[٣٢٣]- قال الحسن البصري: لا تخرج نفس ابن آدم من الدنيا إلا بحسرات ثلاث: أنه لم يتمتع بما جمع، ولم يدرك ما أمّل، ولم يحسن الزاد لما قدم عليه.
[٣٢٤]- كتب سفيان الثوري إلى أخ له: واحذر حبّ المنزلة فإن الزهادة فيها أشدّ من الزهادة «١» في الدنيا.
[٣٢٥]- وقيل لسفيان: أيكون الرجل زاهدا ويكون له المال؟ قال:
نعم إن كان إذا ابتلي صبر وإذا أعطي شكر.
[٣٢٦]- أتى رجل بعض الزهاد، فقال له الزاهد: ما جاء بك؟
قال: بلغني زهدك، قال: أفلا أدلك على من هو أزهد مني؟ قال: من هو؟ قال: أنت، قال: وكيف ذاك، قال: لأنك زهدت في الجنة وما أعدّ الله فيها، وزهدت أنا في الدنيا على فنائها وذمّ الله إياها، فأنت أزهد مني.
_________________
(١) حلية الأولياء ٦: ٣٨٧ وقارن بربيع الأبرار ١: ٨٢٩ «اياك وطلب المحمدة الى الناس وحبها فإن الزهد فيها أشد من الزهد في الدنيا» .
(٢) حلية الأولياء ٦: ٣٨٧- ٣٨٨.
(٣) عين الأدب: ١٩٧ وقارن بنثر الدر ٢: ١٧٢، ٧: ٦٥ (رقم: ٢٩) والبصائر ٤: ١٨٨.
[ ١ / ١٤٩ ]
[٣٢٧]- لما «١» ولي عمر بن عبد العزيز الخلافة بدأ بلحمته وأهل بيته وأخذ ما كان في أيديهم فسمّى أعمالهم المظالم، ففزعت بنو أمية إلى عمّته فاطمة بنت مروان، فأرسلت إليه: إنه قد عناني أمر لا بدّ من لقائك فيه، فأتته ليلا فأنزلها عن دابتها، فلما أخذت مجلسها قالت: تكلّم يا أمير المؤمنين، فقال:
إنّ الله ﵎ بعث محمدا ﷺ رحمة، ولم يبعثه عذابا إلى الناس كافّة، ثم اختار له ما عنده فقبضه اليه، وترك لهم نهرا شربهم فيه شربا، ثم قام أبو بكر رضوان الله عليه فترك النهر على حاله، ثم قام عمر فعمل على أمر صاحبه، فلما ولي عثمان اشتقّ من ذلك النهر نهرا، ثم ولي معاوية فاشتقّ الأنهار، ثم لم يزل ذلك النهر يشتقّ منه يزيد ومروان وعبد الملك والوليد وسليمان، حتى أفضى الأمر إليّ، وقد يبس النهر الأعظم، ولن تري أصحاب النهر حتى يعود النهر الأعظم إلى ما كان عليه. فقالت له: قد أردت كلامك ومذاكرتك، فأما إذا كانت هذه مقالتك فلست بذاكرة لك شيئا، ورجعت إلى بني أمية فقالت:
ذوقوا مغبة أمركم في تزويجكم إلى عمر بن الخطاب. وأمّ عمر بن عبد العزيز أمّ عاصم بنت [عاصم بن] عمر بن الخطاب.
[٣٢٨]- ولما حضرت عمر بن عبد العزيز الوفاة جمع ولده حوله، فلما رآهم استعبر ثم قال: بأبي وأمي من خلّفتهم بعدي فقراء، فقال له مسلمة بن عبد الملك: يا أمير المؤمنين فتعقّب فعلك وأغنهم فما يمنعك أحد في حياتك ولا
_________________
(١) قارن بصفة الصفوة ٢: ٦٩- ٧٠ وطبقات ابن سعد ٥: ٣٧٣ وبسيرة عمر (ابن كثير):
(٢) ١٠٩ وشرح النهج ١٧: ١٠٣- ١٠٤ وربيع الأبرار: ٢٤٥/أوالمستطرف ١: ١٠٢.
(٣) قارن بصفة الصفوة ٢: ٧١.
[ ١ / ١٥٠ ]
يرتجعه الوالي بعدك، فنظر إليه نظر مغضب متعجّب ثم قال: يا مسلمة منعتهم إياه في حياتي وأشقى به بعد وفاتي؟! إن ولدي بين رجلين: إما مطيع لله فالله تعالى مصلح شأنه ورازقه ما يكفيه، أو عاص له فما كنت لأعينه على معصية؛ يا مسلمة إني حضرت أباك حين دفن فحملتني عيني عند قبره فرأيته قد أفضى إلى أمر من الله ﷿ هالني وراعني، فعاهدت الله أني لا أعمل مثل عمله إن وليت، وقد اجتهدت في ذلك طول حياتي، وأرجو أن أفضي إلى [عفو من] الله وغفران. قال مسلمة: فلما دفن حضرت دفنه، فلما فرغ من شأنه حملتني عيني فرأيته فيما يرى النائم وهو في روضة خضراء فيحاء وأنهار مطّردة، وعليه ثياب بيض، فأقبل عليّ وقال: يا مسلمة، لمثل هذا فليعمل العاملون، هذا أو نحوه.
[٣٢٩]- وكتب إليه الحسن البصري لما استخلف: من الحسن البصري إلى عمر بن عبد العزيز- فقيل له: إن الرجل قد ولي وتغيّر فقال: لو أعلم أن غير ذلك أحبّ إليه لاتبعت محبّته- أما بعد فكأنك بالدنيا لم تكن، وكأنك بالآخرة لم تزل. قال: فمضى الرسول بالكتاب إليه، فإنه لعنده يتوقّع الجواب إذ خرج يوما غير جمعة حتى صعد المنبر واجتمع الناس، فلما كثروا قام فحمد الله وأثني عليه ثم قال: أيها الناس، إنكم في أسلاب الماضين، وسيرثكم الباقون، حتى نصير إلى خير الوارثين، كلّ يوم تجهّزون غاديا إلى الله ورائحا، وقد حضر أجله وطوي عمله، وعاين الحساب، وخلع الأسلاب، وسكن التراب، ثم يدعونه غير موسّد ولا ممهّد، ثم وضع يديه على وجهه فبكى مليا، ثم رفعهما فقال: أيها الناس من وصل إلينا بحاجة لم نأله خيرا، ومن عجز فو الله لوددت أنه وآل عمر في العجز سواء؛ قال: ثم نزل فكتب إلى الحسن: أما بعد فكأنك بآخر من كتب عليه الموت قد مات، والسلام.
[ ١ / ١٥١ ]
[٣٣٠]- قال المعروف بجسر «١» القصاب: كنت أجلب الغنم في خلافة عمر بن عبد العزيز فمررت براع وفي غنمه نحو من ثلاثين ذئبا، فحسبتها كلابا، ولم أكن رأيت الذئاب قبل ذلك، فقلت: يا راعي، ما ترجو بهذه الكلاب كلّها؟ فقال: يا بنيّ، إنها ليست كلابا إنما هي ذئاب، فقلت:
سبحان الله ذئب في غنم لا يضرها؟ فقال: يا بنيّ إذا صلح الرأس، فليس على الجسد بأس.
[٣٣١]- وخطب عمر بن عبد العزيز بالشام على منبر من طين، فحمد الله وأثنى عليه ثم تكلم بثلاث كلمات فقال: أيها الناس أصلحوا سرائركم تصلح علانيتكم، واعملوا لآخرتكم تكفوا أمر دنياكم، واعلموا أن رجلا ليس بينه وبين آدم أب حيّ لمعرق في الموت، والسلام عليكم.
[٣٣٢]- ولما مات عبد الملك ابنه جعل عمر يثني عليه «٢» فقال له مسلمة: يا أمير المؤمنين، لو بقي كنت تعهد إليه؟ قال: لا، قال: ولم أنت تثني عليه؟ قال: أخاف أن يكون زيّن في عيني [منه] ما زيّن في عين الوالد من ولده.
[٣٣٣]- وروي أنّ مولى لعمر قال له، وقد رجع من جنازة سليمان:
مالي أراك مغتما؟ قال: مثل ما أنا فيه يغتمّ له، ليس أحد من أمة محمد ﷺ في شرق الأرض وغربها إلا وأنا أريد أن أؤدي إليه حقّه غير كاتب إليّ فيه
_________________
(١) حلية الأولياء ٥: ٢٥٥ وقارن بما في طبقات ابن سعد ٥: ٣٨٧.
(٢) حلية الأولياء ٥: ٢٦٥ وطبقات ابن سعد ٥: ٣٩٨ وبعضه في حلية الأولياء ٥: ٢٩٨ وانظر غرر الخصائص: ١١٥.
(٣) حلية الأولياء ٥: ٢٦٧ وزهد ابن حنبل: ٣٠١.
(٤) حلية الأولياء ٥: ٢٨٩ وصفة الصفوة ٢: ٦٦ وزهد ابن حنبل: ٢٩٢.
[ ١ / ١٥٢ ]
ولا طالبه مني.
[٣٣٤]- وقال عمر لرجل من جلسائه: لقد أرقت الليلة تفكرا، قال:
فيم يا أمير المؤمنين؟ قال: في القبر وساكنه، إنك لو رأيت الميت بعد ثالثة «١» في قبره لا ستوحشت من قربه بعد طول الأنس منك بناحيته، ولرأيت بيتا تجول فيه الهوامّ ويجري فيه الصديد وتخترقه الديدان، مع تغيّر الريح وبلى الأكفان، بعد حسن الهيئة وطيب الريح ونقاء الثوب، ثم شهق شهقة وخرّ مغشيا عليه، فقالت فاطمة: يا مزاحم، ويحك أخرج هذا الرجل عنّا فلقد نغّص على أمير المؤمنين الحياة منذ ولي، فليته لم يكن، فخرج الرجل، فجاءت فاطمة تصبّ على وجهه الماء وتبكي حتى أفاق من غشيته، فرآها تبكي فقال: ما يبكيك يا فاطمة؟ قالت: يا أمير المؤمنين، رأيت مصرعك بين أيدينا فذكرت به مصرعك بين يدي الله ﷿ للموت وتخلّيك من الدنيا وفراقك لنا، فذاك الذي أبكاني. قال: حسبك يا فاطمة فلقد أبلغت، ثم مال ليسقط فضمّته إليها وقالت: بأبي أنت يا أمير المؤمنين ما نستطيع أن نكلمك بكلّ ما نجد لك في قلوبنا، فلم يزل على حاله تلك حتى حضرته الصلاة فصبّت على وجهه ماء ثم نادته: الصلاة يا أمير المؤمنين، فأفاق فزعا.
[٣٣٥]- وكتب عمر بن عبد العزيز إلى أهل الموسم: أما بعد فإني أشهد الله وأبرأ إليه في الشهر الحرام والبلد الحرام ويوم الحجّ الأكبر أني بريء من ظلم من ظلمكم، وعدوان من اعتدى عليكم، أن أكون أمرت بذلك أو رضيته أو
_________________
(١) - حلية الأولياء ٥: ٢٦٨- ٢٦٩ وسيرة عمر (ابن كثير): ٨٢- ٨٣ وسيرة عمر (ابن الجوزي): ١٨٧.
(٢) حلية الأولياء ٥: ٢٩٢- ٢٩٣.
[ ١ / ١٥٣ ]
تعمدته، إلا أن يكون وهما مني، أو أمرا خفي عليّ لم أتعمده، وأرجو أن يكون ذلك موضوعا عنّي مغفورا لي إذا علم مني الحرص والاجتهاد. ألا وإنه لا إذن على مظلوم دوني، وأنا معوّل كلّ مظلوم، ألا وأيّ عامل من عمالي رغب عن الحقّ ولم يعمل بالكتاب والسنة فلا طاعة له عليكم، وقد صيّرت أمره إليكم حتى يراجع الحقّ وهو ذميم. ألا وإنه لا دولة بين أغنيائكم ولا أثرة على فقرائكم في شيء من فيئكم، ألا وأيّما وارد ورد في أمر يصلح الله به خاصّا أو عاما من «١» هذا الدين فله بين مائة دينار إلى ثلاثمائة دينار على قدر ما نوى من الحسنة وتجشّم من المشقة. رحم الله امرءا لم يتعاظمه سفر يحيي الله «٢» به حقا لمن وراءه. لولا أن أشغلكم عن مناسككم لرسمت لكم أمورا من الحقّ أحياها الله، وأمورا من الباطل أماتها الله عنكم، وكان الله هو المتوحد بذلك فلا تحمدوا غيره، فإنه لو وكلني إلى نفسي كنت كغيري، والسلام.
