[٨١]- قد اختلفت الرواة فيما جاء من «٢» مثل هذه الآداب والمواعظ اختلافا شديدا، ونسبوا الكلمة منها إلى جماعة من القرابة والصحابة، وكثيرا ما نسبوا فقرا يتداولها الناس تارة إلى رسول الله وتارة إلى أهله وأصحابه رضوان الله عليهم، حتى أن الرضي أبا الحسن الموسوي ﵀ كان مع شدة توقيه ومعرفته بكلام أبيه، في نهج البلاغة وهو الذي حققه من كلام علي ﵇ واختاره «٣»، كثيرا ما تحقق أصحاب الحديث أنه كلام النبيّ ﷺ، وكذلك غيره فعل، نسب شطرا من كلامه إلى أولاده ﵃، ولعلّ أحدهم كان يذكر الكلمة رواية أو تمثلا عن آبائه فيغفل الراوي الاسناد، وقد يقع التوارد في الكلمة كما يتفق الإيطاء في الشعر.
وروي أن عليا ﵇ سئل عن سبب اختلاف الناس في الحديث فقال «٥»: الناس أربعة: رجل منافق كذب على رسول الله متعمدا، فلو علم أنه منافق ما صدّق ولا أخذ عنه، ورجل سمع رسول الله ﷺ يقول قولا أو رآه يفعل فعلا ثم غاب ونسخ ذلك من قوله وفعله، فلو علم أنه نسخ ما حدّث ولا عمل به، ولو علم الناس أنه نسخ ما قبلوا منه ولا أخذوا عنه، ورجل
[ ١ / ٦٣ ]
سمع رسول الله ﷺ يقول قولا فوهم فيه، فلو علم أنه وهم ما حدّث ولا عمل به، ورجل لم يكذب ولم يهم وشهد ولم يغب، وإنما دلّ بهذا على نفسه.
وكلهم ينزعون إلى غاية ويستقون من قليب واحد ولأيّهم كان الكلام فبنور النبوة أشرق ضياؤه ومن شجرتها المباركة اقتبست ناره. فإن حقق قارىء هذا الكتاب نقلا يخالف في بعض الكلمات، فالعهدة فيه على الرواة، وأنا لم آل في بذل الاجتهاد مع شدة تناقض أرباب الاسناد، وليس ذلك بقادح فيه، إذ المقصود المذاكرة بمعانيه، لا نسبته إلى قائليه.
[٨٢]- قال علي بن أبي طالب ﵇: أما بعد فإن الدنيا قد أدبرت وآذنت بوداع، وإن الآخرة قد أقبلت وأشرفت باطلاع، وإن المضمار اليوم وغدا السباق، والسبقة الجنة، والغاية النار، ألا وإنكم في أيام أمل من ورائه أجل، فمن أخلص في أيام أمله قبل حضور أجله نفعه علمه ولم يضرّه أمله، ومن قصّر في أيام أمله قبل حضور أجله فقد خسر عمله وضرّه أمله «١»، ألا فاعملوا في الرغبة كما تعملون في الرهبة، ألا وإني لم أر كالجنة نام طالبها ولا كالنار نام هاربها، ألا وإنه من لم ينفعه الحقّ ضرّه الباطل، ومن لم يستقم به الهدى يجر به الضلال، ألا وإنكم قد أمرتم بالظّعن ودللتم على الزاد، وإنّ أخوف ما أخاف عليكم اتباع الهوى وطول الأمل.
_________________
(١) نهج البلاغة: ٧١، وعيون الأخبار ٢: ٢٣٥، والعقد ٤: ٦٥، ومروج الذهب: ٣:
(٢) ١٧٩، والحكمة الخالدة: ١٤٤، ونثر الدر ١: ٣٢٣- ٣٢٤، والفصول المهمة:
(٣) ١١٥، وغرر الخصائص: ١٥٤، وكنز العمال ١٦: ٢٠٢، وقوله: «لم أر كالجنة هاربها» أورده في بهجة المجالس ٢: ٣٢٠، ونسبه للرسول؛ وقوله: «وان أخوف ما أخاف عليكم» في الخصال ١: ٥١، ٥٢ مرفوعا وموقوفا، وأمالي الطوسي ١: ١١٧، وأدب الدنيا والدين: ٣٤ ومحاضرات الراغب ٢: ٤٥٧ والمصباح المضيء ١: ٣٦٢، والبصائر ٣/٢: ٦٥٣ ولقاح الخواطر: ١٢/أ.
[ ١ / ٦٤ ]
[٨٣]- وخطب ﵇ فقال: اتقوا الله الذي إن قلتم سمع، وإن أضمرتم علم، واحذروا «١» الموت الذي إن أقمتم أخذكم، وإن هربتم أدرككم.
[٨٤]- ومرّ في منصرفه من صفين بمقابر فقال: السلام عليكم يا أهل الديار الموحشة والمحالّ المقفرة من المؤمنين والمؤمنات، يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين، أنتم لنا سلف فارط، ونحن لكم تبع وإنا بكم عما قليل لاحقون «٢» اللهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز عنّا وعنهم، الحمد لله الذي منها خلقنا، وعليها ممشانا، وفيها معاشنا، طوبى لمن ذكر المعاد وأعدّ للحساب وقنع بالكفاف.
[٨٥]- وقال لابنه الحسن: يا بنيّ لا تخلّفنّ وراءك شيئا من الدنيا، فإنك تخلّفه لأحد رجلين: إما رجل عمل فيه بطاعة الله ﷿ فسعد بما شقيت به، وإما رجل عمل بمعصية الله فكنت عونا له على ذلك، وليس أحد هذين بحقيق أن تؤثره على نفسك.
[٨٦]- ومن كلامه ﵇: من العبادة الصمت وانتظار الفرج.
_________________
(١) نهج البلاغة: ٥٠٥.
(٢) نهج البلاغة: ٤٩٢ (وفيه اختلافات عما هنا)، وزهر الآداب: ٤٢، ونثر الدر ١: ٢٧٨، والبيان والتبيين ٣: ١٤٨، والعقد ٣: ٢٣٦- ٢٣٧، والمستطرف ٢: ٣١٦ ومحاضرات الراغب ٤: ٤٨٤، والشريشي ٢: ٩.
(٣) نهج البلاغة: ٥٤٩، ولباب الآداب: ١٢٣، وقد وردت هذه الوصية منسوبة إلى زيمون الشاعر في فقر الحكماء: ٢٧٠، ونسبت للحسن بن علي في محاضرات الراغب ١: ٥٢٣، ٥٧١.
(٤) نثر الدر ١: ٢٧٩ (أفضل العبادة ) وكذلك في البيان والتبيين ١: ٢٩٧، و٢: ١٦٥، ٣٥٠، ٣: ٢٦٠. ٥ ١ التذكرة
[ ١ / ٦٥ ]
[٨٧]- ومنه: أما بعد فإنّ المرء يسرّه درك ما لم يكن ليفوته: ويسوءه فوت ما لم يكن ليدركه، فليكن سرورك بما نلت من آخرتك، وليكن أسفك على ما فاتك منها، وما نلت من دنياك فلا تكثر به فرحا، وما فاتك منها فلا تأس عليه جزعا، وليكن همّك فيما بعد الموت.
[٨٨]- ورؤي «١» عليه إزار مرقوع فقيل له في ذلك فقال: يخشع له القلب وتذلّ له النفس ويقتدي به المؤمنون بعدي.
[٨٩]- وقال ﵇ لسلمان الفارسي رحمة الله عليه: إنّ مثل الدنيا مثل الحية ليّن مسّها قاتل سمها، فأعرض عما يعجبك منها، فإن المرء العاقل كلّما صار منها إلى سرور أشخصه منها إلى مكروه، ودع عنك همومها إن أيقنت بفراقها.
_________________
(١) نهج البلاغة: ٣٧٨ (من كتاب إلى عبد الله بن عباس) والتعازي والمراثي: ٣٠٢، ونثر الدر ١: ٢٨١، وعين الأدب: ٢٠٢، والبصائر ٢: ٧٧٧، وأدب الدنيا والدين: ١٠٧، والحكمة الخالدة: ١٧٩، ومحاضرات الراغب ٢: ٤٠٤ والفصول المهمة: ١١٥ وتذكرة الخواص: ١٥٠.
(٢) نهج البلاغة: ٤٨٦، وصفة الصفوة ١: ١٢٣، وطبقات ابن سعد ٣: ٢٨، وحلية الأولياء ١: ٨٣، وأنساب الأشراف (المحمودي) ٢: ١٢٩، والرياض النضرة ٢: ٣٠٧، وذخائر العقبى: ١٠٢، وشرح النهج ٩: ٢٣٥، وربيع الأبرار: ٣٣١/أ (٤: ٨) وتذكرة الخواص: ١١٣.
(٣) نهج البلاغة: ٤٥٨، والبصائر ٧: ٢٣٢- ٢٣٣ ومحاضرات الراغب ٢: ٣٩٠ والحكمة الخالدة: ١١١، والمجتنى: ٤١، وسراج الملوك: ١٦، ومجموعة ورام ١: ١٤٨، وبعضه في البصائر ٢: ٣٤ (وفي النص سقط) وأدب الدنيا والدين: ١١٤- ١١٥، والتمثيل والمحاضرة: ٢٤٩.
[ ١ / ٦٦ ]
[٩٠]- قال كميل بن زياد «١» النخعي: أخذ بيدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵇ فأخرجني إلى الجبانة، فلما أصحر تنفّس الصعداء ثم قال: يا كميل إنّ هذه القلوب أوعية فخيرها أوعاها، فاحفظ عني ما أقول لك: إنّ الناس ثلاثة عالم ربانيّ، ومتعلّم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كلّ ناعق يميلون مع كلّ ريح، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجأوا إلى ركن وثيق. يا كميل: العلم خير من المال فالمال تنقصه النفقة والعلم يزكو على الإنفاق. يا كميل: معرفة العلم دين يدان به، يكسب الإنسان الطاعة في حياته، وجميل الأحدوثة بعد وفاته. والعلم حاكم والمال محكوم عليه. يا كميل بن زياد: هلك خزّان المال وهم أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر، أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة، ها إنّ ها هنا لعلما جما- وأشار إلى صدره- لو أصبت له حملة؛ بلى أصبت لقنا «٢» غير مأمون عليه «٣»، مستعملا آلة الدين للدنيا، ومستظهرا بنعم الله على عباده، وبحججه على أوليائه، أو منقادا بجملة «٤» الحق لا بصيرة له في إجابة «٥»، ينقدح الشكّ في قلبه لأول عارض من شبهة، ألا لا ذا ولا ذاك، أو منهوما باللذة، سلس القياد للشهوة، أو مغرما بالجمع والادّخار، ليسا من رعاة الدين في شيء، أقرب
_________________
(١) نهج البلاغة: ٤٩٥- ٤٩٧، وحلية الأولياء ١: ٧٩- ٨٠، وصفة الصفوة ١: ١٢٧، والإرشاد: ١٢١، وعين الأدب: ٢٦٥، وسراج الملوك: ١١٠، والخصال ١: ١٨٦، وأمالي الطوسي ١: ١٩، وديوان المعاني ١: ١٤٦- ١٤٧، ولقاح الخواطر: ١٢/أوتذكرة الخواص: ١٤١- ١٤٢.
[ ١ / ٦٧ ]
[شيء] شبها بهما الأنعام السائمة؛ كذلك يموت العلم بموت حامليه «١» . اللهم بلى، لا تخلو الأرض من قائم لله بحجة إما ظاهرا مشهورا أو خائفا مغمورا، لئلا تبطل حجج الله وبيناته. ولم ذا وأين أولئك؟ أولئك والله الأقلّون عددا، الأعظمون قدرا، بهم يحفظ الله حججه وبيناته حتى يودعوها نظراءهم، ويزرعوها في قلوب أشباههم، هجم العلم بهم على حقيقة البصيرة، وباشروا روح اليقين، واستلانوا ما استوعر المترفون، وأنسوا بما استوحش منه الجاهلون، وصحبوا الدنيا بأبدان أرواحها معلّقة بالمحلّ الأعلى. أولئك خلفاء الله في أرضه، والدعاة إلى دينه، آه آه شوقا إليهم، انصرف إذا شئت.
[٩١]- ومن كلام له ﵇: أيها الناس إنما الدنيا دار مجاز، والآخرة دار قرار، فخذوا من دار ممرّكم لمقركم، ولا تهتكوا أستاركم عند من يعلم أسراركم، وأخرجوا من الدنيا قلوبكم من قبل ان تخرج منها أبدانكم؛ ففيها اختبرتم ولغيرها خلقتم، إنّ المرء إذا هلك قال الناس: ما ترك؟ وقالت الملائكة: ما قدّم؟ لله آباؤكم، فقدّموا بعضا يكن لكم، ولا تخلّفوا كلّا فيكون عليكم.
[٩٢]- قال «٢» مجاهد: خرج علينا علي ﵇ يوما معتجرا فقال:
جعت مرة بالمدينة جوعا شديدا، فخرجت أطلب العمل في عوالي المدينة، فإذا
_________________
(١) نهج البلاغة: ٣٢٠، ومن الغريب أن ينسبها ابن أبي الحديد (شرح النهج ٥: ٢٣٢) لأعرابي كان واليا على ضرية، وكذلك هي لأعرابي في المحاسن والأضداد: ١١٢، وفي محاضرات الأبرار ١: ٣١٤، وزهر الآداب: ٤٠٤ ونثر الدر ٦: ٢٥.
(٢) حلية الأولياء ١: ٧، وصفة الصفوة ١: ١٢٤، والرياض النضرة ٢: ٣٠٨، وذخائر العقبى: ١٠٤.
[ ١ / ٦٨ ]
أنا بامرأة قد جمعت مدرا فظنتها تريد بلّه فأتيتها فقاطعتها كلّ ذنوب على تمرة، فمددت ستة عشر ذنوبا حتى مجلت يداي، ثم أتيت الماء فأصبت منه، ثم أتيتها فقلت بكفّي هكذا بين يديها «١» فعدّت لي ست عشرة تمرة، فأتيت النبي صلى الله عليه فأخبرته، فأكل معي منها. قوله: مجلت أي تنفّطت.
[٩٣]- ودخل عليه بعض أصحابه بالخورنق وهو يرعد تحت سمل قطيفة، فقال: يا أمير المؤمنين إن الله قد جعل لك ولأهل بيتك في هذا المال، وأنت تصنع بنفسك ما تصنع؟! فقال: والله ما أرزأكم من مالكم شيئا، وإنها لقطيفتي التي خرجت بها من منزلي، أو قال: من المدينة.
[٩٤]- وقسم ﵇ ما في بيت المال على سبعة أسباع، ثم وجد رغيفا فكسره سبع كسر، ثم دعا أمراء الأجناد فأقرع بينهم.
