودك أنصحهم في نفسك لله تعالى ولرسوله ولإمامك [وأنقاهم] جيبا، وأفضلهم حلما، ممّن يبطىء عن الغضب، ويستريح إلى العذر، ويرأف بالضعفاء، وينبو على الأقوياء، ممن لا يثيره العنف، ولا يقعد به الضعف. ثم الصق بذوي الأحساب وأهل البيوتات الصالحة والسوابق الحسنة، أهل النجدة والشجاعة والسخاء والسماحة، فإنهم جماع الكرم وشعب العرف، ثم تفقّد من أمورهم ما يتفقد الوالدان من ولدهما، ولا يتفاقمنّ في نفسك شيء قوّيتهم به، ولا تحقرنّ لطفا تعاهدتهم به وان قلّ، فإنه داعية لهم إلى بذل النصيحة لك، وحسن الظنّ بك. ولا تدع تفقد لطيف أمورهم اتكالا على جسيمها، فإن لليسير من لطفك موضعا ينتفعون به، وللجسيم موقعا لا يستغنون عنه.
وليكن آثر رؤوس «١» جندك عندك من واساهم في معونته، وأفضل عليهم من جدته بما يسعهم ويسع من وراءهم من خلوف أهليهم، حتى يكون همّهم هما واحدا في جهاد العدوّ، فإن عطفك عليهم يعطف قلوبهم عليك [وإن أفضل قرّة عين الولاة استقامة العدل في البلاد، وظهور مودة الرعية، وانه لا تظهر مودتهم إلا بسلامة صدورهم] «٢» ولا تصحّ نصيحتهم إلا بحيطتهم على ولاة أمورهم وقلة استثقال دولهم، وترك استبطاء انقطاع مدّتهم، وافسح في آمالهم وواصل من حسن الثناء عليهم وتعديد ما أبلى ذوو البلاء منهم، فإن كثرة الذكر لحسن فعالهم تهزّ الشجاع، وتحرّض الناكل إن شاء الله. ثم اعرف لكل امرىء منهم ما أبلى، ولا تضمنّ بلاء امرىء إلى غيره، ولا تقصرّنّ به دون غاية بلائه، ولا يدعونّك شرف امرىء إلى أن تعظّم من بلائه ما كان صغيرا، ولا ضعة امرىء إلى أن تستصغر من بلائه ما كان عظيما.
[ ١ / ٣٢٠ ]
واردد إلى الله ورسوله ما يضلعك من الخطوب، ويشتبه عليك من الأمور، فقد قال الله تعالى لقوم أحبّ إرشادهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ، فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ
(النساء: ٥٨)، فالرادّ إلى الله الآخذ بمحكم كتابه، والرادّ إلى الرسول الآخذ بسنته الجامعة غير المفرّقة.
ثم اختر للحكم بين الناس أفضل رعيتك في نفسك ممن لا تضيق به الأمور ولا تمحّكه الخصوم ولا يتمادى في أزله «١» ولا يحصر عن الفيء إلى الحقّ إذا عرفه، ولا تشرف نفسه على طمع، ولا يكتفي بأدنى فهم دون أقصاه:
أوقفهم في الشّبهات وآخذهم بالحجج، وأقلّهم تبرما بمراجعة الخصم، وأصبرهم على تكشيف «٢» الأمور، وأصرمهم عند اتضاح الحكم ممن لا يزدهيه إطراء، ولا يستميله إغراء، وأولئك قليل، ثم أكثر تعاهد قضائه، وافسح له في البذل ما يزيح علّته، وتقلّ معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره من خاصّتك، لتأمن بذلك اغتيال الرجال له عندك، فانظر في ذلك نظرا بليغا، فإن هذا الدين قد كان أسيرا في أيدي الأشرار، يعمل فيه بالهوى وتطلب به الدنيا.
