[١٠٤١]- لما وضع كسرى أنوشروان الخراج على الأرض وأحكم أمره وقرّر الإتاوات على مجاوري أطراف مملكته، وأتت عليه ثماني وعشرون سنة لملكه جدّد النظر في ولايته، والعدل على رعيته وانصافهم وإحصاء مظالمهم. وكان أنوشروان ملك على ضعف ممن كان قبله، ولين انتشر به حبل الفرس وغلب عليهم مجاوروهم، قال أنوشروان: فأمرت موبذ كلّ ثغر ومدينة وبلد وجند بانهاء حالهم إليّ، وأمرت بعرض الجند: من كان منهم بالباب بمشهد مني، ومن غاب في الثغور والأطراف بمشهد القائد وباذوسبان «١» والقاضي وأمين من قبلنا، وأمرت بجمع أهل كور الخراج في كلّ ناحية من مملكتي إلى مصرها مع القائد وقاضي البلد والكاتب والأمين، وسرّحت من قبلي من عرفت صحّته وأمانته ونسكه إلى كلّ مصر ومدينة ليجمعوا بين العمال وبين أهل أرضهم وبين وضيعهم وشريفهم، وأن يرفع الأمر كلّه على حقّه وصدقه، فما نفّذ لهم فيه أمر، أو صحّ فيه القضاء ورضي به أهله فرغوا منه هنالك، وما أشكل عليهم رفعوه إليّ، وبلغ من اهتمامي بتفقّد ذلك ما لولا الذي أداري من الأعداء
_________________
(١) قارن بما أورده مسكويه (في تجارب الأمم) ونقله الدكتور محمدي في كتابه الترجمة والنقل عن الفارسية: ٦٥ وما بعدها؛ وابن حمدون يعتمد الحذف في النقل.
[ ١ / ٤٠٣ ]
والثغور لباشرت ذلك بنفسي وتصفّحت الخراج والرعية قرية قرية وكلمت رجلا رجلا، غير أني خفت أن يضيع بذلك ما هو أكثر منه، والأمر الذي لا يغني فيه غنائي أحد مع ما في الشخوص إلى قرية قرية من المؤونة على الرعية وجندنا، وكرهنا إشخاصهم إلينا تخوفا أن نشغل أهل الخراج عن عمارة أراضيهم، أو يكون فيهم من يدخل عليه في ذلك مؤونة، وبلغنا أن أولئك الأمناء لم يبالغوا على قدر رأينا في الرعية، فأمرت بالكتب إلى قاضي كلّ كورة أن يجمع أهل كورته بغير علم عاملهم وأولي أمرهم، ويسألهم عن مظالمهم وما استخرج منهم ويفحص عن ذلك بمجهود رأيه ويبالغ فيه ويكتب حال [رجل] رجل منهم ويختم عليه بخاتمه وخاتم الرضى من أهل تلك الكورة، ويبعث به إليّ. ونظرت في الكتب والمظالم فأية مظلمة كانت من العمال أو من وكلائنا أو من وكلاء أولادنا ونسائنا وأهل بيتنا حططناها عنهم بغير بيّنة، لضعف أهل الخراج وظلم أهل القوة من السلطان لهم، ولم يجعل الله لذوي قرابتنا وخدمنا وحاشيتنا منزلة عندنا دون الحقّ والعدل، وأية مظلمة كانت لبعض الرعية من بعض ووضحت لنا، أمرت بانصافهم قبل البراح، وما أشكل أوجب الفحص عنه بشهود البلد وقاضيه، فسرّحت أمينا من الكتّاب، وأمينا من فقهاء ديننا، وأمينا ممن وثقت به من حاشيتنا، حتى أحكمت ذلك إحكاما وثيقا.
[١٠٤٢]- وقيل إنّ أنوشروان لما تقلّد المملكة عكف على الصّبوح والغبوق، فكتب إليه وزيره يقول: إن في إدمان الملك الشرب ضررا على الرعية، والوجه تخفيف ذلك والنظر في أمور المملكة. فوقّع على ظهر الرقعة بما ترجمته: إذا كانت سبلنا آمنة، وسيرتنا عادلة، والدنيا باستقامتها عامرة،
_________________
(١) مطالع البدور ١: ١٤٦.
[ ١ / ٤٠٤ ]
وعمالنا بالحق عاملة، فلم نمنع فرحة عاجلة؟
اعترض عليه في ذلك فقيل: أخطأ في وجوه أحدها أنّ الإدمان إفراط، والإفراط مذموم، والآخر أنه جهل أنّ أمن السّبل وعدل السيرة وعمارة الدنيا والعمل بالحقّ متى لم يوكل به الطّرف الساهر ولم يحظ بالعناية التامة، ولم يحفظ بالاهتمام الجالب لدوام النظر، دبّ إليها النقص، والنقص مزيل للأصل، مزعزع للدعامة، والآخر أنّ الزمان أعزّ من أن يبذل كله للهو والتمتع، فإنّ في تكميل النفس باكتساب الرشد لها، وإبعاد الغيّ عنها ما يستوعب أضعاف العمر، فكيف إذا كان العمر قصيرا أو كان ما يدعو إليه الهوى كثيرا، والآخر أنه ذهب عليه أنّ العامة والخاصة إذا وقفت على استهتار الملك باللذات وانهماكه في طلب الشهوات ازدرته واستهانت به وحدّثت عنه بالأخلاق المذمومة، واستهانتهم للناظر في أمورهم والقيّم بشأنهم، متى تكررت على اللسان انتشرت في المحافل والتفت بها بعضهم إلى بعض، وهذه مكسرة للهيبة، وقلة الهيبة رافعة للحشمة، وارتفاع الحشمة باعث على الوثبة، والوثبة غير مأمونة من الهلكة، وما خلا الملك من طامع راصد قطّ، وليس ينبغي للملك الحازم أن يظنّ أنه لا ضدّ له ولا منازع، فقد ينجم الضد والمنازع من حيث لا يحتسب، وما أكثر خجل الواثق. وعلى الضدّ متى كان السائس ذا تحفّظ وبحث وتتبّع وحزم وإكباب على لمّ الشّعث وتقويم الأود وسدّ الخلل وتعرّف المجهول وتحقق المعلوم ودفع المنكر وبثّ المعروف، احترست منه العامة والخاصة، واستشعرت الهيبة والتزمت بينها النّصفة، وكفّت كثيرا من معاناتها ومراعاتها، فإن كان للدولة راصد للعثرة، يئس من نفوذ الحيلة فيها، لأنّ اللصّ إذا رأى مكانا حصينا، وعهد حراسا لم يحدّث نفسه بالتعرّض له، وإنما يقصد قصرا فيه ثلمة، أو بابا إليه طريق. والأعراض بالأسباب، فإذا ضعف السبب ضعف العرض، وإذا انقطع العرض انقطع السبب.
[ ١ / ٤٠٥ ]
[١٠٤٣]- لما حارب الإسكندر دارا بن دارا تقرّب إليه قائدان من قواد دارا بقتله على شرط لهما وبذل، فلما قتلاه وفّى لهما بالشرط والبذل ثم قتلهما وقال: لم تكونا شرطتما أنفسكما، وليس لقتلة الملوك أن يستبقوا إلّا بذمّة لا تخفر.
[١٠٤٤]- ولما ملك الاسكندر بلاد الفرس هاب رجالهم لما رأى من كلامهم وعقولهم فهمّ بقتل أكابرهم، وكاتب أرسطاطاليس يستشيره فيهم، فنهاه عن قتلهم وقال: هذا من الفساد في الأرض، ولو قتلتهم لأنبتت أرض بابل أمثالهم، وأشار عليه بأن يفرّق المملكة بين أولاد الملوك لتتفرّق كلمتهم ولا يدين بعضهم لبعض، ففعل ذلك. حتى أمكنه تجاوز بلاد فارس إلى أرض الهند والصين، وكانت نتيجة هذا الرأي أن ملك الفرس تقسّم بعد موت الاسكندر، فصار في ملوك الطوائف مدة خمسمائة واحدى عشرة سنة، إلى أن قام بالملك أردشير بن بابك فجمع المملكة بعد معاناة شديدة ومشقة عظيمة، وقال أردشير: نحن نضرب بسيف أرسطاطاليس مذ هذه المدة البعيدة.
[١٠٤٥]- وقيل جلس الاسكندر يوما مجلسا عاما، فلم يسأل حاجة، فقال لجلسائه: والله ما أعدّ هذا اليوم من أيام عمري في ملكي. قيل: ولم أيها الملك، دامت لك السعادة؟ قال: لأنّ الملك لا يوجد التلذذ به إلا بالجود للسائل، والا باغاثة الملهوف، وإلا بمكافأة المحسن، وإلّا بانالة الطالب وإسعاف الراغب. قيل له: إنا نظنّ أنك أتعب الخلق وأنك لا تنام الليل ولا تنعم النهار ولا تجد لذة طعام ولا شراب، فقال: ليس كما ظننتم، إنّ الأمور التي أليها قد انقسمت لي بين مسموع بالأذن، وبين ملحوظ بالعين،
_________________
(١) قارن بما في سرح العيون ٦٥- ٦٦، وفي التاج: ١٠٩ ان الذين قتلوا دارا كانوا جماعة.
(٢) وردت رسالة ارسطاطاليس الى الاسكندر في سرح العيون: ٦٧- ٦٨.
(٣) منه جزء يسير في نثر الدر ٧: ٢١ (رقم ٨٦): ومختار الحكم: ٢٤٤ وسرح العيون: ٧٣ ومنتخب صوان الحكمة: ١٦١.
[ ١ / ٤٠٦ ]
وبين مصروف بالرويّة، وبين مدبّر باللسان، وعناية النفس السائسة قد دبرت هذه الأشياء كلها، فما ينساق منها بقوتها على المراد والايثار أكثر مما ينساق منها بالاجتهاد والإجبار، وإني لأهمّ بالشيء فأكون كأني قد باشرته، وأومىء إليه فأكون كأني قد تقدمت فيه، وآمر به فكأني قد كفيته، وألبسه فأكون كأني قد فرغت منه، وربما وجدت في أموري ما يسبق أمنيتي ويزيد على اقتراحي، ولقد بلغت ما ترون فما أعيتني إيالة ولا أعوزتني آلة، وما نفعني كلام ككلام كتبه إليّ أرسطو معلمي، فإنه قال في رسالة: أيها الملك لا تنخدع للهوى وإن خيّل إليك أنّ في انخداعك له خداعه، فقد يسترسل الانسان في بعض الأشياء، وهو يظنّ أنه متحفّظ ليظفر بمطلوبه، فيعود إليه ذلك الاسترسال بأعظم الوبال، ويضمحلّ ذلك التحفظ كأنه لم يخطر ببال. واجمع في سياستك بين بدار لا حدّة فيه وريث لا غفلة معه، وامزج كلّ شيء بشكله حتى تزداد قوة وعزّة من ضده حتى تتميز لك صورته، وصن وعدك من الخلف فإنه شين، وشب وعيدك بالعفو فإنه زين، وكن عبدا للحقّ فعبد الحقّ حرّ، وليكن وكدك الاحسان إلى جميع الخلق، ومن الاحسان وضع الإساءة في موضعها، فإن للاحسان أهلا وإن لضده أهلا، وكن نصيح نفسك فليس لك أرأف بك منك، وإذا أشكل عليك أمر، واعتاص على حولك وجه، فاضرع إلى الله الذي قادك إلى هذه الغاية، فإنه يفتح عليك المرتج، ويتمّ لك المخدج، ويجعل لك في كلّ أمر أسهل المدخل والمخرج. وإذا أفاتك الله شيئا فاستيقن أنّ ذلك لسهو عرض لك في الشكر على ما أفادك، والشكر على النعمة هو أن تعترف بالنعم لله أولا، ثم تشرك عباده فيها ثانيا، ومهما أخطأك شيء فلا يخطئنّك الفكر في الرحيل عن هذا الحرى «١»، فإنك إذا فكّرت فيه سلوت عن الفائت، وقلّ اعتدادك بالحاصل، وكما يعجبك من غيرك أن يصدقك فليعجبك أن تصدق نفسك حتى يقبل منها صدقها لك. وإذا تظاهر
[ ١ / ٤٠٧ ]
الصدق بينكما ظهرت على جميع أوليائك ورعيتك. واجتنب الشراب فإنه وقود الشرّ، واللهو فإنه فوت العمر، ولا تجعل إحسانك ضربة فإنّ ذلك مغراة بالمنهيّ عنه، ولكن بتدريج يحفظ عليك اعتدالك، ومداراة تظهر عنك جمالك، والزم الخمص فأنه أذكر بالخصاصة، وأجلب للاعتدال، وأبعد من شبه البهيمة، وأدخل في مشاكلة الأشخاص السماوية.
[١٠٤٦]- كتب ملك إلى ملك: بم انتظمت مملكتك، واستقامت رعيتك؟ فقال في الجواب: بثماني خصال: لم أهزل في أمر ولا نهي، ولا أخلفت موعدا ولا وعيدا قطّ، وعاقبت للجرم لا للحقد، وولّيت للغناء لا للهوى، واستملت قلوب الرعية من غير كره، وسهّلت الإذن من غير ضعف، وعممت بالقوت، وحسمت الفضول.
[١٠٤٧]- طلب أهل يونان رجلا يصلح للملك بعد ملك لهم فذكروا رجلا، فقال فيلسوف لهم: هذا الرجل لا يصلح للملك، قالوا: ولم؟
قال: لأنه كثير الخصومة، وليس يخلو في خصومته أن يكون ظالما أو مظلوما، فإن كان ظالما لم يصلح للملك بظلمه، وإن كان مظلوما لم يصلح لضعفه، قالوا: صدقت، فأنت أولى بالملك منه، فملكوه.
[١٠٤٨]- وكان المنصور يقول: الخلفاء أربعة أبو بكر وعمر وعثمان
_________________
(١) نثر الدر ٤: ٨٤ ٧: ٣٤ (رقم: ٤٥) وعيون الاخبار ١: ١٠ والعقد ١: ٢٤ وبهجة المجالس ١: ٣٣٧ ومنتخب صوان الحكمة: ٣١٩ ولباب الآداب: ٣٧، ٥١- ٥٢ وتسهيل النظر: ٢٧٩- ٢٨٠ ونهاية الأرب ٦: ٤٤ والأسد والغواص: ١٩٧ والجوهر النفيس: ٣٥ ب وغرر الخصائص: ١٠١.
(٢) نثر الدر ٧: ١٤ (رقم: ١٧) وربيع الأبرار: ٣٧٠/أوالبصائر ٧: ٢٦٩ وفي فقر الحكماء: ٢١٠ (لفيثاغور) .
(٣) أنساب الأشراف ٣: ١٩١- ١٩٢ وورد بعضه في محاضرات الراغب ١: ٢٤٣؛ وقارن بقول له في نثر الدر ٣: ٢٨ والموفقيات: ١٩٩. وبيت كثير في ديوانه: ٢٦١ وانساب الاشراف (استانبول) ١: ٦٢٢، وروايته «وهو ليث خفية اذا أمكنته عدوة» .
[ ١ / ٤٠٨ ]
وعلي، على ما نال عثمان، وما نيل منه أعظم، ولنعم الرجل عمر بن عبد العزيز. والملوك أربعة: معاوية وكفاه زياد، وعبد الملك وكفاه حجّاجه، وهشام وكفاه مواليه، وأنا ولا كافي لي. ولنعم رجل الحرب كان حمار الجزيرة، من رجل لم يكن عليه طابع الخلافة. وكان معاوية للحلم والأناة، وعبد الملك للإقدام والإحجام، وهشام لوضع الأمور مواضعها. ولقد شاركت عبد الملك في قول كثير: [من الطويل] .
يصدّ ويغضي وهو ليث عرينة وإن أمكنته فرصة لا يقيلها
[١٠٤٩]- قيل لعمر بن الخطاب ﵁: ما لك لا تنام بالليل؟
فقال: لئن نمت بالليل لأضيّعنّ نفسي، ولئن نمت بالنهار لأضيّعنّ الرعية.
[١٠٥٠]- وكان عمر رضوان الله عليه يقول: إن هذا الأمر لا يصلح له إلا اللين في غير ضعف، والقوة في غير عنف.
[١٠٥١]- وكلّم الناس عبد الرحمن بن عوف أن يكلّم عمر بن الخطاب في أن يلين لهم، فإنه قد أخافهم حتى أخاف الأبكار في خدورهنّ، فقال عمر:
إني لا أجد لهم إلّا ذلك، إنهم لو يعلمون ما لهم عندي لأخذوا ثوبي عن عاتقي.