[٣٣٦]- وقال عمر: ما أحبّ أن يخفّف عني الموت لأنه آخر ما يؤجر المسلم عليه.
[٣٣٧]- وقال رجاء بن حيوة: قوّمت ثياب عمر بن عبد العزيز وهو خليفة اثنا عشر درهما، فذكر قميصه ورداءه وقباءه وسراويله وعمامته وقلنسوته وخفّيه.
[٣٣٨]- وقيل إنه كان في إمارته على المدينة إذا غسل ثيابه أعطي غاسلها دراهم ممن يغسل ثيابه بعدها من كثرة الطّيب، وكان يلبس الرقيق من الثياب
_________________
(١) حلية الأولياء ٥: ٣١٧.
(٢) حلية الأولياء ٥: ٣٢٣، ومحاضرات الراغب ٢: ٣٦٦ وصفة الصفوة ٢: ٦٧ وشرح النهج ١١: ١٩٧ وألف باء ١: ٤٤٩ وسيرة عمر (ابن الجوزي) ٧٥، ٨٥ والشفا: ٨٦.
(٣) نثر الدر ٢: ١١٨ والبصائر ٢: ٦٠٣.
[ ١ / ١٥٤ ]
ويبالغ في أثمانها.
[٣٣٩]- وقال عمر لجلسائه: أخبروني بأحمق الناس؟ قالوا: رجل باع آخرته بدنياه، فقال: ألا أنبئكم بأحمق منه؟ قالوا: بلى، قال: رجل باع آخرته بدنيا غيره.
[٣٤٠]- وروي «١» أنه أتي بعنبرة من اليمن، فوضع يده على أنفه بثوبه.
فقال له مزاحم: إنما هو ريحها يا أمير المؤمنين، قال: ويحك يا مزاحم، وهل ينتفع من الطّيب إلا بريحه، (وإنما اقتدى في ذلك بعمر بن الخطاب ﵁ لما حمل إليه الكافور من فتح العراق، فإنه فعل مثل هذا الفعل فيه، وقال مثل هذه المقالة) .
[٣٤١]- ولما كانت الصرعة التي هلك فيها عمر بن عبد العزيز دخل عليه مسلمة بن عبد الملك فقال: يا أمير المؤمنين، إنك أقفرت أفواه ولدك من هذا المال، فتركتهم عيلى لا شيء لهم. فلو «٢» أوصيت بهم إليّ أو إلى نظرائي من أهل بيتك، فقال: أسندوني، ثم قال: أما قولك إنّي أقفرت أفواه ولدي من هذا المال، فإني والله ما منعتهم حقا هو لهم، ولم أعطهم ما ليس لهم، وأما قولك لو أوصيت بهم إليّ أو إلى نظرائي من أهل بيتي، فإن وصيي وولييّ فيهم
_________________
(١) حلية الأولياء ٥: ٣٢٥ وشرح النهج ١٨: ٣٢٩ وقارن بالايجاز والاعجاز: ٢٧ حيث أورد القول منسوبا للحاكم وزير نوح بن نصر.
(٢) حلية الأولياء ٥: ٣٢٦ وقارن بطبقات ابن سعد ٥: ٣٦٨ وبسيرة عمر (ابن عبد الحكم): ٤٠ ومطالع البدور ١: ٦٢.
(٣) نثر الدر ٢: ١٢٨ وحلية الأولياء ٥: ٣٣٣ وصفة الصفوة ٢: ٧١ وسيرة عمر (ابن عبد الحكم): ٩٧- ٩٨ وألف باء ١: ٤٥٨ وقارن برقم: ٣٢٨ في ما تقدّم.
[ ١ / ١٥٥ ]
اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ
(الأعراف: ١٩٦) .
بنيّ أحد رجلين إما رجل يتقي الله فسيجعل الله له مخرجا، وإما رجل مكبّ على المعاصي فإني لم أكن لأقوّيه على معصية الله. ثم بعث إليهم وهم بضعة عشر ذكرا، قال: فنظر إليهم فذرفت عيناه فبكى ثم قال: بنفسي الفتية الذين تركتهم عيلى لا شيء لهم، بل بحمد الله قد تركتهم بخير، أي بنيّ إنكم لن تلقوا أحدا من العرب ولا من المعاهدين «١» إلا أنّ لكم عليه حقا، أي بنيّ إن أباكم ميّل «٢» بين أمرين: بين أن تستغنوا ويدخل أبوكم النار، أو تفتقروا ويدخل أبوكم الجنة، فكان أن تفتقروا ويدخل أبوكم الجنة أحبّ إليه من أن تستغنوا ويدخل النار؛ قوموا عصمكم الله.
[٣٤٢]- لما حضرت عبد الله بن شداد الوفاة دعا ابنه محمدا فأوصاه وقال: يا بني إني أرى داعي الموت «٣» لا يقلع، وبحقّ إنّ من مضى لا يرجع، ومن بقي فإليه ينزع، يا بنيّ: ليكن أولى الأمور بك تقوى الله في السرّ والعلانية والشكر لله وصدق الحديث والنيّة، فإن الشكر مزيد والتقوى خير زاد، كما قال الحطيئة: [من الوافر] .
ولست أرى السعادة جمع مال ولكنّ التقيّ هو السعيد
وتقوى الله خير الزاد ذخرا وعند الله للأتقى مزيد
«٤»
_________________
(١) البيان والتبيين ٢: ١١٣- ١١٤، ٢٦٢ والعقد ٣: ١٨٦ وأمالي القالي ٢: ٢٠٢ وأنس المحزون: ٦/أوالأغاني ٢: ١٤٦ ولباب الآداب: ٢٢ والحماسة البصرية ٢: ٦٧ وديوان الحطيئة: ٣٩٣ (وهي ملحقة بديوانه) وورد البيتان الأول والثاني في الحماسة البصرية ٢: ٤٢٤ وهما منسوبان لعبد الله بن المخارق نابغة بني شيبان وكذلك في حماسة البحتري: ١٥٩ وهما من قصيدة طويلة في ديوانه: ٣٥.
[ ١ / ١٥٦ ]
وما لا بدّ أن يأتي قريب ولكن الذي يمضي بعيد
[٣٤٣]- وقال بعضهم: الايام ثلاثة فأمس حكيم مؤدّب أبقى فيك موعظة وترك فيك عبرة، واليوم ضيف كان عنك طويل الغيبة وهو عنك سريع الظعن، وغدا لا تدري من صاحبه.
[٣٤٤]- وأنشد الرياشي: [من البسيط] .
حتّى متى نحن في الأيام نحسبها وإنما نحن فيها بين يومين
يوم تولّى ويوم نحن نأمله لعله أجلب الأيام للحين
[٣٤٥]- وقال الأقرع بن معاذ: [من الطويل] .
وقد هوّن الدنيا عليّ وأهلها منازل قد بادت وبادت قرونها
وأني أراني للمنايا رهينة وأنّ المنايا لا يفكّ رهينها
[٣٤٦]- وقال أيضا: [من الطويل] .
بكت أمّ بكر أن تشتّت شملها وأن أصبحوا منهم شعوب وهالك
فقالت كذاك الناس ماض ولابث وباك قليلا شجوه ثم ضاحك
فإمّا تريني اليوم حيّا فإنني على قتب من غارب الموت وارك
[٣٤٧]- قال خالد بن صفوان بن الأهتم: أوفدني يوسف بن عمر إلى
_________________
(١) بهجة المجالس ٢: ٣٣٠ وحلية الأولياء ٧: ٣٠٥ والنمر والثعلب: ١١٠ (٧١) وقارن بما قاله سفيان الثوري (حلية الأولياء ٧: ٢٨٧) .
(٢) الأقرع بن معاذ: اسمه الأشيم بن معاذ القشيري وقيل اسمه معاذ بن كليب، كان في أيام هشام ابن عبد الملك، وكان يناقض جعفر بن علبة الحارثي اللص (معجم المرزباني: ٢٩١) .
(٣) الذهب المسبوك: ١٨٣- ١٨٦ وعيون الأخبار ٢: ٣٤١ والأغاني ٢: ١٣٦ والامامة
[ ١ / ١٥٧ ]
هشام بن عبد الملك في وفد أهل العراق، قال: فقدمت عليه، وقد خرج بقرابته وحشمه وحاشيته وجلسائه فنزل في أرض قاع صحصح، في عام قد بكّر وسميّه وتتابع وليّه، وأخذت الأرض زينتها، فهي في أحسن منظر، قال:
وقد ضرب له سرادق من حبر كان يوسف بن عمر صنعه له باليمن، فيه فسطاط فيه أربعة أفرشة من خزّ أحمر، مثلها مرافقها، وعليه درّاعة من خزّ أحمر مثلها عمامتها، وقد أخذ الناس مجالسهم، قال فأخرجت رأسي من ناحية السمّاط، فنظر إليّ شبه المستنطق لي، فقلت: أتمّ الله نعمه عليك يا أمير المؤمنين، وجعل ما قلّدك من هذا الأمر رشدا، وعاقبة ما يؤول إليه حمدا، أخلصه الله لك بالتقى وكثّره لك بالنماء، ولا كدّر عليك ما صفا، ولا خالط سرورك الأذى، فلقد أصبحت للمؤمنين ثقة [ومستراحا]- إليك يقصدون في مظالمهم ويفزعون في أمورهم، وما أجد شيئا هو يا أمير المؤمنين أبلغ من حديث من سلف قبلك من الملوك، فإن أذن أمير المؤمنين أخبرته به، قال: فاستوى جالسا وكان متكئا ثم قال: هات يا ابن الأهتم، قلت: يا أمير المؤمنين، إنّ ملكا من الملوك قبلك خرج في عام مثل عامك هذا إلى الخورنق والسّدير، وكان قد أعطي فتاء السنّ مع الكثرة والغلبة والقهر، فنظر فأبعد النظر، ثم قال لجلسائه: هل رأيتم مثل ما أنا فيه وهل أعطي مثل ما أعطيت؟ قال: وعنده رجل من بقايا حملة الحجّة والمضيّ على أدب الحقّ ومنهاجه، قال: ولم تخل الأرض من قائم لله ﷿ بحجّة في عباده، فقال: أيها الملك إنك قد سألت عن أمر، أفتأذن في الجواب عنه؟ قال: نعم، قال: أرأيت الذي أنت فيه أشيء لم تزل فيه أم شيء صار إليك؟ قال: كذلك هو، قال: فلا أراك إلا أعجبت بشيء يسير تكون فيه قليلا وتغيب عنه طويلا، وتكون غدا بحسابه
_________________
(١) والسياسة ٢: ١٠٥ ومعجم الأدباء ١١: ٢٨- ٣٤ والمصباح المضيء ٢: ١١٠ وقصيدة عدي بن زيد في ربيع الأبرار ١: ٥٩٦- ٥٩٨ وعيون الأخبار ٣: ١١٥ والشريشي ٣:
(٢) ٣٩٤ ومنها عشرة أبيات في العقد ٣: ١٩١ وديوان عدي: ٨٤ (وفيه تخريج كثير) .
[ ١ / ١٥٨ ]
مرتهنا، قال: ويلك فأين المهرب وأين المطلب؟ قال: إما أن تقيم في ملكك فتعمل بطاعة الله، على ما ساءك وسرّك وأمضّك وأرمضك، وإما أن تضع تاجك وتلبس أطمارك وتعبد ربّك حتى يأتيك أجلك، قال: فإذا كان السحر فاقرع عليّ بابي، فإني مختار أحد الرأيين فإن اخترت ما أنا فيه كنت وزيرا لا يعصى، وإن اخترت فلوات الأرض وقفر البلاد كنت رفيقا لا يخالف، فقرع عليه الباب عند السّحر، فإذا هو قد وضع تاجه ولبس أمساحه وتهيّأ للسياحة، فلزما والله الجبل حتى أتاهما أجلهما، وهو حيث يقول عدي بن زيد العباديّ: [من الخفيف] .