ثم انظر في أمور عمالك فاستعملهم اختيارا، ولا تولّهم محاباة وأثرة، فإنهما جماع من شعب الجور والخيانة، وتوخّ منهم أهل التجربة والحياء من أهل البيوتات الصالحة والقدم في الإسلام المقدّمة «٣»، فإنهم أكرم خلاقا، وأصحّ أعراضا، وأقلّ إلى المطامع إشرافا، وأبلغ في عواقب الأمور نظرا، ثم أسبغ عليهم الأرزاق، فإن ذلك قوة لهم على استصلاح أنفسهم، وغنى لهم عن تناول ما تحت أيديهم، وحجّة عليهم إن خالفوا أمرك أو ثلموا أمانتك، ثم ٢١ ١ التذكرة
[ ١ / ٣٢١ ]
تفقّد أعمالهم وابعث العيون من أهل الصدق والوفاء عليهم، فإن تعاهدك في السرّ لأمورهم حدوة لهم على استعمال الأمانة والرفق بالرعية. وتحفّظ من الأعوان فإن أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك اكتفيت بذلك شاهدا فبسطت عليه العقوبة في بدنه، وأخذته بما أصاب من عمله، ثم نصبته بمقام المذلّة، ووسمته بالخيانة، وقلّدته عار التهمة.
وتفقد أمر الخراج بما يصلح أهله، فإن في صلاحهم وصلاحه صلاحا لمن سواهم، ولا صلاح لمن سواهم إلا بهم، لأنّ الناس كلّهم عيال على الخراج وأهله. وليكن نظرك في عمارة الأرض أبلغ من نظرك في استجلاب الخراج لأن ذلك لا يدرك إلا بالعمارة، ومن طلب الخراج بغير عمارة أخرب البلاد وأهلك العباد، ولم يستقم أمره إلا قليلا، فإن شكوا ثقلا أو علّة أو انقطاع شرب أو بالة أو إحالة أرض اغتمرها غرق وأجحف بها عطش، خفّفت عنهم بما ترجو أن يصلح به أمرهم. ولا يثقلنّ عليك شيء خفّفت به المؤونة عنهم، فإنه ذخر يعودون به [عليك] في عمارة بلادك، وتزيين ولايتك، مع استجلابك حسن ثنائهم، وتبجّحك باستفاضة العدل فيهم، معتمدا أفضل قوتهم بما ذخرت عندهم من إجمامك لهم والثقة منهم بما عوّدتهم من عدلك عليهم ورفقك بهم، فربما حدث من الأمور ما إذا عوّلت فيه عليهم من بعد احتملوه طيّبة أنفسهم به، فإن العمران محتمل ما حمّلته، وإنما يؤتى خراب الأرض من إعواز أهلها، وإنما يعوز أهلها لاشراف أنفس الولاة على الجمع وسوء ظنّهم بالبقاء، وقلّة انتفاعهم بالعبر.
ثم انظر في حال كتّابك فولّ على أمورك خيرهم، واخصص رسائلك التي تذخل فيها مكايدك وأسرارك بأجمعهم لوجوه صالح الأخلاق ممن لا تبطره الكرامة فيجترىء بها عليك في خلاف لك بحضرة ملأ، ولا تقصّر به الغفلة عن إيراد مكاتبات عمالك وإصدار جواباتها على الصواب عنك، وفيما يأخذ لك
[ ١ / ٣٢٢ ]
ويعطي منك، ولا يضعف عقدا اعتقده لك، ولا يعجز عن إطلاق ما عقد عليك، ولا يجهل مبلغ [قدر] نفسه في الأمور، فإن الجاهل بقدر نفسه يكون بقدر غيره أجهل، ثم لا يكون اختيارك إياهم على فراستك، واستنامتك وحسن الظنّ منك، فإن الرجال يتعرّضون لفراسات الولاة بتصنيعهم «١» وحسن خدمتهم، وليس وراء ذلك من النصيحة والأمانة شيء، ولكن اختبرهم بما ولوا للصالحين قبلك، فاعمد لأحسنهم كان في العمامة أثرا، وأعرفهم بالأمانة وجها، فإن ذلك دليل على النصيحة «٢» لله ولمن ولّيت أمره. واجعل لرأس كلّ أمر من أمورك رأسا منهم لا يقهره كبيرها ولا يتشتّت عليه كثيرها، ومهما كان في كتّابك من عيب فتغابيت عنه ألزمته.