[١٠٥٢]- وقال عمر ﵁: دلّوني على أحد أستعمله، قالوا:
كيف تريده؟ قال: إذا كان في القوم وليس أميرهم كان كأنه أميرهم، وإذا
_________________
(١) نثر الدر ٢: ١٨٨ (منسوبا لعمر بن عبد العزيز) وكذلك في محاضرات الراغب ٢: ٤٠٥.
(٢) البيان والتبيين ٣: ٢٥٥ والعقد ١: ٢٤ وعيون الاخبار ١: ٩ وكتاب الآداب: ٢٦ ولقاح الخواطر: ٨ ب.
(٣) قد تقدم هذا، انظر رقم: ٢٥٩ وهو في عيون الاخبار ١: ١٢.
(٤) عيون الاخبار ١: ١٦ والبيهقي: ٣٧١- ٣٧٢ ونثر الدر ٢: ٣٢.
[ ١ / ٤٠٩ ]
كان أميرهم كان كأنه رجل منهم، قالوا: ما نعلمه إلّا الربيع بن زياد الحارثي قال: صدقتم هو لها.
[١٠٥٣]- استشار عمر ﵁ عليّ بن أبي طالب ﵇ في الشخوص بنفسه إلى قتال الفرس، فقال له عليّ كرم الله وجهه: إن هذا الأمر لم يكن نصره ولا خذلانه بكثرة ولا قلّة، وهو دين الله الذي أظهره، وجنده الذي أعزّه وأيده، حتى بلغ ما بلغ، وطلع حيث طلع، ونحن على موعود من الله، والله منجز وعده، وناصر جنده، ومكان القيّم بالأمر مكان النظام من الخرز يجمعه ويضمّه، فإن انقطع النظام تفرّق وذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا؛ والعرب اليوم، وإن كانوا قليلا، كثيرون بالاسلام وعزيزون بالاجتماع، فكن قطبا واستدر الرحى بالعرب، وأصلهم دونك نار الحرب، فإنك إن شخصت من هذه الأرض انتقضت عليك العرب من أطرافها حتى يكون ما تدع وراءك من العورات أهمّ إليك مما بين يديك. إنّ الأعاجم إن ينظروا إليك غدا يقولوا: هذا أصل العرب فإذا اقتطعتموه استرحتم، فيكون ذلك أشدّ لكلبهم عليك وطمعهم فيك، فأما ما ذكرت من مسير القوم إلى قتال المسلمين فإنّ الله سبحانه هو أكره لمسيرهم منك، وهو أقدر على تغيير ما يكره، وأما ما ذكرت من عددهم فانا لم نكن نقاتل فيما مضى بالكثرة، وانما كنا نقاتل بالنّصر والمعونة.
[١٠٥٤]- ومثل هذا الرأي ما ذكر أنه كرم الله وجهه حضّ أصحابه على الجهاد، فسكتوا مليّا، فقال: ما لكم أمخرسون أنتم؟ قال قوم منهم: يا أمير المؤمنين إن سرت سرنا معك. فقال ﵇: ما لكم لا سدّدتم لرشد، ولا هديتم لقصد، أفي مثل هذا ينبغي أن أخرج؟ إنما يخرج في مثل هذا رجل
_________________
(١) نهج البلاغة: ٢٠٣.
(٢) نهج البلاغة: ١٧٥.
[ ١ / ٤١٠ ]
ممّن أرضاه من شجعانكم وذوي بأسكم، ولا لي أن أدع الجند والمصر وبيت المال وجباية الأرض والقضاء بين المسلمين والنظر في حقوق المطالبين، ثم أخرج في كتيبة اتبع أخرى أتقلقل تقلقل القدح في الجفير الفارغ، وإنما أنا قطب الرحى تدور عليّ وأنا مكاني، فإذا فارقته استحار مدارها، واضطرب ثفالها؛ هذا لعمر الله الرأي السوء.
[١٠٥٥]- لما حصر عثمان الحصار الأول اجتمع ناس إلى طلحة وطمع في الخلافة، وكان عليّ كرم الله وجهه بخيبر، فلما قدم أرسل إليه عثمان فكلّمه وأذكره بحقّه من الاسلام والقرابة والصّهر، فقال له: صدقت، وسيأتيك الخبر، ثم دخل المسجد فرأى أسامة جالسا فدعاه، فاعتمد عليه وخرج يمشي إلى طلحة، فلمّا دخل عليه وجد داره ممتلئة بالرجال، فقام عليّ وقال: يا طلحة ما هذا الأمر الذي وقعت فيه؟ فقال: يا أبا حسن أبعد ما مسّ الحزام الطبيين؟ فسكت عليّ وانصرف حتى أتى بيت المال فقال: افتحوا هذا الباب فلم يقدر على المفاتيح وتأخر عنه صاحبها، فقال: اكسروه، فكسر باب بيت المال، وقال: أخرجوا المال، وجعل يعطي الناس، فبلغ الذين في دار طلحة ما يصنع عليّ فجعلوا يتسلّلون إليه حتى ترك طلحة وحده، ثم أقبل طلحة يمشي إلى دار عثمان، فلما دخل عليه قال: أستغفر الله يا أمير المؤمنين وأتوب إليه، أردت أمرا فحال الله بيني وبينه، فقال عثمان: إنك والله ما جئت تائبا ولكن جئت مغلوبا، الله حسيبك يا طلحة.
[١٠٥٦]- وروي أن عليا وجد درعا له عند يهوديّ التقطها فعرفها فقال: درعي سقطت عن جمل لي أورق. فقال اليهودي: درعي وفي يدي، ثم قال اليهودي: بيني وبينك قاضي المسلمين، فاتيا شريحا، فلمّا رأى شريح عليا قد أقبل تحرّف عن موضعه وجلس عليّ ﵇ فيه، ثم قال: لو
_________________
(١) بعضه في محاضرات الراغب ١: ١٩٦.
[ ١ / ٤١١ ]
كان خصمي من المسلمين لساويته في المجلس، ولكني سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تساووهم في المجلس وألجئوهم إلى أضيق الطريق، فإن سبّوكم فاضربوهم، وان ضربوكم فاقتلوهم. ثم قال شريح: ما تشاء يا أمير المؤمنين؟
قال: درعي سقطت منّي وعرفتها، قال شريح: يا يهوديّ ما تقول؟ قال اليهوديّ: درعي وفي يدي، فقال شريح: صدقت، والله يا أمير المؤمنين إنها لدرعك ولكن لا بدّ من شاهدين، فدعا قنبرا مولاه والحسن ابنه فشهدا إنّها لدرعه، فقال شريح: أما شهادة مولاك فقد أجزناها، وأما شهادة ابنك فلا نجيزها. فقال علي: ثكلتك أمّك، أما سمعت عمر بن الخطاب يقول: قال رسول الله ﷺ: الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنّة؟ قال: اللهم نعم، قال: أفلا تجيز شهادة سيد شباب أهل الجنّة؟ والله لأوجهنّك إلى بانقيا تقضي بين أهلها أربعين ليلة، ثم قال لليهودي: خذ الدرع. فقال اليهوديّ:
أمير المؤمنين جاء معي إلى قاضي المسلمين فقضى عليه ورضي، صدقت والله يا أمير المؤمنين إنها لدرعك سقطت عن جمل أورق لك التقطتها، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فوهبها له وأجازه بتسعمائة، وقتل معه يوم صفين. وهذا الخبر يجمع معناه سياسة الدين والدنيا.
[١٠٥٧]- قال أبو حاتم: حضرت بعض ولاة البصرة وكان جبارا (ولم يسمّه) فسمعت رجلا في مجلسه يقول: الأتباع يؤنسهم البشر، ويوحشهم الازورار، ويلمهم لين الجانب، ويفرّقهم عنف المعشرة، وازدحام الآمال لديك نعمة من الله عليك، فقابل النعمة بحسن المعاشرة تستدم ورادها، وتستدع نافرها.
قال: فما زلت أعرف موقع هذا الكلام من ذلك الوالي حتى افترقنا.
[١٠٥٨]- نظر رجل من قريش إلى صاحب له قد نام في غداة من
_________________
(١) الامتاع والمؤانسة ٢: ٦٦ وقارن بما أورده البيهقي: ٥٤٧ عن ابن عباس حين وجد بعض ولده نائما بالغداة فركله برجله وربيع الابرار: ٤٠٠/أ- ب.
[ ١ / ٤١٢ ]
غدوات الصيف طيّبة النسيم، فركضه برجله وقال: مالك تنام عن الدنيا في أطيب أوقاتها؟ نم عنها في أخبث حالاتها، نم نصف النهار لبعدك من الليلة الماضية والجائية، ولأنها راحة لما قبلها من التعب، وجمام لما بعدها من العمل، نمت في وقت الحوائج وتنتبه في وقت رجوع الناس، وقد جاء: قيلوا فإن الشياطين لا تقيل.
[١٠٥٩]- وكان رجل من العرب في الجاهلية إذا رأى رجلا يظلم ويعتدي يقول: فلان لا يموت سويا فيرون ذلك، حتى مات رجل ممن قال فيه ذلك سويّا، فقيل له مات فلان سويا، فلم يقبل حتى تتابعت الأخبار، فقال: إن كنتم صادقين إن لكم دارا سوى هذه تجازون فيها.
[١٠٦٠]- قال زياد: ما غلبني معاوية بشيء من أمر السياسة إلّا في شيء واحد، قيل ما هو؟ قال: وليت رجلا دستميسان فكسر عليّ الخراج، وهرب فلحق بمعاوية، فكتبت إليه أسأله أن يبعث به، فكتب إليّ: أما بعد، فإنه ليس لمثلي ومثلك أن نسوس الناس بسياسة واحدة، أن نشتدّ عليهم جميعا فنخرجهم، أو نلين لهم فنمرجهم، ولكن تلي أنت الفظاظة والغلظة، وألي أنا الرأفة والرحمة، فإذا هرب هارب من باب وجد بابا يدخل فيه؛ ولقد نظر معاوية لنفسه واختار أخفّ السياستين وأحبّهما إلى الناس.
[١٠٦١]- ويشبه هذا ما روي عنه أنه قال: إذا لم يكن الهاشميّ جوادا لم يشبه قومه، وإذا لم يكن الأموي حليما لم يشبه قومه، وإذا لم يكن المخزوميّ تيّاها لم يشبه قومه. فبلغ ذلك الحسن بن عليّ فقال: ما أجود ما
_________________
(١) عيون الاخبار ١: ٧٥.
(٢) العقد ١، ٢٤٢ ولباب الآداب: ٥٢ ومحاضرات الراغب ١: ١٦٦ والجوهر النفيس: ٣٦/أ.
(٣) البيان والتبيين ٤: ٦١ (لمعاوية) وعيون الاخبار ١: ١٩٦ وربيع الابرار ٢٨٣/أونثر الدر ١: ٣٣١ وقارن بمحاضرات الراغب ١: ٣٤٠.
[ ١ / ٤١٣ ]
نظر لقومه، أراد أن يجود بنو هاشم بما في أيديهم فيحتاجوا إليه، وأن يتيه بنو مخزوم فيبغضوا، وأن يحلم بنو أمية فيحبوا.
[١٠٦٢]- قدم قادم على معاوية فقال له: هل من مغرّبة خبر؟ قال:
نعم، نزلت بماء من مياه العرب، فبينا أنا عليه أورد أعرابيّ إبله، فلما شربت ضرب على جنوبها وقال: عليك زيادا، فقلت له: ما أردت بهذا؟ فقال:
هي سدى ما قام لها راع منذ ولي زياد. فسرّ معاوية بذلك وكتب به إلى زياد.
[١٠٦٣]- قال معاوية: لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أنّ بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، كنت إذا مدّوها خلّيتها وإذا خلّوها مددتها.
[١٠٦٤]- كان معاوية يأذن للأحنف في أول من يأذن له، فأذن له يوما، ثم أذن لمحمد بن الأشعث، فجاء محمد فجلس بين معاوية وبين الأحنف، فقال له معاوية: لقد أحسست من نفسك ذلّا، إني لم آذن له قبلك ليكون في المجلس دونك، وإنّا كما نملك أموركم نملك تأديبكم، فأريدوا ما يراد بكم، فإنه أبقى لنعمكم وأحسن لأدبكم.
[١٠٦٥]- لما مات زياد وفد ابنه عبيد الله على معاوية فقال له: من
_________________
(١) عيون الاخبار ١: ٨.
(٢) البيان ١: ٢١٤ وعيون الاخبار ١: ٩ وأنساب الأشراف ٤/١: ٢١ والمجتنى: ٤٠، ٥٠ والعقد ١: ٢٥ واليعقوبي ٢: ٢٨٣ ونهاية الارب ٦: ٤٤ وبهجة المجالس ١: ٩٦ وسراج الملوك: ١٠٤ وكتاب الآداب: ٢٦- ٢٧ وشرح النهج ١٥: ١٠٢ والتحفة الملوكية: ٩٩ وغرر الخصائص: ١٠٣.
(٣) البيان والتبيين ٢: ١٥٦، ٤: ٧٠ وعيون الاخبار ١: ٩٠ (دون ذكر للاسماء) والعقد ١: ٦٨، ٣: ٨- ٩ وأنساب الاشراف ٤/١: ٤٨ ونثر الدر ٣: ١٠ والطبري ٢: ٢٠٩ وشرح النهج ١٧: ٩٤- ٩٥.
(٤) عيون الاخبار ١: ٢٢٩- ٢٣٠.
[ ١ / ٤١٤ ]
استخلف أخي على عمله بالكوفة؟ قال: عبد الله بن خالد بن أسيد. قال:
فعلى البصرة؟ قال: سمرة بن جندب. فقال له معاوية: لو استعملك أبوك استعملتك، فقال عبيد الله: أنشدك الله أن يقولها أحد لي بعدك: لو ولاك أبوك وعمّك وليتك، فولّاه خراسان وأوصاه فقال: اتّق الله ولا تؤثر على تقواه شيئا، وق عرضك من أن تدنّسه، وإذا أعطيت عهدا فف به، ولا تبيعنّ كثيرا بقليل، وخذ لنفسك من نفسك، ولا يخرجنّ منك أمر حتى تبرمه، فإذا خرج فلا يردنّ عليك، وإذا لقيت عدوك فغلبك على ظهر الأرض فلا يغلبنّك على بطنها، وإن احتاج أصحابك إلى أن تواسيهم بنفسك فواسهم، ولا تطمعنّ أحدا في غير حقّه ولا تؤيسنّ أحدا من حقّ هو له.
[١٠٦٦]- ونظر إلى يزيد وهو يضرب غلاما له فقال: لا تفسد أدبك بتأديبه.
[١٠٦٧]- وكان زياد يجلس في كلّ يوم إلّا يوما واحدا في الجمعة، فيبدأ برسل عماله فينظر فيما قدموا له، ويسألهم عن بلادهم ويجيبهم عن كتبهم، ثم ينظر في نفقاتهم وفي نفقاتهم وفي أعطيات رجاله، ثم فيما دخل فيه من البياعات وفي الأسعار، ويسأل عن الأخبار، وينظر فيما يحتاج إليه: من حفر نهر، وإصلاح قنطرة، أو تسهيل عقبة، أو نقل طريق إلى غيره، ثم يأخذ في كتب العمال فيمليها بنفسه. وكان معاوية يفعل مثل ذلك سواء ولا يخالفه حتى كبر، فكان الضحاك بن قيس يملي وهو يسمع.
[١٠٦٨]- بعث زياد إلى معاوية بهدايا مع عبيد الله أخي الاشتر النخعي، وفي الهدايا سفط فيه جوهرة لم ير مثلها، فقدم عبيد الله بالهدايا ثم
_________________
(١) عيون الاخبار ١: ٢٨٤ والبصائر ١: ٢٦٦.
(٢) الجهشياري: ٢٥.
(٣) نثر الدر ٥: ١٢.
[ ١ / ٤١٥ ]
قال: يا أمير المؤمنين إن زيادا بعث معي بسفط ما أدري ما فيه، وأمرني أن أدفعه إليك في خلاء، فقال: أحضره، فلما فتحه قال: ما أظنّ رجلا آثر هذا على نفسه إلا سيؤثره الله تعالى بالجنة، ارجع به إليه فإنّ من قبله من المسلمين أحقّ بهذا من معاوية، ثم كتب الى زياد: إنك رفعت عليّ راية الأشتر حين وضعها الله، بعثت مع أخيه بسفط يشهد به عليّ عند أهل العراق، فاردده إليّ مع رجل لا يفقه عنّي ولا أفقه عنه، فردّه إليه زياد مع غلام من غلمانه.