أيها الشامت المعيّر بالده ر أأنت المبرّأ الموفور
أم لديك العهد الوثيق من الأيا م بل أنت جاهل مغرور
من رأيت المنون خلّدن أم من ذا عليه من أن يضام خفير
أين كسرى، كسرى الملوك أنوشر وان، أم أين قبله سابور
وأخو الحضر إذ بناه وإذ دج لة تجبى إليه والخابور
شاده مرمرا وشيّده كل سا فللطير في ذراه وكور
لم يهبه ريب المنون فباد ال ملك منه فبابه مهجور
وتذكّر ربّ الخورنق اذ أش رف يوما وللهدى تفكير
سرّه ماله وكثرة ما يم لك والبحر معرضا والسدير
فارعوى قلبه وقال وما غب طة حيّ إلى الممات يصير
ثم بعد الفلاح والملك والإ مّة وارتهم هنالك القبور
ثم أضحوا كأنّهم ورق ج فّ فألوت به الصّبا والدّبور
قال: فبكى والله هشام حتى اخضلّت لحيته وبلّ عمامته، وأمر بنزع أبنيته ولزم قصره، فأقبلت الموالي والحشم على خالد بن صفوان وقالوا: ما أردت إلى أمير المؤمنين؟ أفسدت عليه لذته ونغّصت عليه باديته، فقال: إليكم عنّي فإنّي عاهدت الله عهدا ألا أخلو بملك إلا ذكّرته الله ﷿.
[ ١ / ١٥٩ ]
[٣٤٨] قال الحسن بن أبي الحسن البصري: المؤمن يصبح حزينا ويمسي حزينا، ولا يسعه إلا ذلك لأنه بين مخافتين: بين ذنب قد مضى لا يدري ما الله يصنع فيه، وبين أجل قد بقي لا يدري ما يصيبه فيه من المهالك.
[٣٤٩]- وقال الحسن: يحقّ لمن يعلم أن الموت مورده، وأن القيامة موعده، وأن القيام بين يدي الله مشهده، أن يطول حزنه.
[٣٥٠]- ومن كلام الحسن ﵀: وقد يدلّك على شرّ هذه الدار، أن الله زواها عن أنبيائه وأحبّائه اختبارا، وبسطها لغيرهم اعتبارا واغترارا، فيظنّ المغرور فيها والمفتون عليها أنه إنما أكرمه بها، ونسي ما صنع بمحمد ﷺ نبيه ورسوله، وبموسى المصطفى بالكرم وبمناجاة المختار له، فأمّا محمد فشدّ الحجر على بطنه من الجوع، وأما موسى الكليم فرئي خضرة البقل من صفاق بطنه من هزاله، وما سأل الله يوم أوى إلى الظلّ طعاما من جوعه، ولقد جاءت الروايات عنه أن الله أوحى إليه: أن يا موسى إذا رأيت الفقر مقبلا فقل مرحبا بشعار الصالحين، وإذا رأيت الغنى قد أقبل فقل ذنب عجّلت عقوبته.
وإن شئت ثلثت «١» بصاحب الروح والكلمة ففي أمره عجيبة، كان يقول أدمي الجوع، وشعاري الخوف، ولباسي الصوف، ودابتي رجلي، وسراجي بالليل القمر، وصلائي في الشتاء مشارق الشمس، وفاكهتي وريحاني ما أنبتت الأرض للسباع والأنعام، أبيت وليس لي شيء وليس أحد أغنى مني. ولو
_________________
(١) حلية الأولياء ٢: ١٣٢ وقوله «بين مخافتين الخ» من حديث للرسول في زهد ابن المبارك: ١٠٢ وقارن بما في كتاب الحسن البصري: ٦١ وأمالي الطوسي ١: ٢١١ (لعلي) .
(٢) حلية الأولياء ٢: ١٣٣ والبصائر ٢: ١٢٧.
(٣) حلية الأولياء ٢: ١٣٦- ١٣٨ وقارن بربيع الأبرار ٤: ٣٨٣ حيث نسب لعلي.
[ ١ / ١٦٠ ]
شئت ربّعت بسليمان بن داود فليس دونهم في العجب، كان يأكل خبز الشعير في خاصّته ويطعم أهله الخشكار ويطعم النّاس الدرمك «١»، فإذا جنّه الليل لبس المسوح وغلّ اليد إلى العنق وبات باكيا حتى يصبح، كلّ هذا منهم: يبغضون ما أبغض الله، ويصغّرون ما صغّر الله، ويزهدون فيما فيه زهّد. ثم اقتصّ الصالحون بعد منهاجهم، وأخذوا بآثارهم، وألزموا أنفسهم الذكر والعبر، وألطفوا الفكر، وصبروا في مدة الأجل القصير عن متاع الغرور، والذي إلى الفناء يصير، [ونظروا] إلى آخر الدنيا ولم ينظروا إلى أولها، ونظروا إلى باطن الدنيا ولم ينظروا إلى ظاهرها، ونظروا إلى عاقبة مرارتها ولم ينظروا إلى عاجلة حلاوتها، وأنزلوها من أنفسهم بمنزلة الميتة التي لا يحلّ الشبع منها في حال «٢» الضرورة إليها، فأكلوا منها قدر ما ردّ النفس وبقّى الروح ومكّن من النوم.
[٣٥١]- ومن كلام الحسن: لا تغتّر يا ابن آدم بقول من يقول أنت مع من أحببت، فإنه من أحبّ قوما تبع آثارهم، واعلم أنك لم «٣» تلحق بالأخيار حتى تتبع آثارهم وحتى تهتدي بهداهم «٤» وتقتدي بسنتهم، فتسلك مسلكهم، وتأخذ طريقتهم، وإنما ملاك الأمر أن تكون على استقامة. والله إنما هلك من هلك حين تشعبت بهم السبل وحادوا عن الطريق، فتركوا الآثار وقالوا في الدين برأيهم، فضلوا وأضلوا. يا ابن آدم ما رأيت اليهود والنصارى وأهل الأهواء المردية يحبّون أنبياءهم وليسوا معهم لأنهم خالفوهم في العمل والقول وسلكوا غير طريقتهم فصار موردهم إلى النار، فتعوّذ بالله من ذلك «٥» . قال الله ﷿: فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هذَا
١١ ١ التذكرة
[ ١ / ١٦١ ]
الْأَدْنى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثاقُ الْكِتابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَ
(الاعراف: ١٦٩) . وقال:
لَيْسَ بِأَمانِيِّكُمْ وَلا أَمانِيِّ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا
(النساء: ١٢٤) . وقال: وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ
(الحديد: ١٤) . وقال: وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسانِ إِلَّا ما سَعى، وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرى، ثُمَّ يُجْزاهُ الْجَزاءَ الْأَوْفى
(النجم: ٣٩- ٤١) .
[٣٥٢]- ولما ولي عمر بن هبيرة العراق أرسل إلى الحسن البصريّ وإلى الشعبيّ فأمر لهما ببيت فكانا فيه شهرا أو نحوه، ثم إن الخصيّ غدا عليهما ذات يوم فقال: إن الأمير داخل عليكما، فجاء عمر يتوكأ على عصا له، فسلّم ثم جلس معظّما لهما فقال: إن أمير المؤمنين يزيد بن عبد الملك يكتب إليّ كتبا أعلم أن في إنفاذها الهلكة، فإن أطعته عصيت الله، وإن عصيته أطعت الله، فهل ترون لي في متابعتي إياه فرجا؟ فقال الحسن: يا أبا عمرو أجب الأمير، فتكلم الشعبيّ فانحطّ في حبل ابن هبيرة، فقال: ما تقول أنت يا أبا سعيد؟
فقال: أيها الأمير قد قال الشعبي ما قد سمعت، قال: ما تقول أنت؟
قال: أقول يا عمر بن هبيرة يوشك أن ينزل بك ملك من ملائكة الله فظّ غليظ لا يعصي الله ما أمره فيخرجك من سعة قصرك إلى ضيق قبرك «١»، يا عمر ابن هبيرة إن تتّق الله يعصمك من يزيد بن عبد الملك، ولن يعصمك يزيد بن عبد الملك من الله. يا عمر بن هبيرة لا تأمن أن ينظر الله إليك على أقبح ما
_________________
(١) حلية الأولياء ٢: ١٤٩- ١٥٠ وقارن بعيون الأخبار ٢: ٣٤٣ ومجموعة ورام ١: ٨٨- ٨٩ والبيهقي ٣٤٣، ٣٤٤، والمصباح المضيء ٢: ٢١١ ومحاضرات الأبرار ١: ١١٧ وشرح النهج ١٦: ١٥٨.
[ ١ / ١٦٢ ]
تعمل في «١» طاعة يزيد بن عبد الملك نظرة مقت فيغلق بها باب المغفرة دونك؛ يا عمر بن هبيرة لقد أدركت ناسا من صدر هذه الأمة كانوا والله على الدنيا، وهي مقبلة، أشدّ إدبارا من إقبالهم عليها وهي مدبرة؛ يا عمر بن هبيرة إني أخوّفك مقاما خوّفكه الله تعالى فقال: ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ
(ابراهيم: ١٤) يا عمر ابن هبيرة إن تك مع الله في طاعته يكفك بائقة يزيد بن عبد الملك، وإن تك مع يزيد بن عبد الملك على معاصي الله يكلك الله إليه. قال: فبكى عمر وقام بعبرته. فلما كان الغد أرسل إليهما بإذنهما وجوائزهما فأكثر منه ما للحسن، وكان في جائزة الشعبي بعض الإقتار، فخرج الشعبي إلى المسجد فقال: أيها الناس من استطاع منكم أن يؤثر الله على خلقه فليفعل، فوالذي نفسي بيده ما علم الحسن شيئا جهلته ولكن أردت وجه ابن هبيرة فأقصاني الله منه.
[٣٥٣]- قال هشيم بن بشير قلت لعمرو بن عبيد: صف لي الحسن؟
فقال: كان إذا أقبل فكأنه قد جاء من دفن أمه، وكأنّ زفير جهنّم في آذانه، وكأنه قد قعد قعود الأسير يضرب عنقه.
[٣٥٤]- وقال همّام بن مطر: كان رجل أهل البصرة جابر بن زيد، فلمّا ظهر الحسن جاء رجل كأنما كان في الآخرة فهو يخبر عما رأى وعاين.
[٣٥٥]- وقال عون بن ذكوان: صلّى بنا زرارة بن أوفى صلاة الصبح
_________________
(١) البيان ٣: ١٧١ وقارن بما في ربيع الأبرار ١: ٨٠٨ وعيون الأخبار ٢: ٣٥٥- ٣٥٦ ومحاضرات الراغب ٢: ٤١٢، وهشيم بن بشير بن القاسم السلمي محدث حافظ وثقه ابن سعد وغيره وكانت وفاته سنة ١٨٣ (تهذيب التهذيب ١١: ٥٩- ٦٤) .
(٢) عيون الأخبار ٢: ٣٦٦ وطبقات ابن سعد ٧: ١٥٠ وحلية الأولياء ٢: ٢٥٨ وأخبار القضاة ١: ٢٩٤ وصفة الصفوة ٣: ٥٢ وزهد ابن حنبل: ٢٤٧ والبصائر ٢: ٢٣١؛ وعون ابن ذكوان هو أبو جناب القصاب، وهو بالكنية أعرف، وقال الدارقطني متروك، ووثقه غيره (ميزان الاعتدال ٣: ٣٠٥) .
[ ١ / ١٦٣ ]
فقرأ: يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ
حتى بلغ منها إلى قوله تعالى: فَإِذا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ
(المدّثّر: ١- ٨) خرّ ميتا.
[٣٥٦]- روي أن محمد بن سيرين ركبه دين فقال: إني لأعرف الذنب الذي حمل به عليّ الدين ما هو، قلت لرجل منذ أربعين سنة يا مفلس.
فحدّث بهذا الحديث أبو سليمان الداراني فقال: قلّت ذنوبهم فعرفوا من أين يؤتون، وكثرت ذنوبي وذنوبك فليس ندري من أين نؤتى.
[٣٥٧]- وروي أن ثابتا البناني بكى حتى كادت عينه تذهب، فجاء برجل يعالجها فقال: أعالجها على أن تطيعني. قال: على أيّ شيء؟ قال:
على أن لا تبكي. قال: فما خيرهما إن لم يبكيا؟ وأبى أن يعالج.
[٣٥٨]- اجتمع مالك بن دينار ومحمد بن واسع، فقال مالك: إني لأغبط رجلا معه دينه [له قوام من عيش راض عن ربه ﷿؛ فقال محمد ابن واسع: إني لأغبط رجلا معه دينه] «١» ليس معه شيء من الدنيا راضيا عن ربه. فانصرف القوم عنهما وهم يرون أن محمدا أقوى الرجلين.
[٣٥٩]- وقال رجل لمحمد بن واسع: أوصني، قال: أوصيك أن تكون ملكا في الدنيا والآخرة، فقال: كيف لي بذلك؟ قال: ازهد في الدنيا.