[٩٥]- قال الأحنف: دخلت على معاوية فقدّم إليّ من الحلو والحامض ما كثر تعجبي منه، ثم قدّم لونا ما أدري ما هو، فقلت ما هذا؟ قال:
مصارين البطّ محشوة بالمخّ قد قلي بدهن الفستق وذرّ عليه الطبرزد، فبكيت، فقال: ما يبكيك؟ قلت: ذكرت عليا، بينا أنا عنده فحضر وقت إفطاره، فسألني المقام إذ دعا بجراب مختوم، قلت: ما في الجراب؟ قال: سويق شعير، قلت: خفت عليه أن يؤخذ أو بخلت به؟ قال: لا ولا أحدهما ولكني خفت أن يلتّه الحسن والحسين بسمن أو زيت. قلت: محرّم هو يا أمير
_________________
(١) حلية الأولياء ١: ٨٢، وصفة الصفوة ١: ١٢٢ وتذكرة الخواص: ١١٣ وانظر التعارض بين هذه الرواية وما ورد في رقم: ١٤٣، فهنا عليّ يرعد من البرد وهنالك كفي الحرّ والبرد.
(٢) حلية الأولياء ٧: ٣٠٠.
(٣) نثر الدر ١: ٣٠٤ وتذكرة الخواص: ١١٠.
[ ١ / ٦٩ ]
المؤمنين؟ قال: لا ولكن يجب على أئمة الحقّ أن يعتدّوا أنفسهم من ضعفة الناس لئلا يطغي الفقير فقره، قال معاوية: ذكرت من لا ينكر فضله.
[٩٦]- واشترى علي ﵇ بالكوفة تمرا فحمله في طرف ردائه، فتبادره الناس وقالوا: يا أمير المؤمنين نحمله عنك، فقال: رب العيال أحقّ بحمله «١» .
[٩٧]- وروي أنه ﵇ ملك أربعة دراهم، فتصدّق بدرهم ليلا وبآخر نهارا وبدرهم سرا وبآخر علانية فأنزل الله ﷿: الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهارِ سِرًّا وَعَلانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ
(البقرة: ٢٤٧) .
[٩٨]- ومن كلامه ﵇: يا ابن آدم إذا رأيت ربّك سبحانه يتابع نعمه عليك فاحذره.
[٩٩]- وقال: من كفارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف والتنفيس عن المكروب.
_________________
(١) نثر الدر ١: ٢٩٢، وزهد ابن حنبل: ١٣٣ وتذكرة الخواص: ١١٦.
(٢) نثر الدر ١: ٢٩٣، ومحاضرات الراغب ١: ٥٨٦.
(٣) نهج البلاغة: ٤٧٢، وربيع الأبرار: ٣٩٦ ب وتذكرة الخواص: ١٣٢ وفي أن النعمة استدراج قارن برقم: ١٥٩، ونسب القول لأبي حازم في حلية الأولياء ٣: ٢٤٤، وفي أنس المحزون: ٧/أ، وفي نثر الدر ٧: ٦٧ (رقم: ٥٠) . ولعليّ في لقاح الخواطر: ١٤/أ.
(٤) نهج البلاغة: ٤٧٢ نثر الدر ١: ٢٩١ وتذكرة الخواص: ١٣٢.
[ ١ / ٧٠ ]
[١٠٠]- ومن كلامه: أفضل الزهد إخفاء الزهد. إذا كنت في إدبار والموت في إقبال فما أسرع الملتقى. من أطال الأمل أساء العمل. لا قربة بالنوافل إذا أضرّت بالفرائض. سيئة تسوءك خير عند الله من حسنة تعجبك.
[١٠١]- وقال «١» ﵇: الدهر يخلق الأبدان ويجدّد الآمال ويقرّب المنية ويباعد الأمنية، من ظفر به نصب، ومن فاته تعب.
[١٠٢]- وقال: أوصيكم بخمس لو ضربتم إليها آباط الإبل كانت لذلك أهلا، لا يرجونّ أحد منكم إلا ربّه، ولا يخافنّ إلا ذنبه، ولا يستحيينّ أحد إذا سئل عما لا يعلم أن يقول لا أعلم «٢»، ولا يستحيين أحد إذا لم يعلم الشيء أن يتعلمه، وعليكم بالصبر «٣» فإن الصبر من الإيمان كالرأس من الجسد، ولا خير في جسد لا رأس معه، ولا في إيمان لا صبر معه.
_________________
(١) نهج البلاغة: ٤٧٢، ٤٧٥، ٤٧٧ وتذكرة الخواص: ١٣٢، ١٣٦ وقوله «إذا كنت في ادبار الخ» في نثر الدر ١: ٣٢٦، وكتاب الآداب: ٧٧، وقوله: «من أطال الأمل » في البيان والتبيين ٣: ١٤٤، وأدب الدنيا والدين: ١٠٨، للحسن البصري، وكذلك في محاضرات الأبرار ٢: ٤٤٠، ولعلي في الخصال ١: ١٥، وانظر محاضرات الراغب ١: ٤٥٧، والفصول المهمة: ١١٨، وقوله «أفضل الزهد» لابن المبارك في أدب الدنيا والدين: ١١١ وفي زهر الآداب: ٨١٠ وهو ليحيى بن معاذ في الإيجاز والإعجاز: ٣٥.
(٢) نهج البلاغة: ٤٨٠، ومجموعة ورام ١: ١٣٥، وورد في أمالي القالي ٣: ٤٢ والعقد ٣: ١٧٤، ولباب الآداب: ١٨، (لراهب) وزهر الآداب: ١٠١٠ وتذكرة الخواص: ١٣٣ وبعضه في البصائر ٢: ٤٣٣، (لزاهد) وقارن بما ورد لأرسطاطاليس في صوان الحكمة: ١٤٨، ومحاضرات الأبرار ٢: ٢٨٤، والسعادة والإسعاد: ٣٠٩.
(٣) نهج البلاغة: ٤٨٢، وحلية الأولياء ١: ٧٥ والعقد ٤: ٨٠، ونثر الدر ١: ٢٨٠ (أوصيكم بأربع)، ولباب الآداب: ٢٩٣، وعين الأدب: ٢٠٢، وكتاب الآداب: ٥١، وأدب الدنيا والدين: ٨٣، والخصال ١: ٣١٥، وقارن بعيون الأخبار ٢: ١١٩، والبيان والتبيين ٢: ٧٧ (أوصيكم بأربع) وتذكرة الخواص: ١٤٠- ١٤١.
[ ١ / ٧١ ]
[١٠٣]- وقال ﵇: عجبت لمن يقنط ومعه الاستغفار.
[١٠٤]- وقال: كان في الأرض أمانان فرفع أحدهما فدونكم الآخر فتمسكوا به، أما الأمان الذي رفع في الدنيا «١» فهو رسول الله ﷺ، وأما الأمان الآخر فالاستغفار، قال الله تعالى: وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ
(الأنفال: ٣٣) .
[١٠٥]- وقال ﵇: من اصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين الناس، ومن أصلح أمر آخرته أصلح الله أمر دنياه، ومن كان له من نفسه واعظ كان عليه من الله حافظ.
[١٠٦]- وقال وقد سمع رجلا من الحرورية يتهجّد ويقرأ: نوم على يقين خير من صلاة في شكّ.
[١٠٧]- وقال ﵇: لا يترك الناس شيئا من دينهم لاستصلاح دنياهم إلا فتح الله عليهم ما هو أضرّ منه.
[١٠٨]- وقال ﵇: كم من مستدرج بالاحسان إليه، ومغرور بالستر عليه، ومفتون بحسن القول فيه.
_________________
(١) نهج البلاغة: ٤٨٢، ومحاضرات الراغب: ٤: ٤٠٦ وتذكرة الخواص: ١٣٣.
(٢) نهج البلاغة: ٤٨٣، ونثر الدر ١: ٢٧٨ وتذكرة الخواص: ١٣٣.
(٣) نهج البلاغة: ٤٨٣ وتذكرة الخواص: ١٣٣.
(٤) نهج البلاغة: ٤٨٥، ونثر الدر ١: ٢٨٠، ومجموعة ورام ١: ٢٤، والبصائر ١: ٣١٨.
(٥) نهج البلاغة: ٤٨٧.
(٦) نهج البلاغة: ٥١٣ وتذكرة الخواص: ١٣٣.
[ ١ / ٧٢ ]
[١٠٩]- وقال: شتّان بين عملين: عمل تذهب لذته وتبقى تبعته، وعمل تذهب مؤونته ويبقى أجره.
[١١٠]- وقال ﵇ وقد سمع رجلا يذمّ الدنيا: أيها الذامّ للدنيا المغتر بغرورها، بم تذمّها؟ أنت المتجرّم عليها أم هي المتجرّمة عليك؟ متى استهوتك أم متى غرّتك؟ أبمصارع آبائك من البلى، أم بمضاجع أمهاتك تحت الثرى؟ كم علّلت بكفيك، وكم مرّضت بيديك، تبغي لهم الشفاء، وتستوصف لهم الأطباء «١»، لم ينفع أحدهم إشفاقك، ولم تسعف فيه بطلبتك، ولم تدفع عنه بقوتك، قد مثّلت لك به الدنيا نفسك، وبمصرعه مصرعك.
إن الدنيا دار صدق لمن صدقها ودار عافية «٢» لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزوّد منها، ودار موعظة لمن اتّعظ بها: مسجد أحبّاء الله، ومصلّى ملائكته، ومهبط وحي الله، ومتجر أولياء الله، اكتسبوا فيها الرحمة، وتربحوا «٣» فيها الجنة؛ فمن ذا يذمّها وقد آذنت ببينها، ونادت بفراقها، ونعت نفسها وأهلها، فمثّلت لهم ببلائها البلاء، وشوقتهم بسرورها إلى السرور؟ راحت بعافية، وابتكرت بفجيعة، ترغيبا وترهيبا، وتخويفا وتحذيرا، فذمّها رجال غداة الندامة وحمدها آخرون، ذكّرتهم فذكروا، وحدّثتهم فصدقوا، ووعظتهم فاتعظوا.
_________________
(١) نهج البلاغة: ٤٩٠، ومجموعة ورام ١: ٢٢، وربيع الأبرار: ٢٩٨/أونسب في الامتاع والمؤانسة ٢: ١٢٢ لبعض السلف.
(٢) نهج البلاغة: ٤٩٢- ٤٩٣، وبعضه في محاضرات الراغب ٢: ٣٩١، ومروج الذهب ٣:
(٣) ١٧٣، ومحاضرات الأبرار ١: ٣١٥- ٣١٦، والبيان والتبيين ٢: ١٩٠.
[ ١ / ٧٣ ]
[١١١]- وقال ﵇: استنزلوا الرزق بالصدقة، ومن أيقن بالخلف جاد بالعطية.
[١١٢]- وقال: لكلّ أمر عاقبة حلوة أو مرة. لكلّ مقبل إدبار وما أدبر كأن لم يكن. الرحيل وشيك. من ابدى صفحته للحقّ هلك.
[١١٣]- وقال ﵇: من أعطي أربعا لم يحرم أربعا: من أعطي الدعاء لم يحرم الإجابة، ومن أعطي التوبة لم يحرم القبول، ومن أعطي الاستغفار لم يحرم المغفرة، ومن أعطي الشكر لم يحرم الزيادة. وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
(المؤمن: ٦٠) . ثم قال في الاستغفار: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا
(النساء: ١١٠) . وقال في الشكر: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
(ابراهيم: ٧) . وقال في التوبة: إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا
(النساء: ١٦) .
_________________
(١) نهج البلاغة: ٤٩٤ (رقم: ١٣٧، ١٣٨) وتذكرة الخواص: ١٣٣. وقوله من أيقن بالخلف إلخ في البيان ٣: ١٤٣، واللباب: ٧٠، والإيجاز والإعجاز: ٨، والتمثيل والمحاضرة: ٣٠، وكتاب الآداب: ٧٨، وبهجة المجالس ١: ٦٢٥ (لبعض الحكماء) .
(٢) نهج البلاغة: ٤٩٩ (رقم: ١٥١، ١٥٢)، ٥٠٢ (رقم: ١٨٧، ١٨٨) وقوله «من أبدى صفحته » في الفصول المهمة: ١١٣.
(٣) نهج البلاغة: ٤٩٤ وتذكرة الخواص: ١٣٣. (قوله، وتصديق ذلك إلخ. يبدو انه تعليق للشريف الرضيّ) والبيان والتبيين ٢: ١٩٧، ونسب في ٣: ٢٨٨، لعمر وانظر أنس المحزون ٤/أ، وقوله «من أعطي الدعاء » ورد في أنساب الأشراف: ٦٩٥ (استانبول) ونثر الدر ٢: ٥٤ منسوبا لعمر بن الخطاب؛ وانظر مجموعة ورام ٢: ٨٤ حيث نسب القول لجعفر الصادق؛ وقارن بكتاب الآداب: ٤٦، حيث ورد: «من ألهم ثلاثا لم يحرم ثلاثا » ونسب في الخصال ١: ١٠١، ٢٠٢ لجعفر الصادق، مرة على أساس ثلاثي ومرة على أساس رباعي كما نسب في برد الأكباد: ١٢٥ للشعبي.
[ ١ / ٧٤ ]
[١١٤]- وقال ﵇ لرجل سأله أن يعظه: لا تكن ممن يرجو الآخرة بغير عمل، ويرجىء التوبة لطول الأمل، يقول في الدنيا بقول الزاهدين، ويعمل فيها بعمل الراغبين، إن أعطي منها لم يشبع، وإن منع منها لم يقنع، يعجز عن شكر ما أوتي، ويبتغي الزيادة على ما أولي «١»، ينهى ولا ينتهي، ويأمر بما لا يأتي، يحبّ الصالحين ولا يعمل عملهم، ويبغض المذنبين وهو أحدهم، يكره الموت لكثرة ذنوبه، ويقيم على ما يكره الموت له «٢»، إن سقم ظلّ نادما، وإن صحّ أمن لاهيا، يعجب بنفسه إذا عوفي، ويقنط إذا ابتلي، إن أصابه بلاء دعا مضطرا، وإن ناله رخاء أعرض مغترّا، تغلبه نفسه على ما يظنّ، ولا يغلبها على ما يستيقن، يخاف على غيره بأدنى من ذنبه، ويرجو لنفسه بأكثر من عمله؛ إن استغنى بطر وفتن، وإن افتقر قنط ووهن، يقصّر إذا عمل، ويبالغ إذا سأل؛ أسلف «٣» المعصية وسوّف بالتوبة «٤»، يصف العبرة ولا يعتبر، ويبالغ في الموعظة ولا يتّعظ، فهو بالقول مدلّ، ومن العمل مقلّ؛ ينافس فيما يفنى، ويسامح فيما يبقى؛ يرى الغنم مغرما والغرم مغنما؛ يخشى الموت ولا يبادر الفوت؛ يستعظم من معصية غيره ما يستقلّ أكثر منه من نفسه، ويستكثر من طاعته ما يحقره من طاعة غيره، فهو على الناس طاعن ولنفسه مداهن؛ اللغو «٥» مع الأغنياء أحبّ إليه من الذّكر
_________________
(١) نهج البلاغة: ٤٩٧- ٤٩٩، ونثر الدر ١: ٢٧٧، والمجتنى: ٣٩، وعين الأدب ١: ١٨٩، وسراج الملوك: ١٨٣ وتذكرة الخواص: ١٣٣ وبعضه في البيان والتبيين ٢: ١٠١، وأدب الدنيا والدين: ١١٦، وفي أمالي الطوسي ١: ١١٠، نسبه إلى عبد الله ابن عباس يوصي ابنه عليّا، والبصائر ١: ٣٥٦- ٣٥٧ (باختلاف) وانظر كنز العمال ١٦: ٢٠٥.