ثم استوص بالتجار وذوي الصناعات وأوص بهم خيرا: المقيم منهم، والمضطرب بماله والمترفّق ببدنه، فإنهم موادّ المنافع، وأسباب المرافق، وجلّابها من المباعد والمطارح، في برّك وبحرك، وسهلك وجبلك، وحيث لا يلتئم الناس إلى مواضعها، ولا يجترئون عليها، فإنهم سلم لا تخاف بائقته، وصلح لا تخشى غائلته، وتفقد أمورهم بحضرتك وفي حواشي بلادك، واعلم مع ذلك أن في كثير منهم ضيقا فاحشا، وشحا «٣» قبيحا، واحتكارا للمنافع، وتحكما في البياعات، وذلك باب مضرّة للعامّة، وعيب على الولاة، فامنع الاحتكار فإنّ رسول الله ﵇ منع منه؛ وليكن البيع بيعا سمحا بموازين عدل وأسعار لا تجحف بالفريقين: من البائع والمبتاع، فمن قارف حكرة بعد نهيك إياه، فنكّل به وعاقب في غير إسراف.
ثم الله الله في الطبقة السفلى من الذين لا حيلة لهم والمساكين والمحتاجين و[أهل] البؤسى والزّمنى، فإن في هذه الطبقة قانعا ومعتّرا، فاحفظ الله ما
[ ١ / ٣٢٣ ]
استحفظك من حقّه فيهم، واجعل لهم قسما من بيت مالك، وقسما من غلّات صوافي الاسلام في كلّ بلد، فإن للأقصى منهم مثل الذي للأدنى، وكلّ قد استرعيت حقه، فلا يشغلك عنهم نظر، فإنك لا تعذر بتضييع التافه لإحكامك الكثير المهمّ، ولا يشخص همّك عنهم، ولا تصعّر خدّك لهم، وتفقّد أمور من لا يصل إليك منهم ممن تقتحمه العيون وتحقره الرجال، ففرّغ لأولئك ثقتك «١» من أهل الخشية والتواضع، فليرفع إليك أمورهم، ثم اعمل فيهم بالإعذار إلى الله سبحانه يوم تلقاه، فإن هؤلاء من بين الرعية أحوج إلى الإنصاف من غيرهم، وكلّ فأعذر إلى الله في تأدية حقّه إليه. وتعهد أهل اليتم وذوي الرقّة في السنّ ممن لا حيلة له ولا ينصب للمسألة نفسه، وذلك على الولاة ثقيل، والحقّ كلّه ثقيل، وقد يخفّفه الله على أقوام طلبوا العاقبة فصبروا أنفسهم ووثقوا بصدق موعود الله لهم.
واجعل لذوي الحاجات منك قسما تفرّغ لهم فيه نفسك، وتجلس لهم مجلسا عاما فتتواضع فيه لله الذي خلقك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك حتى يكلّمك متكلمهم غير متعتع فإني سمعت رسول الله ﵇ يقول في غير موطن «٢»: «لن تقدّس أمة لا يؤخذ للضعيف فيها حقّه من القويّ غير متعتع»، ثم احتمل الخرق منهم والعيّ، ونحّ عنك «٣» الضيق والأنف يبسط الله عليك بذلك أكناف رحمته، ويوجب لك ثواب طاعته، وأعط ما أعطيت هنيئا، وامنع في إجمال وإعذار.