_________________
(١) حلية الأولياء ٢: ٢٧١ وصفة الصفوة ٣: ١٦٩ وربيع الأبرار ١: ٧٥٢.
(٢) حلية الأولياء ٢: ٣٢٣ وصفة الصفوة ٣: ١٨٥.
(٣) حلية الأولياء ٢: ٣٤٩.
(٤) حلية الأولياء ٢: ٣٥٠- ٣٥١ والحكمة الخالدة: ١٦٢ ومحاضرات الراغب ١: ٥١٨.
[ ١ / ١٦٤ ]
[٣٦٠]- وكان أيوب السختياني يقول: ليتّق الله رجل، وإن زهد فلا يجعلنّ زهده عذابا على الناس، فلأن يخفي الرجل زهده خير من أن يعلنه.
وكان أيوب ممن يخفي زهده؛ قال حماد بن زيد: فدخلنا عليه مرة فإذا على فراشه مجلس أحمر فرفعته- أو رفعه بعض أصحابه- فإذا خصفة محشوّة بليف.
[٣٦١]- وكان يقول: والله ما صدق عبد إلّا سرّه ألا يشعر بمكانه.
[٣٦٢]- وقال له إنسان يوما: أوصني يا أيّوب، فقال: أقلّ الكلام.
[٣٦٣]- قال عون بن عبد الله: كان أخوان في بني إسرائيل، فقال أحدهما لصاحبه ما أخوف عمل عملته عندك؟ قال ما عملت عملا أخوف عندي من أني مررت بين قراحي سنبل فأخذت من أحدهما سنبلة، ثم ندمت فأردت أن ألقيها في القراح الذي أخذتها منه فلم أدر أيّ القراحين هو، فطرحتها في أحدهما، فأخاف أن أكون طرحتها في القراح الذي لم آخذها منه. فما أخوف عمل عملته أنت عندك؟ قال الآخر: إذا قمت إلى الصلاة أخاف أن أكون أحمل على إحدى رجليّ فوق ما أحمل على الأخرى. قال: وأبوهما يسمع كلامهما، فقال: اللهم إن كانا صادقين فاقبضهما إليك قبل أن يفتتنا فماتا. قال يزيد بن هارون: أي هؤلاء أفضل؟ الأب ارى أفضل.
_________________
(١) حلية الأولياء ٣: ٦ وربيع الأبرار: ٢٦٢/أ؛ وأيوب بن أبي تميمة السختياني أبو بكر، كان ثقة ثبتا في الحديث جامعا وكان يكره الشهرة ويقول: ذكرت وما أحبّ أن أذكر، وتوفي في الطاعون بالبصرة سنة ١٣١ (ابن سعد ٧: ٢٤٦) وتوفي حماد بن زيد أبو اسماعيل سنة ١٧٩ وكان له أربعة آلاف حديث يحفظها ولم يكن له كتاب (عبر الذهبي ١: ٢٧٤) .
(٢) حلية الأولياء ٣: ٦.
(٣) حلية الأولياء ٣: ٧ (والذي طلب منه الوصية هو صالح بن أبي الأخضر) .
(٤) حلية الأولياء ٤: ٢٤٩.
[ ١ / ١٦٥ ]
[٣٦٤] كان زبيد الأيامي «١» إذا كانت ليلة مطيرة أخذ بشعلة من نار فطاف على عجائز الحيّ فقال: أوكف عليكنّ البيت؟ أتردن نارا؟ فإذا أصبح طاف على عجائز الحيّ فيقول: ألكنّ في السوق حاجة؟ أتردن شيئا؟
[٣٦٥]- وروي أن منصور بن المعتمر «٢» صام ستين سنة، قام ليلها وصام نهارها، وكان يبكي فتقول له أمه: يا بنيّ قتلت قتيلا؟ فيقول: أنا أعلم بما صنعت بنفسي، فإذا كان الصبح كحل عينيه ودهن رأسه وبرّق شفتيه وخرج إلى الناس.
[٣٦٦]- قال عبد الله بن محيريز: إني صبحت فضالة بن عبيد صاحب رسول الله ﷺ، فقلت: أوصني رحمك الله؛ قال: احفظ عني ثلاث خصال ينفعك الله بها، إن استطعت أن تعرف ولا تعرف فافعل، وإن استطعت أن تسمع ولا تتكلّم فافعل، وإن استطعت أن تجلس ولا يقام «٣» إليك فافعل.
_________________
(١) حلية الأولياء ٥: ٣١؛ وزبيد بن الحارث اليامي أو الأيامي محدث كوفي توفي سنة ١٢٢ أو ١٢٤ وقد وثقوه، وقال فيه البخاري كان صدوقا (تهذيب التهذيب ٣: ٣١٠- ٣١١) .
(٢) حلية الأولياء ٥: ٤١ وصفة الصفوة ٣: ٦٢ وقارن بطبقات ابن سعد ٦: ٣٣٧؛ ومنصور المعتمر السلمي أبو عتاب كان ثقة مأمونا كثير الحديث رفيعا عاليا توفي سنة ١٣٢؛ انظر طبقات ابن سعد (نفسه) وتهذيب التهذيب ١٠: ٣١٢- ٣١٥) .
(٣) حلية الأولياء ٥: ١٤١ وبعضه في عيون الأخبار ٢: ٣٥٨؛ وعبد الله بن محيريز مكي نزل الشام وسكن بيت المقدس، وكان الأوزاعي لا يذكر خمسة من السلف إلا ذكره فيهم، وكانت وفاته سنة ٩٩ هـ (تهذيب التهذيب ٦: ٣٢) وفضالة بن عبيد الذي يروي عنه عبد الله أنصاري، انتقل إلى الشام وسكن دمشق، وكان فيها قاضيا لمعاوية (الاستيعاب: ١٢٦٢) .
[ ١ / ١٦٦ ]
[٣٦٧]- قال الأعشى وهو ميمون بن قيس: [من الطويل] .
إذا أنت لم ترحل بزاد من التّقى ولاقيت بعد الموت من قد تزودا
ندمت على ألا تكون كمثله وأنك لم ترصد كما كان أرصدا
[٣٦٨]- وقال عمران بن حطان: [من الطويل] .
أرى أشقياء الناس لا يسأمونها على أنّهم فيها عراة وجوّع
أراها وإن كانت تحبّ فإنّها سحابة صيف عن قليل تقشّع
[٣٦٩]- أهدى رجل نصرانيّ إلى الأوزاعيّ جرة عسل وقال له: يا أبا عمرو، تكتب لي إلى والي بعلبك فقال: إن شئت رددت «١» الجرة وكتبت لك، وإلّا قبلت الجرة ولم أكتب لك. قال: ردّ الجرة، [فردّها] وكتب له فوضع عنه ثلاثين دينارا.
[٣٧٠]- قال صالح المري وقفت في دار «٢» المورياني «٣» حين خربت، فعرض لي فيها بضع عشرة آية:
فَتِلْكَ مَساكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا
(القصص: ٥٨) وكَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ
(الدخان:
_________________
(١) ديوان الأعشى: ١٠٣ والأغاني ٩: ١٢٢.
(٢) شعر عمران في الخزانة ٢: ٤٤٠ وابن كثير ٩: ٥٣ والذهبي ٣: ٢٨٤ والشريشي ٢: ٣١٨ ومجموعة المعاني: ٤ وكنايات الجرجاني: ١٠١ وانظر ديوان شعر الخوارج: ١٧٢ (وفيه مزيد من التخريج) .
(٣) حلية الأولياء ٦: ١٤٣ وصفة الصفوة ٤: ٢٣٠.
(٤) حلية الأولياء ٦: ١٦٩ وقارن بالبيان والتبيين ٣: ١٤٩ ومحاضرات الراغب ١: ٢١٦.
[ ١ / ١٦٧ ]
٢٥) وما أشبه ذلك، قال: فإني أقرأ إذ خرج عليّ أسود من ناحيتها، فقال يا أبا عبد الله، هذه سخطة مخلوق على مخلوق «١» فكيف بسخطة الخالق؟ قال: ثم ذهب فاتبعته فلم أر أحدا.
[٣٧١]- وقال صالح قال لي عطاء: يا أبا بشر أشتهي الموت ولا أرى لي فيه راحة، غير أني قد علمت أن الميت قد حيل بينه وبين الأعمال، فاستراح من أن يعمل معصية «٢» فيحطب «٣» على نفسه، والحيّ في كل يوم هو من نفسه على وجل، وآخر ذلك كلّه الموت.
[٣٧٢]- وكان عطاء السلميّ إذا فرغ من وضوئه انتفض وارتعد وبكى بكاء شديدا، فقيل له في ذلك، فيقول: إني أريد أن أقدم على أمر عظيم، أريد أن أقوم بين يدي الله ﷿. وكذلك كان يصيب عليّ بن الحسين زين العابدين، فيقال له في ذلك، فيقول: أتدرون إلى من أقوم ومن أريد أن أناجي؟.
[٣٧٣]- روي أنّ عبد الواحد بن زيد لقي عتبة بن أبان الغلام برحبة القصّابين في يوم شات شديد البرد، فإذا هو يرفضّ عرقا، فقال له عبد الواحد: عتبة قال: نعم، قال: فما شأنك؟ مالك تعرق في مثل هذا
_________________
(١) هو عطاء السلمي أو العبدي؛ وقوله هذا في حلية الأولياء ٦: ٢٢٣.
(٢) ورد الخبر في حلية الأولياء ٦: ٢١٨ وعن ما كان يصيب علي بن الحسين انظر طبقات ابن سعد ٣: ٢٨ وحلية الأولياء ٣: ١٣٣ ونثر الدر ١: ٣٣٨ والعقد ٣: ١٦٩ والشفا: ١٠٩. والبداية والنهاية ٩: ١٠٤ ونسب ذلك إلى الحسن في ربيع الأبرار: ١٦٢ ب.
(٣) حلية الأولياء ٦: ٢٢٨ وربيع الأبرار ١: ٧٦٠/أ.
[ ١ / ١٦٨ ]
اليوم؟ قال: خير، قال: لتخبرنّي، قال: خير، قال فقال: بالأنس الذي بيني وبينك والإخاء إلا ما أخبرتني، قال: إني والله ذكرت ذنبا أصبته في هذا المكان فهذا الذي رأيته من أجل ذلك.
[٣٧٤]- وكان رأس مال عتبة فلسا، فيشتري بالفلس الخوص، فإذا عمله باعه بثلاثة فلوس، فلس يتصدّق به، وفلس يتّخذه رأس مال، وفلس يشتري به شيئا يفطر عليه.
[٣٧٥]- ونازعت عتبة نفسه لحما، فقال لها: اندفعي عنّي إلى قابل، فما زال يدافعها سبع سنين، حتى إذا كان في السابعة أخذ دانقا ونصفا أفلاسا فأتى بها صديقا له من أصحاب عبد الواحد بن زيد خبازا، فقال: يا أخي إن نفسي تنازعني لحما منذ سبع سنين، وقد استحييت منها، كم أعدها وأخلفها، فخذ لي رغيفين وقطعة من لحم بهذا الدانق والنصف، فلما أتى به إذا هو بصبي، قال: يا صبي ألست أنت ابن فلان وقد مات أبوك؟ قال:
بلى، فجعل يبكي ويمسح رأسه، وقال: قرة عيني من الدنيا أن تصير شهوتي في بطن هذا اليتيم، فناوله ما كان معه ثم قرأ وَيُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا
(الانسان: ٨) .
[٣٧٦]- كان يجالس سفيان الثوريّ رجل ضرير، فإذا كان شهر رمضان يخرج إلى السواد فيصلّي بالناس، فيكسى ويعطى، فقال سفيان: إذا كان يوم القيامة أثيب أهل القرآن من قراءتهم، ويقال لمثل هذا: قد تعجّلت ثوابك في الدنيا «١» فقال: يا أبا عبد الله تقول لي هذا وأنا جليس لك؟ قال: إني
_________________
(١) حلية الأولياء ٦: ٢٢٩- ٢٣٠.
(٢) حلية الأولياء ٦: ٢٣٠.
(٣) حلية الأولياء ٧: ١٦.
[ ١ / ١٦٩ ]
أخاف أن يقال لي يوم القيامة: هذا كان جليسك، أفلا «١» نصحته؟.
[٣٧٧]- وقال سفيان: لو أنّ اليقين استقرّ في القلب كما ينبغي لطار فرحا وحزنا، شوقا إلى الجنة وخوفا من النار.