[ ١ / ٧٥ ]
مع الفقراء؛ يحكم على غيره لنفسه، ولا يحكم عليها لغيره؛ يرشد غيره ويغوي نفسه.
[١١٥]- وقال له رجل أوصني قال: لا تحدّث نفسك بفقر ولا طول عمر.
[١١٦]- وقال: الأمل على الظنّ آفة العمل على اليقين.
[١١٧]- وسئل عن الإيمان فقال: الإيمان معرفة بالقلب، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان.
[١١٨]- وقال ﵇: من أصبح على الدنيا حزينا فقد أصبح لقضاء الله ساخطا، ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فإنما يشكو ربّه، ومن أتى غنيا فتواضع لغناه ذهب ثلثا دينه.
[١١٩]- وقال ﵇: إن قوما عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التجار، وإن قوما عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإن قوما عبدوا الله شكرا فتلك عبادة الأحرار.
_________________
(١) نثر الدر ١: ٢٧٨.
(٢) نثر الدر ١: ٢٧٨.
(٣) نهج البلاغة: ٥٠٨، وقد رواه علي؛ ورفعه في الخصال ١: ١٧٨، ١٧٩، وكذلك ورد مرفوعا في أمالي الطوسي ٢: ٦٤، ونثر الدر ١: ٣٦٢.
(٤) نهج البلاغة: ٥٠٨ وتذكرة الخواص: ١٣٥. ونسب لابن أدهم في حلية الأولياء ٨: ٢٣.
(٥) نهج البلاغة: ٥١٠ وصفة الصفوة ٢: ٥٣، وربيع الأبرار: ٢: ١٤٠، وتذكرة الخواص: ١٣٥. وقارن بقول منسوب لعلي بن الحسين في حلية الأولياء ٣: ١٣٤، ونسب القول للباقر في نثر الدر ١: ٣٤٤.
[ ١ / ٧٦ ]
[١٢٠]- وقال: يوم المظلوم على الظالم أشدّ من يوم الظالم على المظلوم.
[١٢١]- وقال: احذروا نفار النعم فما كلّ شارد بمردود.
[١٢٢]- وقال: أفضل الأعمال ما أكرهت نفسك عليه.
[١٢٣]- وقال ﵇: لو لم يتوعّد الله على معصية لكان يجب أن لا يعصى شكرا لنعمته «١» .
[١٢٤]- وقال: ما أكثر العبر وأقلّ الاعتبار.
[١٢٥]- وقال: ما المبتلى الذي قد استبدّ به البلاء بأحوج إلى الدعاء من المعافى الذي لا يأمن البلاء.
[١٢٦]- وقال: أقلّ ما يلزمكم لله أن لا تستعينوا بنعمه على معاصيه.
_________________
(١) نهج البلاغة: ٥١١، وربيع الأبرار: ٢٢٩ ب وقارن بكتاب الآداب: ٧٢ حيث ورد: «يوم العدل على الظالم أشدّ من يوم الجور على المظلوم» والمستطرف ١: ١٠٤.
(٢) نهج البلاغة: ٥١١، وربيع الأبرار: ٣٩٦ ب، والفصول المهمة: ١١٣، ولقاح الخواطر: ١٤ ب وتذكرة الخواص: ١٣٥.
(٣) نهج البلاغة: ٥١١ ونثر الدر ١: ٢٩٤، وبهجة المجالس ٢: ٣٤٣ (دون نسبة) وربيع الأبرار: ٢٥٨/أوتذكرة الخواص: ١٣٥. ونسب في نثر الدر ٧: ٤ للمسيح.
(٤) نهج البلاغة: ٥٢٧ وتذكرة الخواص: ١٣٥. وقارن بالبصائر ٢: ٤٢٣، وربيع الأبرار: ٣٩٧ ب، حيث نسب قول مشابه لعيسى بن مريم، وأنس المحزون: ٧/أ.
(٥) نهج البلاغة: ٥٢٨.
(٦) نهج البلاغة: ٥٢٨.
(٧) نهج البلاغة: ٥٣٣ وتذكرة الخواص: ١٣٥.
[ ١ / ٧٧ ]
[١٢٧]- وقال ﵇ في صفة المؤمن: المؤمن بشره في وجهه، وحزنه في قلبه، أوسع شيء صدرا، وأذلّ نفسا، يكره الرفعة، ويشنأ السمعة، طويل غمّه، بعيد همّه، كثير صمته، مشغول وقته، شكور صبور، مغمور بفكرته، ضنين بخلّته، سهل الخليقة، ليّن العريكة، نفسه أصلب من الصّلد، وهو أذلّ من العبد.
[١٢٨]- ومما ينسب إليه قوله: المدة «١» وإن طالت قصيرة. والماضي «٢» للمقيم عبرة، والميت للحيّ عظة، وليس لأمس إذا مضى عودة، ولا أنت من غد «٣» على ثقة، وكلّ لكلّ مفارق، وكلّ بكلّ لاحق، واليوم الهائل لكلّ آزف، وهو اليوم الذي لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم، اصبروا على عمل لا غنى بكم عن ثوابه، وارجعوا عن عمل لا صبر لكم على عقابه، فإن الصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذابه، واعلموا أنكم في نفس معدود، وأمل محدود، وأجل ممدود، ولا بدّ للأجل [من] أن يتناهى، وللنّفس أن يحصى، وللأمل أن يطوى وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحافِظِينَ كِرامًا كاتِبِينَ
(الانفطار: ١٠، ١١) .
[١٢٩]- قال سويد بن غفلة: دخلت على عليّ ﵇ بعد ما
_________________
(١) نهج البلاغة: ٥٣٣ وربيع الأبرار ١: ٨٠٥ وتذكرة الخواص: ١٣٨.
(٢) نثر الدر ١: ٢٨٣ وتذكرة الخواص: ١٣٥ والبصائر ٧: ٧٢؛ وعلق أبو حيان على هذه القطعة بقوله: «انظر إلى انتثار اللؤلؤ في هذا الفصل، فإنك ترى ما يعجب صدقا في المعنى وترتيبا في اللفظ إلخ» وانظر مجموعة ورام ٢: ٢٢، وبعضه في محاضرات الراغب ٢: ٤٨٧.
(٣) تذكرة الخواص: ١١٥.
[ ١ / ٧٨ ]
صار إليه الأمر، فإذا هو جالس في مصلّى ليس في داره سواه، فقلت: يا أمير المؤمنين، ملك الاسلام ولا أرى في بيتك أثاثا ولا متاعا سوى مصلّى أنت جالس عليه؟! فقال: يا ابن غفلة إن البيب لا يتأثث في دار النقلة، وأمامنا دار هي دار المقامة، وقد نقلنا إليها حرّ المتاع؛ ونحن إليها منتقلون.
[١٣٠]- ومما ينسب إليه من [الوافر]:
إذا عقد القضاء عليك أمرا فليس يحلّه غير القضاء
فما لك قد أقمت بدار ذلّ ودار العزّ واسعة الفضاء
تبلّغ باليسير فكلّ شيء من الدنيا يؤول إلى انقضاء
[١٣١]- ومن كلام له في صفة فتنة: يكيلكم بصاعها، ويخبطكم بباعها، قائدها خارج من الملّة، قائم على الضلّة، فلا يبقى يومئذ منكم إلا ثفالة كثفالة القدر أو نفاضة كنفاضة العكم، تعرككم عرك الأديم، وتدوسكم دوس الحصيد، وتستخلص المؤمن منكم استخلاص الطير الحبة البطينة من بين هزيل الحب.
[١٣٢]- ومن كلامه: ما قال الناس لشيء طوبى له، إلا وقد خبأ له الدهر يوم سوء.
[١٣٣]- ووقف عليه سائل فقال لأحد ولديه: قل لأمك هاتي درهما من ستة دراهم. فقالت: هي للدقيق، فقال: لا يصدق إيمان عبد حتى يكون بما في يد الله أوثق منه بما في يديه فيتصدق به، ثم مرّ به رجل يبيع جملا
_________________
(١) ربيع الأبرار: ١: ٥٥٣.
(٢) نهج البلاغة: ٢٥٦، ومجالس ثعلب: ٤٥، وربيع الأبرار ١: ٥٦١ وتذكرة الخواص: ١٥٦ وغرر الخصائص: ٨١، ونسب في تعازي المدائني: ٧٣ لابن عباس.
(٣) مروج الذهب ٣: ١٧٦، وربيع الأبرار ١: ٦٠١ وتذكرة الخواص: ١١٨.
[ ١ / ٧٩ ]
فاشتراه بمائة وأربعين درهما وباعه بمائتين، فجاء بالستين إلى فاطمة ﵍، فقالت: ما هذا؟ قال: هذا ما وعدنا الله على لسان أبيك: مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها
(الأنعام: ١٦٠) .
[١٣٤]- ومن كلامه: لا خير في الدنيا إلا لأحد رجلين: محسن يزداد كلّ يوم إحسانا ومسيء يتدارك بالتوبة.
[١٣٥]- وقال: أعظم الذنوب ما استخفّ به صاحبه.
[١٣٦]- وقال: العلم في غير طاعة الله مادّة الذنوب.
[١٣٧]- ومن كلامه ﵇: ليخزن الرجل «١» لسانه، فإن هذا اللسان جموح بصاحبه، والله ما أرى عبدا يتّقي تقوى تنفعه حتى يخزن لسانه، وإن لسان المؤمن من وراء قلبه، وإن قلب الكافر من وراء لسانه، لأن المؤمن إذا أراد أن يتكلم بكلام تدبّره في نفسه، فإن كان خيرا أبداه، وإن كان شرا واراه، وإنّ المنافق يتكلم بما أتى على لسانه لا يدري ماذا له وماذا عليه. ولقد قال رسول الله ﷺ: لا يستقيم إيمان عبد [حتى يستقيم قلبه، ولا يستقيم قلبه] حتى يستقيم لسانه، فمن استطاع منكم أن يلقى الله وهو نقيّ الراحة من
_________________
(١) نهج البلاغة: ٤٨٤ (مع اختلاف)، وحلية الأولياء ١: ٧٥، وصفة الصفوة ١: ١٢٤، وبهجة المجالس ٢: ٢٧٩، ونثر الدر ١: ٣١٣، وربيع الأبرار ١: ٧٣٨، ٨٠٤ وتذكرة الخواص: ١٣١، وقد نسب للقمان في مختار الحكم: ٢٦٩.
(٢) نهج البلاغة: ٥٣٥ (وروايته: أشد الذنوب) وكذلك نثر الدر ١: ٣٢٥ وانظر ربيع الأبرار ١: ٧٤٤.
(٣) نهج البلاغة: ٢٥٣- ٢٥٤، وربيع الأبرار ١: ٧٧٤ وتذكرة الخواص: ١٣٨ وبعضه في الفصول المهمة: ١١٣ ولقاح الخواطر: ١٤/أ؛ والحديث «لا يستقيم إيمان عبد » في مسند أحمد ٣: ١٩٨، والشهاب: ٢٩ (اللباب: ١٥٥) .
[ ١ / ٨٠ ]
دماء المسلمين وأموالهم، سليم اللسان من أعراضهم فليفعل.
[١٣٨]- ومن كلامه ﵇: أين «١» الذين دعوا إلى الإسلام فقبلوه، وقرأوا القرآن فأحكموه، وهيجوا إلى الجهاد فولهوا [وله] اللقاح [إلى] أولادها، وسلبوا السيوف أغمادها، وأخذوا بأطراف الأرض زحفا زحفا وصفا صفّا؟ بعض هلك وبعض نجا، لا يبشّرون بالأحياء، ولا يعزّون عن القتلى، مره العيون من البكاء، خمص البطون من الطّوى، ذبل الشفاه من الظما «٢»، صفر الألوان من السّهر، على وجوههم غبرة الخاشعين، أولئك إخواني الذاهبون، فحقّ لنا أن نظمأ، ونعضّ الأيدي على فراقهم.
[١٣٩]- ومن كلامه كرّم الله وجهه: واعلموا أنّ المتقين ذهبوا بعاجل الدنيا وآجل الآخرة، فشاركوا أهل الدنيا في دنياهم، ولم يشاركهم أهل الدنيا في آخرتهم، سكنوا الدنيا بأفضل ما سكنت، وأكلوها بأفضل ما أكلت، فحظوا من الدنيا بما حظي به المترفون، وأخذوا منها ما أخذه الجبّارون المتكبرون، ثم انقلبوا عنها بالزاد المبلّغ والمتجر المربح.
[١٤٠]- ومنه: اتقوا معاصي الله في الخلوات فإن الشاهد هو الحاكم.
[١٤١]- وقال ﵇: كانت العلماء والحكماء والأتقياء يتكاتبون
_________________
(١) نهج البلاغة: ١٧٧- ١٧٨ وربيع الأبرار ١: ٨٠٥ وانظر أيضا ١: ٨٣٦.
(٢) نهج البلاغة: ٣٨٣، وربيع الأبرار ١: ٨٢٥- ٨٢٦.
(٣) ربيع الأبرار ١: ٨٢٦ (وروايته: فإن المشاهد) وتذكرة الخواص: ١٣٥.
(٤) قارن بما في نهج البلاغة: ٥٥١ (رقم: ٤٢٣) وورد كما هو هنا في ربيع الأبرار ١: ٨٢٨، والخصال ١: ١٢٩. ٦ ١ التذكرة
[ ١ / ٨١ ]
بثلاث ليس معهن رابعة: من أحسن سريرته أحسن الله علانيته، ومن أحسن فيما بينه وبين الله كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن كانت الآخرة همّه كفاه الله همّه من الدنيا.
[١٤٢]- ومن كلامه ﵇: عليك بكتاب الله، فإنه الحبل المتين، والنور المبين، والشفاء النافع، والريّ الناقع، والعصمة للمتمسّك، والنجاة للمتعلّق، لا يعوجّ فيقام ولا يزيغ فيستعتب، ولا تخلقه كثرة الردّ وولوج السمع، من قال به صدق، ومن عمل به سبق.
[١٤٣]- وكان علي كرم الله وجهه يخرج في الشتاء والبرد الشديد في إزار ورداء خفيفين، وفي الصيف في القباء المحشوّ والثوب الثقيل لا يبالي، فقيل له في ذلك «١»، فقال، إن رسول الله ﷺ يوم خيبر حين أعطاني الراية وكنت أرمد تفل في عينيّ، وقال: اللهم اكفه الحرّ والبرد، فما آذاني بعده حرّ ولا برد.
[١٤٤]- عاد علي ﵇ العلاء بن زياد الحارثي فرأى سعة داره، فقال: ما كنت تصنع في سعة الدار في الدنيا؟ أنت إليها في الآخرة أحوج؛ بلى إن شئت بلغت بها الآخرة: تقري فيها الضيف، وتصل فيها الرّحم، وتطلع منها الحقوق مطالعها، فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة.
[١٤٥]- ووقف على خيّاط، فقال: يا خيّاط ثكلتك أمّك، صلّب
_________________
(١) نهج البلاغة: ٢١٩ «وعليكم بكتاب الله » .
(٢) انظر الإرشاد: ٦٦ وذخائر العقبى: ٧٤ وأمالي الطوسي ١: ٨٧، ٢: ١٦٠، وربيع الأبرار ١: ١٦٧، وراجع ما تقدم رقم: ٩٣.