ثم أمور من أمورك لا بد لك من مباشرتها: منها إجابة عمّالك بما يعي «٤» عنه كتّابك، ومنها إصدار حاجات الناس عند ورودها عليك مما تخرج به
[ ١ / ٣٢٤ ]
صدور أعوانك، وأمض لكلّ يوم عمله، فإنّ لكل يوم ما فيه، واجعل لنفسك فيما بينك وبين الله «١» أفضل تلك المواقيت وأجزل تلك الأقسام، وإن كانت كلها لله، إذا صلحت فيها النية، وسلمت منها الرعية، وليكن في خاصّة ما تخلص به لله دينك: إقامة فرائضه التي هي له خاصة، فاعط لله من بدنك في «٢» ليلك ونهارك، ووفّ ما تقرّبت به إلى الله من ذلك كاملا غير مثلوم ولا منقوص بالغا من بدنك ما بلغ، وإذا قمت في صلاتك للناس فلا تكوننّ منقّرا ولا مضيّعا، فإن في الناس من به العلّة وله الحاجة. وقد سألت رسول الله ﵇ حين وجّهني إلى اليمن: كيف أصلّي بهم؟ فقال: صلّ بهم كصلاة أضعفهم، وكن بالمؤمنين رحيما.
وأما بعد هذا فلا يطولنّ احتجابك عن رعيتك، فإن احتجاب الولاة عن الرعية شعبة من الضيق، وقلة علم بالأمور، والاحتجاب منهم يقطع عنهم علم ما احتجبوا دونه، فيصغر عندهم الكبير ويعظم الصغير، ويقبح الحسن ويحسن القبيح، ويشاب الحقّ بالباطل، وإنما الوالي بشر لا يعرف ما توارى عنه الناس به من الأمور، وليست على الحقّ سمات تعرف بها ضروب الصدق من الكذب، وإنما أنت أحد رجلين: إما امرؤ سخت نفسك بالبذل في الحقّ ففيم احتجابك من واجب حقّ تعطيه، أو فعل كرم تسديه؟ أو مبتلى بالمنع فما أسرع كفّ الناس عن مسألتك إذا يئسوا من بذلك، مع أن أكثر حاجات الناس إليك ما لا مؤونة فيه عليك، من شكاة مظلمة أو طلب إنصاف في معاملة.
ثم إن للوالي خاصة وبطانة فيهم استئثار وتطاول وقلة إنصاف، فاحسم مؤونة «٣» أولئك بقطع أسباب تلك الأحوال، ولا تقطعنّ لأحد من حاشيتك
[ ١ / ٣٢٥ ]
وحامّتك قطيعة، ولا يطمعنّ منك في اعتقاد عقدة تضرّ بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك يحملون مؤونته على غيرهم فيكون مهنأ ذلك لهم دونك وعيبه عليك في الدنيا والآخرة.
وألزم الحقّ من لزمه من القريب والبعيد، وكن في ذلك صابرا محتسبا واقعا ذلك من قرابتك وخواصك حيث وقع، وابتغ عاقبته بما يثقل عليك منه، فإن مغبّة ذلك محمودة.
وإن ظنّت الرعية بك حيفا فأصحر لهم بعذرك، واعدل عنك ظنونك باصحارك فإن في ذلك [رياضة منك لنفسك ورفقا برعيتك و] «١» إعذارا تبلغ به حاجتك من تقويمهم على الحقّ.
ولا تدفعنّ صلحا دعاك إليه عدوك، لله فيه رضى، فإن في الصلح دعة لجنودك، وراحة لهمومك، وأمنا لبلادك، ولكن أحذر كل الحذر من عدوّك بعد صلحه، فإن العدو ربما قارب ليتغفّل، فخذ بالحزم، واتّهم في ذلك حسن الظنّ. وإن عقدت بينك وبين عدوك عقدة أو ألبسته منك ذمّة فحط عهدك بالوفاء، وارع ذمّتك بالأمانة، واجعل نفسك جنّة دون ما أعطيت، فإنه ليس من فرائض الله شيء الناس أشدّ عليه اجتماعا مع تفرّق أهوائهم وتشتيت آرائهم من تعظيم الوفاء بالعهود، وقد لزم ذلك المشركون فيما بينهم دون المسلمين لما استوبلوا من عواقب الغدر، فلا تغدرنّ بذمّتك، ولا تخيسنّ بعهدك، ولا تختلنّ عدوّك، فإنه لا يجترىء على الله إلا جاهل شقيّ. وقد جعل الله عهده وذمّته أمنا قضاه «٢» بين العباد برحمته، وحرما «٣» يسكنون إلى منعته، ويستفيضون إلى جواره، فلا إدغال ولا مخالسة ولا خداع فيه، ولا تعقد عقدا تجوز فيه العلل، ولا تعوّلنّ على لحن قول بعد التأكيد والتوثقة،
[ ١ / ٣٢٦ ]
ولا يدعونّك ضيق أمر لزمك فيه عهد الله إلى طلب «١» انفساخه بغير الحقّ، فإنّ صبرك في ضيق أمر ترجو انفراجه وفضل عاقبته خير من غدر تخاف تبعته، وأن يحيط بك فيه من الله طلبة لا تستقيل فيها دنياك ولا آخرتك.