[٣٧٨]- وكان سفيان بمكة فمرض ومعه الأوزاعيّ، فدخل عليه عبد الصمد بن علي فحوّل وجهه إلى الحائط، فقال الأوزاعيّ لعبد الصمد: إن أبا عبد الله سهر البارحة فلعلّه أن يكون نائما، فقال سفيان: لست بنائم، لست بنائم؛ فقام عبد الصمد، فقال الأوزاعيّ لسفيان: أنت مستقتل لا يحلّ لأحد أن يصحبك.
[٣٧٩]- وعنه أنه قال: النظر إلى وجه الظالم خطيئة، ولا تنظروا إلى الأئمة المضلّين إلّا بإنكار من قلوبكم لئلا تحبط أعمالكم.
[٣٨٠]- وقال، وقد ذكروا أمر السلطان وطلبهم إياه: أترون أني أخاف هوانهم «٢»؟ إنما أخاف كرامتهم «٣» .
[٣٨١]- قال عبد الرحمن بن مهديّ: ما عاشرت في الناس رجلا هو
_________________
(١) حلية الأولياء ٧: ١٧.
(٢) حلية الأولياء ٧: ٣٨.
(٣) حلية الأولياء ٧: ٤٠.
(٤) حلية الأولياء ٧: ٤٠.
(٥) حلية الأولياء ٧: ٦٠ وصفة الصفوة ٣: ٨٤- ٨٥؛ وعبد الرحمن بن مهدي البصري الحافظ أبو سعيد، كان الغالب عليه حديث سفيان، وكان ثقة توفي سنة ١٩٨ (تهذيب التهذيب ٦: ٢٧٩- ٢٨١.
[ ١ / ١٧٠ ]
أرقّ من سفيان الثوري، قال ابن مهدي: وكنت أرمقه الليلة بعد الليلة، فما كان ينام إلا في أول الليل ثم ينتفض فزعا مرعوبا ينادي: النار النار، شغلني ذكر النار عن النوم واللذات «١»، كأنه يخاطب رجلا في البيت، ثم يدعو بماء إلى جانبه فيتوضأ ثم يقول على أثر وضوئه: اللهم إنك عالم بحاجتي غير معلّم بما أطلب، وما أطلب إلا فكاك رقبتي من النار، إلهي إن الجزع قد أرّقني والخوف فلم يؤمنّي، وكلّ هذا من نعمك «٢» السابغة عليّ، وكذلك فعلت بأوليائك وأهل طاعتك، إلهي قد علمت أن لو كان لي عذر في التخلّي ما أقمت مع الناس «٣» طرفة عين، ثم يقبل على صلاته. وكان البكاء يمنعه من القراءة حتى إني كنت لا أستطيع سماع قراءته من كثرة بكائه، وما كنت أقدر أن أنظر إليه استحياء وهيبة منه.
[٣٨٢]- ورؤي سفيان يأكل الطباهج، وقال: إني لم أنهكم عن الأكل، ولكن انظر من أين تأكل، وادخل «٤» وانظر على من تدخل، وتكلّم وانظر كيف تكلم، كيف أنهاكم عن الأكل، والله ﷿ يقول خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا
(الأعراف: ٣١) .
[٣٨٣]- وعن سفيان أنه رأى رجلا قريبا من المنبر فقال له: شغلتني يا فلان بقربك من المنبر، أما خفت أن يقولوا قولا «٥» فيجب عليك رده؟ فقال له
_________________
(١) حلية الأولياء ٧: ٧٠.
(٢) حلية الأولياء ٧: ٧٠ وربيع الأبرار: ٣٧٢/أ.
[ ١ / ١٧١ ]
الرجل: أليس يقال ادن واستمع؟ قال: ذاك لأبي بكر وعمر والخلفاء، فأمّا هؤلاء فتباعد منهم حتى لا تسمع كلامهم ولا ترى وجوههم.
[٣٨٤]- روي أنّ عليا والحسن ابني صالح بن حي وأمهما كانوا قد جزّءوا الليل كله ثلاثة أجزاء، فكان علي يقوم الثلث ثم ينام، ويقوم الحسن الثلث ثم ينام، وتقوم أمهما الثلث، فماتت أمهما، فجزءا الليل بينهما «١» فكانا يقومان به حتى الصباح، ثم مات عليّ فقام به الحسن كله.
[٣٨٥]- وكان الحسن بن صالح لا يقبل من أحد شيئا، فيجيء إليه صبيه وهو في المسجد، فيقول: أنا جائع، فيعلله بشيء حتى تذهب الخادم إلى السوق، فتبيع ما غزلت هي ومولاتها من الليل، ثم تشتري قطنا وتشتري شيئا من الشعير، فتجيء به فتطحنه ثم تعجنه فتخبز ما يأكل الصبيان والخادم، ويرفع له ولأهله لافطارهما، فلم يزل على ذلك حتى مات ﵀.
[٣٨٦]- وقال الحسن بن صالح: لما احتضر أخي علي بن صالح رفع بصره ثم قال: مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقًا
(النساء: ٦٩) ثم خرجت نفسه، قال:
_________________
(١) حلية الأولياء ٧: ٣٢٧- ٣٢٨ وصفة الصفوة ٣: ٨٧- ٨٨ وقارن بخير عن محمد بن المنكدر في ربيع الأبرار ٢: ٩٩. وعلي بن صالح بن صالح بن حي الهمداني ابو محمد كوفي وهو وأخوه الحسن توأمان؛ وعليّ محدث مأمون عند أكثرهم، توفي سنة ١٥١ في أرجح الأقوال (تهذيب التهذيب ٧: ٣٣٢)، وكان الحسن صحيح الرواية متفقها صائنا لنفسه في الحديث والورع، وثقه بعضهم، وكانت وفاته سنة ١٦٧ (تهذيب التهذيب ٢: ٢٨٥) .
(٢) حلية الأولياء ٧: ٣٢٨ وصفة الصفوة ٣: ٨٩.
(٣) حلية الأولياء ٧: ٣٢٩ وصفة الصفوة ٣: ٨٨ وتهذيب الهذيب ٦: ٣٣٣.
[ ١ / ١٧٢ ]
فنظرنا إلى جنبه فإذا ثقب في جنبه وقد وصل إلى جوفه وما علم به أحد من أهله.
[٣٨٧]- وروي أن داود بن نصير الطائيّ ﵀ لقيه رجل فسأله عن حديث، فقال: دعني فإني أبادر خروج نفسي، فكان سفيان إذا ذكر داود قال: أبصر الطائي «١» أمره.
[٣٨٨]- وقال له رجل: يا أبا سليمان ما ترى في الرّمي فإني أحبّ أن أتعلّمه؟ قال: إنّ الرمي لحسن، ولكن هي أيامك فانظر بم «٢» تقطعها.
[٣٨٩]- قال عبد الله بن إدريس: قلت لداود الطائي: أوصني؟
قال: أقلل من معرفة الناس، قلت: زدني، قال: ارض باليسير من الدنيا مع سلامة الدين، كما رضي أهل الدنيا بالدنيا مع فساد الدين، قلت:
زدني، قال: اجعل الدنيا كيوم صمته ثم أفطر على الموت.
[٣٩٠]- وقال أحمد بن ضرار العجلي: أتيت داود الطائيّ وهو في دار واسعة خربة ليس فيها إلا بيت، وليس على البيت باب، فقال له بعض
_________________
(١) حلية الأولياء ٧: ٣٣٥- ٣٣٦ وصفة الصفوة ٣: ٧٧؛ وداود بن نصير الطائي أبو سليمان كوفي زاهد متفقه أخذ عن أبي حنيفة، وتوفي سنة ١٦٥ (تاريخ بغداد ١١: ٢٢١) .
(٢) حلية الأولياء ٧: ٣٣٦ وصفة الصفوة ٣: ٨٠ ومجموعة ورام ١: ٧٤ ومحاضرات الراغب ٢: ٣٨٤ وورد في الكلم الروحانية: ١٣٠ أن رجلا قال لبعض الحكماء: أترى لي أن اتعلم الفروسية فقال: العمر عمرك أنفقه كما شئت.
(٣) حلية الأولياء ٧: ٣٤٣؛ وعبد الله بن ادريس بن يزيد الأودي ابو محمد الكوفي محدث قال فيه أحمد: كان نسيج وحده، وقال غيره: هو ثقة في كل شيء، وتوفي سنة ١٩٢ (تهذيب التهذيب ٥: ١٤٤) .
(٤) حلية الأولياء ٧: ٣٤٣.
[ ١ / ١٧٣ ]
القوم: يا أبا سليمان أنت في دار وحشة فلو اتخذت لبيتك هذا بابا، أما تستوحش؟ فقال: حالت وحشة القبر بيني وبين وحشة الدنيا.
[٣٩١]- وقال عطاء بن مسلم «١» الحلبي: عاش داود عشرين سنة بثلاثمائة درهم ينفقها على نفسه، فأتاه ابن أخيه فقال: يا عمّ تكره التجارة؟ قال:
لا، قال: فأعطني شيئا أتّجر به، قال: فأعطاه ستين درهما، قال: فمكث شهرا ثم جاءه بعشرين ومائة درهم فقال: هذه ربحها، فقال: أنت كلّ شهر تربح للدرهم درهما؟ ينبغي أن يكون عندك بيت مال، أردت أن تخدعني؟ قال: فرمى بها عليه وقال: ردّ عليّ رأس مالي.
[٣٩٢]- وقالت مولاة لداود الطائيّ: لو طبخت لك دسما قال:
فافعلي، فطبخت له شحما ثم جاءته به، فقال لها: ما فعل أيتام بني فلان؟
قالت: على حالهم، قال: اذهبي به إليهم، قالت له: فديتك «٢» انما تأكل هذا الخبز بالماء من المطهرة، قال: إني إذا أكلته كان في الحشّ، وإذا أكله هؤلاء الأيتام كان عند الله مذخورا.
[٣٩٣]- ودخل رجل على داود الطائي فقال: يا أبا سليمان بعت كلّ شيء حتى التراب، وبقيت تحت نصف سقف، فلو سوّيت هذا السقف فكان يكنّك «٣» من الحرّ والبرد والمطر، فقال داود: اللهم غفرا، كانوا يكرهون
_________________
(١) حلية الأولياء ٧: ٣٤٧؛ وعطاء بن مسلم الخفاف أصله من الكوفة ونزل حلب، وكان صاحب حديث، توفي سنة ١٩٠ (عبر الذهبي ١: ٣٠٦) .
(٢) حلية الأولياء ٧: ٣٥١ وصفة الصفوة ٣: ٧٥.
(٣) حلية الأولياء ٧: ٣٥١.
[ ١ / ١٧٤ ]
فضول النظر كما يكرهون فضول الكلام، يا عبد الله، اخرج عنّي، فقد شغلت قلبي، إني أبادر جفوف القلم وطيّ الصحيفة. قال: يا أبا سليمان، أنا عطشان، قال: اخرج واشرب، فجعل يدور في الدار لا يجد ماء، فرجع إليه فقال: يا أبا سليمان ليس في الدار حبّ ولا جرّة، فقال: اللهم غفرا، بل هناك ماء، فخرج يلتمس فإذا دنّ من هذه الأصص الذي ينقل فيه الطين وخزفة «١» أسفل كوز، فأخذ تلك الخزفة فغرف بها فإذا ماء حارّ كأنه قد علي لم يقدر أن يسيغه، فرجع إليه وقال: يا أبا سليمان: مثل هذا الحر؟! الناس يكادون ينسلخون «٢» من شدّة الحرّ، ودنّ مدفون في الأرض وكوز مكسور فلو كانت جريرة وقلّة؟ فقال داود: حبّ حيريّ وجرة مذاريّة وقلال منقّشة، وجارية حسناء وأثاث وناضّ- يعني بالناض الدنانير والدراهم- وفضول، لو أردت هذا الذي يشغل القلب لم أسجن نفسي ها هنا، إنما طلّقت «٣» نفسي من هذه الشهوات، وسجنت نفسي حتى يخرجني مولاي من سجن الدنيا إلى روح الآخرة. فقال: يا أبا سليمان ففي هذا الحرّ أين تنام وليس لك سطح؟ قال إني أستحي من مولاي أن يراني أخطو خطوة ألتمس راحة نفسي في الدنيا حتى يكون مولاي هو الذي يخرجني «٤» من الدنيا.
[٣٩٤]- وقال داود: اليأس سبيل أعمالنا هذه، ولكنّ القلوب تحنّ إلى الرجاء.