(٣) نهج البلاغة: ٣٢٤، وربيع الأبرار ١: ٣٣٦.
(٤) مجموعة ورام ١: ٤٢، وربيع الأبرار: ١٩٢/أوتذكرة الخواص: ١١٨.
[ ١ / ٨٢ ]
الخيوط، ودقّق الدّروز، وقارب الغرز، فإنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول:
يحشر الله الخياط الخائن وعليه قميص ورداء مما خاط وخان فيه، واحذر السقاطات فإن صاحب الثوب أحقّ بها، ولا تتخذ بها الأيادي تطلب بها المكافأة.
[١٤٦]- قال نافع بن أبي نعيم: كان أبو طالب يعطي عليا قدحا من لبن يصبّه على اللات، فكان عليّ يشرب اللبن ويبول على اللات، حتى سمن فأنكر ذلك أبو طالب حتى عرف القصة فولّى ذلك عقيلا.
[١٤٧]- نزل بالحسن بن علي ضيف فاستسلف درهما اشترى له به خبزا، واحتاج إلى الادام فطلب من قنبر أن يفتح له زقا من زقاق عسل جاءت من اليمن، فأخذ منه رطلا، فلما قعد علي ﵁ ليقسمها، قال: يا قنبر قد حدث في هذا الزقّ «١» حدث، فقال: صدق فوك، وأخبره الخبر، فغضب وقال: عليّ به، فرفع عليه الدرة «٢»، فقال: بحقّ عمي جعفر، وكان إذا سئل بحقّ جعفر سكن، وقال: ما حملك على أن أخذت منه قبل القسمة؟
قال: إنّ لنا فيه حقا فإذا أعطيتناه رددناه، قال: فداك أبوك، وإن كان لك فيه حق فليس لك أن تنتفع بحقك قبل أن ينتفع المسلمون بحقوقهم، لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبل ثنيّتيك لأوجعتك ضربا، ثم دفع إلى قنبر درهما وقال: اشتر به أجود عسل تقدر عليه، قال الراوي: فكأني أنظر إلى يدي عليّ على فم الزق وقنبر يقلب العسل فيه، ثم شدّه وجعل يبكي ويقول: اللهم اغفرها للحسن فإنه لم يعلم.
_________________
(١) ربيع الأبرار: ٢٢١ ب والمستطرف ١: ١٧٨.
(٢) ربيع الأبرار: ٢٤٥ ب وتذكرة الخواص: ١١٤.
[ ١ / ٨٣ ]
[١٤٨]- قال علي ﵇: ولقد كنا مع رسول الله ﷺ نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا فما يزيدنا ذلك إلا إيمانا وتسليما ومضيّا على اللّقم، وصبرا على مضض الألم. ولقد كان الرجل منا والآخر من عدوّنا يتصاولان تصاول الفحلين، يتخالسان أنفسهما، أيّهما يسقي صاحبه كأس المنون، فمرة لنا من عدونا ومرّة لعدوّنا منّا، فلما رأى الله صدقنا أنزل بعدوّنا الكبت وأنزل علينا النصر، حتى استقرّ الإسلام ملقيا جرانه، متبوئا أوطانه.
ولعمري لو كنا نأتي ما أتيتم ما قام للدين عمود ولا اخضرّ للإيمان عود، وايم الله لتحتلبنّها دما ولتتبعنّها ندما.
[١٤٩]- استعدى رجل عمر على علي ﵄، وعليّ جالس، فالتفت عمر إليه وقال: يا أبا الحسن قم فاجلس مع خصمك، فقام فجلس مع خصمه، فتناظرا وانصرف الرجل، ورجع علي إلى مجلسه فتبيّن عمر التغيّر في وجه علي «١» فقال: يا أبا الحسن مالي أراك متغيّرا؟ أكرهت ما كان؟ قال:
نعم، قال: وما ذاك؟ قال: كنّيتني بحضرة خصمي فألّا قلت: قم يا عليّ فاجلس مع خصمك، فأخذ عمر برأس عليّ فقبّل بين عينيه، ثم قال: بأبي أنتم بكم هدانا الله، وبكم أخرجنا من الظّلمات إلى النور.
[١٥٠]- ومن كلامه: إنّ أبغض الخلائق إلى الله رجلان: رجل وكّله الله إلى نفسه فهو جائر عن قصد السبيل، مشغوف بكلام بدعة ودعاء
_________________
(١) نهج البلاغة: ٩١- ٩٢، وربيع الأبرار: ٢٨٠/أ.
(٢) شرح النهج ١٧: ٦٥، وربيع الأبرار: ٣١٣/أوالمستطرف ١: ٩٧.
(٣) نهج البلاغة: ٥٩، والإرشاد: ١٢٣- ١٢٤، ونثر الدرّ ١: ٣٠٨- ٣٠٩ (وقد اختلط برقم: ١٦٧) وبعضه في ربيع الأبرار: ٣: ٦١٤- ٦١٦.
[ ١ / ٨٤ ]
ضلالة، ورجل قمش جهلا، موضع في جهّال الأمة، غارّ «١» في أغباش الفتنة، عم بما في عقد الهدنة، قد سمّاه أشباه الناس عالما وليس به، تكثّر «٢» فاستكثر من جمع ما قلّ منه خير مما كثر، حتى إذا ارتوى من آجن «٣»، واكتنز من غير طائل، جلس للناس قاضيا ضامنا لتخليص ما التبس على غيره، فإن نزلت به إحدى المهمات هيأ له حشوا رثّا من رأيه، ثم قطع به، فهو من لبس الشهوات «٤» في مثل نسج العنكبوت، لا يدري أصاب أم أخطأ، إن أصاب خاف أن يكون قد أخطأ، وإن أخطأ رجا أن يكون قد أصاب، خبّاط «٥» جهالات، ركّاب «٦» عشوات، لم يعضّ على العلم بضرس قاطع، يذري الروايات إذراء الريح الهشيم، تصرخ «٧» من جور قضائه الدماء، وتعجّ منه المواريث إلى الله.
[١٥١]- قال الربيع بن زياد الحارثي لعلي ﵇: أعنّي «٨» على أخي عاصم، قال: ما باله؟ قال: لبس العباء يريد النسك، قال: عليّ به، فأتي به مؤتزرا بعباءة مرتديا «٩» بأخرى أشعث الرأس واللحية، فعبس في وجهه وقال: ويحك أما استحييت من أهلك، أما رحمت ولدك؟ أترى الله أباح
_________________
(١) بعضه في نهج البلاغة: ٣٢٤- ٣٢٥، والبصائر ٢: ٦٦٩- ٦٧٠، وانظر ربيع الأبرار: ٤١١/أ (٤: ٣٨٠) (حيث نسبه إلى العلاء بن زياد) وتذكرة الخواص: ١١١ والعقد ٦: ٢٢٥.
[ ١ / ٨٥ ]
لك الطيبات وهو يكره أن تنال منها شيئا؟ بل أنت أهون على الله، أما سمعت الله تعالى في كتابه يقول: وَالْأَرْضَ وَضَعَها لِلْأَنامِ
إلى قوله: يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجانُ
(الرحمن: ١٠- ٢٢)، أفترى الله أباح هذه لعباده ليبتذلوه ويحمدوا الله عليه فيثيبهم، وإن ابتذالك نعم الله بالفعال خير منه بالمقال، قال: عاصم: فما بالك في جشوبة مأكلك وخشونة ملبسك، فإنما تزييت بزيك، قال: ويحك إن الله فرض على أئمة الحقّ أن يقدروا نفسهم بضعفة الناس لئلا يتبيّغ بالفقير فقره.
[١٥٢]- قال ابن عبّاس: دخلت على علي ﵇ بذي قار وهو يخصف نعله، فقال لي: ما قيمة هذه النعل؟ فقلت: لا قيمة لها، فقال:
والله هي أحبّ إليّ من إمرتكم، إلا أن أقيم حقا أو أدفع باطلا.
[١٥٣]- ومن كلام له: ولقد كان ﷺ يأكل على الأرض، ويجلس جلسة العبد، ويخصف بيده نعله، ويرقع بيده ثوبه، ويركب الحمار المعرّى «١»، ويردف خلفه، ويكون الستر على باب بيته فيه التصاوير فيقول: يا فلانة غيّبيه عنّي فإني إذا نظرت إليه ذكرت الدنيا وزخارفها، فأعرض عن الدنيا بقلبه، وأمات ذكرها عن نفسه، وأحبّ أن يغيّب زينتها عن عينيه.
ولقد كان في رسول الله ﷺ ما يدلّك على مساوئها وعيوبها إذ جاع فيها مع خاصّته، وزويت عنه مع عظم زلفته، فلينظر ناظر بعقله: أأكرم الله محمدا بذلك أم أهانه؟ فإن قال: أهانه فقد كذب والعظيم، وإن قال أكرمه، فليعلم أن الله قد أهان غيره حين بسط الدنيا له وزواها عن اقرب الناس إليه:
_________________
(١) نهج البلاغة: ٧٦، ومجموعة ورام ٢: ٩، وربيع الأبرار: ٣٧٦/أ.
(٢) نهج البلاغة: ٢٢٨، وقارن بالمستطرف ١: ١١٥، ومكارم الأخلاق: ٧، ١٣، والبيان والتبيين ٢: ٣٠ (دون نسبة) .
[ ١ / ٨٦ ]
خرج من الدنيا خميصا، وورد الآخرة سليما، لم يضع حجرا على حجر، فما أعظم منّة الله عندنا حين أنعم به علينا سلفا نتّبعه، وقائدا نطأ عقبه. والله لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، ولقد قال لي قائل ألا تنبذها، فقلت: اغرب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى «١» .
[١٥٤]- روي عن عبد الله بن عبّاس ﵄ قال: مرض الحسن والحسين وهما صبيّان، فعادهما رسول الله ﷺ ومعه أبو بكر وعمر ﵄، فقال عمر: يا أبا الحسن لو نذرت في ابنيك نذرا إن عافاهما الله، فقال: أصوم ثلاثة أيّام شكرا لله تعالى وكذلك قالت فاطمة، وقال الصبيّان: نحن كذلك أيضا نصوم ثلاثة أيّام، وكذلك قالت جاريتهما فضّة، فألبسهما الله تعالى عافيته، فأصبحوا صياما وليس عندهم طعام، فانطلق عليّ إلى جار له يهوديّ اسمه شمعون، فأخذ منه جزّة صوف تغزلها فاطمة بثلاثة أصوع شعير، فكانوا كلما قدّموا طعامهم جاءهم مسكين فآثروه به ليالي صومهم، حتى نزلت: وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ
(الدهر: ٨) .
[١٥٥]- وقال: لو رأى العبد الأجل ومصيره لأبغض الأمل وغروره.
[١٥٦]- وقال: الداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر.
[١٥٧]- وقال من كلام له ﵇: الأقاويل محفوظة، والسرائر
_________________
(١) ربيع الأبرار: ١٦٩/أ، ومحاضرات الأبرار ١: ١٥٠- ١٥١.
(٢) نهج البلاغة: ٥٣٤، وجاء في الحكمة الخالدة: ١١٦، قول حكيم: لو رأيتم مسير الأجل لأعرضتم عن غرور الأمل، وقارن بما في محاضرات الراغب ٢: ٥٢٠ وانظر ربيع الأبرار ٢: ٧٧٠، ٧٧٢.
(٣) نهج البلاغة: ٥٣٤، وانظر شرح النهج ٦: ١٩٣ وربيع الأبرار ٢: ٢١٧.
(٤) نهج البلاغة: ٥٣٥، (رقم: ٣٤٣، ٣٤٤) وتذكرة الخواص: ١٣٥.
[ ١ / ٨٧ ]
مبلوّة؛ وكلّ نفس بما كسبت رهينة. معاشر الناس اتقوا ربكم فكم من مؤمّل ما لا يبلغه، وبان ما لا يسكنه، وجامع ما سوف يتركه، ولعلّه من باطل جمعه، أصابه حراما، واحتمل به آثاما، فباء بوزره، وقدم على ربه أسفا لاهفا، قد خسر الدنيا والآخرة، ذلِكَ هُوَ الْخُسْرانُ الْمُبِينُ*
(الزمر:
١٥) .
[١٥٨]- وقال: من علم أن كلامه من عمله قلّ كلامه إلا فيما يعنيه.
[١٥٩]- وقال ﵇: أيها الناس، ليركم الله من النعمة وجلين، كما يراكم من النقمة فرقين: إنه من وسّع عليه في ذات يده فلم ير ذلك استدراجا، فقد أمن مخوفا، ومن ضيق عليه في ذات يده فلم ير ذلك «١» اختبارا فقد ضيّع مأمولا.
[١٦٠]- وقال: الفكر مرآة صافية، والاعتبار منذر ناصح «٢»، وكفى أدبا لنفسك تجنّبك ما كرهته لغيرك.
[١٦١]- وروي أنه قل ما اعتدل به المنبر إلا قال أمام خطبته: أيها الناس اتقوا الله فما خلق امرؤ عبثا فيلهو، ولا ترك سدى فيلغو، وما دنياه التي
_________________
(١) نهج البلاغة: ٥٣٦، وورد غير منسوب في شرح النهج ١٠: ١٣٧، ومحاضرات الراغب ١: ٦٩.
(٢) نهج البلاغة: ٥٣٧.
(٣) نهج البلاغة: ٥٣٨، وقوله «الفكر مرآة صافية» في نثر الدر ١: ٢٨٥، وكتاب الآداب: ٦٥، وقارن بقول الفضيل بن عياض في حلية الأولياء ٨: ١٠٩، الفكرة مرآة تريك حسناتك وسيئاتك.
(٤) نهج البلاغة: ٥٤٠، ومجموعة ورام ١: ٧٩.
[ ١ / ٨٨ ]
تحسّنت له بخلف من الآخرة التي قبّحها سوء النظر عنده، وما المغرور الذي ظفر من الدنيا بأعلى همّته كالآخر الذي ظفر من الآخرة بأدنى سهمته.
[١٦٢]- وقال: ربّ مستقبل يوما ليس بمستدبره، ومغبوط في أوّل ليله قامت بواكيه في آخره؛ كما قال الشاعر «١»: [من البسيط]
يا راقد الليل مسرورا بأوّله إنّ الحوادث قد يطرقن أسحارا
أنشد ذلك ابن السكيت، وتمام الشعر «٢»:
أفنى القرون التي كانت مسلّطة مرّ الجديدين إقبالا وإدبارا
يا من يكابد دنيا لا مقام بها يمسي ويصبح في دنياه سيارا
كم قد أبادت صروف الدهر من ملك قد كان في الأرض نفّاعا وضرارا
[١٦٣]- وقال ﵇: الركون إلى الدنيا مع ما تعاين منها جهل، والتقصير في حسن العمل إذا وثقت بالثواب عليه غبن، والطمأنينة إلى كلّ أحد قبل الاختبار عجز.
[١٦٤]- وقال لقائل قال بحضرته، استغفر الله: ثكلتك أمك، أتدري
_________________
(١) نهج البلاغة: ٥٤٣، ولم ترد الأبيات فيه، والاستشهاد بها من عمل المؤلف أو أحد المعلقين، فهي منسوبة إلى محمد بن حازم الباهلي كما جاء في معجم الشعراء: ٣٧١ (وأورد منها البيت الأول)، وهي في البصائر ١: ٥١، والبيت الأول في البيان ٣: ٢٠٢، والحيوان ٦: ٥٠٨ (دون نسبة) ونسب مع بيت آخر لابن الرومي في تفسير القرطبي؛ وانظر تذكرة الخواص: ١٣٥.