إياك والدماء وسفكها بغير حقّها، فإنه ليس شيء أدعى لنقمة، ولا أعظم تبعة ولا أحرى لزوال نعمة وانقطاع مدّة من سفك الدماء بغير حقّها، والله سبحانه مبتدىء بالحكم بين العباد فيما تسافكوا من الدماء بغير حقها «٢» يوم القيامة، فلا تقوينّ سلطانك بسفك دم حرام، فإن ذلك مما يضعفه ويوهنه بل يزيله وينقله، ولا عذر لك عند الله ولا عندي في قتل العمد، لأنّ فيه قود البدن، فإن ابتليت بخطأ وأفرط عليك سوطك أو يدك بعقوبة، فإن في الوكزة فما فوقها مقتلة، فلا تطمحنّ بك نخوة سلطانك عن أن تؤدي إلى أولياء المقتول حقّهم.
وإياك والإعجاب بنفسك والثقة بما يعجبك منها، وحبّ الإطراء، فإن ذلك من أوثق فرص الشيطان في نفسه ليمحق ما يكون من إحسان المحسن.
وإياك والمنّ على رعيتك بإحسانك، أو التزيّد فيما كان من فعلك، أو أن تعدهم فتتبع موعدك بخلف، فإن المنّ يبطل الإحسان، والتزيد يذهب بنور الحقّ، والخلف يوجب المقت عند الله والناس؛ قال الله تعالى: كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا ما لا تَفْعَلُونَ
(الصف: ٣) .
إياك والعجلة بالأمور قبل أوانها، أو التثبّط «٣» فيها عند إمكانها، واللجاجة فيها إذا تنكرت، أو الوهن عنها إذا استوضحت، فضع كلّ أمر موضعه، وأوقع كلّ عمل موقعه.
[ ١ / ٣٢٧ ]
وإياك والاستئثار بما الناس فيه أسوة، والتغابي عما تعنى به مما قد وضح لعيون الناظرين، فإنه مأخوذ منك لغيرك، وعما قليل تنكشف عنك أغطية الأمور، وينتصف منك للمظلوم.
املك حميّة أنفك، وسورة حدّك، وسطوة يدك، وغرب لسانك، واحترس من كلّ ذلك بكفّ البادرة وتأخير السّطوة، حتى يسكن غضبك فتملك الاختيار، ولن تحكم ذلك من نفسك حتّى تكثر همومك بذكر المعاد إلى ربك.
والواجب عليك أن تتذكّر ما مضى لمن تقدّمك من حكومة عادلة، أو سنّة فاضلة، أو أثر عن النبي ﵇ أو فريضة في كتاب الله، فتقتدي بما شاهدت مما عملنا به فيها، وتجتهد لنفسك في اتّباع ما عهدت إليك في عهدي هذا، واستوثقت به من الحجّة لنفسي عليك، لكيلا يكون لك علة عند تسرّع نفسك إلى هواها.
ومن هذا العهد، وهو آخره: وأنا أسأل الله بسعة رحمته، وعظيم قدرته على إعطاء كلّ رغبة أن يوفّقني وإياك لما فيه رضاه من الإقامة على العذر الواضح إليه وإلى خلقه، مع حسن الثناء في العباد، وجميل الأثر في البلاد، وتمام النعمة وتضعيف الكرامة، وأن يختم لي ولك بالسعادة والشهادة، إنا إليه راغبون «١» .