[١٠٦٩]- دخل عبد الملك بن مروان على معاوية فتحدّث ونهض، فقال معاوية: إنّ لهذا الغلام همة، وخليق أن تبلغ به همته، وإنه مع ما ذكرت تارك لثلاث آخذ بثلاث، تارك مساءة الجليس جدّا وهزلا، تارك لما يعتذر منه، تارك لما يعيبه، آخذ بأحسن الحديث إذا حدّث، وأحسن الاستماع إذا حدّث، وبأهون الأمرين إذا خولف.
[١٠٧٠]- ذكر معاوية لابن الزبير بيعة يزيد فقال ابن الزبير: أنا أناديك ولا أناجيك، إن أخاك من صدقك، فانظر قبل أن تقدم، وتفكّر قبل أن تندم، فإنّ النظر قبل التقدم والتفكّر قبل التندّم؛ فضحك معاوية وقال:
تعلمت أبا بكر الشجاعة عند الكبر.
[١٠٧١]- قدّم رجل خصما إلى زياد في حقّ له فقال: أصلح الله الأمير
_________________
(١) المجتنى: ٥٤ والبيان ٢: ٤١ (آخذ بأربع تارك لأربع)، وعيون الاخبار ١: ٣٠٧ والكامل للمبرد ١: ٤٤ ونثر الدر ٣: ١٣ وبعضه في مروج الذهب ٣: ٣٢١.
(٢) البيان والتبيين ١: ٣٠١.
(٣) البيان والتبيين ٢: ٣٠١ وعيون الاخبار ١: ٧٠ ونثر الدر ٥: ٣ والصداقة والصديق:
(٤) ٢٧٩ (تقدما الى المغيرة) والبيهقي: ٤٧٥ ومحاضرات الراغب ١: ١٩٣ وقول عمر: «اللهم ان كنت تعلم أني أبالي » . ورد في الذهب المسبوك: ٢٠٧ وأنس المحزون: ٦١ ب ورقم: ٢٧٣.
[ ١ / ٤١٦ ]
إنّ هذا يدلّ بخاصة منك. قال صدق، وسأخبرك ما ينفعه عندي من مودته، إن يكن الحقّ له عليك آخذك به أخذا عنيفا، وإن يكن الحق لك عليه أقض عليه ثم أقضي عنه.
وهذا في ظنّ زياد غاية العدل، والمستحسن الخالص ما روي عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: اللهم إن كنت تعلم أني أبالي إذا قعد الخصمان بين يديّ على أيهما كان الحقّ فلا تمهلني طرفة عين.
[١٠٧٢]- كان المنصور داهيا أريبا سديد الرأي، وكان مقدّما في علم الكلام مكثرا من كتب «١» الآثار، فلما همّ بقتل أبي مسلم سقط بين الاستبداد برأيه والمشاورة فيه، فأرق ليلته في ذلك، فلما أصبح دعا باسحاق بن مسلم العقيلي وقال له: حدّثني حديث الملك الذي أخبرتني عنه بحرّان، قال: أخبرني أبي عن الحضين بن المنذر أن ملكا من ملوك فارس يقال له سابور ذو الاكتاف «٢» كان له وزير ناصح قد اقتبس أدبا من أدب الملوك وشاب ذلك بفهم في الدين، فوجّهه سابور داعية إلى أهل خراسان، وكانوا قوما عجما يعظّمون الدنيا جهالة بالدين، وكان يقال: لكلّ ضعيف صولة، ولكلّ ذليل دولة. فلما تلاحمت أعضاء الأمور التي لقّح، استحالت حربا عوانا شالت أسافلها بأعاليها فانتقل العزّ إلى أذلّهم «٣» والنباهة إلى أخملهم، فاشربوا له حبا، فلمّا استوسقت له البلاد بلغ سابور أمرهم و[ما] أحال عليه [من] طاعتهم، ثم لم يأمن زوال القلوب وغدرات الوزراء، فاحتال في قطع رجائه عن قلوبهم، وكان يقال: [من الوافر] .
_________________
(١) البيان والتبيين ٣: ٣٦٧- ٣٧٠. ٢٧ ١ التذكرة
[ ١ / ٤١٧ ]
وما قطع الرجاء بمثل يأس تبادهه القلوب على اغترار
فصمّم على قتله عند وروده عليه برؤساء أهل خراسان وفرسانهم، فلم يرعهم إلا ورأسه بين أيديهم، فوقف بهم بين الغربة ونأي الرجعة، فرأوا أن يستتموا الدعوة بطاعة سابور ويتعوضوه من الفرقة، فأذعنوا له بالملك والطاعة وتبادروه بمواضع النصيحة، فملكهم حتى مات حتف أنفه. فأطرق المنصور مليا ثم رفع رأسه يقول: [من الطويل] .
لذي الحلم قبل اليوم ما تقرع العصا وما علّم الانسان إلا ليعلما
وأمر إسحاق بالخروج ثم دعا بأبي مسلم، فلمّا دخل إليه نظر إليه وقال: [من الوافر] .
قد اكتنفتك خلّات ثلاث جلبن عليك محذور الحمام
خلافك وامتنانك يزدهيني «١» وقودك للجماهير العظام
ثم وثب إليه ووثب حشمه بالسيوف، فلما رآهم أبو مسلم وثب، فبدره المنصور فضربه ضربة طرحه «٢» ثم قال: [من السريع] .
اشرب بكأس كنت تسقي بها أمرّ في الحلق من العلقم
زعمت أنّ الدّين لا يقتضى كذبت فاستوف أبا مجرم
ثم أمر فحزّ رأسه وبعث به إلى أهل خراسان وهم ببابه، فجالوا جولة ساعة ثم ردعهم عن شغبهم انقطاعهم عن بلادهم وإحاطة الأعداء بهم، فذلّوا وسلموا له، وكان إسحاق إذا رأى المنصور قال: [من الوافر] .
وما أحذو لك الأمثال إلّا لتحذو إن حذوت على مثال
[ ١ / ٤١٨ ]
وكان المنصور إذا رآه قال: [من الطويل] .
وخلّفها سابور للناس يقتدى بأمثالها في المعضلات العظائم
[١٠٧٣]- وكان المنصور أنفذ يقطين بن موسى لإحصاء ما في خزائن عبد الله بن علي لما حاربه أبو مسلم وهزمه، فقال أبو مسلم ليقطين: أيأمننا ابن سلامة على الدماء ولا يأمننا على الأموال؟! فكتب يقطين إليه: [من الطويل] .
أرى جذعا إن يثن لا يقو ريّض عليه، فبادر قبل أن يثني الجذع
وكتب عيسى بن علي إلى المنصور لما همّ بقتل أبي مسلم: [من الطويل] .
إذا كنت ذا رأي فكن ذا تدبّر فإن فساد الرأي أن تتعجلا
فأجابه المنصور: [من الطويل] .
إذا كنت ذا رأي فكن ذا عزيمة فإن فساد الرأي أن تترددا
ولا تمهل الأعداء يوما بقدرة وبادرهم أن يملكوا مثلها غدا
[١٠٧٤]- وخلا المنصور بيزيد بن أسيد «١»، فقال: يا يزيد ما ترى في قتل أبي مسلم؟ قال: أرى يا أمير المؤمنين أن تقتله وتتقرب إلى الله ﷾ بدمه، فو الله ما يصفو ملكك ولا تهنأ بعيش ما بقي. قال يزيد: فنفر مني
_________________
(١) قارن بتاريخ الطبري ٣: ١٠٣ وأنساب الأشراف ٣: ٢٠١- ٢٠٢ ومروج الذهب ٤:
(٢) ١٤٣ والبيت: «أرى جذعا » في ربيع الأبرار ٢: ٤٥٥.
(٣) الموفقيات: ١٣٩ ونثر الدر ٣: ٢٨ والاذكياء: ٣٨- ٣٩.
[ ١ / ٤١٩ ]
نفرة ظننت أنه سيأتي عليّ ثم قال: قطع الله لسانك، وأشمت بك عدوك، أتشير بقتل أنصح الناس لنا وأثقله على عدوّنا؟! أما والله لولا ما سلف منك وأني أعدّها هفوة من رأيك لضربت عنقك، قم لا أقام الله رجليك. فقال يزيد: فقمت وقد أظلم بصري، وتمنيت أن تسيخ بي الأرض. فلما كان بعد قتله بدهر قال لي: يا يزيد أتذكر يوم شاورتك في أمر العبد؟ قلت: نعم يا أمير المؤمنين، وما رأيتني قطّ أدنى إلى الموت مني يومئذ، قال: فو الله لكان ذلك رأيي وما لا أشك فيه، ولكني خشيت أن يظهر منك فيفسد عليّ مكيدتي.
[١٠٧٥]- وإنما اقتدى المنصور في قتل أبي مسلم، وعسكره مطيفون به، بعبد الملك بن مروان في قتل عمرو بن سعيد بن العاص المعروف بالأشدق، فإنه لما قوي أمر عمرو والتمس أن يبايع له عبد الملك بالعهد بعده خافه عبد الملك على نفسه فاستدعاه، فحضر مخفّا في نحو مائة رجل من مواليه لا يخاف غيلة من عبد الملك، فلما دخل عمرو على عبد الملك أغلق الباب دونه وحجب مواليه، ووثب عبد الملك إليه في أصحابه وأولاده فذبحه، وهو يقول: [من البسيط] .
يا عمرو إن لا تدع شتمي ومنقصتي أضربك حيث تقول الهامة اسقوني
وثار الجيش فأحدقوا بالدار وحاربوا، وضرب الوليد بن عبد الملك على رأسه، فألقى إليهم عبد الملك بدر الدراهم فاشتغلوا بلقاطها عن الحرب، ثم تفرقوا. ولما هدأت الفتنة تتبع عبد الملك البدر ممن التقطها فاستعادها. ولما قتل عمرا أذن للناس إذنا عاما فدخلوا عليه، وجثة عمرو في ناحية البيت، فلما أخذوا مجالسهم تكلم عبد الملك، فقال: ارمقوا بأبصاركم نحو مصارع أهل
_________________
(١) في مقتل عمرو بن سعيد انظر انساب الأشراف ٤/١: ٤٤٣ وما بعدها، وخطبة عبد الملك لما قتله في نثر الدر ٣: ١٨- ١٩.
[ ١ / ٤٢٠ ]
المعصية، واجعلوا سلفهم لمن غيّر منكم عظة، ولا تكونوا أغفالا من حسن الاعتبار، فتنزل بكم جائحة السطوة، وتجوس خلالكم بوادر النقمة، وتطأ رقابكم بثقلها المعصية فتجعلكم همدا رفاتا، وتشتمل عليكم بطون الأرض أمواتا. إياي من قول قائل وسفه جاهل، فإنما بيني وبينكم أن أسمع النعرة، فأصمّم تصميم الحسام المطرور، وأصول صيال الحنق الموتور، إنما هي المصافحة والمكافحة بظبات السيوف وأسنّة الرماح والمعاودة لكم بسوء الصباح فتاب تائب أو هلك خائب، والتّوب مقبول، والاحسان مبذول لمن أبصر حظّه وعرف رشده، فانظروا لأنفسكم وأقبلوا على حظوظكم، وليكن أهل الطاعة منكم يدا على ذوي الجهل من سفهائكم، واستديموا النعمة التي ابتدأتكم برغد عيشها ونفيس زينتها، فإنكم من ذاك بين فضلين: عاجل الخفض والدعة، وآجل الجزاء والمثوبة. عصمكم الله من الشيطان وفتنته ونزغه، وأيّدكم بحسن معونته وحفظه، انهضوا رحمكم الله لقبض أعطياتكم غير مقطوعة عنكم، ولا ممنوعة منكم، ولا مكدّرة عليكم، إن شاء الله.
[١٠٧٦]- ولما قتل المنصور أبا مسلم خطّأه في الرأي الفرج بن فضالة، وكان يتقلّد له بيت المال، وقد كان عمل لعبد الملك بن مروان، فقال له: لم لم تخطّىء صاحبك لما قتل عمرا، يعني عبد الملك، قال: لأنه قتله ودونه أبوابه ومغالقه، وحوله اثنا عشر ألفا من جنوده ومواليه، وقتلت أبا مسلم وأنت في خرق، وكلّ من حواليك إليه ومنه وله، فتمثل أبو جعفر: [من الطويل] .
وما إن شفى نفسا كأمر صريمة إذا حاجة في النفس طال اعتراضها
[١٠٧٧]- واقتدى المهتدي بالمنصور فكان ذلك سبب هلاكه، فإنه لما
_________________
(١) الجهشياري: ١١٢.
(٢) المهتدي هو محمد بن الواثق بويع سنة ٢٥٥- ٢٥٦؛ انظر الطبري ٣: ١٨١٣ وابن
[ ١ / ٤٢١ ]
زاد تبسّط بايكباك وتسلّطه، قبض عليه ليواقفه على أفعاله وهو لا يريد قتله، فجاشت الأتراك وحضروا الباب يطلبونه، فاستشار المهتدي صالح بن عليّ بن يعقوب بن المهدي بن المنصور، وكان ذا قعددهم، فقال: يا أمير المؤمنين، هو حديث أبي مسلم والمنصور، فلو فعلت كما فعل لسكنوا، فأمر بضرب عنقه ورمى رأسه إليهم، فتناخروا وشدّوا على الذي ألقى الرأس فقتلوه، وأضرموا حربا أجلت عن هزيمة المهتدي، ثم ظفروا به وقد هرب إلى دار وغيّر زيه، فأردفوه سائسا على بغل وخلعوا أصابعه حتى خلع نفسه ثم قتلوه.
[١٠٧٨]- وكان المهتدي أمير صدق وصاحب نسك، لبس الصوف، وهمّ بافاضة العدل فحالت دونه الأتراك، وقصرت أيامه فلم يتمكن من مرامه، وكان يسمّى راهب بني العباس؛ تظلّم إليه رجل من بعض أسبابه فاحضره وحكم عليه بما صحّ عنده، فقام الرجل وشكره وقال: أنت يا أمير المؤمنين كما قال الأعشى: [من السريع] .
حكمتموه فقضى بينكم أبلج مثل القمر الزاهر
لا يقبل الرشوة في حكمه ولا يبالي غبن الخاسر
فقال المهتدي: أما أنت فأحسن الله جزاءك، وأما شعر الأعشى فما رويته، ولكني قرأت اليوم قبل خروجي إلى هذا المجلس قول الله ﷾: وَنَضَعُ الْمَوازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها وَكَفى بِنا حاسِبِينَ
(الأنبياء: ٤٧) فما بقي أحد في المجلس إلّا بكى.
_________________
(١) العمراني: ١٣٣ وخلاصة الذهب المسبوك: ٢٣٢ وابن الكازروني: ١٥٩ والفخري: ٢٢٢.
(٢) نثر الدر ٣: ٤٩ وانظر ابن العمراني: ١٣٤ وتاريخ بغداد ٣: ٣٥٠ والمصباح المضيء ١:
(٣) ٥٢٨ ومحاضرات الراغب ١: ١٩٥.
[ ١ / ٤٢٢ ]
[١٠٧٩]- وجلس المهتدي يوما للمظالم فرفع إليه في الكسور، فسأل الكتّاب عنها فأخبر بها، فقال: معاذ الله أن ألزم الناس ظلما تقدّم العمل به أو تأخر، أسقطوا هذا الظلم وهذه الكسور عن الناس، فقام الحسن بن مخلد فقال: إن أسقط أمير المؤمنين هذا ذهب من مال السلطان في السنة اثنا عشر ألف ألف درهم، ومدّ بها صوته، فقال المهتدي: قد عرفت مذهبك في هذا وتحريضك الموالي بما ينقص من أموالهم، وما أمتنع من أن أقيم حقا لله تعالى وأزيل مظلمة قد تقدمت بها الأيام، ولو كان في ذلك كلّ حيف على بيوت الأموال، ولو نظر الموالي في أمرك وأمر نظرائك لأخذوا منك ما خوّفتهم أن يذهب مقداره من مالهم. فارتعد الحسن وأبلس، ثم كلّم المهتدي بعد ذلك فيه فرجع له.
[١٠٨٠]- قال المنصور لابنه المهدي: يا بنيّ أشبع العباس بن محمد فإنك إن لم تشبعه أكلك؛ وكان العباس بن محمد من رجال بني هاشم وذوي آرائهم، قال للرشيد: يا أمير المؤمنين، إنما هو درهمك وسيفك فازرع بهذا من شكرك، واحصد بهذا من كفرك.