(٢) نهج البلاغة: ٥٤٤ ومجموعة ورام ٢: ٢٩٧، ونسب لأميروس الشاعر في فقر الحكماء: ١٦٣، وفي البصائر ٣/٢: ٦٤١، لبزرجمهر، والفصول المهمة: ١١٨.
(٣) نهج البلاغة: ٥٤٩.
[ ١ / ٨٩ ]
ما الاستغفار؟ إنّ الاستغفار درجة العليّين «١»، وهو اسم واقع على ستة معان «٢»: أولها الندم على ما فعل «٣»، والثاني العزم على ترك العود إليه أبدا، والثالث أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى الله أملس ليس عليك تبعة، والرابع أن تعمد إلى كلّ فريضة عليك ضيعتها فتؤدي حقّها، والخامس أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السّحت فتذيبه بالأحزان حتى تلصق الجلد بالعظم وينشأ بينهما لحم زائد «٤»، والسادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية.
[١٦٥]- وقال ﵇: الزهد كلّه بين كلمتين من القرآن، قال الله تعالى: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ
(الحديد: ٢٣) ومن لم يأس على الماضي ولم يفرح بالآتي فقد أخذ الزهد بطرفيه.
[١٦٦]- ومن كلام له لما قبض رسول الله ﷺ: أيها الناس شقّوا أمواج الفتن بسفن النجاة، وعرّجوا عن طريق المناظرة «٥»، وضعوا «٦» تيجان المفاخرة، أفلح من نهض بجناح أو استسلم فأراح؛ ماء آجن ولقمة يغصّ بها آكلها، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه، فإن أقل يقولوا:
حرص على الملك، وإن أسكت يقولوا «٧»: جزع من الموت، هيهات بعد اللّتيا
_________________
(١) نهج البلاغة: ٥٥٣، ومحاضرات الراغب ١: ٥١١ للفضيل بن عياض وربيع الأبرار ١: ٨٢٦ وتذكرة الخواص: ١٣٦ وسيأتي منسوبا له رقم: ٥٤٦.
(٢) نهج البلاغة: ٥٢، ونثر الدر ١: ٣٩٩- ٤٠٠، ولقاح الخواطر: ١٣/أ.
[ ١ / ٩٠ ]
والتي!! والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل بثدي أمه، بل اندمجت على مكنون علم لو بحت به «١» لاضطربتم اضطراب الأرشية في الطويّ البعيدة.
[١٦٧]- ومن خطبة له ﵇: ذمتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم، إنّ من صرّحت له العبر عما بين يديه من المثلات حجزه «٢» التقوى عن تقحّم الشبهات.
ومنها: ألا وإن الخطايا خيل شمس حمل عليها أهلها وخلعت لجمها وقحمت «٣» بهم في النار. ألا وإن التقوى مطايا ذلل حمل عليها أهلها، وأعطوا أزمّتها فأوردتهم الجنّة، حق وباطل، ولكلّ أهل، فلئن أمر الباطل لقديما فعل، ولئن قلّ الحقّ فربّما ولعلّ، ولقلما أدبر شيء فأقبل.
[١٦٨]- ومن كلام له ﵇: فإن المرء المسلم ما لم يغش دناءة وتظهر فيخشع لها إذا ذكرت ويغرى به لئام الناس، كان كالفالج الياسر الذي ينتظر أوّل فوزة من قداحه توجب له المغنم، فيرفع عنه بها المغرم، وكذلك المرء المسلم البريء من الخيانة، ينتظر إحدى الحسنيين: إما داعي الله فما عند الله خير له، وإما رزق الله فإذا هو ذو أهل ومال، ومعه دينه وحسبه؛ إن المال والبنين حرث الدنيا، والعمل الصالح حرث الآخرة، قد يجمعها الله لأقوام، فاحذروا من الله ما حذّركم من نفسه، واخشوه خشية ليست بتعذير، واعملوا في غير رياء ولا سمعة، فإنه من يعمل لغير الله يكله الله إلى من عمل له.
_________________
(١) نهج البلاغة: ٥٧، ونثر الدر ١: ٣٠٨، وعيون الأخبار ١: ٦٠، وأمالي الطوسي ١: ٢٤٠، وكنز العمال ١٦: ١٩٧، وبعضه في الحكمة الخالدة: ١١١، ولقاح الخواطر: ١٣ ب.
(٢) نهج البلاغة: ٦٤، ونثر الدر ١: ٣٠٦.
[ ١ / ٩١ ]
[١٦٩]- ومن مواعظه: واتقوا الله عباد الله وبادروا آجالكم بأعمالكم، وابتاعوا ما يبقى لكم بما يزول عنكم، وترحّلوا فقد جدّ بكم، واستعدّوا للموت فقد أظلكم، وكونوا قوما صيح بهم فانتبهوا، وعلموا أنّ الدنيا ليست لهم بدار فاستبدلوا، فإن الله لم يخلقكم عبثا ولم يترككم سدى، وما بين أحدكم وبين الجنة أو النار إلا الموت أن ينزل به، وإنّ غاية تنقصها اللحظة وتهدمها الساعة لجديرة بقصر المدة، وإنّ غائبا يحدوه الجديدان الليل والنهار لحريّ بسرعة الأوبة، وإن قادما يقدم بالفوز أو الشقوة لمستحقّ لأفضل العدّة، فاتّقى عبد ربه: نصح نفسه، قدم توبته، غلب شهوته، فإن أجله مستور عنه، وأمله خادع له، والشيطان موكل به يزين له المعصية ليركبها، ويمنّيه التوبة «١» ليسوّفها حتى تهجم منيته عليه أغفل ما يكون عنها، فيا لها حسرة على كلّ ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجّة، وان تؤديه أيامه إلى شقوة، نسأل الله سبحانه أن يجعلنا وإياكم «٢» ممن لا تبطره نعمة، ولا تقصّر به عن طاعة ربه غاية، ولا تحلّ به بعد الموت ندامة ولا كآبة.
[١٧٠]- ومن مواعظه: رحم الله عبدا أسمع حكما فوعى، ودعي إلى رشاد فدنا، وأخذ بحجزة هاد فنجا، راقب ربّه، وخاف ذنبه، قدّم صالحا، وعمل خالصا، اكتسب مذخورا، واجتنب محذورا، رمى غرضا، وأحرز عوضا، كابر هواه، وكذّب مناه، جعل الصبر مطيّة نجاته، والتقوى عدّة وفاته، ركب الطريقة الغراء، ولزم المحجّة البيضاء، اغتنم المهل، وبادر الأجل، وتزوّد من العمل.
_________________
(١) نهج البلاغة: ٩٥ وتذكرة الخواص: ١٣٦.
(٢) نهج البلاغة: ١٠٣.
[ ١ / ٩٢ ]
[١٧١]- ومنها: فاتعظوا عباد الله بالعبر النوافع، واعتبروا بالآي السّواطع، وازدجروا بالنّذر البوالغ، وانتفعوا بالذّكر والمواعظ، فكأن قد علقتكم مخالب المنيّة، وانقطعت منكم علائق الأمنيّة، ودهمتكم مفظعات الأمور، والسياقة إلى الورد «١» المورود، وكل نفس معها سائق وشهيد: سائق يسوقها إلى محشرها، وشاهد يشهد عليها بعملها.
[١٧٢]- ومن كلامه ﵇ في صفة الدنيا: ما أصف من دار أوّلها عناء وآخرها فناء، في حلالها حساب، وفي حرامها عذاب، من استغنى فيها فتن، ومن افتقر «٢» حزن، ومن سعى لها فاتته، ومن قعد عنها أتته «٣»، ومن أبصر بها بصّرته، ومن أبصر إليها أعمته.
[١٧٣]- وله ﵇ كلام يصف فيه المتقين نبه فيه على آداب، أفلح من استضاء بنورها، أوله: أما بعد فإن الله تعالى خلق الخلق حيث خلقهم غنيا عن طاعتهم، آمنا لمعصيتهم «٤»، لأنه سبحانه «٥» لا تضرّه معصية من عصاه، ولا تنفعه طاعة من أطاعه، فالمتقون فيها هم أهل الفضائل، منطقهم الصواب، وملبسهم الاقتصاد، ومشيهم التواضع، غضّوا أبصارهم عمّا حرّم
_________________
(١) نهج البلاغة: ١١٦ (قوله: ومنها: يعني ومن مواعظه، لا أن هذه الموعظة جزء من السابقة) .
(٢) نهج البلاغة: ١٠٦ ونثر الدر ١: ٢٩٤، ومجموعة ورام ١: ٨٨، ٢: ٢٨، وأدب الدنيا والدين: ١١٥، ومحاضرات الراغب ٢: ٣٨٦، وأنس المحزون: ٦٥ ب والعقد ٣: ١٧٢، والشريشي ٣: ٩٨، ولقاح الخواطر: ١٥ ب وتذكرة الخواص: ١٣٦.
(٣) نهج البلاغة: ٣٠٣ وتذكرة الخواص: ١٣٨- ١٣٩ وبعضه في العقد ٣: ١٧٧.
[ ١ / ٩٣ ]
الله عليهم، ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم، نزلت أنفسهم منهم في البلاء كالذي نزلت في الرخاء، لولا الأجل الذي كتب الله لهم «١» لم تستقرّ أرواحهم في أجسادهم طرفة عين شوقا إلى الثواب، وخوفا من العقاب، عظم الخالق في أنفسهم فصغر ما دونه في أعينهم، فهم والجنة كمن قد رآها، فهم فيها منعّمون، وهم والنار كمن قد رآها فهم فيها معذبون، قلوبهم محزونة، وشرورهم مأمونة، وأجسادهم نحيفة، وحاجتهم «٢» خفيفة، وأنفسهم عفيفة، صبروا أياما قصيرة أعقبتهم راحة طويلة، تجارة مربحة «٣» يسّرها لهم ربهم، أرادتهم الدنيا فلم يريدوها، وأسرتهم ففادوا «٤» أنفسهم منها. أما الليل فصافون أقدامهم تالون لأجزاء القرآن «٥» يرتلونه ترتيلا، يحزّنون به أنفسهم، ويستثيرون به دواء دائهم، فإذا مرّوا بآية فيها تشويق ركنوا إليها طمعا، وتطلّعت نفوسهم إليها شوقا، وظنوا أنها نصب أعينهم وإذا مرّوا بآية فيها تخويف أصغوا إليها مسامع قلوبهم، فظنوا أن زفير جهنم وشهيقها في أصول آذانهم، فهم حانون على أوساطهم مفترشون لجباههم وأكفّهم وركبهم وأطراف أقدامهم، يطلبون إلى الله في فكاك رقابهم، وأما النهار فحلماء علماء أبرار أتقياء، قد براهم الخوف بري القداح، ينظر إليهم الناظر فيحسبهم مرضى، وما بالقوم من مرض، ويقول: قد خولطوا، ولقد خالطهم أمر عظيم، لا يرضون من أعمالهم بالقليل «٦» ولا يستكثرون الكثير، فهم لأنفسهم متّهمون، ومن أعمالهم مشفقون، إذا زكّي أحد منهم خاف مما يقال له، فيقول: ربي أعلم بنفسي مني، وأنا أعلم بنفسي من غيري، اللهم لا تؤاخذني بما يقولون، واجعلني أفضل مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون. فمن علامة أحدهم: أنك ترى له
[ ١ / ٩٤ ]
قوة في دين، وحزما في لين، وإيمانا في يقين، وحرصا في علم، وعلما في حلم، وقصدا في غنى، وخشوعا في عبادة، وتجملا في فاقة، وصبرا في شدّة، وطلبا في حلال، ونشاطا في هدى، وتحرّجا عن طمع، يعمل الأعمال الصالحة وهو على وجل يمسي وهمّه الشكر، ويصبح وهمّه الذّكر، يبيت حذرا ويصبح فرحا، حذرا من الغفلة، وفرحا بما أصاب من الفضل والرحمة، إن استصعبت عليه نفسه فيما تكره لم يعطها سؤلها فيما تحبّ، قرّة عينه فيما لا يزول، وزهادته فيما لا يبقى، يمزج الحلم بالعلم، والقول بالعمل، تراه قريبا أمله، قليلا زلله، خاشعا قلبه، قانعة نفسه، منزورا أكله، سهلا أمره «١»، حريزا دينه، ميتة شهوته، مكظوما غيظه؛ الخير منه مأمول، والشرّ منه مأمون، إن كان في الغافلين كتب في الذاكرين، وإن كان في الذاكرين لم يكتب من الغافلين، يعفو عمّن ظلمه، ويعطي من حرمه، ويصل من قطعه، بعيدا فحشه، لينا قوله، غائبا منكره، حاضرا معروفه، مقبلا خيره، مدبرا شرّه، في الزلازل وقور، وفي المكاره صبور، وفي الرخاء شكور، لا يحيف على من يبغض، ولا يأثم «٢» فيمن يحبّ، يعترف بالحقّ قبل أن يشهد عليه، لا يضيّع ما استحفظ، ولا ينسى ما ذكّر، ولا ينابز بالألقاب، ولا يضرّ «٣» بالجار، ولا يشمت بالمصائب، ولا يدخل في الباطل، ولا يخرج من الحقّ، إن صمت لم يغمّه صمته، وإن ضحك لم يعل صوته، وإن بغي عليه صبر حتى يكون الله هو الذي ينتقم له، نفسه منه في عناء، والناس منه في راحة، أتعب نفسه لآخرته، وأراح الناس من نفسه، بعده عمن تباعد عنه زهد ونزاهة، ودنّوه ممن دنا منه لين ورحمة، ليس تباعده بكبر وعظمة، ولا دنّوه بمكر وخديعة.
[ ١ / ٩٥ ]
[١٧٤] وسمع قوما من أصحابه يسبّون أهل الشام أيام حربهم بصفين فقال لهم: إنّي أكره لكم أن تكونوا سبّابين، ولكنكم لو وصفتم أعمالهم، وذكرتم حالهم، كان أصوب في القول وأبلغ في العذر، وقلتم مكان سبّكم إياهم: اللهم احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم، حتى يعرف الحقّ من جهله، ويرعوي عن الغيّ والعدوان من لهج به.
[١٧٥]- ومن «١» كلام له ﵇: وحقا أقول ما الدنيا غرّتك ولكن بها اغتررت، ولقد كاشفتك الغطاء «٢»، وآذنتك على سواء، ولهي بما تعدك من نزول البلاء بجسمك والنقص في قوتك أصدق وأوفى من أن تكذبك وتغرّك، ولربّ ناصح لها عندك متّهم، وصادق من خبرها مكذّب، ولئن تعرفتها في الديار الخاوية والربوع الخالية، لتجدنّها من حسن تذكرك «٣» وبلاغ موعظتك بمحلة الشفيق عليك والشحيح بك، ولنعم دار من لم يرض بها دارا، ومحلّ من لم يوطنها محلا، وإن السعداء بالدنيا [غدا] «٤» هم الهاربون منها اليوم، إذا رجفت الراجفة وحقّت بجلائلها القيامة.