[٣٩٥]- وقال إبراهيم بن بشار الصوفي الخراساني خادم إبراهيم بن
_________________
(١) حلية الأولياء ٧: ٣٥٩ وصفة الصفوة ٣: ٨٠.
(٢) حلية الأولياء ٧: ٣٦٨ وقارن بصفة الصفوة ٤: ١٢٧ وسراج الملوك: ٢٠ والذهب المسبوك:
[ ١ / ١٧٥ ]
أدهم: قلت لابن أدهم «١»: يا أبا إسحاق، كيف كان أوائل أمرك حتى صرت إلى ما صرت إليه؟ فقال: غير ذا أولى بك؛ فقلت له: هو كما تقول رحمك الله، ولكن أخبرني لعلّ الله ينفعنا به يوما، فقال: اشتغل بالله، فسألته الثالثة فقلت: يا أبا إسحاق، إن رأيت، فقال: كان أبي من أهل بلخ، وكان من ملوك خراسان والمياسير «٢»، وحبّب إليّ الصيد، فخرجت راكبا فرسي وكلبي معي، فبينما أنا كذلك ثار أرنب أو ثعلب، فحركت فرسي فسمعت نداء من ورائي: ليس «٣» لذا خلقت ولا بذا أمرت؟ فوقفت أنظر يمنة ويسرة فلم أر أحدا، فقلت: لعن الله إبليس، ثم حركت نفسي فسمعت «٤» نداء أجهر من ذلك، يا إبراهيم ليس لهذا خلقت ولا بذا أمرت، فوقفت أنظر يمنة ويسرة فلم أر أحدا، فقلت: لعن الله إبليس، ثم حركت فرسي فأسمع نداء من قربوس سرجي: يا إبراهيم ما لذا خلقت ولا بذا أمرت، فوقفت انظر يمنة ويسرة «٥» فقلت: أنبهت أنبهت، جاءني نذير من ربي «٦»، والله لا عصيت الله بعد يومي هذا أبدا ما عصمني ربّي، فرجعت إلى أهلي، فخلّيت عن فرسي ثم جئت إلى راع لأبي فأخذت جبة منه وكساء وألقيت ثيابي إليه، ثم أقبلت إلى العراق، أرض تضعني وأرض ترفعني، حتى وصلت إلى العراق، فعملت بها أياما، فلم يصف لي منها شيء من الحلال، فسألت بعض المشايخ عن الحلال فقالوا لي: عليك ببلاد الشام، فصرت إلى مدينة يقال لها المنصورة، وهي
_________________
(١) ٢٧٤ والمستطرف ٢: ٣١٢ والمصباح المضيء ٢: ٢٥٩ والشفا: ١٠٦؛ وابراهيم بن بشار خادم ابن أدهم كان أيضا صوفيا ودخل بغداد وحدث بها (تاريخ بغداد ٦: ٤٧) .
[ ١ / ١٧٦ ]
المصّيصة، فعملت بها أياما فلم يصف لي شيء من الحلال، فسألت بعض المشايخ فقال لي: إن أردت الحلال الصافي فعليك بطرسوس فإن فيها المباحات والعمل الكثير، فتوجهت إلى طرسوس فعملت بها، أنظر البساتين وأحصد الحصاد، فبينما أنا قاعد على باب البحر جاءني رجل فاكتراني أنطر له بستانا، فكنت في البستان أياما كثيرة، فإذا أنا بخادم قد أقبل ومعه أصحابه فقعد في مجلسه ثم صاح: يا ناطور، فقلت: هو ذا أنا، قال: فاذهب فأتنا بأكبر رمّان تقدر عليه وأطيبه، فذهبت فأتيته بأكبر رمان فأخذ الخادم رمانة فكسرها فوجدها حامضة، فقال لي: يا ناطور أنت في بستاننا منذ كذا وكذا تأكل فاكهتنا وتأكل رمّاننا ولا تعرف الحلو من الحامض؟ قال إبراهيم فقلت: والله ما أكلت من فاكهتك شيئا، وما أعرف الحلو من الحامض، فأشار الخادم إلى أصحابه وقال: أما تسمعون كلام هذا؟ ثم قال: أتراك لو أنك «١» إبراهيم بن أدهم ما زاد على هذا، وانصرف فلما كان من الغد ذكر صفتي «٢» في المسجد فعرفني بعض الناس، فجاء الخادم ومعه خلق «٣» فلما رأيته قد أقبل مع أصحابه اختفيت خلف الشجر، والناس داخلون، فاختلطت معهم وهم داخلون وأنا هارب. كان هذا «٤» أوائل أمري وخروجي من طرسوس إلي بلاد الرمال.
[٣٩٦]- وكان إبراهيم يعمل بفلسطين بكراء إذ مرّ به الجيش إلى مصر وهو يستقي الماء قطع الدلو وألقاه في البئر لئلا يسقيهم، فكانوا يضربون رأسه يسألونه عن الطريق وهو يتخارس عليهم لئلا يدلّهم.
_________________
(١) حلية الأولياء ٧: ٣٧٩. ١٢ ١ التذكرة
[ ١ / ١٧٧ ]
[٣٩٧] قال علي بن بكار: كنا جلوسا عند الجامع بالمصيصة وفينا إبراهيم ابن أدهم، فقدم رجل من خراسان وقال: أيكم إبراهيم بن أدهم؟
قال القوم: هذا، أو قال: أنا هو، قال: إنّ إخوتك بعثوني إليك، فلما سمع ذكر إخوته قام فأخذ بيده فنحّاه وقال: ما جاء بك؟ قال: أنا مملوكك، معي فرس وبغلة وعشرة آلاف درهم بعث بها إليك إخوتك، قال:
إن كنت صادقا فأنت حرّ وما معك فلك، اذهب فلا تخبر أحدا.
[٣٩٨]- وقال إبراهيم: المسألة مسألتان: مسألة على أبواب الناس ومسألة يقول الرجل ألزم المسجد وأصلّي وأصوم وأعبد الله، فمن جاء بشيء قبلته، فهذه شرّ المسألتين وهذا قد ألحف في المسألة.
[٣٩٩]- قال شقيق بن إبراهيم: مرّ إبراهيم بن أدهم في أسواق البصرة فاجتمع الناس إليه فقالوا: يا أبا إسحاق إن الله يقول في كتابه: ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ
(غافر: ٦٠) ونحن ندعوه منذ دهر فلا يستجيب لنا، فقال إبراهيم: يا أهل البصرة، ماتت قلوبكم في عشرة أشياء، أولها: عرفتم الله ولم تؤدّوا حقه: والثاني: قرأتم كتاب الله ولم تعملوا به، والثالث: ادعيتم حب رسول الله ﵇ وتركتم سنته «١»، والرابع «٢» ادعيتم عداوة الشيطان ووافقتموه، والخامس: قلتم نحبّ الجنة ولم تعملوا لها، والسادس: قلتم نخاف النار ورهنتم أنفسكم بها، والسابع: قلتم إن الموت حقّ ولم تستعدّوا له، والثامن: اشتغلتم بعيوب إخوانكم ونبذتم عيوبكم، والتاسع: أكلتم نعمة
_________________
(١) حلية الأولياء ٧: ٣٨٣ وصفة الصفوة ٤: ١٢٩ وربيع الأبرار: ٤٠٩/أ.
(٢) حلية الأولياء ٨: ١٤.
(٣) حلية الأولياء ٨: ١٥- ١٦.
[ ١ / ١٧٨ ]
ربّكم ولم تشكروها، والعاشر: دفنتم موتاكم ولم تعتبروا بهم.
[٤٠٠]- وقال إبراهيم بن أدهم: لم يصدق الله من أحبّ الشهرة.
[٤٠١]- وقال إبراهيم بن بشار: كنت يوما من الأيام مارا مع إبراهيم ابن أدهم في الصحراء، فأتينا على قبر مسنّم، فترحم عليه وبكى، فقلت:
قبر من هذا؟ قال: هذا قبر حميد بن جابر أمير هذه المدن كلّها، كان غريقا «١» في بحار الدنيا ثم أخرجه الله منها واستنقذه، ولقد بلغني أنه مرّ «٢» ذات يوم بشيء من ملاهي ملكه ودنياه وغروره وفتنته، ثم نام في مجلسه مع من يخصّه من أهله، فرأى رجلا واقفا على رأسه بيده كتاب «٣»، فناوله إياه فإذا فيه مكتوب بالذهب: لا تؤثرنّ فانيا على باق، ولا تغترنّ بملكك وقدرتك وسلطانك وخدمك وعبيدك ولذاتك وشهواتك، فإن الذي أنت فيه جسيم لولا أنه عديم، وهو ملك لولا أنّ بعده الهلك «٤»، وهو فرح وسرور لولا أنه لهو وغرور، وهو يوم لو كان يوثق له بغد، فسارع إلى أمر الله تعالى فإن الله تعالى قال:
وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ
(آل عمران: ١٣٣) . قال: فانتبه فزعا وقال: هذا تنبيه من الله وموعظة، فخرج من ملكه لا يعلم به أحد، وقصد هذا الجبل فتعبد فيه، فلما بلغني قصته وحدّثت بأمره قصدته، فحدثني ببدء أمره وحدثته ببدء أمري، فما زلت أقصده حتى مات ودفن ها هنا، ﵀.
_________________
(١) حلية الأولياء ٨: ١٩- ٢٠.
(٢) حلية الأولياء ٨: ٣٣.
[ ١ / ١٧٩ ]
[٤٠٢] قال إبراهيم: الزهد ثلاثة أصناف: فزهد فرض، وزهد فضل، وزهد سلامة؛ فالفرض الزهد في الحرام، والفضل الزهد في الحلال، والسلامة الزهد في الشبهات.
[٤٠٣]- ومن كلام الحسن البصري: يا ابن آدم، بع دنياك بآخرتك تربحهما جميعا، ولا تبع آخرتك بدنياك فتخسرهما جميعا. يا ابن آدم، إذا رأيت الناس في الخير فنافسهم فيه، وإذا رأيتهم في الشرّ فلا تغبطهم به. الثواء ها هنا قليل والبقاء هناك طويل، وأمتكم آخر الأمم، وأنتم آخر أمتكم، وقد أسرع بخياركم فماذا تنتظرون؟ المعاينة فكأن قد، هيهات هيهات! ذهبت الدنيا بحال بالها «١» وبقيت الاعمال قلائد «٢» في أعناق بني آدم، فيا لها موعظة لو وافقت من القلوب حياة! إنه والله لا أمة بعد أمتكم، ولا نبيّ بعد نبيكم، ولا كتاب بعد كتابكم. أنتم تسوقون الناس والساعة تسوقكم، وإنما ينتظر بأوّلكم أن يلحق بآخركم. من رأى محمدا صلى الله عليه فقد رآه غاديا ورائحا لم يضع لبنة على لبنة ولا قصبة على قصبة، رفع له علم فشمر إليه، فالوحى الوحى والنجاء النجاء. على ما تعرّجون؟ أتيتم وربّ الكعبة. إن الله بعث محمدا على علم به، اختاره لنفسه، وبعثه برسالاته «٣»، وأنزل عليه كتابه، وكان صفوته من خلقه، ورسوله إلى عباده، ثم وضعه من الدنيا موضعا ينظر إليه أهل الأرض، وآتاه منها قوتا وبلغة، ثم قال
_________________
(١) حلية الأولياء ٨: ٢٦ ومحاضرات الراغب ٢: ٥١١ وقارن بما في بهجة المجالس ٢: ٣٠٣ (لسفيان أو إبراهيم) حيث جعل الزهد زهدين.
(٢) البيان والتبيين ٣: ١٣٢- ١٣٥ وبعضه في حلية الأولياء ٢: ١٤٣ ومحاضرات الراغب ١: ٥١١ وعيون الأخبار ٢: ٣٤٤ وألف باء ١: ٤٤٧.
[ ١ / ١٨٠ ]
لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ
(الأحزاب: ٢١) فرغب أقوام عن عيشه، وسخطوا ما رضي له ربه، فأبعدهم الله وسحقهم. ابن آدم طأ الأرض بقدمك فإنها عما قليل قبرك، واعلم أنك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطت من بطن أمك. رحم الله رجلا نظر فتفكر وتفكر فاعتبر واعتبر فأبصر وأبصر فصبر، فقد أبصر أقوام فلم يصبروا فذهب الجزع بقلوبهم فلم يدركوا ما طلبوا، ولم يرجعوا إلى ما فارقوا. يا ابن آدم اذكر قوله: وَكُلَّ إِنسانٍ أَلْزَمْناهُ طائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ كِتابًا يَلْقاهُ مَنْشُورًا اقْرَأْ كِتابَكَ كَفى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا
(الإسراء:
١٣- ١٤) . عدل عليك من جعلك حسيب نفسك. لقد رأيت أقواما كانوا من حسناتهم أشفق من أن تردّ عليهم منكم من سيئاتكم أن تعذّبوا عليها وكانوا فيما أحلّ الله لهم من الدنيا أزهد منكم فيما حرّم عليكم. يا ابن آدم ليس الإيمان بالتحلّي ولا بالتمني، ولكنه ما وقر في القلب «١» وصدّقته الأعمال.