[١٠٨١]- وكتب إليه صاحب أرمينية: إن الجند شغبوا عليّ وكسروا أبواب بيت المال ونهبوه، فأمر بعزله ووقع في كتابه: لو عدلت لم يشغبوا، ولو قويت لم ينهبوا «١» .
[١٠٨٢]- وشغب الجند على عهد المأمون فوقع: لا يعطون على
_________________
(١) نثر الدر ٣: ٤٩.
(٢) نثر الدر ٣: ٢٩ ومحاضرات الراغب ١: ٤٤٧ (وهو أطول) .
(٣) نثر الدر ٣: ٢٩ والبصائر ٢: ٧١٨ وقوانين الوزارة: ١٤٥ (أيام المأمون) ومحاضرات الراغب ١: ١٨٠ (أيام السفاح) .
(٤) نثر الدر ٣: ٤٢.
[ ١ / ٤٢٣ ]
الشغب، ولا يحوجون إلى الطلب.
[١٠٨٣]- وقال للمهديّ حين عقد له: يا بنيّ استدم النعم بالشكر، والمقدرة بالعفو، والطاعة بالتألف، والنصر بالتواضع، والرحمة من الله ﷾ بالرحمة للناس.
[١٠٨٤]- وقال له الربيع: إن لفلان حقا، فإن رأيت أن تقضيه وتولّيه ناحية، فقال: يا ربيع إن لاتصاله بنا حقا في أموالنا لا في أعراض المسلمين وأموالهم، إنا لا نولّي للحرمة والرعاية بل للاستحقاق والكفاية، ولا نؤثر ذا النسب والقرابة على ذوي الدراية والكفاية، فمن كان منكم كما وصفنا شاركنا في أعمالنا، ومن كان عطلا لم يكن لنا عذر عند الناس في توليتنا إياه، وكان العذر في تركنا له، وفي خاصّ أموالنا ما يسعه.
[١٠٨٥]- وقد قال المأمون في مثل ذلك: واقتصر الأعمال للكفاة من العمّال، وقضاء الحقوق على بيت المال.
[١٠٨٦]- وقال المنصور: لا تنفّروا أطراف النعم بقلة الشكر فتحلّ بكم النقمة. ولا تسرّوا غشّ الأئمة فإنّ أحدا لا يسرّ منكرا إلّا ظهر في فلتات لسانه وصفحات وجهه وطوالع نظره، وإنا لا نجهل حقوقكم ما عرفتم حقّنا ولا ننسى الإحسان إليكم ما ذكرتم فضلنا، ومن نازعنا عروة هذا القميص أوطأنا أمّ رأسه خبيء هذا الغمد.
[١٠٨٧]- أهوى هشام بن عروة إلى يد المنصور ليقبّلها فقال له: يا أبا
_________________
(١) المجتنى: ٧٣ والجهشياري: ١٢٦ ونثر الدر ٣: ٢٩ وتاريخ الطبري ٣: ٤٠٣ والمصباح المضيء ١: ١٤٨ وتاريخ الخلفاء للسيوطي: ٢٨٨.
(٢) نثر الدر ٣: ٢٨ وقارن بقول منسوب لعلي في ربيع الابرار: ٣٩٦ ب والفصول المهمة: ١١٣ والمستطرف ١: ٢٣٧ «إذا وصلت اليكم أطراف النعم فلا تنفروا أقصاها بقلة الشكر» .
(٣) نثر الدر ٣: ٢٨ وربيع الابرار: ١٣٤/أوالبصائر ٧: ٩٢ ووفيات الاعيان ٦: ٨١.
[ ١ / ٤٢٤ ]
المنذر إنا نكرمك عنها ونكرمها عن غيرك.
[١٠٨٨]- وكان المأمون أفضل خلفاء بني العباس علما وحلما وبيانا وسياسة وجودا؛ قال سهل بن هارون: ما رأيت أنطق من المأمون، وقال سهل يوما، وهو عند المأمون: من أصناف العلم ما لا ينبغي للمسلمين أن يرغبوا فيه، وقد يرغب عن بعض العلم كما يرغب عن بعض الحلال، فقال المأمون: قد يسمّي الناس الشيء علما وليس بعلم، فإن كنت هذا أردت فوجهه الذي ذكرناه، ولو قلت: إنّ العلم لا يدرك غوره، ولا يسبر قعره، ولا تبلغ غايته، ولا تستقصى أصنافه، ولا يضبط آخره، فإذا كان الأمر كذلك فابدأوا بالأهم فالأهم، وابدأوا بالفرض قبل النفل، كان ذلك عدلا وقولا قصدا. وقد قال بعض العلماء: اقصد من أصناف العلم إلى ما هو أشهى إلى نفسك وأخفّ على قلبك، فإن نفاذك فيه على قدر شهوتك له وسهولته عليك. وقال بعض الحكماء: لست أطلب العلم طمعا في بلوغ غايته والوقوف على نهايته، ولكن التماس ما لا يسع جهله. وقال آخرون: علم الملوك النسب والخبر وجمل الفقه، وعلم التجار الحساب والكتاب، وعلم أصحاب الحرب درس كتب المغازي وكتب السير. فأما أن تسمّي الشيء علما ثم تنهى عنه من غير أن يكون يشغل عما هو أنفع منه، بل تنهى نهيا جزما وتأمر أمرا حتما، والعلم بصر وخلافه عمى، والاستبانة للشرّ ناهية عنه والاستبانة للخير آمرة به، فلا «١» .
[١٠٨٩]- ولما دخل عليه المرتدّ الخراسانيّ، وقد كان حمله معه من
_________________
(١) البيان والتبيين ٣: ٣٧٣- ٣٧٤ والعقد ٢: ٢٠٧ وقول بعض الحكماء في أمثال الماوردي: ٨٣ ب ولباب الآداب: ٤٥٦.
(٢) البيان والتبيين ٣: ٣٧٥- ٣٧٦ وعيون الاخبار ٣: ١٥٤- ١٥٥ وكتاب بغداد ٣٧- ٣٨ والعقد ٢: ٣٨٤.
[ ١ / ٤٢٥ ]
خراسان حتى وافى به العراق، قال له المأمون: لأن أستحييك بحقّ أحبّ إليّ من أن أقتلك بحقّ، ولأن أقتلك بالبراءة أحبّ إليّ من أن أقتلك «١» بالتهمة، وقد كنت مسلما بعد أن كنت نصرانيا، وكنت فيها أنتج «٢» وأيامك فيها أطول، فاستوحشت مما كنت به آنسا، ثم لم تلبث أن رجعت عنّا نافرا، فخبّرنا عن الشيء الذي أوحشك من الشيء الذي صار آنس لك من إلفك القديم وأنسك الأول، فإن وجدت عندنا دواء دائك تعالجت به، والمريض من الأطباء يحتاج إلى المشاورة، وان أخطأك الشفاء ونبا عن دائك الدواء، كنت قد أعذرت ولم ترجع على نفسك باللائمة، فإن قتلناك قتلناك بحكم الشريعة، أو ترجع أنت في نفسك إلى الاستبصار والثقة، وتعلم أنك لم تقصّر في اجتهاد ولم تفرّط في الدخول في باب الحزم. قال المرتدّ: أوحشني كثرة ما رأيت من الاختلاف فيكم. قال المأمون: لنا اختلافان، أحدهما كالاختلاف في الأذان وتكبير الجنائز، والاختلاف في التشهد وصلاة الأعياد وتكبير التشريق ووجوه القراءات واختلاف وجوه الفتيا وما أشبه ذلك، وليس هذا باختلاف وانما هو تخيير وتوسعة وتخفيف من المحنة، فمن أذّن مثنى وأقام مثنى لم يؤثّم من أذن مثنى وأقام فرادى، لا يتعايرون ولا يتعايبون، أنت ترى ذلك عيانا وتشهد عليه بيانا؛ والاختلاف الآخر كنحو اختلافنا في تأويل الآية من كتابنا وتأويل الحديث عن نبينا ﷺ، مع إجماعنا على أصل التنزيل واتفاقنا على عين الخبر، فإن كان الذي أوحشك هذا حتى أنكرت هذا الكتاب فقد ينبغي أن يكون اللفظ بجميع التوراة والانجيل متفقا على تأويله، كما يكون متّفقا على تنزيله، ولا يكون بين جميع اليهود والنصارى اختلاف في شيء من التأويلات، وينبغي لك ألا ترجع إلّا إلى لغة لا اختلاف في تأويل ألفاظها، ولو شاء الله أن ينزل كتبه ويجعل كلام أنبيائه وورثة رسله لا يحتاج إلى تفسير لفعل، ولكنا لم نر شيئا
[ ١ / ٤٢٦ ]
من الدين والدنيا دفع لنا على الكفاية، ولو كان الأمر كذلك لسقطت البلوى والمحنة، وذهبت المسابقة والمنافسة ولم يكن تفاضل، وليس على هذا بنى الله تعالى الدنيا، قال: أشهد أن لا إله إلا الله واحد لا ندّ له ولا ولد، وأنّ المسيح عبده، وأنّ محمدا صادق، وأنك أمير المؤمنين حقا. فالتفت المأمون إلى أصحابه وقال: فروا عليه عرضه ولا تبرّوه في يومه هذا، ريثما يعتق إسلامه كي لا يقول عدوّه إنه أسلم رغبة، ولا تنسوا بعد نصيبكم من برّه وتأنيسه ونصرته والعائدة عليه.
[١٠٩٠]- وناظر المأمون يوما محمد بن القاسم النوشجاني، فجعل يصدّقه ويغضي له، فقال له المأمون: تنقاد إلى ما تظنّ أنه يسرني قبل وجوب الحجة عليك، ولو شئت أن أقيس الأمور بفضل بيان وطول لسان وأبهة الخلافة وسطوة الرئاسة لصدّقت وإن كنت كاذبا، وصوّبت وإن كنت مخطئا، وعدّلت وإن كنت جائرا، ولكنّي لا أرضى إلا بإزالة الشبهة وغلبة الحجّة، وإن شرّ الملوك عقلا وأسخفهم رأيا من رضي بقولهم: صدق الأمير.
[١٠٩١]- وكان المأمون يقول: إذا وضحت الحجة ثقل عليّ استماع المنازعة فيها.
[١٠٩٢]- وقال أحمد بن أبي دواد، قال المأمون: لا يستطيع الناس أن ينصفوا الملوك من وزرائهم، ولا يستطيعون أن ينظروا بالعدل بين ملوكهم وحماتهم وكفاتهم، وبين صنائعهم وبطانتهم، وذلك أنهم يرون ظاهر حرمة وحماتهم وكفاتهم، وبين صنائعهم وبطانتهم، وذلك أنهم يرون ظاهر حرمة وخدمة واجتهاد ونصيحة، ويرون إيقاع الملوك بهم ظاهرا، حتى لا يزال الرجل يقول: ما أوقع به إلا رغبة في ماله أو رغبة في بعض ما لا تجود النفس به،
_________________
(١) نثر الدر ٣: ٤٢.
(٢) البيان والتبيين ٣: ٣٧٧ والموفقيات: ١٣٢.
[ ١ / ٤٢٧ ]
ولعلّ الحسد والملالة وشهوة الاستبدال اشتركت في ذلك منه؛ وهناك جنايات «١» في صلب الملك أو في بعض الحرم فلا يستطيع الملك أن يكشف للعامة موضع العورة في الملك، ويحتجّ لتلك العقوبة بما يستحقّ ذلك الذنب «٢» ولا يستطيع الملك ترك عقابه لما في ذلك من الفساد، على علمه بأن عذره غير مبسوط للعامة ولا معروف عند أكثر الخاصة.
ولعلّ المأمون أراد العذر بهذا الكلام عما كان يتّهم به من قتل الفضل بن سهل وينسب إليه من الوضع عليه. وان صحّ ذلك فمأخوذ من رأي رآه الرشيد في يحيى بن خالد فلم يتم له؛ قال يزيد بن مزيد، «٣» قال لي الرشيد: ما بقي في العرب من يفتك؟ قلت: وما ذاك يا أمير المؤمنين؟ قال: رجل يقتل لي يحيى ابن خالد، قال قلت له: أنا أقتله وآتيك برأسه. قال: ليس كذا أريد، إنما أريد أن يقتله رجل فأقتله به، قال: فحدّثت به الفضل بن سهل بمرو فوجم واغتمّ.
[١٠٩٣]- نزل رجل من أهل العسكر فعدا بين يدي المأمون وشكا إليه مظلمته، فأشار بيده: حسبك، فقال له بعض من كان يقرب من المأمون:
يقول لك أمير المؤمنين اركب، قال له المأمون: لا يقال لمثل هذا اركب، إنما يقال له: انصرف.
[١٠٩٤]- بينا الحسن اللؤلؤيّ يحدّث المأمون ليلا بالرقّة، وأطال الحسن
_________________
(١) البيان والتبيين ٢: ٢٥٦ ٣: ٣٧٧- ٣٧٨ ومحاضرات الراغب ١: ١٨٧.
(٢) البيان والتبيين ٢: ٣٣٠، ٣: ٣٧٨ والعقد ٣: ٧ ونثر الدر ٣: ٣٦ وربيع الابرار: ١٣٩ ب وكتاب بغداد: ٤٠ ومحاضرات الراغب ١: ١٨٧ وكتاب الاذكياء: ٤٠ ونزهة الظرفاء: ٦/أوالريحان والريعان ١: ٢٠.
[ ١ / ٤٢٨ ]
الحديث فنعس المأمون، فقال الحسن: نعست يا أمير المؤمنين، ففتح المأمون عينه وقال: سوقيّ وربّ الكعبة، يا غلام خذ بيده.
ولولا أن يخرج الكتاب عن فنّه لذكرت من محاسن المأمون في أخباره وأفعاله ما يغني عن أخبار غيره، ولكني أورد من أخبار كلّ ذي أدب وسياسة طرفا.
[١٠٩٥]- لما ولّى يزيد بن معاوية سلم بن زياد خراسان، قال له: إن أباك كفى أخاه عظيما، وقد استكفيتك صغيرا، فلا تتكلنّ على عذر مني، فإني قد اتكلت على كفاية منك، وإياك منّي قبل أن أقول إياي منك، فإن الظنّ إذا أخلف فيك أخلف منك، وأنت في أدنى حظّك فاطلب أقصاه، وقد أتعبك أبوك فلا تريحنّ نفسك، وكن لنفسك تكن لك، واذكر في يومك حديث غدك.
[١٠٩٦]- بلغ عبد الملك بن مروان أنّ عاملا له قبل هدية، فسأله عن ذلك فقال: بلادك عامرة، وخراجك وافر، ورعيتك راضية؛ قال:
أخبرني عمّا سألتك، قال: قد قبلت، قال: لئن كنت قبلتها ولا تنوي لصاحبها مكافأة إنك للئيم، وإن كنت قبلتها لتستكفي رجلا عاجزا إنك لخائن، ولئن كنت قبلتها وأنت مضمر تعويض صاحبها لقد بسطت ألسن أهل عملك بالقدح فيك، وذلك جهل، وما في من أتى أمرا لم يخل فيه من لؤم وخيانة وجهل مصطنع؛ وعزله.
_________________
(١) البيان والتبيين ٢: ١٥١ وعيون الاخبار ١: ١١٠ ونثر الدر ٥: ١٢ وشرح النهج ١٥: ٩٦ وغرر الخصائص ١٠٢- ١٠٣ (معاوية يخاطب سلما) ولقاح الخواطر: ٢٠ ب.
(٢) البيان والتبيين ٤: ٨٩ (باختلاف في العبارة) والجهشياري: ٤٣ والبصائر ٢: ٤٣٤ ومحاضرات الراغب ١: ١٧٠ (ونسب لانوشروان) ومروج الذهب ٣: ٣٢١ وزهر الآداب: ٩٩٢- ٩٩٣ (وهو من كلام يزيد لعبيد الله بن زياد) .
[ ١ / ٤٢٩ ]
[١٠٩٧]- شبب النّمريّ بزينب بنت يوسف أخت الحجاج، وله فيها أشعار وأخبار ليس هذا موضعها، فكتب إليه عبد الملك: قد بلغني ما قال هذا الخبيث، فإياك أن تقرّبه فتطمعه، أو تعاقبه فتصدقه، ولكن اله عنه وتناس أمره. وما أحسن ما لقنه السياسة في هذا المضيق.
[١٠٩٨]- وقد فعل معاوية بأبي دهبل الجمحيّ لما شبّب بابنته مأثورا من السياسة أيضا. وكان أبو دهبل ألحّ على عاتكة بنت معاوية بالشعر حتى سارت الرواة بما قال فيها، فأشار عليه يزيد بقتله، فقال معاوية: أفّ لك، أنا أرشّحك للخلافة وأنت تشير بهذا الرأي، وإن عملت به حققت عليها قوله.