منها: فكم حجّة يوم ذاك داحضة، وعلائق عذر متقطعة، فتحرّ من أمرك ما يقوم به عذرك، وتثبت به حجّتك، وخذ ما يبقى لك مما لا تبقى له، وتيسّر لسفرك، وشم برق النجاة، وارحل مطايا التشمير.
_________________
(١) نهج البلاغة: ٣٢٣ وتذكرة الخواص: ١٥٤.
(٢) نهج البلاغة: ٣٤٥.
[ ١ / ٩٦ ]
[١٧٦] ومن كلام له ﵇: والله أبيت على حسك السّعدان مسهّدا، وأجرّ في الأغلال مصفّدا، أحبّ إليّ من أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالما لبعض العباد، وغاصبا لشيء من الحطام، وكيف أظلم أحدا والنفس «١» يسرع إلى البلى قفولها، ويطول في الثرى حلولها؟! والله لقد رأيت عقيلا وقد أملق حتى استماحني من برّكم صاعا، ورأيت صبيانه شعث الألوان من فقرهم، كأنما سوّدت وجوههم بالعظلم، وعاودني مؤكدا، وكرّر عليّ القول مردّدا، فأصغيت إليه سمعي، فظنّ أني أبيعه ديني، وأتبع قياده مفارقا طريقتي «٢» فأحميت له حديدة ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضجّ ضجيج ذي دنف من ألمها، وكاد أن يحترق من ميسمها، فقلت له: ثكلتك الثواكل «٣» أتئنّ من حديدة أحماها إنسان للعبه، وتجرّني إلى نار سجّرها جبارها «٤» لغضبه؟ أتئنّ من الأذى ولا أئنّ «٥» من لظى؟! وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة في وعائها ومعجونة شنئتها كأنما عجنت بريق حيّة أو قيئها، فقلت: أصلة أم زكاة أم صدقة؟ فذلك محرّم علينا أهل البيت فقال: لا ذا ولا ذاك، ولكنها هديّة، فقلت له: هبلتك الهبول، أعن دين الله أتيتني لتخدعني؟ أمختبط أنت أم ذو جنّة أم تهجر؟ والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلته، وإن دنياكم عندي لأهون من ورقة في فم جرادة تقضّمتها «٦»، ما
_________________
(١) نهج البلاغة: ٣٤٦ وتذكرة الخواص: ١٥٥ وبعضه في مجموعة ورام ١: ٥٦، وفي ربيع الأبرار: ٢٣١/أوفيه أيضا ١: ١٩٢. ٧ ١ التذكرة
[ ١ / ٩٧ ]
لعليّ ونعيم يفني؟! نعوذ بالله من سبات العقل وقبح الزلل، وبه نستعين.
[١٧٧]- ومن كلام له: فاحذروا عباد الله الموت وقربه، وأعدّوا له عدّته، فإنه يأتي بأمر عظيم وخطب جليل، بخير لا يكون معه شرّ أبدا، وشرّ لا يكون معه خير أبدا، فمن أقرب إلى الجنة من عاملها؟ ومن أقرب إلى النار من عاملها؟ وإنكم «١» طرداء الموت: إن أقمتم له أخذكم، وإن فررتم منه أدرككم، وهو ألزم لكم من ظلكم. الموت معقود بنواصيكم، والدنيا تطوى من خلفكم، واحذروا نارا قعرها بعيد، وحرّها شديد، وعذابها جديد، دار ليس فيها رحمة، ولا تسمع فيها دعوة، ولا تفرّج فيها كربة، وإن استطعتم أن يشتدّ خوفكم من الله وأن يحسن ظنكم به، فاجمعوا بينهما، فإن العبد إنما يكون حسن ظنّه بربه على قدر خوفه من ربه، وإن أحسن الناس ظنّا بالله أشدّهم خوفا لله.
[١٧٨]- ومن كتاب له إلى عثمان بن حنيف الأنصاري، وهو عامله على البصرة، وبلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها: أما بعد يا ابن حنيف، قد بلغني أنّ رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة فأسرعت إليها، تستطاب «٢» لك الألوان، وتنقل عليك «٣» الجفان. وما «٤» ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفوّ، وغنيّهم مدعوّ، فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم «٥»، فما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه.
_________________
(١) نهج البلاغة: ٣٨٤ (من عهد له إلى محمد بن أبي بكر) .
(٢) نهج البلاغة: ٤١٦ وربيع الأبرار: ٢١٧/أ، (٢: ٧١٩)، ولقاح الخواطر: ١٣/أ.
[ ١ / ٩٨ ]
ألا وإن لكلّ مأموم إماما يقتدي به ويستضيء بنور علمه، ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه، ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك، ولكن أعينوني بورع واجتهاد «١»، فو الله ما كنزت من دنياكم تبرا، ولا ادخرت من غنائمها وفرا، ولا أعددت لبالي ثوبيّ طمرا؛ بلى، كانت في أيدينا فدك من كلّ ما أظلّته السماء، فشحّت عليها نفوس قوم، وسخت عنها نفوس آخرين. ونعم الحكم الله؛ ما أصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانّها في غد جدث تنقطع في ظلمته آثارها وتغيب أخبارها، وحفرة لو زيد في فسحتها وأوسعت يدا حافرها لأضغطها الحجر والمدر، وسدّ فرجها التراب المتراكم؛ وإنما هي نفس أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الأكبر منها. ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القزّ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخير «٢» الأطعمة، ولعلّ بالحجاز أو باليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشّبع؛ أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى، أو أكون كما قال القائل [من الطويل]:
وحسبك داء أن تبيت ببطنة وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ
أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدّهر؟ أو أكون أسوة لهم في خشونة «٣» العيش، فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همّها علفها، والمرسلة شغلها تقمّمها.
[١٧٩]- ومن «٤» كلام له ﵇: فلا يكن أفضل ما نلت من
_________________
(١) نهج البلاغة: ٤٥٧، من كتاب له إلى ابن عباس.
[ ١ / ٩٩ ]
دنياك في نفسك بلوغ لذة أو شفاء غيظ، ولكن إطفاء باطل وإحياء حقّ، وليكن سرورك بما قدّمت، وأسفك على ما خلّفت، وهمّك فيما بعد الموت.
[١٨٠]- وقال «١» كرم الله وجهه: ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء طلبا لما عند الله، وأحسن منه تيه الفقراء على الأغنياء اتكالا على الله.
[١٨١]- وقال: إن أخسر الناس صفقة وأخيبهم سعيا رجل أخلق بدنه في طلب آماله، ولم تساعد المقادير على إرادته، فخرج من الدنيا بحسرته، وقدم على الآخرة بتبعته.
[١٨٢]- وقال كرم الله وجهه: اذكروا انقطاع اللذات وبقاء التبعات «٢» .
[١٨٣]- ودخل عليه قوم فقالوا: يا أمير المؤمنين لو أعطيت هذه الأموال وفضّلت بها هؤلاء الأشراف ومن تخاف فراقه، حتى إذا استتب لك ما تريد عدت إلى أفضل ما عوّدك الله تعالى من العدل في الرعية والقسم بالسوية، فقال:
تأمرونني أن أطلب النصر بالجور فيمن وليت عليه من أهل الإسلام «٣»؟ والله لا أفعل ذلك ما سمر ابنا سمير، وما آب في السماء نجم «٤»، لو كان هذا المال لي لسوّيت بينهم، وكيف وإنما هي أموالهم «٥»؟
_________________
(١) نهج البلاغة: ٥٤٧، وربيع الأبرار: ٣٥٤/أ، والفصول المهمة: ١١٨.
(٢) نهج البلاغة: ٥٥٢ ونثر الدر ١: ٢٨٨، والحكمة الخالدة: ١٣٠.
(٣) نهج البلاغة: ٥٥٣.
(٤) نهج البلاغة: ١٨٣، وقوله: فمن آتاه الله مالا فليصل به القرابة ورد في ص: ١٩٨ من النهج؛ وورد النصان موصولين في نثر الدر ١: ٣١٨- ٣١٩.
[ ١ / ١٠٠ ]
ثم أرم طويلا ثم قال: من منكم له مال فاياه والفساد، فإن إعطاء المال في غير حلّه «١» تبذير وإسراف وفساد، وهو يرفع ذكر صاحبه ويضعه عند الله ﷿، ولن يضع امرؤ ماله في غير حقّه وعند غير أهله إلا حرمه الله تعالى شكرهم، وكان لغيره ودّهم، فإن بقي معه منهم من [يبدي له] الود ويظهر له الشكر فإنما هو ملق وكذب «٢»، فإن زلّت بصاحبه النّعل واحتاج إلى معونته ومكافأته فشرّ خليل والأم خدين، فمن «٣» آتاه الله مالا فليصل به القرابة وليحسن فيه الضيافة، وليفكّ به العاني والأسير، وليعط منه الغارم وابن السبيل والفقراء والمجاهدين، وليصبر نفسه على الحقوق ابتغاء الثواب، فإنه ينال بهذه الخصال مكارم الدنيا وفضائل الآخرة، إن شاء الله.
[١٨٤]- وقال: يوشك أن يفقد الناس ثلاثة: درهم حلال، ولسان صادق، وأخ يستراح إليه.
[١٨٥]- وكان الحسن بن علي ﵉ يقول في مواعظه: يا ابن آدم عفّ عن محارم الله تكن عابدا، وارض بما قسم الله سبحانه تكن غنيا، وأحسن جوار من جاورك تكن مسلما، وصاحب الناس بمثل ما تحبّ أن يصاحبوك بمثله تكن عدلا. إنه كان بين أيديكم أقوام يجمعون كثيرا، ويبنون مشيدا، ويأملون بعيدا، أصبح جمعهم بورا، وعملهم غرورا، ومساكنهم قبورا، يا ابن آدم إنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك فخذ مما في يديك لما بين يديك، فإن المؤمن يتزود والكافر يتمتع. وكان يتلو بعد هذه الموعظة: وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوى
(البقرة: ١٩٧) .
_________________
(١) تذكرة الخواص: ١٣٦.
[ ١ / ١٠١ ]
[١٨٦] ومن كلام الحسين بن علي ﵇: أيها الناس نافسوا في المكارم، وسارعوا في المغانم، ولا تحتسبوا بمعروف لم تعجّلوه، واكتسبوا الحمد بالنّجح، ولا تكتسبوا بالمطل ذمّا: فمهما يكن لأحد صنيعة له رأى أنه لا يقوم بشكرها فالله مكاف له «١»، فإنه أجزل عطاء وأعظم أجرا. اعلموا أنّ حوائج الناس إليكم من نعم الله عليكم، ولا تملّوا النعم فتحور نقما، واعلموا أنّ المعروف مكسب «٢» حمدا ومعقب أجرا، فلو رأيتم المعروف رجلا رأيتموه «٣» حسنا جميلا يسرّ الناظرين ويفوق العالمين، ولو رأيتم اللؤم رجلا رأيتموه سمجا مشوّها تنفر منه القلوب وتغضّ دونه الأبصار. أيها الناس «٤» من جاد ساد، ومن بخل رذل، وإن أجود الناس من أعطى من لا يرجوه، وإن أعفى الناس من عفا عن قدرة، وإنّ أوصل الناس من وصل من قطعه، والأصول على مغارسها بفروعها تسمو. من تعجّل لأخيه خيرا وجده إذا قدم عليه غدا، ومن أراد الله تعالى بالصنيعة إلى أخيه كافأه بها في وقت حاجته، وصرف عنه من بلاء «٥» الدنيا ما هو أكثر منه، ومن نفّس كربة مؤمن فرّج الله عنه كرب الدنيا والآخرة، ومن أحسن أحسن الله إليه، والله يحبّ المحسنين.
[١٨٧]- ومن كلام «٦» محمد بن علي المعروف بابن الحنفية: أيها الناس
_________________
(١) نثر الدر ١: ٣٣٤.
(٢) نسبت له في التعازي والمراثي: ٨٧- ٨٨، وأصول هذه الكلمة في النهج: ٢٠٢، وكذلك نسبت لعلي في الارشاد: ١٢٧، ومجموعة ورام ١: ٧٦، وقد نسبت هذه الكلمة في شرح النهج ١٢: ١٨ لعمر بن الخطاب (قال ابن أبي الحديد: وأكثر الناس يرويه لعلي) وفي نثر الدر ٢: ٤٩، كما رويت لعمر بن عبد العزيز في حلية الأولياء ٥: ٢٦٥، وانظر البيان والتبيين ٤: ٧٤.
[ ١ / ١٠٢ ]
إنكم أغراض تنتضل فيكم المنايا. لن يستقبل أحد منكم يوما بدأ من عمره إلا بانقضاء آخر من أجله، فأية أكلة ليس معها غصص، أو أية شربة ليس معها شرق؟ أيها الناس استصلحوا ما تقدمون عليه مما تظعنون عنه، فإن اليوم غنيمة وغدا لا يدرى لمن هو. أهل الدنيا أهل سفر يحلّون عقد رحالهم في غيرها، قد خلت من قبلنا أصول نحن فروعها، فما بقاء الفرع بعد ذهاب أصله؟ أين الذين كانوا أطول منّا أعمارا وأبعد منّا آمالا؟! أتاك يا ابن آدم ما لا تردّه، وذهب عنك ما لا يعود، ولا تعدّنّ عيشا منصرفا، عيشا ما لك منه إلا لذّة تزدلف بك إلى حمامك وتقرّبك من أجلك، وكأنك قد صرت الحبيب المفقود والسواد المخترم، فعليك بذات نفسك ودع عنك ما سواها، واستعن بالله يعنك.
[١٨٨]- وقال جعفر بن محمد: المرء بين ذنب ونعمة، لا يصلحه غير استغفار من هذا وشكر على هذا.
[١٨٩]- قيل لعبد الله بن العبّاس: أيما أحبّ إليك رجل يكثر من الحسنات ويكثر من السيئات «١»، أم رجل يقلّ من الحسنات ويقلّ من السيئات؟ قال: ما أعدل بالسلامة شيئا.
[١٩٠]- وقال عبد الله قال لي أبي العبّاس: يا بني إن «٢» أمير المؤمنين قد
_________________
(١) قارن بما في ربيع الأبرار: ١٥٥/أ (ونسب القول لبعض العباد) والتمثيل والمحاضرة: ١٧١ (ونسب لذي النون) وزهر الآداب: ٨١٠ (لذي النون أيضا) .
(٢) البيان والتبيين ٣: ٢٥٧، ٢: ٩٤ (وكتب لابن عياش)، وأنساب الأشراف ٣: ٣٤، وأدب الدنيا والدين: ١٠٤.
(٣) أخبار الدولة العباسية: ١٢٠، والكامل للمبرد ١: ٢٦٥، ٢: ٣١٢، وأنساب الأشراف
[ ١ / ١٠٣ ]
اختصّك من دون من أرى من المهاجرين والأنصار، فاحفظ عني ثلاثا ولا تجاوزهنّ: لا يجرّبنّ عليك كذبا، ولا تغتب عنده أحدا، ولا تفشينّ لأحد سرّا.
[١٩١]- وقال العبّاس ﵁: شهدت مع النبيّ ﷺ حنينا، فلمّا انهزم الناس، قال: ناد يا أصحاب السّمرة، فناديت، فو الله لكأنّ عطفتهم حين سمعوا صوتي كعطفة البقر على أولادها.