[٤٠٤]- وكان يقول: لا يستحقّ أحد حقيقة الإيمان حتى لا يعيب أحدا بعيب هو فيه، ولا يأمر بإصلاح عيوبهم حتى يبدأ بإصلاح ذلك في نفسه، فإنه إذا فعل ذلك لم يصلح عملا «٢» إلا وجد في نفسه عيبا آخر ينبغي أن يصلحه، فإذا فعل ذلك شغل بخاصة نفسه عن عيب غيره. وإنك ناظر إلى عملك خيره وشرّه فلا تحقرنّ شيئا من الخير وان صغر، فانك إذا رأيته سرّك مكانه، ولا تحقرنّ شيئا من الشرّ وإن صغر، فإنك إذا رأيته ساءك مكانه.
[٤٠٥]- وكان يقول: كان أهل الدنيا يبذلون دنياهم لأهل العلم رغبة في علمهم، فأصبح أهل العلم اليوم يبذلون علمهم لأهل الدنيا رغبة في
_________________
(١) البيان والتبيين ٣: ١٣٥.
(٢) البيان والتبيين ٣: ١٣٦ وجامع بيان العلم ١: ٢٣١ (لأبي حازم) .
[ ١ / ١٨١ ]
دنياهم، فرغب أهل الدنيا بدنياهم وزهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم.
[٤٠٦]- وكان يقول: لا أذهب إلى من يواري عنّي غناه، ويبدي لي فقره، ويغلق دوني بابه، ويمنعني ما عنده، وأدع من يفتح لي بابه، ويبدي لي غناه، ويدعوني إلى ما عنده.
[٤٠٧]- دخل أبو حازم الأعرج على بعض ملوك بني مروان، فقال: يا أبا حازم، ما المخرج «١» مما نحن فيه؟ قال: تنظر إلى ما عندك فلا تضعه إلا في حقه وما ليس عندك فلا تأخذه إلا بحقه، قال: ومن يطيق ذلك؟ قال: فمن أجل ذلك ملئت جهنم من الجنّة والناس أجمعين، قال: ما مالك؟ قال:
مالان، قال: ما هما؟ قال: الثقة بما عند الله، واليأس مما في أيدي الناس، قال: ارفع إلينا حوائجك، قال: هيهات رفعتها إلى من هو لا تختزل الحوائج دونه، فإن أعطاني منها شيئا قبلت، وإن زوى عنّي منها شيئا رضيت.
[٤٠٨]- ومن كلام الفضيل بن عياض: يا ابن آدم إنّما يفضلك الغنيّ بيومك، أمس قد خلا وغد لم يأت، فإن صبرت يومك أحمدت أمرك، وقويت على غدك، وإن عجزت عن يومك ذممت أمرك وضعفت عن غدك.
_________________
(١) البيان والتبيين ٣: ١٣٦.
(٢) البيان والتبيين ٣: ١٣٩ وبعضه في ربيع الأبرار: ٤٠٨ ب والذهب المسبوك: ١٧٢ وأدب الدنيا والدين: ١١٩ ونزهة الظرفاء: ١١ ب؛ وفي الموفقيات: ١٤٨ سئل أبو حازم ما مالك الخ.
(٣) البيان والتبيين ٣: ١٣٩ وقارن بقول منسوب لأبي حازم في أدب الدنيا والدين: ١٢١ وآخر غير منسوب في المستطرف ١: ٢٥.
[ ١ / ١٨٢ ]
وإنّ الصبر يورث البرء، وان الجزع يورث السّقم، وبالسقم يكون الموت، وبالبرء تكون الحياة.
[٤٠٩]- وقال بكر بن عبد الله المزني: الدنيا ما مضى منها فحلم، وما بقي منها فأمانيّ.
[٤١٠]- وقال عامر بن عبد قيس: الدنيا والدة للموت، ناقضة للمبرم، مرتجعة للعطيّة، وكلّ من فيها يجري إلى ما لا يدري، وكلّ مستقرّ فيها غير راض بها، وذلك شهيد على أنها ليست بدار قرار.
[٤١١]- وقيل: من تذكّر قدرة الله لم يستعمل قدرته في ظلم عباده.
[٤١٢]- قال هانىء بن قبيصة لحرقة بنت النعمان ورآها تبكي: مالك تبكين؟ قالت: رأيت لأهلك غضارة، وقلّما امتلأت دار فرحا «١»، إلا امتلأت حزنا.
_________________
(١) نثر الدر ٧: ٦٣ (رقم: ١١) والبيان والتبيين ٣: ١٥٢ والعقد ٣: ١٧٢ والقول منسوب لأبي حازم في حلية الأولياء ٣: ٢٣٨ والمستطرف ١: ٥٣.
(٢) نثر الدر ٧: ٦٢ (رقم: ٨) والبيان والتبيين ٣: ١٤٣ والعقد ٣: ١٧٢ وشرح النهج ٢: ٩٥ والنمر والثعلب: ١١٢ (٦٩) ولم يرد منه في البصائر ٢: ٦٩٩ إلا قوله «الدنيا والدة الموت» .
(٣) البيان والتبيين ٣: ١٤٤ ونثر الدر ٤: ٧٨ وقارن بقول عمر بن عبد العزيز لعدي بن أرطاة: «اذا أمكنتك القدرة على المخلوق فاذكر قدرة الخالق» (نهاية الأرب ٦: ٤١. وقريب منه قولة له في ربيع الأبرار ٢: ٨٢٠) .
(٤) البيان والتبيين ٣: ١٤٥، ١٦١، والبصائر ٢/١: ٧٢ وتعازي المدائني: ٧١ وأدب الدنيا والدين: ١١٩، وقارن بما أورده المسعودي مطولا في مروج الذهب ٢: ٢٢٨ وابن عربي في محاضرات الابرار ٢: ٤٦٧ وشرح النهج ١٨: ٣٦٥ وربيع الأبرار ١: ٥٦٧، وقارن قولها «ما امتلأت دار فرحا » بحديث ورد في رقم: ٢٣ (٢٣) وفي البصائر ٢: ٤٦٣ ما امتلأت دار حبرة إلا وستملأ عبرة، وفي كلمة لقطري بن الفجاءة (البصائر ٢: ٧٠٠) ما نال أحد فيها حبرة إلا اعقبته عبرة.
[ ١ / ١٨٣ ]
[٤١٣]- ونظرت امرأة إلى أعرابية حولها عشرة من بنيها، كأنهم الصقور، فقالت: لقد ولدت أمكم «١» حزنا طويلا.
[٤١٤]- وباع عبد الله بن عتبة بن مسعود أرضا بثمانين ألفا، فقيل له «٢»: لو اتخذت لولدك من هذا المال ذخرا، قال: أنا أجعل هذا المال ذخرا عند الله، وأجعل الله ذخرا لولدي، وقسم المال.
[٤١٥]- قال الحسن: ما أعطي رجل من الدنيا شيئا إلا قيل: خذه ومثله من الحرص.
[٤١٦]- وقال قتادة: يعطي الله العبد على نيّة الاخرة ما شاء من الدنيا والآخرة «٣» ولا يعطي على نية الدنيا إلا الدنيا.
[٤١٧]- وقيل: ثلاثة أشياء يستوي فيها الملوك والسوقة والعلية والسفلة: الموت والطلق والنزع، ويشبه هذا المعنى قول عبد الله بن الزبعرى
_________________
(١) البيان والتبيين ٣: ١٤٥ وعيون الأخبار ٢: ٣٧٠ ونثر الدر ٤: ١٦ وقارن بتعازي المدائني: ٧١.
(٢) نثر الدر ٧: ٦٣ (رقم: ٩) والبيان والتبيين ٣: ١٤٦ وعيون الأخبار ١: ٣٣٤ والبصائر ٢/١: ٢٣١ وشرح النهج ٢: ٩٥ وعين الأدب: ١٩٨ وربيع الأبرار: ٣٢٢ ب وأدب الدنيا والدين: ١٢١ وأنس المحزون: ٦٦/أ (ونسبه لابن عباس) .
(٣) البيان والتبيين ٣: ١٤٦ ونثر الدر ٥: ٦٢ ومحاضرات الأبرار ٢: ٢٥٠ ولقاح الخواطر: ١٨ ب وعده حديثا في محاضرات الراغب ١: ٥٢٤.
(٤) نثر الدر ٧: ٧٢ (رقم: ١٤٣) والبيان والتبيين ٣: ١٤٧ وحلية الأولياء ٢: ٢٣٣ ومجموعة ورام ١: ٧٦ وربيع الأبرار ١: ٦٤ (ببعض اختلاف) .
(٥) البيان والتبيين ٣: ١٤٨ وقد جاء بيت ابن الزبعرى في المصدر نفسه؛ وقوله «الأمور خساس بينهم» أي دول؛ وانظر السيرة: ٣: ١٣٦.
[ ١ / ١٨٤ ]
[من الرمل] .
والعطيات خساس بينهم وسواء قبر مثر ومقلّ
[٤١٨]- سأل الحجاج أعرابيا عن أخيه محمد بن يوسف، فقال: كيف تركته؟ قال: عظيما سمينا «١»: قال: ليس عن هذا أسألك، قال: تركته ظلوما غشوما، قال: أوما علمت أنه أخي؟ قال: أتراه بك أعزّ منّي بالله.
[٤١٩]- قال مطرّف بن عبد الله بن الشخّير لابنه: يا بنيّ لا يلهينّك الناس عن نفسك، فإنّ الأمر خالص إليك دونهم. إنك لم تر شيئا هو أشدّ طلبا ولا أسرع دركا من توبة حديثة لذنب قديم.
[٤٢٠]- وقال أحمد بن عاصم الأنطاكي: أصلح ما بقي يغفر لك ما مضى.
[٤٢١]- قال المكيّ: كنت عند سفيان بن عيينة وجاءه رجل فقال:
إن جاري قد آذاني، وقد روي عن رسول الله ﷺ، أنه قال: من آذى
_________________
(١) البيان والتبيين ٣: ١٥٦ وربيع الأبرار: ٢٠٠/أ- ب (والمسؤول يمني) والعقد ٣: ٤٢٤ وسراج الملوك: ٦٦ ومحاضرات الراغب ١: ٢٣٨ ونثر الدر ٦: ١٤ والأجوبة المسكتة رقم: ٩٥٦ والجليس الصالح ٢: ٢٤ وحياة الحيوان للدميري ٢: ٩٨.
(٢) البيان والتبيين ٣: ١٧٢ وقارن هذه الكلمة بقولة أخرى نسبت إلى عمر بن الخطاب في ما تقدّم رقم: ٣١٣.
(٣) حلية الأولياء ٩: ٢٨١ وصفة الصفوة ٤: ٢٥٢ وربيع الأبرار ١: ٧٣٦ ولقاسم الكوفي في المستطرف ١: ١٤٢ من أصلح فيما بقي من عمره غفر له ما مضى وما بقي؛ وأحمد بن عاصم الأنطاكي أبو عبد الله أو أبو علي (والأولى أصحّ) صوفي من أقران المحاسبي والسري السقطي وبشر بن الحارث؛ انظر طبقات السلمي: ١٣٧.
(٤) البصائر ١: ٧٧.
[ ١ / ١٨٥ ]
جاره ملّكه الله داره فقال: إن هذا لفي كتاب الله ﷿، قال الرجل:
وأين ذلك رحمك الله؟ قال الله تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنا فَأَوْحى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ، وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذلِكَ لِمَنْ خافَ مَقامِي وَخافَ وَعِيدِ
(ابراهيم: ١٣- ١٤) فقام المكيّ فقبل رأسه.
[٤٢٢]- قال حذيفة المرعشيّ: دخلت مكة مع إبراهيم بن أدهم فإذا شقيق البلخي قد حجّ في تلك السنة، فاجتمعنا في شقّ الطواف، فقال إبراهيم لشقيق: على أي شيء أصّلتم أصلكم؟ قال: أصّلنا أصلنا على أنا إذا رزقنا أكلنا، وإذا منعنا صبرنا، فقال إبراهيم: هكذا تفعل كلاب بلخ، قال له شقيق: فعلى ماذا أصّلتم؟ قال أصّلنا «١» على أنا إذا رزقنا آثرنا، وإذا منعنا شكرنا وحمدنا، فقام شقيق فجلس بين يدي إبراهيم بن أدهم وقال: أنت أستاذنا.