ثم حجّ معاوية فلما دخل عليه الناس أمر بالعطاء لهم، وفرّق فيهم الصلات وفيهم أبو دهبل، فلما أراد الخروج استعاده بعد خروج الناس، وقال له: مالي رأيت أبا خالد- يعني يزيد ابنه- متغيّظا عليك لأبيات لا تزال تأتي منك إلى حصاننا؟! فأسقط في يده وأنكر، فقال له معاوية: أما أنا فلا بأس عليك مني، ولكني أحذّرك يزيد فله سورة الشباب، ثم قال له: هل لك زوجة؟
قال: لا، قال: فأيّ بنات عمّك أحبّ إليك أزوجكها؟ قال: فلانة، فما برح حتى زوّجه إياها وساق مهرها من ماله، فحلف أبو دهبل ألا يذكر عاتكة في شعره أبدا. وله مع عاتكة هذه أخبار ليس هذا موضعها.
[١٠٩٩]- لما ندب الفضل بن سهل طاهر بن الحسين للشخوص إلى الريّ عند حرب عليّ بن عيسى بن ماهان رآه متثاقلا فقال له: أمنيتك؟
_________________
(١) هو محمد بن عبد الله بن نمير شاعر غزل مولد من شعراء الدولة الاموية، ونشأ بالطائف (الاغاني ٦: ١٨٠ وما بعدها) ونصيحة عبد الملك للحجاج في الاغاني ٦: ١٨٣ وانظر ربيع الابرار ١: ٧٥٧.
(٢) أبو دهبل الجمحي وهب بن زمعة، شاعر من شعراء الدولة الاموية مدح معاوية وابن الزبير (الاغاني ٧: ١١٢ وما بعدها وقصته مع عاتكة ٧: ١١٩- ١٢٣) .
(٣) الجهشياري: ٢٩٠- ٢٩١.
[ ١ / ٤٣٠ ]
قال: أمنيتي أن أخطب على منبر بوشنج، ويكون في صندوقي مائة ألف درهم، فولاه بوشنج وأمر له بمائة ألف درهم، وتركه أياما ثم دعاه إلى الشخوص فأجابه، قال الفضل: إذا نال الرجل المنى خاض الدماء.
[١١٠٠]- لما ولي يزيد بن الوليد بن عبد الملك الخلافة خطب يستميل الناس فقال، بعد أن حمد الله وأثنى عليه، وذكر الوليد ومعايبه: أيها الناس، إن لكم عليّ أن لا أضع حجرا على حجر، ولا لبنة على لبنة، ولا أكري نهرا، ولا أكنز مالا، ولا أعطيه زوجة ولا ولدا، ولا أنقل مالا من بلد حتى أسدّ ثغر ذلك البلد وخصاصة أهله بما يغنيهم، فإن فضل فضل نقلته إلى البلد الذي يليه، ولا أجمّركم على بعوثكم فأفتنكم وأفتن عليكم أهليكم، ولا أغلق بابي دونكم فيأكل قويكم ضعيفكم، ولا أحمل على أهل جزيتكم ما عليهم عن بلادهم، وإن لكم أعطياتكم عندي في كلّ سنة، وأرزاقكم في كلّ شهر، حتى تستدرّ المعيشة بين المسلمين فيكون أقصاهم كأدناهم، فإن وفيت لكم بما قلت فعليكم بالسمع والطاعة وحسن المؤازرة، وإن أنا لم أوف فلكم أن تخلعوني، إلّا أن تستتيبوني، فإن تبت قبلتم مني، وإن علمتم أحدا ممن يعرف بالصلاح يعطيكم من نفسه مثل ما أعطيكم وأردتم أن تبايعوه فأنا أول من يبايعه ويدخل في طاعته. أيها الناس، إنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، ولا وفاء له بنقض عهد، وانما الطاعة طاعة الله ورسوله، فمن أطاع فأطيعوه بطاعة الله ما أطاع، فإذا عصى الله ودعا إلى معصيته فهو أهل أن يعصى ويقتل. أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم.
هذا قول حسن وإنصاف فيما له وعليه إلّا أنّ فيه لمن يريد الملك ويقتل عليه ابن عمه ويطلب الخلافة بغير حقّها ضعفا وعجزا.
_________________
(١) البيان والتبيين ٢: ١٤٢ وعيون الاخبار ٢: ٢٤٨ والعقد ٤: ٩٥ ونثر الدر ٣: ٢٤ وتاريخ الطبري ٢: ١٨٣٤- ١٨٣٥ وابن الاثير ٥: ٢٩٢ والبصائر ٣: ٥٢- ٥٥ والجليس الصالح ٢: ٢٩١.
[ ١ / ٤٣١ ]
[١١٠١]- قال الحجاج: سلطان تخافه الرعية خير من سلطان يخافهم.
(وما أحسن هذا الكلام لو كان من أهله) .
[١١٠٢]- وقد فعل الوليد بن يزيد، وهو الذي شهد عليه أهل عصره بالمروق عن الدين، حين ولي أصناف الخير من بثّ الصّلات والزيادة في الأعطيات، وأجرى على الزّمنى والعميان وأخدمهم وأجرى على خدمهم الأرزاق. وكذاك كانت سياسة الملوك والولاة وإفضالهم رأيا وحزما إذا لم يكن دينا وورعا.
[١١٠٣]- أول ظهور أبي مسلم صاحب الدولة باسفيذنج من أرض خراسان ندب إليه نصر بن سيار عامل خراسان مولى له يقال له يزيد في عسكر كثيف، فأنفذ إليه أبو مسلم مالك بن الهيثم الخزاعيّ ومصعب بن قيس في مائتي رجل، وأمدّهم من بعد بمدد آخر، فلما وقعت الحرب كسر جيش نصر بن سيار، وأخذ يزيد أسيرا، فأتى به أبو مسلم فداواه أبو مسلم من جراحه، وأحسن إليه وردّه إلى مولاه، وأحلفه أن لا يحاربه أبدا، وأن لا يكذب عليهم وقال: هذا يردّ عنا أهل الورع والصلاح فانا عندهم على غير الاسلام، فكان كما قال وظنّ، وكان هذا الفعل يعدّ من تدبير أبي مسلم الصائب، وكتب نصر ابن سيار إلى بني أمية حينئذ: [من الوافر]
أرى خلل الرماد وميض جمر وأحسب أن سيتبعه ضرام
فإن النار بالعودين تذكى وإن الحرب أوّلها كلام
فقلت من التعجب ليت شعري أأيقاظ أميّة أم نيام
_________________
(١) ربيع الابرار: ٣٧٤ ب ولباب الآداب: ٤٤ والمستطرف ١: ٨٦.
(٢) أبيات نصر في العقد ٢: ٣٥٩ والبيان والتبيين ١: ١٥٨ والحماسة البصرية ١: ١٠٧ والجليس الصالح ٢: ٣٨٣.
[ ١ / ٤٣٢ ]
[١١٠٤]- قال مروان بن الحكم لابنه يوصيه: آثر الحقّ وحصّن مملكتك بالعدل فإنه سورها المنيع الذي لا يغرقه ماء ولا تحرقه نار ولا يهدمه منجنيق.
[١١٠٥]- وروي أن عامل عمر بن عبد العزيز على حمص كتب إليه:
إن سورها قد استهدم، فإن رأى أمير المؤمنين أن يأذن لي في عمارته، فكتب إليه عمر: أما بعد، فحصّنها بالعدل، والسلام.
[١١٠٦]- وذكر عمر بن الخطاب ﵁ عند عبد الملك فقال:
قللوا من ذكره فهو طعن على الأئمة، حسرة على الأمة.
[١١٠٧]- وقالت له حبّى المدنيّة: أقتلت عمرا؟ فقال: قتلته وهو أعزّ عليّ من دم ناظري، ولكن لا يجتمع فحلان في شول.
[١١٠٨]- ومثله ما قال معاوية لعبيد الله بن زياد: يا ابن أخي، احفظ عني، لا يكوننّ معك في عسكرك أمير غيرك، ولا تقولنّ على منبرك قولا يخالفه فعلك.
[١١٠٩]- وأقبل رجل من خاصّة عبد الملك يعيب مصعبا، فنظر إليه عبد الملك نظر كراهة لما قال، ثم قال: أمسك، أما علمت أنّ من صغّر مقتولا فقد أزرى بقاتله؟!
_________________
(١) عيون الاخبار ١: ١٣ والايجاز والاعجاز: ١٨ والمستطرف ١: ١٠١ وسيرة عمر (ابن الجوزي): ٩٠ وحلية الاولياء ٥: ٣٠٩ والمصباح المضيء ١: ٢١٦ والشفاء: ٤٦- ٤٧ ونهاية الارب ٦: ٣٥ ومحاضرات الراغب ١: ١٦٩.
(٢) نثر الدر ٣: ١٧ (واعاده ص: ٢٠ ونسبه للوليد بن عبد الملك) وربيع الابرار: ٣٧٨ ب وشرح النهج ١٢: ١٥ ومحاضرات الراغب ١: ١٥٨ والبصائر ٢: ٨٥٦.
(٣) نثر الدر ٣: ١٧ وربيع الابرار: ٣٦٩ ب والبصائر ١: ٢١.
(٤) نثر الدر ٥: ١٣. ٢٨ ١ التذكرة
[ ١ / ٤٣٣ ]
[١١١٠]- تغدّى سليمان بن عبد الملك عند يزيد بن المهلب فقيل له:
صف لنا أحسن ما كان في منزله، فقال: رأيت غلمانه يخدمون بالاشارة دون القول.
[١١١١]- لما ولي مروان بن محمد الخلافة أرسل الى ابن رغبان الذي نسب إليه بعد ذلك مسجد ابن رغبان ليولّيه فرأى له سجّادة مثل ركبة البعير، فقال له: يا هذا إن كان ما بك من عبادة فما يحلّ لنا أن نشغلك، وإن كان من رياء فما يحلّ لنا أن نستعملك.
[١١١٢]- وقال عدي بن أرطاة لإياس بن معاوية: دلّني على قوم من القراء أولّهم؟ فقال له إياس: القراء ضربان: فضرب يعملون للآخرة ولا يعملون لك، وضرب يعملون للدنيا، فما ظنّك بهم إذا أنت أمكنتهم منها؟
قال: فما أصنع؟ قال: عليك بأهل البيوتات الذين يستحيون لأحسابهم فولّهم.
[١١١٣]- أحضر الرشيد رجلا ليوليه القضاء، فقال: إنّي لا أحسن القضاء ولا أنا فقيه، فقال الرشيد: فيك ثلاث خلال، لك شرف والشرف يمنع صاحبه من الدناءة، ولك حلم يمنعك من العجلة، ومن لم يستعجل قلّ خطؤه، وأنت رجل تشاور في أمرك ومن شاور كثر صوابه، وأما الفقه فسنضمّ إليك من تفقه به. فولي فما وجدوا فيه مطعنا.
_________________
(١) نثر الدر ٣: ٢٠ وربيع الأبرار: ٢٣٦ أ- ب والبصائر ٧: ١٤٢ والنهروالي: ١٤٧: ٧ رقم: ٢١٤ (قاضي ٢) .
(٢) نثر الدر ٣: ٢٦ والبصائر ٥ رقم: ٢٥٩ والاجوبة المسكتة رقم: ١١١ وقارن بما في محاضرات الراغب ١: ١٦٥، ٢: ٤١٦ (ونسب الى المنصور) .
(٣) عيون الاخبار ١: ١٧ والبصائر ١: ٧٦ (وفيه: وقال عمر بن عبد العزيز لاياس وهو الأصوب) ومحاضرات الراغب ١: ١٦٥ وقارن بما في لقاح الخواطر: ١٨/أ (بين عمر والحسن) .
(٤) عيون الاخبار ١: ١٧- ١٨.
[ ١ / ٤٣٤ ]
[١١١٤]- كلّم المنصور أبا العباس السفاح في محمد بن عبد الله بن الحسن وأهله فقال: يا أمير المؤمنين أنّسهم بالإحسان، فإن استوحشوا فالشرّ يصلح ما عجز عنه الخير، ولا تدع محمدا يمرح في أعنّة العقوق. فقال: يا أبا جعفر أنا كذلك، ومن شدّد نفّر ومن لان تألّف، والتغافل من سجايا الكرام.
وما أحسن ما قال الأعشى [من الكامل المجزوء] .
مغض على العوراء لو لا الحلم غيّرها انتصاره
[١١١٥]- كان المهديّ يحب الحمام، فأدخل عليه عتاب بن إبراهيم، فقيل له حدّث أمير المؤمنين، وكان قد بلغه استهتار المهدي بالحمام فقال:
حدثني فلان «١» عن فلان عن أبي هريرة رفعه إلى رسول الله ﷺ أنه قال: لا سبق إلّا في حافر أو جناح، فأمر له بعشرة آلاف درهم، فلما قام [قال] المهدي وهو ينظر في قفا عتّاب: أشهد أن قفاك قفا كذّاب على رسول الله ﷺ، وإنما استحليت ذلك أنا، وأمر بالحمام فذبحت.
[١١١٦]- اعتلت الخيزران فأراد الهادي ابنها الركوب إليها، فقال له عمر ابن بزيع: ألا أدلّك يا أمير المؤمنين على ما هو أنفع من عيادتها وأجلب لعافيتها؟ قال: بلى، قال: تجلس للمظالم، فقد احتاج الناس إلى ذلك.
فرجع وجلس ووجّه إليها: إني أردتك اليوم فعرض من حقّ الله ما هو أوجب فملت إليه، وأنا أجيئك في غد، إن شاء الله.
_________________
(١) نثر الدر ٣: ٢٧ وربيع الأبرار ٢: ٥٢.
(٢) ربيع الابرار: ٢٦٥/أ، والقصة حدثت في بلاط الرشيد، والذي يكذب هو أبو البختري في الدميري ١: ٢٩٣.
(٣) تاريخ الطبري ٣: ٥٨٢ وابن الاثير ٦: ١٠٢.
[ ١ / ٤٣٥ ]
[١١١٧]- وكانت الخيزران تتشبّه بالرجال وتحبّ الأمر والنهي، وأن يكون لها باب يقصد بالرغبات والمدائح، فقال لها الهادي لما ولى الخلافة: إن الأمر والنهي لا يبلغه قدر النساء، فلا تخرجي من خفر الكفاية الي بذلة التدبير، واختمري بخمرتك وعليك بسبحتك، ولا أعلمك تعدّيت ذلك إلى تكليف يضرّك وتعنيف يلزمك، ولك بعد هذا عليّ الطاعة التي أوجبها الله تعالى لك، في غير كفر ولا مأثم ولا عار.
[١١١٨]- شغب الجند على الرشيد ثم سكنوا بعد إيقاع بهم، فصعد المنبر وقال بعد حمد الله والصلاة على رسوله: اما بعد، فقد كان لكم ذنب وكان منّا عتب، وكان منكم اصطلام ومنّا انتقام، وعندي بعد هذا لكم التنفيس عن المكروبين، والتفريج عن المغمومين، والإحسان إلى المحسنين، والتغمّد لإساءة المسيئين، وأن لا يكفر لكم بلاء، ولا يحبس عليكم عطاء، وعليّ بذلك الوفاء، ثم نزل.
[١١١٩]- كان سبب خروج المعتصم إلى سرّ من رأى أن غلمانه الأتراك كثروا ببغداد، فتولعوا بحرم الناس وأولادهم، فاجتمع إليه جماعة منهم وقالوا: يا أمير المؤمنين ما أحد أحبّ إلينا مجاورة منك، لأنك الامام والمحامي عن الدين، وقد أفرط علينا أمر غلمانك، فاما منعتهم منّا أو نقلتهم عنّا، قال: نقلهم لا يكون إلا بنقلي، ولكنّي افتقدهم وأزيل ما شكوتم منه، فنظر فإذا الأمر قد زاد وعظم وخاف أن يقع بينهم حرب، وعاودوه بالشكوى وقالوا: إن قدرت على نصفتنا وإلا فتحوّل عنّا، فقال، أتحول وكرامة، فرحل إلى سرّ من رأى واتخذها دارا.
_________________
(١) تاريخ الطبري ٣: ٥٦٩ (ببعض اختلاف) والبيهقي: ٥٥٢- ٥٥٣ والبصائر ٣: ٦٩- ٧٠ ومروج الذهب ٤: ١٨٦- ١٨٧ ونثر الدر ٣: ٣٣.
(٢) نثر الدر ٣: ٤٤.