[١٩٢]- وقال «١» العبّاس لابنه ﵄: تعلّم العلم ولا تعلّمه لتماري به ولا لتباهي به، ولا تدعه رغبة في الجهل وزهادة في العلم واستحياء من التعلم.
[١٩٣]- أتي «٢» زيد بن ثابت بدابته، فأخذ عبد الله بن عبّاس بركابه، فقال زيد: دعه بالله، فقال عبد الله: هكذا أمرنا أن نفعل بعلمائنا، فقال
_________________
(١) ٣: ٥١، والعقد ١: ٩، وعيون الأخبار ١: ١٩، والزهرة ٢: ٢٦٤، ولباب الآداب: ١٥ ونثر الدر ١: ٤٠٤، وبهجة المجالس ١: ٣٤٣، ٤٠٢، ٤٥٨، وكتاب الآداب: ٢٨، وشرح النهج ٦: ٣٥٧- ٣٥٨، وربيع الأبرار ١: ٤٩٦، وعين الأدب: ١٥٤، وسراج الملوك: ٢٠٣، والمستطرف ١: ٨٩، ونهاية الأرب ٦: ١٦، وغرر الخصائص: ٤٤١، وبرد الأكباد: ١١٤ والشهب اللامعة: ٥.
(٢) قارن بسيرة ابن هشام ٢: ٤٤٤- ٤٤٥، وطبقات ابن سعد ٤: ١٨، ١٩، والكامل للمبرد ٢: ١٦٤ ونثر الدر ١: ٤٠٤، وربيع الأبرار: ١٩٦/أ، والبيان ١: ١٢٣، وفي البصائر ٢: ٤٦١ إشارة موجزة إلى ذلك.
(٣) نثر الدر ١: ٤٠٥، وقارن بما في ألف باء ١: ٢٥.
(٤) نثر الدر ١: ٤٠٨- ٨٨٠٩، وعيون الأخبار ١: ٢٦٩، وأنساب الاشراف ٣: ٤٦، والعقد ٢: ١٢٧، ٢٢٤، والبصائر ١: ١١٢، ومحاضرات الراغب ١: ٢٦٢، وألف باء ١: ١٩.
[ ١ / ١٠٤ ]
زيد: أخرج يدك، فأخرجها فقبلها، وقال: هكذا أمرنا أن نفعل بأهل بيت نبيّنا ﵇.
[١٩٤]- وكان عبد الله يقول: تواعظوا وتناهوا عن معصية ربكم تعالى، فإن الموعظة تنبيه للقلوب «١» من سنة الغفلة، وشفاء من داء الجهالة، وفكاك من رقّ ملكة الهوى.
[١٩٥]- وقال أيضا: من استؤذن عليه فهو ملك.
[١٩٦]- وقيل له: أنّى لك هذا العلم؟ قال: قلب عقول ولسان سؤول.
[١٩٧]- وقال: من ترك قول لا أدري أصيبت مقاتله.
[١٩٨]- وجاء إليه رجل فقال: أريد أن أعظ «٢»؟ فقال: إن لم تخش أن تفتضح بثلاث آيات من كتاب الله تعالى قوله ﷿: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ
، (البقرة: ٤٤) . وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ ما لا تَفْعَلُونَ
(الصف: ٢)، وقول العبد الصالح شعيب:
وَما أُرِيدُ أَنْ أُخالِفَكُمْ إِلى ما أَنْهاكُمْ عَنْهُ
(هود: ٨٨) . أأحكمت هذه الآيات؟ قال: لا، قال: فابدأ بنفسك إذن.
_________________
(١) نثر الدر ١: ٤٠٩.
(٢) نثر الدر ١: ٤٠٩.
(٣) نثر الدر ١: ٤١٢، والبيان والتبيين ١: ٨٤- ٨٥ (قال الجاحظ: وقد رووا هذا الكلام عن دغفل بن حنظلة العلامة، وعبد الله أولى به منه) وأنساب الأشراف ٣: ٣٣.
(٤) نثر الدر ١: ٤١٢، والبيان ٢: ٩٠، وعيون الأخبار ٢: ١٢٥، وأنساب الأشراف ٣: ٥٢، والعقد ٢: ٢١٧ (لمالك بن أنس)، ونسبت في نهج البلاغة: ٤٨٢ لعلي وفي حلية الأولياء ٧: ٢٤٧ لسفيان بن عيينة؛ وألف باء ١: ٢٢.
(٥) نثر الدر ١: ٤١٣ ومجموعة ورام ٢: ١١.
[ ١ / ١٠٥ ]
[١٩٩]- وقال: ملاك أموركم الدين، وزينتكم العلم، وحصون أعراضكم الأدب، وعزكم الحلم، وصلتكم الوفاء، وطولكم في الدنيا والآخرة المعروف، فاتقوا الله يجعل لكم من أمركم يسرا.
[٢٠٠]- وسمع كعبا يقول: مكتوب في التوراة من يظلم يخرب بيته، فقال ابن عبّاس: تصديق ذلك في كتاب الله ﷿: فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خاوِيَةً بِما ظَلَمُوا
(النمل: ٥٢) .
[٢٠١]- وقال: كل ما شئت. والبس ما شئت «١» إذا أخطأتك اثنتان:
سرف ومخيلة.
[٢٠٢]- وقال إنكم مرّ الليل «٢» والنهار في آجال منقوصة وأعمال محفوظة.
من زرع خيرا أوشك أن يحصد رغبة، ومن عمل شرا أوشك أن يحصد ندامة، ولكلّ زارع «٣»، لا يسبق بطيء بحظه، ولا يدرك حريص ما لم يقدّر له بحرصه. ومن أوتي خيرا فالله آتاه، ومن وقي شرّا فالله وقاه، المتقون سادة والعلماء قادة «٤» .
[٢٠٣]- وقال: ذللت للعلم طالبا فعززت مطلوبا.
_________________
(١) نثر الدر ١: ٤١٣.
(٢) نثر الدر ١: ٤١٤.
(٣) نثر الدر ١: ٤١٥، وعيون الأخبار ١: ٢٩٦، والبصائر ٢: ١٩٤، وربيع الأبرار: ٣٣١ ب (٤: ١٢) ومحاضرات الراغب ٢: ٣٦٥.
(٤) نثر الدر ١: ٤٢٢، ونسب في عين الأدب: ١٩٨ لابن مسعود.
(٥) نثر الدر ١: ٤٢٢ وعيون الأخبار ٢: ١٢٢، وربيع الأبرار: ٢٧٤ ب وألف باء ١: ١٨.
[ ١ / ١٠٦ ]
[٢٠٤]- وقال علي بن عبد الله بن عبّاس: من لم يجد مسّ نقص الجهل في عقله، وذلة المعصية في قلبه، ولم يستبن موضع الخلّة في لسانه عند كلال حدّه عن حدّ خصمه، فليس ممن ينزع عن ذنبه «١» ولا يرغب عن حال معجزة، ولا يكترث لفضل ما بين حجّة وشبهة.
[٢٠٥]- وقال: سادة الناس في الدنيا الأسخياء وفي الآخرة الأتقياء.
[٢٠٦]- وكان علي بن عبد الله سيدا شريفا، يقال إنه كان له خمسمائة أصل زيتون، يصلي في كل يوم إلى كل أصل منها ركعتين. وكان علي بن أبي طالب بشّر أباه حين ولد بانتقال الخلافة إلى ولده وقال: خذ إليك أبا الأملاك؛ وله في ذلك حكايات كثيرة منها أنه دخل على هشام بن عبد الملك ومعه ابنا ابنه الخليفتان أبو العباس وأبو جعفر، فلما ولّى قال هشام: إن هذا الشيخ قد أخلّ وأسنّ وصار يقول: إنّ هذا الأمر سينتقل إلى ولده، فسمع ذلك عليّ فالتفت إليه وقال: أي والله ليكوننّ ذلك وليملكنّ هذان.
[٢٠٧]- ومن كلام عليّ بن الحسين بن علي بن أبي طالب ﵉: لا يهلك مؤمن بين ثلاث خصال: شهادة أن لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، وشفاعة رسول الله ﷺ، وسعة رحمة الله ﷿. خف الله لقدرته عليك واستحي لقربه منك. إذا صليت فصلّ صلاة مودّع، وإيّاك وما
_________________
(١) نثر الدر ١: ٤٣٠، والبيان والتبيين ١: ٨٥، وبهجة المجالس ١: ٣٩٤، وربيع الأبرار ١: ٦٣٨ (دون نسبة) .
(٢) نثر الدر ١: ٤٣٠، والجوهر النفيس: ٦٣ ب (للمأمون) .
(٣) نثر الدر ١: ٤٣٨، وأخبار الدولة العباسية: ١٤٤، ١٣٩- ١٤٠، والكامل للمبرد ٢: ٢١٧، وقارن بما في ألف باء ١: ٢٢٥.
(٤) قارن بما في ربيع الأبرار: ٣٦٩/أ، وقوله: «إياك وما يعتذر منه» يعدّ حديثا، انظر الجامع الصغير ١: ١١٦، كما أنه يدرج في الأمثال: انظر الميداني ١: ٢٩ وما تقدم ص: ٤٧.
[ ١ / ١٠٧ ]
يعتذر منه، وخف الله خوفا ليس بالتعذّر. إيّاك والابتهاج بالذنب فإنّ الابتهاج بالذنب «١» أعظم من ركوبه.
[٢٠٨]- وقال: أعجب لمن يحتمي من الطعام لمضرّته، ولا يحتمي من الذنب لمعرّته «٢» [٢٠٩]- وقال أبو حمزة الثّمالي: أتيت باب عليّ بن الحسين فكرهت أن أصوّت، فقعدت حتى خرج، فسلمت عليه ودعوت له، فردّ عليّ السلام ودعا لي، ثمّ انتهى إلى الحائط فقال لي: يا أبا حمزة، ترى هذا الحائط؟
قلت: بلى يا ابن رسول الله، قال فإني اتكأت عليه يوما وأنا حزين، فإذا رجل حسن [الوجه حسن] الثياب ينظر في اتجاه وجهي، ثم قال: يا علي بن الحسين ما لي أراك كئيبا حزينا؟ أعلى الدنيا، فهي رزق حاضر يأكل منها البرّ والفاجر. فقلت: ما عليها أحزن [لأنه] كما تقول. فقال: أعلى الآخرة؟
فهي وعد صادق، يحكم فيها ملك قاهر. قلت: ما عليها أحزن لأنه كما تقول. فقال: وما حزنك يا علي بن الحسين؟ قلت: الخوف من فتنة ابن الزبير. فقال: يا علي بن الحسين، هل رأيت أحدا سأل الله فلم يعطه؟
قلت: لا، قال: فخاف الله فلم يكفه؟ قلت: لا؛ ثم غاب عنّي، فقيل لي: يا عليّ هذا الخضر ناجاك.
_________________
(١) نثر الدر ١: ٣٤٠، والفصول المهمة: ٢٠٢ ومحاضرات الراغب ٢: ٤٠٧، ونسب لحماد بن زيد في أدب الدنيا والدين: ١٠٤ ولاسقليبيوس في نزهة الارواح ١: ٨٩.
(٢) حلية الأولياء ٣: ١٣٤، والارشاد: ٢٥٨، والفصول المهمة: ٢٠٢، وبعضه في البصائر ٤: ٢٩٩.
[ ١ / ١٠٨ ]
[٢١٠]- قال «١» ابن شهاب الزهري شهدت عليّ بن الحسين يوم حمله إلى عبد الملك بن مروان من المدينة إلى الشام، فأثقله حديدا، ووكل به حفّاظا في عدّة وجمع، فاستأذنتهم في التسليم عليه والتوديع له فأذنوا لي، فذخلت عليه وهو في قبّة والقيود في رجليه والغلّ في يديه، فبكيت وقلت: وددت أني مكانك وأنت سالم، فقال: يا زهري أوتظنّ هذا مما ترى عليّ وفي عنقي يكربني؟ أما لو شئت ما كان، فإنه إن بلغ منك ومن أمثالك «٢» ليذكرني عذاب الله، ثم أخرج يديه من الغلّ ورجليه من القيد، ثم قال: يا زهري لا جزت معهم على ذا ميلين «٣» من المدينة. قال: فما لبثت إلّا أربع ليال حتّى قدم الموكلون به يطلبونه بالمدينة، قال: فلمّا وجدوه «٤»، فكنت فيمن سألهم عنه، فقال لي بعضهم: إنا نراه متبوعا، إنه لنازل ونحن حوله لا ننام لنرصده، إذ أصبحنا نفتقده فما وجدنا بين محمليه إلا حديده. قال الزهريّ: وقدمت بعد ذلك على عبد الملك، فسألني عن عليّ بن الحسين فأخبرته، فقال: إنه قد جاء في يوم فقده الأعوان، فدخل عليّ فقال: ما أنا أنت، فقلت: أقم عندي، قال: لا أحبّ، ثم خرج فو الله لقد امتلأ «٥» ثوبي منه خيفة؛ قال الزهريّ فقلت: يا أمير المؤمنين ليس عليّ بن الحسين حيث يظنّ، إنه مشغول بنفسه، قال: حبذا شغل مثله. قال: وكان الزهريّ إذا ذكر عليّ بن الحسين يبكي ويقول: زين العابدين.
_________________
(١) حلية الأولياء ٣: ١٣٥ وتذكرة الخواص: ٣٢٤ (وصرح بالنقل عن التذكرة الحمدونية) .
[ ١ / ١٠٩ ]
[٢١١]- ولمّا مات عليّ بن الحسين غسلوه، ثمّ جعلوا ينظرون إلى آثار سواد في ظهره فقالوا: ما هذا؟ فقيل: كان يحمل جرب الدقيق ليلا على ظهره يعطيه فقراء أهل المدينة.
[٢١٢]- وقال محمد بن إسحاق: كان ناس من أهل المدينة يعيشون لا يدرون من أين كان معاشهم، فلمّا مات زين العابدين فقدوا ما كانوا يؤتون به باللّيل.
[٢١٣]- وكان نافع بن جبير يقول لزين العابدين: غفر الله لك، أنت سيد الناس وأفضلهم تذهب إلى هذا العبد فتجلس معه؟! يعني زيد بن أسلم، فقال: إنه ينبغي للعلم أن يتّبع حيث كان.
[٢١٤]- قال محمد بن عليّ بن الحسين: ندعو الله فيما نحبّ فإذا وقع الذي نكره لم نخالف «١» الله فيما أحبّ.
[٢١٥]- وقال: توقي الصرعة قبل الرجعة «٢» .
[٢١٦]- وقال لابنه جعفر: يا بني إنّ الله تعالى خبأ ثلاثة أشياء في ثلاثة
_________________
(١) حلية الأولياء ٣: ١٣٦، وصفة الصفوة ٢: ٥٤، وربيع الأبرار: ٢٥٨/أ (٢: ١٤٩) ولقاح الخواطر: ٤٢/أ.
(٢) حلية الأولياء ٣: ١٣٦، وهو في زهد ابن حنبل: ١٦٦، وصفة الصفوة ٢: ٥٤، والفصول المهمة: ٢٠٢ وتذكرة الخواص: ٣٢٧ (ببعض اختلاف) .