[٨٤٤]- قال بعض العباسيين: كلمت المأمون في امرأة خطبتها، وسألته النظر إليها فقال: يا أبا فلان [من] قصتها وحالها وفعلها، فو الله إن زال يصفها ويصف أحوالها حتى بهتّ.
_________________
(١) ربيع الأبرار: ٣٧١/أوالبيهقي: ١٤٤.
[ ١ / ٣٢٨ ]
[٨٤٥]- ورفع رجل رقعة «١» يسأله إجراء الرزق، فقال له: كم عيالك؟ فزاد في العدد، فلم يوقّع، ثم كتب إليه في السنة التالية فصدق فوقّع.
[٨٤٦]- أبو الفتح «٢» البستي: [من البسيط]
إذا غدا ملك باللهو مشتغلا فاحكم على ملكه بالويل والحرب
ألم تر الشمس في الميزان هابطة لما غدا برج نجم اللهو والطرب
[٨٤٧]- قال عبد الله بن الحكم: إنه قد يضطغن على السلطان رجلان: رجل أحسن في محسنين فأثيبوا وحرم، ورجل أساء في مسيئين فعوقب وعفي عنهم، فينبغي للسلطان أن يحترز منهما.
[٨٤٨]- كتب عمر بن عبد العزيز إلى عامله أن لا تعاقب عند غضبك، وإذا غضبت على رجل فاحبسه، فإذا سكن غضبك فأخرجه فعاقبه على قدر ذنبه، ولا تجاوز به خمسة عشر سوطا.
[٨٤٩]- وكان زياد إذا أغضبه رجل حبسه ثلاثة أيام ثم دعا به، فإن رأى عقوبة عاقبه وقال: إنما منعني من عقوبته أول يوم مخافة أن أكون عاقبته للغضب. فإن لم ير عقوبة خلّى سبيله.
_________________
(١) ربيع الأبرار: ٣٧١/أوالبيهقي: ١٤٥.
(٢) اليتيمة ٤، ٣١٥ والتمثيل والمحاضرة: ١٩٠.
(٣) العقد ١: ٢٧ وأصل هذا في كليلة ودمنة: ٩٢ وانظر كتاب الآداب: ٢٥.
(٤) المستطرف ١: ١٩٢.
(٥) أنساب الأشراف ٤/١: ٢٧٥ وبهجة المجالس ١: ٣٤٧ ونسب هذا الفعل الى عمر بن عبد العزيز في عيون الأخبار ١: ٨٩ وفي محاضرات الأبرار ٢: ٢٥٣.
[ ١ / ٣٢٩ ]
[٨٥٠]- قيل لبعض المجوس: ما أحكم شيء في كتابكم: قال:
نحتك الحجارة بغير فأس وإذابتك الحديد [بغير نار أهون من رياضة مستصعب قد جفا عن التقويم] .
[٨٥١]- قيل: كانت الملوك تختار لرسائلها العاقل الجميل الوجه.
[٨٥٢]- قيل لحكيم: أيّ الرسل أنجح؟ قال: الذي له جمال وعقل.
[٨٥٣]- وعن رسول الله ﷺ: إذا أبردتم إليّ بريدا فاجعلوه حسن الوجه حسن الاسم.
_________________
(١) ورد في ربيع الأبرار ١: ٥١٣ وما بين معقفين زيادة منه.
(٢) نثر الدر ٤: ٥٦ وربيع الأبرار: ١٣٣/أوالبصائر ١: ١٣٩ ونسب لارسطاطاليس في منتخب صوان الحكمة: ١٤٧ والكلم الروحانية: ٧٧.
(٣) اللآلىء المصنوعة ١: ١١٣ ومجمع الزوائد ٨: ٤٧ وبهجة المجالس ١، ٢٧٧ والعقد ٢: ١، ٣ ونثر الدر ١: ١٧٦ ومجموعة ورام ١: ٢٩ وربيع الأبرار ١٣٣/أ.
[ ١ / ٣٣٠ ]