[ ١ / ٤٣٦ ]
[١١٢٠]- لما أقطع المعتصم أشناس ضياع الحسن بن سهل، وجّه الحسن بقبالاتها إلى أشناس، وكتب إليه: قد عرفت رأي أمير المؤمنين في إخلاصك بهذه الضياع وأحببت أن لا يعترض على عقبك عقبي، فأنفذت إليك قبالاتهم معتدّا في قبولكها بإسباغ النعمة عليّ، وادخار الشكر لديّ، ومتقرّبا به إلى سيدي أمير المؤمنين، فرأيك في الامتنان عليّ بقبولها، موفقا إن شاء الله. فلما قرأ الكتاب أنفذه إلى المعتصم فوقّع فيه: ضيم فصبر، وسلب فعذر، فليقابل بالشكر على صبره، وبالاحسان على عذره، وتردّ عليه ضياعه، ويرفع عنه خراجه، ولا أؤامر فيه إن شاء الله.
[١١٢١]- وكان المعتصم يقول: الفضل بن مروان عصى الله وأطاعني، فسلّطني الله عليه.
[١١٢٢]- وقال لأحمد بن [أبي] دواد لما كان [من] التياث العباس ابن المأمون ما كان: يا أبا عبد الله أكره أن أحبسه فأهتكه، وأكره أن أدعه فأهمله، فقال أحمد: الحبس، أصلح الله أمير المؤمنين فإن الاعتبار «١» خير من الاغترار.
[١١٢٣]- وقيل ما رؤي أشدّ تيقظا في حرب من المعتصم، كانت الأخبار ترد عليه من أرض بابل إلى سرّ من رأى في ثلاثة أيام على خيل عتاق مضمّرة، قد أقام على كلّ فرسخين «٢» فرسين. واحتاج الناس في حصار عمورية
_________________
(١) نثر الدر ٣: ٤٤ وهو في الجزء الرابع من البصائر (مخطوطة الامبروزيانا) وسقط من الطبعة الدمشقية.
(٢) نثر الدر ٣: ٤٤ والايجاز والاعجاز: ٢٠ وغرر الخصائص: ٦٣.
(٣) نثر الدر ٣: ٤٥، ٥: ٥٨.
(٤) نثر الدر ٣: ٤٥ وبيت أبي تمام في ديوانه ١: ٧١.
[ ١ / ٤٣٧ ]
إلى ماء فمدّ لهم حياضا من أدم عشرة أميال. ولما دخل عليه المازيار، وكان شديد الغيظ عليه، قيل له: لا تعجل عليه فإن عنده أموالا جمّة، فأنشد بيتا لأبي تمام [من البسيط] .
إن الأسود أسود الغاب همّتها يوم الكريهة في المسلوب لا السّلب
[١١٢٤]- قال إبراهيم بن المدبّر: قال لي المتوكل: إذا خرج توقيعي إليك بما فيه مصلحة الناس ورفق بالرعية فأنفذه ولا تراجعني فيه، وإذا خرج إليك فيه حيف على الرعية فراجعني فإنّ قلبي بيد الله ﷿.
[١١٢٥]- كتب الاسكندر إلى أرسطاطاليس يذكر أن في عسكره جماعة من خاصته وذوي حشمه وأهل الحرمة، وأنه لا يأمنهم على نفسه لما يرى من بعد هممهم وقوة شجاعتهم وأنه لا يجد لهم عقولا تفي بالفضائل التي فيهم، ويكره الإقدام بالقتل عليهم بالظنّة مع واجب الحرمة، وسأله عن الرأي في أمرهم، فكتب إليه أرسطاطاليس: أما بعد فإن الوفاء من بعد الهمة، وأما شجاعتهم ونقصان عقولهم عن الوفاء بها، فمن كانت هذه حاله فرفّهه في معيشته وقوله، وخوّله حسان النساء، فإنّ رفاهة العيش توهي العزم وتكسر حميّة الشجاعة، ومحبة النساء تحبّب السلامة وتباعد من ركوب المخاطر، وليكن خلقك خلقا حسنا تستدع به صفو النية وخلوص المقة «١»، ولا تتناول من لذيذ العيش ما لا يمكن أوسط أصحابك تناول مثله، فليس مع الاستئثار محبة ولا مع المواساة بغضة.
[١١٢٦]- غضب الاسكندر على شاعر فأقصاه وفرّق ماله في الشعراء،
_________________
(١) نثر الدر ٣: ٤٨.
(٢) الجهشياري: ٩- ١٠.
(٣) البصائر ٢: ٣٣٧ وسرح العيون: ٧١ وربيع الابرار ١: ٧٢٩.
[ ١ / ٤٣٨ ]
فقيل له في ذلك فقال: أما إقصائي إياه فلجرمه، وأما تفريقي ماله في الشعراء فلئلا يشفعوا فيه.
[١١٢٧]- كتب الاسكندر إلى أرسطاطاليس يعلمه بما افتتح من البلاد ويعجّبه من قبّة الذهب، وجدها في بلاد الهند، فأجاب: إني رأيتك تعجب من قبة عملها الآدميون، وتدع التعجب من هذه القبّة المرفوعة فوقك، وما زيّنت به من الكواكب وأنوار الليل والنهار. وأما البلدان فليكن ملكك فيها بالتودّد إلى أهلها، لا كقهر الراعي غنمه بالعصا، فإنك في طاعة المودة أحمد بدنا وعافية من طاعة القهر والاستطالة، فحدّث به المأمون فقال: لقد حثّ على التودّد فأحسن، فلقد أدّبنا الله قبل معرفتنا بحكمة أرسطاطاليس: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ
(آل عمران: ١٥٩) .
[١١٢٨]- لما قتل شيرويه بن كسرى أباه أبرويز، وقف له رجل من الرعية يوما وقد رجع من الميدان فقال: الحمد لله الذي قتل أبرويز على يديك، وملّكك ما كنت أحقّ به منه، وأراح آل ساسان قتل من جبروته وعتوّه وبخله ونكده، فإنه كان ممن يأخذ بالحبة ويقتل بالظنّ، ويخيف البريء ويعمل بالهوى؛ فقال للحاجب: احمله إليّ، فقال: كم كانت أرزاقك في حياة أبرويز؟ قال: في كفاية من العيش. قال: فكم رزقك اليوم؟ قال: ما زيد في رزقي شيء، فقال: هل وترك أبرويز فأبصرت منه مما سمعت من كلامك؟
قال: لا، قال: فما دعاك إلى الوقوع فيه ولم يقطع عنك رزقا، ولا وترك في نفسك؟ وما للعامة وهم رعية والوقوع بالملوك؟ وأمر أن ينزع لسانه من قفاه، وقال: بحقّ ما يقال: ان الخرس خير من البيان بما لا يجب.
_________________
(١) ربيع الأبرار: ٣٧٦/أوطبقات صاعد: ٣٤.
(٢) التاج: ١٠٩- ١١٠ والبيهقي: ٣٨٣ ومحاضرات الراغب ١: ٣٨٧.
[ ١ / ٤٣٩ ]
[١١٢٩]- ولما أتي المنصور برأس إبراهيم بن عبد الله بن الحسن فوضع بين يديه جاء بعض الراوندية فضرب الرأس بعمود في يده، فقال المنصور للمسيّب: سوّ وجهه، فدقّ المسيّب أنفه حتى سطّحه مع وجهه، ثم قال:
يا ابن اللخناء تجيء إلى رأس ابن عمي وقد صار إلى حال لا يدفع عن نفسه ولا ينفع فتضربه بعمود، كأنك رأيته يريد نفسك أو نفسي فدفعته عني؟! اخرج إلى لعنة [الله] وأليم عقابه.
[١١٣٠]- قال حسن بن رجاء: لما ورد الخبر على المأمون بقتل أبي السرايا لم يكن في بيت ماله إلا ألف ألف ومائتا ألف درهم، قال ذو الرياستين للمأمون: هذا لا يسع الناس، ولكن صل بهذا المال حتى أخرج إلى الناس فآمر لهم به على قدر مراتبهم، فيكون القليل مني أحمد منه منك، ويكون الناس يتوقعون فضلك إلى أن تأتي الأموال فترى رأيك. ففعل فوقع أحسن موقع.
[١١٣١]- أمر المأمون الحسن بن عيسى كاتب وزيره عمرو بن مسعدة أن يكتب كتابا، فالتفت الحسن إلى الوزير ينتظر الإذن منه، ففهمها عنه المأمون فقال: يعطى الحسن مائة ألف لانتظاره إذن صاحبه.
[١١٣٢]- ركب زياد يوما بالسوس فرأى عمارة حسنة، فخاف أهلها أن يزيد في خراجها، فقال لهم: بارك الله عليكم قد وضعت عنكم مائة ألف لما رأيت عمارة بلدكم.
[١١٣٣]- دعا الواثق إسحاق بن إبراهيم المصعبي إلى منادمته فامتنع،
_________________
(١) التاج: ١١١.
(٢) ربيع الأبرار ٢: ٣٢٢.
(٣) المصباح المضيء ١: ٣٢٢ ومحاضرات الراغب ١: ١٦٨ وشرح النهج ١٧: ٧٥.
(٤) الفرج بعد الشدة ١: ٣٩٣.
[ ١ / ٤٤٠ ]
فتلاحيا في ذلك إلى أن تغيّر الواثق لإسحاق وأمر بحجابه، فكتب إليه إسحاق: يا أمير المؤمنين لئن أطلقتني الحشمة التي عقد بها لساني عن الانبساط لتغيره علي، لقد كان فيما عقد لي عليه قلب أمير المؤمنين ذبّ ان كان يؤمنني من امتهان العامة إياي. فرمى الواثق بكتابه إلى أحمد بن أبي دواد وقال: انظر ذا، فنظر ثم قال: يا أمير المؤمنين، ما على من كانت هذه همته بذبّه عن أمير المؤمنين عتب، وهو يجد من أشخاص عوضا في منادمته، [فأبقاه] على رسمه وأعفاه من المنادمة.
[١١٣٤]- قال معاوية لسعيد بن مرة الكنديّ: أنت سعيد؟ قال:
أمير المؤمنين السعيد وأنا ابن مرّة.
[١١٣٥]- وقال المأمون للسيّد بن أنس: أنت السيّد؟ فقال: أمير المؤمنين لسيد وأنا ابن أنس.
[١١٣٦]- وقال الحجاج للمهلب وهو يماشيه: انا أطول أم أنت؟
قال: الأمير «١» أطول وأنا أبسط قامة.
[١١٣٧]- قال رجل لأبي خليفة الجمحي: ما أحسبك تثبتني؟
_________________
(١) التاج: ٨٨ والبيهقي: ٤٥٩ والمحاسن والاضداد: ١٤ ومحاضرات الراغب ١: ٦٧ والمستطرف ١: ٥٩ ونزهة الظرفاء: ٤ ب وربيع الأبرار ٢: ٣١٩، ٣٣٩ والاجوبة المسكتة رقم: ٦٠١.
(٢) التاج: ٨٨ والبيهقي: ٤٥٩ والمحاسن والاضداد: ١٤ ومحاضرات الراغب ١: ٦٧ ونزهة الظرفاء: ٤/أوربيع الأبرار ٢: ٣١٩، ٣٣٩ والاجوبة المسكتة رقم: ٦٠٢.
(٣) المحاسن والاضداد: ١٤ والبيهقي: ٤٥٩ ونثر الدر ٢: ١٨٣ والبصائر ٢: ٦٩٠ وربيع الابرار ١: ٦٨٤، ٢: ٣١٩ والمستطرف ١: ٥٩.
(٤) ربيع الابرار: ١٣٣/أوالبصائر ١: ١١٧ وزهر الآداب: ٨٢٥.
[ ١ / ٤٤١ ]
فقال: وجهك يدلّ على سنك «١»، والإكرام يمنع من مسألتك، فأوجد السبيل إلى معرفتك.
[١١٣٨]- قال العتبيّ لأحمد بن أبي خالد الأحول: هل أنكرت عليّ يوم دخولي على المأمون شيئا؟ قال: نعم، قال: ما هو؟ قال: ضحك من شيء فكان ضحكك أكثر من ضحكه.
[١١٣٩]- قال محمد بن عبيد الله [بن يحيى] بن خاقان: بعثني أبي إلى المعتضد «٢» في شيء فقال لي: اجلس، فاستعظمت ذلك فقلت: إنه لا يجوز، فقال: يا محمّد، أدبك في القبول مني خير لك من أدبك في قيامك.
[١١٤٠]- قال المأمون لثمامة بن أشرس: ارتفع؟ قال: يا أمير المؤمنين لم يف شكري بموضعي هذا، وأنا أبعد عنك إعظاما لك، وأقرب منك شحا عليك.
[١١٤١]- ومن أدب العلماء: قال بعض أصحاب أبي حنيفة، قال أبو حنيفة: لا تسألني عن أمر الدين وأنا ماش، ولا تسألني وأنا أحدّث الناس، ولا تسألني وأنا قائم، ولا تسألني وأنا متكىء، فإن هذه أماكن لا يجتمع فيها عقل الرجل. قال: فخرج يوما فتبعته من حرصي أسائله ومعي دفتر، وأنا أمشي في الطريق، فلما خلوت عقلت ما يقول، فلما كان من الغد واجتمع إليه أصحابه سألته عن تلك المسائل فغيّر الجواب، فأعلمته ذلك
_________________
(١) نور القبس: ١٩١ وربيع الابرار: ١٣٤/أوالبصائر ٧: ٢٥٣ ومحاضرات الراغب ١: ٢٨٣.
(٢) نثر الدر ٣: ٥٠ والبصائر ٢: ٥٢٨ وربيع الابرار: ١٣٣/أ.
(٣) نثر الدر ٢: ١٨٨ وربيع الابرار: ١٣٤/أوالبصائر ٤: ١٢١.
[ ١ / ٤٤٢ ]
فقال: ألم أنهك عن السؤال وعن الشهادات في دين الله إلا في وقت جمام العقول؟
[١١٤٢]- وقيل: أراد أحمد بن طولون أن يكتب وثائق بأحباسه التي حبسها على البيمارستان والمسجد والسّقاية بمصر، فتولّى له كتب ذلك أبو حازم قاضي دمشق، فلما جاءت الوثائق أحضر لها علماء الشروط لينظروا هل فيها شيء يفسدها، فنظروها فقالوا: ما فيها شيء، ونظر فيها أبو جعفر أحمد بن محمد ابن سلامة الطحاوي الفقيه، وهو يومئذ شابّ، فقال: فيها غلط؛ فأحضره.
ابن طولون وسأله عن الغلط فقال: حتى أعرف من عملها، فقيل له: أبو حازم القاضي، فقال: ما يمكنني أن أذكر الغلط الذي فيها، فقال له أحمد ابن طولون: إن أنت لم تذكره لرسلي فاذكره لي، فقال: ما أفعل، قال:
ولم؟ قال: لأنّ أبا حازم رجل عالم وعسى أن يكون الصواب معه وقد خفي عليّ، فأعجب ذلك أحمد بن طولون وقرّبه وأجازه وقال له: فتخرج إلى أبي حازم لتواقفه، فخرج وواقفه عليه واعترف أبو حازم بالغلط، ثم رجع الطحاويّ إلى مصر وأدخل إلى ابن طولون، فقال: كان الصواب مع أبي حازم وقد رجعت إلى قوله، وستر ما كان، فذكر لابن طولون فزاد في نفسه.
[١١٤٣]- كان أحمد بن طولون شديد الاهتمام بأمر رعيته، وكان يجلس في الليل في قبة عالية من داره يتسمّع ويراعي أحوال مصر، فبينا هو ذات ليلة إذ سمع صياح كلب يصيح صياحا شديدا، فدعا بغلمانه وقال:
اسمعوا، فقالوا: نسمع صياح كلب. فقال: انظروا أين، فلم يزالوا ينظرون حتى قالوا: في ناحية كذا وكذا، فقال: عليّ بالكلب الساعة وسببه، فمضى الغلمان فلم يزالوا ينظرون حتى عرفوا الموضع فأخذوا الكلب، وإذا برجل نائم
_________________
(١) انظر سيرة البلوي: ٣٥٠ (الحاشية) نقلا عن مجموعة من الحكم منسوبة لياقوت المستعصمي.
[ ١ / ٤٤٣ ]
في الظلام معه سكين، وإذا قوم يصيحون، فقالوا لهم: ما خبركم؟ فخرج إليهم شيخ فقال: هذا رجل يتعرّض ببعض حرمي، فأخذوا الكلب والرجل والشيخ وجاءوا بهم إلى أحمد بن طولون، فقال: اضربوا الكلب فضربوه فصاح فقال: هو هو، وأمر بالرجل فغرّق وانصرف الشيخ إلى منزله.