(٣) حلية الأولياء ٣: ١٣٧- ١٣٨، وصفة الصفوة ٢: ٥٥ وتذكرة الخواص: ٣٢٩.
(٤) حلية الأولياء ٣: ١٨٧، وعيون الأخبار ٣: ٥٧.
(٥) البصائر ٧: ١٩٦ (دون نسبة) وروايته: اسهل من طلب الرجعة.
(٦) نثر الدر ١: ٣٤٣، وكتاب الآداب: ٤٤ والفصول المهمة: ٢١٦، ونسب في الخصال ١: ٢٠٩ لعلي بن أبي طالب، وهو في البصائر ٤ رقم: ٤٤٩ وسقط من الطبعة الدمشقية.
[ ١ / ١١٠ ]
أشياء: خبأ رضاه في طاعته فلا تحقرن من الطاعة شيئا فلعلّ رضاه فيه، وخبأ سخطه في معصيته فلا تحقرن من المعصية شيئا فلعلّ سخطه فيه، وخبأ أولياءه في خلقه فلا تحقرنّ أحدا فلعلّ ذلك الوليّ.
[٢١٧]- وقال جعفر بن محمد بن علي «١»: تأخير التوبة اغترار، وطول التسويف حيرة، والاعتلال على الله ﷿ هلكة، والإصرار [على الذنب] أمن: فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخاسِرُونَ
(الأعراف: ٩٩) .
[٢١٨]- وقال «٢»: ما كلّ من أراد شيئا قدر عليه، ولا كلّ من قدر على شيء وفّق له، ولا كلّ من وفّق أصاب له موضعا، فإذا اجتمع النية والقدرة والتوفيق والإصابة فهناك تمّت السعادة.
[٢١٩]- وقال: صلة الرّحم تهوّن الحساب يوم القيامة، قال الله تعالى: وَالَّذِينَ يَصِلُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخافُونَ سُوءَ الْحِسابِ
(الرعد: ٢٣) .
[٢٢٠]- وممّا «٣» ينسب إليه: الصلاة قربان كلّ تقيّ، والحجّ جهاد كلّ ضعيف، وزكاة البدن الصيام، والداعي بلا عمل كالرامي بلا وتر، واستنزلوا
_________________
(١) الارشاد: ٢٨٣، والفصول المهمة: ٢٢٨.
(٢) الارشاد: ٢٨٢ والفصول المهمة: ٢٢٨.
(٣) محاضرات الراغب ١: ٣٥٧، وقارن بقوله في نثر الدر ١: ٣٥٥، صلة الرحم منسأة في الأعمار إلخ.
(٤) حلية الأولياء ٣: ١٩٤- ١٩٥، ومعظم هذه الأقوال ورد في نهج البلاغة، ٤٩٤- ٤٩٥، وقوله «الداعي بلا عمل » قد مرّ منسوبا لعلي برقم: ١٥٦، وكذلك قوله استنزلوا الرزق بالصدقة رقم: ١١١؛ وقوله: قلة العيال الخ في أمثال الماوردي: ١٠٤/أ.
[ ١ / ١١١ ]
الرزق بالصدقة، وحصّنوا أموالكم بالزكاة، وما عال من اقتصد، والتقدير نصف العيش، والتودد نصف العقل، وقلة العيال أحد اليسارين، ومن حزّن والديه فقد عقّهما، والصنيعة لا تكون صنيعة إلّا عند ذي حسب أو دين، الله ينزل الصبر على قدر المصيبة، وينزل الرزق على قدر المؤونة، ومن قدر معيشته رزقه الله، ومن بذّر معيشته حرمه الله.
[٢٢١]- وكان عليّ بن الحسين إذا رأى مبتلى أخفى الاستعاذة، وكان لا يسمع من داره: يا سائل بورك فيك، ولا يا سائل خذ هذا، وكان يقول: سمّوهم بأحسن أسمائهم.
[٢٢٢]- وقيل له «١»: من أعظم قدرا؟ قال: من لا يرى بالدنيا لنفسه قدرا.
[٢٢٣]- وقالوا: قارف الزهريّ ذنبا فاستوحش من الناس وهام على وجهه، فقال له زيد بن عليّ بن الحسين: يا زهريّ لقنوطك من رحمة الله التي وسعت كل شيء أشدّ عليك من ذنبك، فقال الزهريّ: الله يعلم حيث يجعل رسالاته.
[٢٢٤]- وقال موسى بن جعفر: وجدت علم الناس في أربع: أولها أن
_________________
(١) البيان والتبيين ٣: ١٥٨- ١٥٩، وعيون الأخبار ٢: ٢٠٨، ونسب لمحمد بن علي الباقر في نثر الدر ١: ٣٤٥.
(٢) نثر الدر ١: ٣٣٩، والبداية والنهاية ٩: ١٠٥ «من أعظم الناس خطرا» .
(٣) نثر الدر ١: ٣٤٧، والبداية والنهاية ٩: ١٠٧ (مرويا عن علي بن الحسين) والبيان والتبيين ٣: ١٦٨ (مرويا عن زيد بن عليّ) وربيع الأبرار: ٤١٤/أ (٤: ٣٨٩) (لعلي بن الحسين) وطبقات ابن سعد ٥: ٢١٤ والجوهر النفيس ٤٨ ب- ٤٩/أ.
(٤) نسب في أمالي الطوسى ٢: ١٩٤، ٢٦٥ لجعفر الصادق.
[ ١ / ١١٢ ]
تعرف ربك، والثانية أن تعرف ما صنع بك، والثالثة أن تعرف ما أراد بك، والرابعة أن تعرف ما يخرجك من ذنبك. معنى هذه الأربع، الأولى: وجوب معرفة الله تعالى التي هي اللطف، الثانية: معرفة ما صنع بك من النعم التي يتعيّن عليك لأجلها الشكر والعبادة، الثالثة: أن تعرف ما أراد منك فيما أوجبه عليك وندبك إلى فعله على الحدّ الذي أراده منك فتستحق بذلك الثواب، الرابعة: أن تعرف الشيء الذي يخرجك عن طاعة الله فتجتنبه.
[٢٢٥]- وقال علي بن موسى بن جعفر: من رضي من الله ﷿ بالقليل من الرزق رضي منه بالقليل من العمل.
[٢٢٦]- وقال: لا يعدم المرء دائرة السّوء مع نكث الصفقة، ولا يعدم تعجيل العقوبة مع ادّراع البغي.
[٢٢٧]- وقال «١»: الناس ضربان: بالغ لا يكتفي وطالب لا يجد.
[٢٢٨]- وقال محمد بن علي بن موسى: كيف يضيع من الله كافله، وكيف ينجو من الله طالبه؟ ومن انقطع إلى غير الله وكله الله تعالى إليه، ومن عمل على غير علم أفسد أكثر مما يصلح.
[٢٢٩]- وقال: القصد إلى الله تعالى بالقلوب أبلغ من إتعاب الجوارح بالأعمال.
[٢٣٠]- كتب المنصور إلى جعفر بن محمد: لم لا تغشانا كما يغشانا سائر الناس؟ فأجابه: ليس لنا ما نخافك من أجله، ولا عندك من أمر الآخرة ما
_________________
(١) ورد في مختار الحكم: ٢٥٤، لبطليموس؛ وهو في أمثال الماوردي: ٥٠ ب، ونسب لابن المعتز في الوافي بالوفيات ١٧: ٤٥٠ ولهرمس في نزهة الأرواح ١: ٧٥. ٨ ١ التذكرة
[ ١ / ١١٣ ]
نرجوك له، ولا أنت في نعمة فنهنئك بها، ولا تراها نقمة فنعزّيك بها، فما نصنع عندك؟ قال فكتب إليه: تصحبنا لتنصحنا، فأجابه: من أراد الدنيا لا ينصحك، ومن أراد الآخرة لا يصحبك. فقال المنصور: والله لقد ميّز عندي منازل الناس، من يريد الدنيا ممن يريد الآخرة، وإنه ممن يريد الآخرة لا الدنيا.
[٢٣١]- قال سفيان الثوري لجعفر بن محمد: حدثني، قال جعفر: أما إنّي أحدثك، وما كثرة الحديث لك بخير، يا سفيان: إذا أنعم الله عليك بنعمة فأحببت تمامها «١» ودوامها فأكثر من الحمد والشكر فإن الله تعالى قال في كتابه المبين: لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ
(إبراهيم: ٧٢) . وإذا استبطأت الرزق فأكثر من الاستغفار، فإن الله تعالى قال في كتابه: اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّارًا، يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوالٍ وَبَنِينَ
يعني في الدنيا والآخرة، وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهارًا
(نوح: ١٠- ١٢) . يا سفيان إذا حزبك «٢» أمر من سلطان أو غيره فأكثر من لا حول ولا قوة إلّا بالله، فإنها مفتاح للفرج وكنز من كنوز الجنّة. فعقد سفيان بيده وقال:
ثلاث وأي ثلاث، قال جعفر: عقلها والله أبو عبد الله ولينفعنه بها.
[٢٣٢]- سقط «٣» ابن لعلي بن الحسين ﵉ في بئر، فتفرغ أهل المدينة لذلك حتى أخرجوه، وكان قائما يصلّي فما زال عن محرابه، فقيل له في ذلك، فقال: ما شعرت، كنت أناجي ربّا كريما.
_________________
(١) حلية الأولياء ٣: ١٩٣، ومحاضرات الراغب ٤: ٤٦٧، والفصول المهمة: ٢٢٣.
(٢) نثر الدر ١: ٣٣٨.
[ ١ / ١١٤ ]
[٢٣٣]- وكان عليّ بن الحسين يأتي ابن عم له بالليل «١» متنكرا فيناوله شيئا من الدنانير، فيقول: لكن عليّ بن الحسين لا يصلني، لا جزاه الله خيرا، فيسمع ذلك ويحتمله ويصبر عليه ولا يعرّفه نفسه، فلمّا مات عليّ بن الحسين ﵇ فقدها، فحينئذ علم أنه هو كان، فجاء إلى قبره وبكى عليه.
[٢٣٤]- وقيل له: ما بالك إذا سافرت كتمت نسبك أهل الرفقة؟
فقال: أكره أن آخذ برسول الله ﵇ ما لا أعطي مثله.
[٢٣٥]- قال طاووس: رأيت رجلا يصلي في المسجد الحرام تحت الميزاب ويدعو ويبكي في دعائه فتبعته حين «٢» فرغ «٣» من الصلاة فإذا هو عليّ بن الحسين، فقلت: يا ابن رسول الله رأيتك على حالة كذا وكذا، ولك ثلاثة أرجو أن تؤمّنك من الخوف أحدها: أنك ابن رسول الله، والثانية: شفاعة جدك، والثالثة: رحمة الله. فقال: يا طاووس أما أني ابن رسول الله فلا يؤمنني، وقد سمعت الله ﷿ يقول: فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ
، (المؤمنون: ١٠١)، وأما شفاعة جدّي فلا تؤمنني لأن الله تعالى يقول: لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى
(الأنبياء: ٢٨)، وأما رحمة الله فإن الله ﷿ يقول: انها قريب من المحسنين، ولا أعلم أني محسن.
_________________
(١) نثر الدر ١: ٣٣٩.
(٢) نثر الدر ١: ٣٤١، وربيع الأبرار: ٢٤٣ ب، ولقاح الخواطر: ٣٩ ب والكامل ٢: ١٣٨.
(٣) نثر الدر ١: ٣٤٢، والعقد ٣: ٣٠٧، والكامل للمبرد ١: ٢٥٥.
[ ١ / ١١٥ ]
[٢٣٦]- وقال أيضا «١»: كلّ عين ساهرة يوم القيامة إلّا ثلاث عيون:
عين سهرت في سبيل الله تعالى، وعين غمضت عن محارم الله، وعين فاضت من خشية الله.
[٢٣٧]- سئل محمد بن علي بن الحسين: لم فرض الله تعالى الصوم على عباده، فقال: ليجد الغنيّ من الجوع فيحنو على الضعيف.
[٢٣٨]- قرّب إلى عليّ بن الحسين طهوره في وقت ورده، فوضع يده في الإناء ليتوضأ، ثم رفع رأسه فنظر إلى السماء والقمر والكواكب، فجعل يفكّر في خلقها حتى أصبح، وأذّن المؤذّن ويده في الإناء.
[٢٣٩]- كان زيد بن موسى بن جعفر خرج بالبصرة ودعا إلى نفسه وأحرق دورا وعاث، ثمّ ظفر به وحمل إلى المأمون، قال زيد: لما دخلت إلى المأمون نظر إليّ ثمّ قال: اذهبوا به إلى أخيه أبي الحسن علي بن موسى الرضا، وتركني بين يديه ساعة، ثمّ قال: يا زيد سوأة لك، ما أنت قائل لرسول الله ﷺ إذ سفكت الدماء وأخفت السبيل وأخذت المال من غير حلّه؟
لعلّه غرّك حديث حمقى أهل الكوفة أن النبيّ صلّى الله عليه وآله قال: إن فاطمة أحصنت فرجها وذريتها عن النار، إنّ هذا لمن خرج من بطنها، الحسن والحسين فقط، والله ما نالوا ذلك إلا بطاعة الله، فلئن أردت أن تنال بمعصية الله ما نالوا بطاعته إنك إذا لأكرم على الله منهم.
_________________
(١) نثر الدر ١: ٣٤٣.
(٢) نثر الدر ١: ٣٤٤.
(٣) ربيع الأبرار ١: ١٢٨.
(٤) ربيع الأبرار: ٣٠٥ ب وقوله «إن فاطمة أحصنت فرجها» وأن ذلك يراد به الحسن والحسين فقط منسوب إلى جعفر الصادق في شرح النهج ١٨: ٢٥٢، وانظر أيضا ربيع الأبرار ١: ٧٤٧- ٧٤٨ والجليس الصالح ٢: ٢٠٩ وتذكرة الخواص: ٣٥١.
[ ١ / ١١٦ ]
[٢٤٠]- نظر عليّ بن الحسين ﵉ إلى الناس يضحكون في يوم فطر، فقال: إنّ الله ﷿ جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه إلى مرضاته، فسبق أقوام ففازوا وقصّر آخرون فخابوا، فالعجب من الضاحك اللاهي في اليوم الذي يفوز فيه المحسنون ويخيب فيه المبطلون، أما والله لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه ومسيء باساءته عن تجديد ثوب وترجيل شعر.
[٢٤١]- قال جعفر بن محمد: كفارة عمل السلطان الإحسان إلى الإخوان.
_________________
(١) البيان والتبيين ٣: ١٣٧ للحسن البصري (يضحكون يوم فطر)، والعقد ٣: ١٩٩ للحسن في ناس يضحكون في شهر رمضان؛ وللحسن أيضا في مجموعة ورام ١: ٧٨، ورأى الناس يضحكون في يوم فطر؛ وللحسن في بهجة المجالس ٢: ٣٣٥، إذ رأى الناس يضحكون يوم عيد، وله في زهر الآداب: ٥٧٨.
(٢) نثر الدر ١: ٣٥٤ ومحاضرات الراغب ١: ١٧٤، والبصائر ٧: ١٢٣، وربيع الأبرار: ٣٧٠/أوالتمثيل والمحاضرة: ١٥٠، والمستطرف ١: ٨٧.
[ ١ / ١١٧ ]