[١١٤٤]- وقال أحمد بن طولون لبعض كتابه: اختر لي كاتبا ترضاه وأتني به، قال: فأتيته به وتركته عنده ولم أعرف له خبرا، فلما كان بعد شهر جاءني، فقلت: من أين؟ قال: من أمر عظيم، لما انصرفت أرسلني إلى المطبق وقال لي: احفظ ما يقولون وإلى من يكتبون ومن يكتب إليهم. فأقمت شهرا بالمطبق حتى عرفت جميع ما كانوا فيه، ثم أحضرني اليوم وحدثته بكلّ شيء فأمر لي بجائزة وقال لي: انصرف.
[١١٤٥]- رفع إلى المعتضد أنّ طائفة من الناس يجتمعون في دكان رجل شيخ تبّان، ويخوضون في الفضول والأراجيف وفنون من الأحاديث، وفيهم سراة وكتّاب وأهل بيوتات سوى من يسترق السمع منهم من داصة الناس، فلما عرف المعتضد ذلك حرج صدره وامتلأ غيظا، ودعا بعبيد الله بن سليمان ورمى بالرقعة إليه وقال له: انظر فيها وتفهمها، ففعل، ورأى من تربّد وجه المعتضد ما أزعج ساكن صدره، وقال: قد فهمت يا أمير المؤمنين، قال: فما الدواء؟ قال: تتقدّم بأخذهم وصلب بعضهم وإحراق بعضهم وتغريق بعضهم، فإن العقوبة إذا اختلفت كان الهول أشدّ والهيبة أفشى، والزجر أنجع، والعامّة أخوف، فقال المعتضد: لقد برّدت لهب غضبي بقسوتك هذه، ونقلتني إلى اللين بعد الغلظة، وحضضت على الرفق من حيث أشرت
_________________
(١) سيرة البلوي: ١١٥- ١١٧.
(٢) الامتاع والمؤانسة ٣: ٨٨- ٩١ (بتفصيل كثير) وقارن بما ورد في المنتظم ٥: ١٣٦- ١٣٧ والمصباح المضيء ١: ٢٥٠ والجوهر النفيس: ٣٧/أ.
[ ١ / ٤٤٤ ]
بالخرق، وما علمت أنك تستجيز هذا في دينك وهديك ومروءتك، ولو أمرتك ببعض ما رأيت بعقلك وحزمك لكان من حسن المؤازرة ومبذول النصيحة والنظر للرعية الضعيفة الجاهلة أن تسألني الكفّ وتبعثني على الحلم وتحبّب إليّ الصفح، وترغّبني في فضل الاغضاء على هذه الاشياء، وقد ساءني جهلك بحدود العقاب، ولقد عصيت الله بهذا الرأي ودللت على قسوة القلب وقلّة الرحمة ويبس الطينة وقلّة الديانة. أما تعلم أن الرعية وديعة الله عند سلطانها، وأن الله سائله عنها كيف سستها ولعله لا يسألها عنه، فإن سألها فلتوكيد الحجّة عليه منها؟ ألا تدري أن أحدا من الرعية لا يقول ما يقول إلا لظلم لحقه، أو داهية نالته أو نالت صاحبا له؟ وكيف نقول لهم كونوا أتقياء صالحين مقبلين على معاشكم غير خائضين في حديثنا ولا سائلين عن أمرنا، والعرب تقول في كلامها: غلبنا السلطان فلبس فروتنا وأكل خضرتنا، وحنق المملوك على المالك معروف، وإنما يحتمل السيد على ضروب تكاليفه ومكاره تصاريفه إذا كان العيش في كنفه رافغا، والأمل فيه قويا، والصدر عليه باردا، والقلب معه ساكنا، أتظن أنّ العلم بالجهل يدفع والعذر به يسع؟ لا والله، ما الرأي ما رأيت ولا الصواب ما ذكرت، وجّه صاحبك وليكن ذا خبرة ورفق، معروفا بتحرّ وصدق، حتى يعرف حال هذه الطائفة ويقف على شان كل واحد منها في معاشه وقدر ما هو [متقلب فيه و] منقلب إليه، فمن كان منهم يصلح لعمل فعلّقه به، ومن كان سيء الحال فصله من بيت المال بما يعيد نضرة حاله، ويفيد طمأنينة باله، ومن لم يكن من هذا الرهط بل هو غنيّ مكفيّ، وإنما يخرجه إلى دكان هذا التبّان البطر والزهو فادع به وانصحه ولاطفه، وقل له: إن لفظك مسموع وكلامك مرفوع، ومتى وقف أمير المؤمنين على كنه ذلك منك لم تجدك إلّا في عرصة المقابر، فاستأنف لنفسك سيرة تسلم بها من سلطانك وتحمد بها عند إخوانك، وإياك أن تجعل نفسك عظة لغيرك بعد ما كان غيرك عظة لك، ولولا أن الأخذ بالجريرة الأولى مخالف
[ ١ / ٤٤٥ ]
للسيرة المثلى لكان هذا الرأي الذي تسمعه ما تراه، تودّ لو أنك سمعته قبل أن تراه، فإنك يا عبيد الله إذا فعلت ذلك فقد بالغت في العقوبة، وملكت طرفي المصلحة، وقمت على سواء السياسة، ونجوت من الحوب والمأثم في العاقبة، ففعل عبيد الله ما أمره به.
[١١٤٦]- قال عبد الملك بن عمر الليثي: بينما نحن في المسجد الجامع بالكوفة، وأهل الكوفة يومئذ ذوو حال حسنة يخرج الرجل منهم في العشرة والعشرين من مواليه، أتانا آت، فقال: هذا الحجاج قد قدم أميرا على أهل العراق، فإذا به قد دخل المسجد معتما بعمامته قد غطّى بها أكثر وجهه، متقلّدا سيفا، متنكبا قوسا، يؤمّ المنبر، فقام الناس نحوه، حتى صعد المنبر، فمكث ساعة لا يتكلّم، فقال الناس بعضهم لبعض: قبّح الله بني أمية حيث تستعمل مثل هذا على العراق، حتى قال عمير بن ضابىء البرجمي، ألا أحصبه لكم؟ فقالوا: أمهل حتى ننظر، فلما رأى عيون الناس إليه حسر اللثام عن فيه ونهض فقال: [من الوافر] .
أنا ابن جلا وطلّاع الثنايا متى أضع العمامة تعرفوني
وقال: يا أهل الكوفة، إني لأرى رؤوسا قد أينعت وحان قطافها، وإني لصاحبها، وكأني أنظر إلى الدماء بين العمائم واللحى:
هذا أوان الشدّ فاشتدي زيم قد لفّها الليل بسّواق حطم
ليس براعي إبل ولا غنم ولا بجزّار على ظهر وضم
قد لفّها الليل بعصلبيّ أبيض خرّاج من الدويّ
مهاجر ليس بأعرابيّ
_________________
(١) نثر الدر ٥: ١٣ والمستطرف ١: ٥٠- ٥٢ وانظر خطبة الحجاج نفسها في عيون الاخبار ٢: ٢٤٣ والبيان والتبيين ٢: ٣٠٧- ٣١٠ والعقد ٤: ١١٩ والكامل ١: ٣٣٣- ٣٤٠ وتاريخ ابن الاثير ٤: ٣٧٥ وصبح الاعشى ١: ٢١٨. والدميري ١: ١٩٠.
[ ١ / ٤٤٦ ]
قد شمّرت عن ساقها فشدّوا وجدّت الحرب بكم فجدّوا
والقوس فيها وتر عردّ مثل ذراع البكر أو أشدّ
إني والله يا أهل العراق ما يقعقع لي بالشنان، ولا يغمز جانبي كتغماز البنان. ولقد فررت عن ذكاء، وفتّشت عن تجربة، وإنّ أمير المؤمنين نثل كنانته، فعجم عيدانها عودا عودا، فوجدني أمرّها عودا وأصلبها مكسرا، فرماكم بي لأنكم طالما أوضعتم في الفتنة واضطجعتم في مراقد الضّلال. والله لأحزمنّكم حزم السّلمة ولأضربنكم ضرب غرائب الإبل، فإنكم كأهل قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كلّ مكان، فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف، وإني والله ما أقول إلا وفيت، ولا أهمّ إلا أمضيت، ولا أخلق إلا فريت، وإن أمير المؤمنين أمرني بإعطائكم وأن أوجهكم لمحاربة عدوكم مع المهلّب بن أبي صفرة، وإني أقسم بالله لا أجد رجلا تخلّف بعد أخذ عطائه ثلاثة أيام إلا ضربت عنقه، يا غلام اقرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين، فقرأ:
بسم الله الرحمن الرحيم: من عبد الله عبد الملك أمير المؤمنين إلى من بالكوفة من المسلمين، سلام عليكم، فلم يقل أحد شيئا، فقال الحجاج:
قف يا غلام، ثم أقبل على الناس فقال: أسلّم عليكم أمير المؤمنين فلم تردّوا عليه شيئا؟ هذا أدب ابن نهية، أما والله لأؤدبنكم غير هذا الأدب أو لتستقيمنّ الطريق، اقرأ يا غلام كتاب أمير المؤمنين فلما بلغ إلى قوله: سلام عليكم، لم يبق أحد في المسجد إلا قال: وعلى أمير المؤمنين السلام، ثم نزل فوضع للناس أعطياتهم، فجعلوا يأخذون حتى أتاه شيخ يرعش كبرا فقال:
أيها الأمير، إني من الضعف على ما ترى، ولي ابن هو أقوى على الأسفار مني أفتقبله بدلا؟ فقال له الحجاج: نفعل يا شيخ، فلما ولّى قال له قائل:
أتدري من هذا أيها الأمير؟ قال: لا، قال: هذا عمير بن ضابىء البرجمي الذي يقول أبوه: [من الطويل] .
[ ١ / ٤٤٧ ]
هممت ولم أفعل وكدت وليتني تركت على عثمان تبكي حلائله
ودخل هذا الشيخ على عثمان وهو مقتول فوطىء بطنه فكسر ضلعين من أضلاعه، فقال: ردّوه. فلما ردّ قال الحجاج له: أيها الشيخ، هلا بعثت إلى أمير المؤمنين بدلا يوم الدار؟ إن في قتلك أيها الشيخ لصلاحا للمسلمين، يا حرسيّ اضربا عنقه. فجعل الرجل يضيق عليه أمره فيأمر وليه أن يلحقه بزاده، ففي ذلك يقول عبد الله بن الزّبير الأسدي: [من الطويل] .
تجهّز فاما أن تزور ابن ضابىء عميرا، وإما أن تزور المهلّبا
تفسير كلمات غريبة من هذا الخبر: أراد بابن جلا الفعل، فحكى، فلذلك لم يصرفه، والبيت لسحيم بن وثيل؛ طلاع الثنايا: جلد يطلع الثنايا في ارتفاعها وصعوبتها. حطم لا يبقي من السير شيئا وكذلك الذي يأتي على الزاد فيأكله حطم، والنار التي لا تبقي حطمة والوضم [ما] يوضع عليه اللحم من [صخر] أو خشب. والعصلبيّ: الشديد؛ الدويّ: كلّ غماء شديدة، ويقال للصحراء دوّيّة، وهي التي لا تكاد تنقضي، وهي منسوبة إلى الدوّ، وهو الصحراء الملساء التي لا أمارة بها، والداوية: المتسعة التي تسمع لها دويا بالليل، وإنما ذلك الدويّ من أخفاف الإبل تنفسح أصواتها فيها وتقول جهلة الاعراب ذاك عزيف الجن؛ والعردّ: الشديد ويقال في معناه عرند، والذكاء ها هنا تمام السنّ وهو في غير هذا حدّة القلب.
[١١٤٧]- ومن سياسة زياد المستحسنة أنه ألزم كلّ قبيلة بمن يخرج من الخوارج منهم وأخذهم بهم، فكانت كل قبيلة إذا أحسّت بخارجية منها شدّتهم وأتت بهم زيادا. وله أخرى في الخوارج، وأخرجوا معهم امرأة فظفر بها فقتلها ثم عرّاها، فلم تخرج النساء بعد ذلك على زياد، وكنّ إذا دعين إلى الخروج يقلن: لولا التعرية لسارعنا. وكنّ بعد زياد يخرجن مع الخوارج فيحاربن ويبارزن الرجال.
[ ١ / ٤٤٨ ]
[١١٤٨]- نصب معاوية قميص عثمان على المنبر فبكى أهل الشام فقال:
هممت أن أدعه على المنبر، فقال له عمرو بن العاص: إنه ليس بقميص يوسف، وانهم إن طال نظرهم إليه وبحثوا عن السبب، وقفوا على ما لا تحبّ ولكن لذّعهم بالنظر إليه في الأوقات.
[١١٤٩]- ووصّى عمرو معاوية بالسياسة فقال: لا يكون شيء آثر عندك من أمر رعيتك، وتكون له أشدّ تفقدا منك لخصاصة الكريم أن تعمل في سدّها، ولطغيان اللئيم أن تقمعه، واستوحش من الكريم الجائع ومن اللئيم الشبعان، فإن الكريم يصول إذا جاع واللئيم يصول إذا شبع.
[١١٥٠]- كان الرشيد أخذ ضيعة من صالح صاحب المصلّى ودفعها إلى أم جعفر، فلما ولي الأمين سأله الفضل بن الربيع ردّها على صالح، فقال:
أنا أعوّضه ولا أظلم أمّي ولا أعقّ أبي.
[١١٥١]- وقّع المأمون في قصة متظلم من أبي عيسى بن الرشيد فَإِذا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَساءَلُونَ
(المؤمنون: ١٠١) .
[١١٥٢]- قال المعتزّ لأحمد بن وزير البصريّ لما ولاه القضاء: يا أحمد قد ولّيتك القضاء وإنما هي الدماء والفروج والأموال تنفذ فيها حكمك ولا يردّ أمرك، فاتّق الله ﷿ وانظر ما أنت صانع.
[١١٥٣]- ولما جيء إليه بأمان وصيف وبغا من بغداد على دمائهم وأموالهم وأجاز ذلك، وقّع في الكتاب بخطه بين الأسطر: خلا ما فيها من حقّ لمسلم أو معاهد.
_________________
(١) قوله: «احذر صولة » منسوب لاردشير في ربيع الابرار ٢١٣ ب وقد ورد تخريجه في رقم: ٨٠٥.
(٢) ربيع الابرار: ٣١٣ ب (بين المعتز وابن أبي الشوارب) . ٢٩ ١ التذكرة
[ ١ / ٤٤٩ ]
[١١٥٤]- دخل أبو مجلز على قتيبة وهو بخراسان، وهو يضرب رجلا بالعصا فقال: أيها الأمير إن الله جعل لكلّ شيء قدرا، ووقّت له وقتا، فالعصا للأنعام والهوامّ والبهائم العظام، والسوط للحدود والتعزير، والدرّة للأدب، والسيف لقتال العدوّ والقود.
[١١٥٥]- قال عبيد الله بن عبد الله بن طاهر: وافاني كتاب المعتزّ وكتاب أحمد بن إسرائيل مع رسول ومعه رأس بغا، وفي الكتب أن أنصبه على الجانبين، فلم أفعل وكتبت: قد أوجب الله تعالى عليّ نصح أمير المؤمنين من جهات منها ما تقتضيه الديانة وتوجبه الأمانة، ومنها اصطناع آبائه لخدمهم من أسلافي، ومنها اختصاصه إياي بجميل رأي، ومع هذا فلم أكن لأذخر عنه رأيا مع ما أنا عليه من المناصحة والشكر، وإن الكتب وردت عليّ بنصب رأس بغا في الجانبين، وقد أخّرت ذلك إلى أن يعود إليّ الأمر بما أعمل عليه، وبغا فقد علمت أنه عدوّ أمير المؤمنين وعدوّك، وقد أراح الله تعالى منه بحيث لم تتّهموا فيه، وأخاف أن يتبعكم الأتراك عند أوّل شغبة به، ويطالبوكم بدمه، ويجعلوا ذلك ذريعة إلى إيقاع سوء. وكان الصواب عندي أن يغسله أمير المؤمنين ويصلّي عليه ويدفنه ويظهر حزنا ويقول: ما أحبّ أن يصاب صغير منكم ولا كبير، وقد غمّني أمر بغا، ولو وصل إليّ لزدت في مرتبته، وما يشبه هذا.
فورد عليّ كتاب أحمد بن إسرائيل يشكر ما كان منّي، ويحلف أنه سبقني إلى هذا الرأي واجتهد فيه، فما أمكنه إلا أن يفعل ما فعل، ولم يقبل قوله، وفي آخر كتابه: واعلم أنه قد حدث بعدك، وهو مما لا نعرفه نحن ولا أنت، رأي للحرم والخدم يقبل ويعمل عليه، وهذا فتح للخطأ وإغلاق للصواب، فانصب الرأس قليلا ثم أنفذه إلى خراسان.
[١١٥٦]- كتب الفضل بن الربيع إلى عبد الله بن سوار يسأله أن يشتري
_________________
(١) البيان والتبيين ٣: ٤٥ ونثر الدر ٤: ٨٣ وكتاب العصا: ٣٠٤.
(٢) نثر الدر ٥: ٤٥ وأخبار القضاة ٢: ١٥٦ ولقاح الخواطر: ٦٤/أ.
[ ١ / ٤٥٠ ]
له ضيعة فكتب إليه: إن القضاء لا يدنّس بالوكالة.
[١١٥٧]- قال بعض صحابة أبي العباس السفاح: غضب أبو العباس السفاح على بعض أصحابه فأبعده، فذكره ليلة من الليالي، فقلت: لو رآه أعدى خلق الله له لرحمه، قال: ممّ ذلك؟ قلت: لغضب أمير المؤمنين عليه، فقال: ما له من الذنب ما تبلغ به العقوبة هذا المبلغ، قلت: فمنّ عليه يا أمير المؤمنين برضاك، قال: ما هذا وقت ذاك. قلت: إنك يا أمير المؤمنين لما صغّرت ذنبه طمعت في رضاك. قال: إنه من لم يكن بين غضبه ورضاه مدة طويلة لم يحسن أن يغضب ولا يرضى.
[١١٥٨]- قال عبيد الله بن سليمان: كنت أكتب بين يدي أبي سليمان داود بن الجراح، فقال لي يوما: اكتب: أطال الله بقاءك وأعزّك وأكرمك وأتمّ نعمته عليك وإحسانه إليك، كتب الوكيل- أعزك الله- متّصلة بشكرك، والضيعة ضيعتك، وكلّ ما تأتيه في أمرها فموقعه يحسن منّي، وشكري يتضاعف عليه، وخطابا في هذا المعنى، وكانت هذه المخاطبة لا يخاطب بها إلا صاحب مصر أو فارس، فقلت: قد ابتاع ضيعة بأحد الموضعين؛ ثم أصلح الكتاب فقال: عنونه إلى الرخّجي، وكان يتقلّد النهروان الأوسط. ثم رمى إليّ كتابا لصاحب بريد فقال: وقّع عليه: أنت أعزّك الله تقف على ما تضمّنه هذا الكتاب، ولئن كان ما تضمنه حقا لأفعلنّ ولأصنعنّ، وخطابا أغلظ فيه، ثم قال عنونه إلى الرخّجي، فعجبت من الكتابين، وفطن لما في نفسي فقال: أظنّك قد أنكرت الخطابين، هذه ثناءتي خدمتها، وهذا حقّ سلطاني استوفيته.
[١١٥٩]- قال عليّ بن مخلد: كنت واقفا على رأس المنصور وأنا
_________________
(١) التاج: ٩٢.
(٢) نثر الدر ٥: ٤ والبصائر ٣/أ: ١٩٤- ١٩٦.
[ ١ / ٤٥١ ]
غلام، فما رأيت ملكا ولا سوقة كان أفسح منه أخلاقا، ولا أقلّ ضربا وشتما لملك يمين، وكان ربّما دعا الغلام من غلمانه لبعض ما يحتاج إليه فيسمع نداءه فلا يجيبه، قال: فسمعته يوما يقول للربيع: ما أدري كيف أصلح غلماني وخدمي؟
أصوّت للواحد منهم أصواتا فلا يجيبني وأنا أعلم أنه قد سمع. قال: يا أمير المؤمنين، لنت لهم غاية اللين فلو غلظت عليهم بعض الغلظة استقاموا. فقال:
ابغني سوطا ومسمارا، فأتاه بهما فعلّق السوط تجاه مجلسه فكان إذا صاح بالخادم وافاه عشرون في لحظة، فقال: قاتل الله القائل: [من الكامل المجزوء] .
العبد يقرع بالعصا والحرّ تكفيه الملامه
[١١٦٠]- قال الفضل بن يحيى لرجل استبطأ عدة الرشيد، وكان من أهل بيته: إنما شغل عنك أمير المؤمنين حقوق أهل الطاعة دونك، ولو فرغ منهم إليك لم يؤثر من دونك عليك، فقام أبوه يحيى فقبل رأسه.
[١١٦١]- كان المعتضد بالله من ساسة الخلفاء وذوي التدبير، وسمّي السفاح الثاني لأنه جدّد الدولة العباسية بعد دروسها، ولي بعد المعتمد عمّه وكان مستضعفا حتى أنه طلب ما يراعي به مغنّية عنده، فلم يعط وقصرت يده عنه فقال: [من الوافر] .
أليس من العجائب أنّ مثلي يرى ما قلّ ممتنعا عليه
وتؤخذ باسمه الدنيا جميعا وما من ذاك شيء في يديه
وكان تؤخذ جواريه غصبا فلا يقدر على الامتناع وليس هذا موضع أخباره. فلما ولي المعتضد لم يجد في بيت المال غير سبعة وعشرين درهما زائفة،
_________________
(١) تولى الخلافة (٢٧٩- ٢٨٩)، وقارن ما ذكره هنا بما في تاريخ الخلفاء: ٣٩٩ وخلاصة الذهب المسبوك: ٢٣٥ وابن الكازروني: ١٦٤- ١٦٥ وابن العمراني: ١٤٠، وبيتا المعتمد في تاريخ الخلفاء: ٣٩٤.
[ ١ / ٤٥٢ ]
ووجد الدنيا خرابا فعمرها بالعدل، حتى صار دخل المملكة يزيد على الخرج في كلّ سنة ألف ألف دينار، بعد الخرج والنفقات على التمام والكمال، واستيفاء الجيوش وسائر المرتزقة جاريهم على الإدرار من غير مطالبة او إذكار بسببه، وكان هذا الفاضل في بيت مال الخاصّة لا ينفق منه شيء البتة، ولا يحتاج إليه في وجه من الوجوه، وأخّر النوروز إلى أحد عشر يوما من حزيران حيث تتكامل جميع الغلّات الشتوية والثمار، فيأخذ الخراج في أوانه من غير إضرار بتقديمه، وأمر بالزيادة في المسجد الجامع بمدينة أبي جعفر، وأمر بتسهيل عقبة حلوان وقال: هذا طريق الملك. فسهّلت إلى الموضع المعروف بدهليزان، وأنفق عليها عشرون ألف دينار، وأمر بردّ المواريث على ذوي الأرحام، ولما أراد بناء قصره بالشمّاسية بأعلى بغداد، استزاد في الذّرع بعد أن فرغ من تقدير جميع ما أراده للقصر، فسئل عما يريد ذلك له، فذكر أنه يريده ليبني فيه دورا ومساكن ومقاصير، يرتّب في كلّ موضع منها رؤساء كلّ صناعة ومذهب، من كلّ مذاهب العلوم النظريّة والعملية، ويجري عليه الأرزاق السنيّة، ليقصد كلّ من اختار علما أو صناعة رئيس ما يختاره فيأخذ عنه. ولو مدّ له في العمر حتى يفعل هذا، لظهر فضل هذه الأمة على سائر الأمم، ولكن حالت المنية دون الأمنية، ولله أمر هو بالغه وهو أعرف بمصالح عباده.
[١١٦٢]- وكان عبيد الله بن سليمان بن وهب وزير المعتضد من العقلاء ورجال التدبير. قال علي بن عيسى بن داود بن الجراح: دخلنا إليه لما فتح هو وبدر المشرق، وفتح المعتضد والقاسم بن عبيد الله معه ديار بكر، وذلك في آخر سنة ستّ وثمانين ومائتين، وكنت أنا وعمّي محمّد بن داود والقاسم، فجعل القاسم ونحن بعده نهنّىء عبيد الله باستمرار الصلاح في جميع البلاد، وسكون النفوس، وسقوط جميع الأعداء في أقطار المملكة، قال: وعبيد الله يسمع وهو مطرق، ثم رفع طرفه وجعل ينظر إلى ابنه القاسم نظر متعجب، ثم
[ ١ / ٤٥٣ ]
قال: الساعة والله يا بنيّ وقعنا نحن في الشّغل والخوف، لأنّ عادة هؤلاء القوم، يعني الخلفاء، إذا خلص لهم الملك وانتظم، الفكر في أقرب الناس منهم والإقدام على الإيقاع بهم وهم الوزراء، وحقّ الوزير أبدا أن يشغل قلب سلطانه بالشيء بعد الشيء يلقيه إليه مما يحذره ويخشى سوء عاقبته، فتدعوه الضرورة عند ذلك إلى اتصال الفكر فيه والاعتماد على وزيره في تلافيه، فإذا خلا من ذلك صرف همّه وفكره إلى الأقرب فالأقرب منه، فلم تؤمن بادرته ولم يسلم من معرّته وتغيير أمره وملالته، إما ضجرا باتصال خدمته وطول معاملته، وإما طمعا في ماله وحاله وشرها إلى نعمته. قال: فورد على القاسم من قول أبيه وعلينا ما علمنا أنّه قال الحقّ، مع ممارسته للأمور، وما شوهد ونقل من الأخبار في ذلك.
[١١٦٣]- وقال المحسّن بن علي بن محمد بن الفرات، قال لي أبي: يا بنيّ إن خدمت هؤلاء الخلفاء، فلا تترك حالا تقدر عليها في إزعاجهم وإرهابهم إلّا اجتلبتها وأوردت خبرها عليهم، حتى يكون قلب من تخدمه أبدا مشغولا منخوبا غير مفكر فيك، فإنه إذا فرغ قلبه مما يتخوّفه عاد بالمكروه عليك وانصرف به إليك ولم يفكّر إلا فيك.
[١١٦٤]- لما أسرف الحجاج في القتل بالعراق وإعطاء أصحابه الأموال، كتب إليه عبد الملك بن مروان: أما بعد فقد بلغني سرفك في الدماء وتبذير الأموال، ولا أحتمل هاتين لأحد من الناس، وقد حكمت عليك في الدّم بالقود في العمد، والدّية في الخطأ، وأن تردّ الأموال إلى مواضعها، فإنما المال مال الله ونحن أمناؤه، وسيّان منع حقّ وإعطاء باطل، فلا يؤمّننك إلا الطاعة ولا يخيفنّك إلا المعصية، وكتب في أسفل كتابه: [من الطويل] .
_________________
(١) مروج الذهب ٣: ٣٤١- ٣٤٢ ووفيات الاعيان ٢: ٣٥ والمستطرف ١: ٥٢.
[ ١ / ٤٥٤ ]
إذا أنت لم تترك أمورا كرهتها وتطلب رضائي بالذي أنت طالبه
وتخشى الذي يخشاه مثلك هاربا إلى الله منه ضيّع الدرّ حالبه
وإن تر منّي غفلة قرشيّة فيا ربّما قد غصّ بالماء شاربه
وإن تر منّي وثبة أمويّة فهذا وهذا كلّه أنا صاحبه
فلا تعد ما يأتيك مني، فإن تعد تقم فاعلمن يوما عليك نوادبه
[١١٦٥]- ومن الآراء السديدة ما فعله أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات بعد فتنة ابن المعتز فإن ابن المعتز لما تفرّق أصحابه وهلك، واستقام الأمر للمقتدر في ملكه استوزر أبا الحسن ابن الفرات فظفر بصندوقين عظيمين فيهما جرائد بأسماء من بايع ابن المعتز فلم يفتحهما ولا قرأ الجرائد، ودعا بنار عظيمة، وألقى الصندوقين فيها وقال: لا حاجة بنا إلى الوقوف على ما فيها فتفسد نية أمير المؤمنين في [كلّ] أوليائه، ويستشعرون هم الخوف منه، وقد عفا أمير المؤمنين عن كل من كان له في أمر ابن المعتز فعل أو قول. واقتدى في هذا الفعل بأخيه أبي العباس ابن الفرات.
[١١٦٦]- وكان عبيد الله بن سليمان وزير المعتضد لما عاد من الجبل حضر عنده أبو العباس فسلّم إليه أضابير وقال له: يا أبا العباس سعايات وصلت إلينا بالجبل من أسبابك ووكلائك وأصحابك، فقف عليها لتعرف وليّك منهم وناصحك من عدوّك والغاشّ لك، فابتدا أخوه أبو الحسن يقرأها، فجذبها أبو العباس من يده ومنعه من قراءتها وقال: لا حاجة بي إلى الوقوف عليها، ولست أقابل نعمة الله في التفات الوزير إليّ ورأيه فيّ وحراسته إياي بفساد نيّتي في أسبابي وأصحابي ومقابلتهم على فعلهم. وفعل أبي الحسن هذا
_________________
(١) تجارب الأمم ١: ١٣- ١٤ والأذكياء: ٤٧- ٤٨.
(٢) كتاب الوزراء: ٨٣ وتحفة الوزراء: ١٥٥.
[ ١ / ٤٥٥ ]
مجرّد سياسة ونظر للملك، وفعل أبي العباس مع أنه ما خلا من سياسة وأدب فهو بكرم الأخلاق أليق وأولى.
[١١٦٧]- ومن صائب الرأي ما كان يفعله أبو محمد الحسن بن محمد المهلبي فإن صاحبه معزّ الدولة أبا الحسين أحمد بن بويه، كان حديدا سريع الغضب بذيء اللسان يشتم وزراءه ويسبّهم، وكان المهلبيّ مع فضله وعلمه وكمال مروءته وأدبه، يصبر من ذلك على ما لا يصبر عليه أحد، ولا ينكسر لما يبدو منه في حقّه. فقيل له: لو أظهرت الانخزال والانكسار لكان أصلح لئلا يظنّ بك تهاونا بأمره. فقال: ليس يخفى عليّ ذلك، ولكنّ هذا الأمير خرق عجول لا يملك لسانه، فإن ذهبت أظهر الاستيحاش من هذيانه، وقع له أني قد تنكّرت له وأنّي لا أناصحه، ولعله يتّهمني بما لا يدور في فكري فيكون سببا لجائحة ونكبة، وليس له غير التغافل والتبسّم في وجهه إذا أمكن، فإن لم يمكن ذلك خوفا من غضبه فليس إلا قلة الفكر فيه.
[١١٦٨]- ذكر أنّ فاطمة بنت الحسين بن علي ﵉ أعطت ولدها من الحسن بن الحسن ما ورثته منه، وأعطت ولدها من عبد الله بن عمرو بن عثمان موروثها منه، فوجد ولد الحسن بن الحسن في أنفسهم، لأن ما ورثت من عبد الله بن عمرو كان أكثر، فقالت: يا بنيّ، إني كرهت أن يرى أحدكم شيئا من مال أبيه بيد أخيه فيجد من ذلك في نفسه فلذلك فعلت ما فعلت.
[١١٦٩]- وكان عضد الدولة أبو شجاع فنّاخسرو بن الحسن بن بويه من ساسة الملوك، وله في ذلك أخبار مشهورة وأفعال مستحسنة، ولما ملك
_________________
(١) تجارب الامم ٢: ١٤٦.
(٢) تجارب الامم ٢: ٤٠٤.
[ ١ / ٤٥٦ ]
بغداد والعراق وجدها خرابا، والأسواق بعضها تلول بالحريق، والجوامع خراب، فبدأ بعمارتها وعمارة الأسواق، وألزم أرباب العقار بالعمارة، فمن قصّرت قدرته عن النفقة اقترض من بيت المال ما ينفقه عليها وذلك في الأسواق والدور، وكان ببغداد أنهار كثيرة فيها مرفق للمحالّ البعيدة عن دجلة قد انقطعت ودرست فابتدأ بحفرها مثل نهر العبارة ونهر مسجد الأنباريين ونهر البزازين ونهر الدجاج ونهر طابق ونهر القلائين ومسراها إلى دجلة والصراة ونهر اشتقّ من دجيل إلى الحربية وعمر القناطر ورتّب أمر الجسر وجعل له الدرابزينات تحفظ من يجتاز به ووكّل به الحفظة واستقصى في عمارة السواد، وعمر طريق مكة ورفع الجباية عنها، وأطلق الصدقات والصلات لسائر طبقات الناس من المسلمين، ثم تجاوز ذلك إلى الذمة.
٣٠ ١ التذكرة
[ ١ / ٤٥٧ ]