[٤٢٣]- قال محمد بن أبي عمران: سمعت حاتما الأصم، وكان من جلّة أصحاب شقيق البلخي، وسأله رجل فقال: على ما بنيت أمرك هذا في
_________________
(١) حلية الأولياء ٨: ٣٧ والمستطرف ١: ٧٠ وربيع الأبرار ١: ٦٩٦- ٦٩٧ وقارن بأنس المحزون: ٥ ب؛ وشقيق بن ابراهيم البلخي صوفي من مشايخ خراسان صحب إبراهيم بن أدهم وأخذ عنه الطريقة وكان استاذ حاتم الأصمّ، وكانت وفاته سنة ١٥٣؛ انظر وفيات الأعيان ٢: ٤٧٥ وطبقات السلمي: ٦١ وتهذيب ابن عساكر ٦: ٣٢٧.
(٢) نثر الدر ٧: ٦٦ (رقم: ٤٤) وكتاب الآداب: ٤٨- ٤٩ وأدب الدنيا والدين: ١١٨- ١١٩ والبصائر ٣: ٦٣٥ والمستطرف ١: ١٤٠ ورحلة النهروالي: ١٥٩ وقارن بما في حلية الأولياء ٨: ٧٣ وأنس المحزون: ٦٤/أ- ٦٥/أ؛ وأما حاتم بن عنوان الأصم (ويقال حاتم بن يوسف) فكانت وفاته سنة ٢٣٧؛ انظر طبقات السلمي: ٩١ وتاريخ بغداد ٨: ٢٤١.
[ ١ / ١٨٦ ]
التوكّل على الله؟ قال: على خصال أربع: علمت أن رزقي لا يأكله غيري فاطمأنّت به نفسي، وعلمت أن عليّ دينا لا يعلمه «١» غيري فأنا مشغول به، وعلمت أن الموت يأتيني بغتة فأنا أبادره، وعلمت أني لا أخلو من عين الله «٢» حيث كنت فأنا مستحي «٣» منه.
[٤٢٤]- ومرّ عصام بن يوسف بحاتم الأصم وهو يتكلّم في مجلسه فقال:
يا حاتم تحسن تصلّي؟ قال: نعم، قال: كيف تصلّي؟ قال حاتم: أقوم بالأمر، وأمشي بالخشية، وأدخل بالنية، وأكبر بالعظمة، وأقرأ بالتوكل «٤» والتفكر، وأركع بالخشوع، وأسجد بالتواضع، وأجلس للتشهد بالتّمام، وأسلّم بالسبيل والسنة، وأسلّمها بالإخلاص إلى الله، وأرجع على نفسي بالخوف أخاف أن لا يقبل مني وأحفظه بالجهد إلى الموت، قال: تكلم فأنت تحسن تصلي.
[٤٢٥]- قال الفضيل بن عياض: إذا أراد الله أن يتحف العبد سلّط عليه من يظلمه.
[٤٢٦]- وقال: أعلم الناس بالله أخوفهم له.
_________________
(١) حلية الأولياء ٨: ٧٤ وصفة الصفوة ٤: ١٣٥ وقارن بالبصائر ٧: ٢١٥.
(٢) حلية الأولياء ٨: ١٠٤ والمستطرف ١: ٧٩- ٨١ وفي فقر الحكماء: ٢١٦ من أقوال سقراط: اذا أراد الله بعبد [] سلط عليه من يظلمه؛ ووضع المحقق لفظة «سوءا» في ما بين قوسين، وخفي عليه وجه الصواب.
(٣) قارن بحلية الأولياء ٨: ١١٠ «رهبة العبد من الله على قدر علمه» .
[ ١ / ١٨٧ ]
[٤٢٧] قال الفضل بن الربيع: حجّ هارون الرشيد، فاتاني فخرجت إليه مسرعا فقلت: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليّ أتيتك، فقال: ويحك قد حلّ «١» في نفسي شيء فانظر لي رجلا أسأله؛ فقلت: [هاهنا] سفيان بن عيينة، فقال: امض بنا إليه، فأتيناه فقرعنا الباب فقال: من ذا؟ فقلت:
أجب أمير المؤمنين، فخرج مسرعا فقال: يا أمير المؤمنين لو أرسلت إليّ أتيتك، قال: خذ لما جئناك له رحمك الله، فحدّثه ساعة ثم قال له: عليك دين؟ قال: نعم، قال: يا عباسيّ اقض دينه، فلما خرجنا، قال: ما أغنى عنك «٢» صاحبك شيئا، انظر لي رجلا أسأله، قلت: ها هنا عبد الرزاق بن همّام، قال: امض بنا إليه، فأتيناه فكانت حاله كحال سفيان بن عيينة، فقلت له: ها هنا الفضيل بن عياض، قال: امض بنا إليه، فأتيناه فإذا هو قائم يصلّي يتلو آية من القرآن يردّدها، فقرعت الباب فقال: من ذا؟
فقلت: أجب أمير المؤمنين، قال: مالي ولأمير المؤمنين؟ فقلت: سبحان الله أما عليك طاعة لبشر؟ فنزل ففتح الباب ثم ارتقى إلى الغرفة فأطفأ السراج ثم التجأ إلى زاوية من زوايا البيت، فدخلنا فجعلنا نجول البيت «٣» عليه بأيدينا، فسبقت «٤» كف هارون الرشيد إليه قبلي فقال: يا لها من كفّ ما ألينها إن نجت من عذاب الله، فقلت في نفسي ليكلمنّه الليلة بكلام من قلب نقيّ، فقال له: خذ لما جئناك له يرحمك الله، فقال: [إن] عمر بن عبد العزيز لما ولي
_________________
(١) حلية الأولياء ٨: ١٠٥- ١٠٨ وسراج الملوك: ٥١ والذهب المسبوك: ٢١٢ ومحاضرات الراغب ١: ٥٣٨ والمصباح المضيء ٢: ١٥٢ ومحاضرات الأبرار ١: ١٩٣- ١٩٤ والمنهج المسلوك: ٤٨ ب والدميري ١: ١٥٢.
[ ١ / ١٨٨ ]
الخلافة دعا سالم بن عبد الله، ومحمد بن كعب القرظي، ورجاء بن حيوة فقال لهم: إني قد ابتليت بهذا البلاء فأشيروا عليّ، فعدّ الخلافة بلاء، وعددتها أنت وأصحابك نعمة، فقال له سالم بن عبد الله: إن أردت النجاة من عذاب الله فصم الدنيا وليكن إفطارك فيها الموت، وقال له محمد بن كعب: إن أردت النجاة من عذاب الله فليكن كبير المسلمين عندك أبا، وأوسطهم أخا، وأصغرهم ولدا، فوقّر أباك وأكرم أخاك وتحنّن على ولدك، وقال له رجاء بن حيوة: إن أردت النجاة من عذاب الله فأحبّ للمسلمين ما تحبّ لنفسك أو اكره لهم ما تكره لنفسك، ثم مت إذا شئت فإني أخاف عليك أشد الخوف يوم تزلّ الأقدام. فهل معك مثل هذا، أو من يشير عليك «١» بمثل هذا؟ فبكى هارون بكاء شديدا حتى غشي عليه، فقلت: ارفق بأمير المؤمنين، فقال: يا ابن أمّ الربيع تقتله أنت وأصحابك، وأرفق به أنا؟! ثم أفاق فقال له: زدني رحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين، بلغني أنّ عاملا لعمر بن عبد العزيز شكا إليه كثرة النوم فكتب إليه عمر: يا أخي أذكّرك طول سهر أهل النار في النار مع خلود الأبد، فإنه «٢» يطرد بك إلى ربك نائما أو يقظان، وإياك أن ينصرف بك من عند الله فيكون آخر العهد وانقطاع الرجاء. قال: فلما قرأ الكتاب طوى البلاد حتى قدم على عمر، فقال له: ما أقدمك؟ قال: خلعت قلبي بكتابك، ولا أعود لولاية حتى ألقى الله تعالى، قال: فبكى هارون بكاء شديدا، ثم قال له: زدني رحمك الله، فقال: يا أمير المؤمنين، إن العباس عمّ المصطفى جاء إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله أمّرني على إمارة؟ فقال له النبي ﷺ: إنّ الإمارة حسرة وندامة يوم القيامة، فإن استطعت أن لا تكون أميرا فافعل، فبكى هارون بكاء شديدا،
[ ١ / ١٨٩ ]
وقال له: زدني رحمك الله، قال: يا حسن الوجه أنت الذي يسألك الله عن هذا الخلق يوم القيامة، فان استطعت أن تقي هذا الوجه من النار، فإياك أن تصبح وتمسي وفي قلبك غشّ لأحد من رعيتك، فإن النبيّ ﷺ قال:
من أصبح لهم غاشّا لم يرح رائحة الجنة، فبكى هارون وقال له: عليك دين؟
قال: نعم، دين لربّي لم يحاسبني عليه، فالويل لي إن ساءلني، والويل لي إن ناقشني، والويل لي إن لم ألهم حجّتي، قال: إنما أعني من دين العباد؛ قال: إن ربي لم يأمرني بهذا، إنما أمرني أن أصدّق وعده وأطيع أمره، فقال: وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ، ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ، إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ
(الذاريات: ٥٦- ٥٨)، فقال له: هذه ألف دينار خذها فأنفقها على عيالك، وتقوّ بها على عبادتك، فقال له: سبحان الله أنا أدلّك على طريق النجاة وأنت تكافئني بمثل هذا، سلّمك الله ووفقك؟ ثم صمت فلم يكلّمنا، فخرجنا من عنده، فلما صرنا على الباب، قال هارون: يا عباسي إذا دللتني على رجل فدلّني على مثل هذا، فهذا سيد المسلمين. فدخلت عليه امرأة من نسائه فقالت: يا هذا قد ترى ما نحن فيه من ضيق الحال، فلو قبلت هذا المال فتفرّجنا به، فقال لها:
مثلي ومثلكم كمثل قوم كان لهم بعير يأكلون من كسبه، فلما كبر نحروه فأكلوا لحمه، فلما سمع هارون هذا الكلام قال: ندخل فعسى يقبل المال، فلما علم الفضيل خرج فجلس في «١» السطح على باب الغرفة، فجاء هارون فجلس إلى جنبه فجعل يكلّمه فلا يجيبه، فبينا نحن كذلك إذ خرجت جارية سوداء فقالت: يا هذا آذيت الشيخ منذ الليلة، فانصرف يرحمك الله، فانصرفنا.
[٤٢٨]- قال زهير بن عباد: كان فضيل بن عياض، ووهيب بن الورد
_________________
(١) حلية الأولياء ٨: ١٤٣؛ وزهير بن عباد رؤاسي كوفي، حدث بمصر ودمشق عن مالك وابن
[ ١ / ١٩٠ ]
وعبد الله بن المبارك جلوسا فذكروا الرّطب، فقال وهيب: وقد جاء الرطب؟
فقال ابن المبارك: يرحمك الله، هذا آخره أولم تأكله؟ قال: لا، قال:
ولم؟ قال وهيب: بلغني أن عامة أجنّة مكة من الصوافي والقطائع فكرهتها، فقال عبد الله: يرحمك الله أو ليس قد رخّص في الشراء من السوق إذا لم تعرف الصوافي والقطائع منه وإلّا ضاق على الناس خبزهم، أو ليس عامة ما يأتي من قمح مصر إنما هو من الصوافي والقطائع؟ ولا أحسبك تستغني عن القمح فسهّل عليك، قال: فصعق، فقال فضيل لعبد الله: ما صنعت بالرجل؟ فقال ابن المبارك: ما علمت أنّ كل هذا الخوف قد أعطيه، فلما أفاق وهيب قال: يا ابن المبارك، دعني من ترخيصك، فلا جرم لا آكل من القمح إلّا كما يأكل المضطر من الميتة، فزعموا أنه نحل جسمه حتى مات هزالا.
[٤٢٩]- قال عبد الله بن المبارك: رب عمل صغير تعظّمه المنية، وربّ عمل كبير تصغره المنية.
[٤٣٠]- قال محمد بن صبيح بن السماك: كتب إليّ أخ من إخواني من أهل بغداد: صف لي الدنيا، فكتبت إليه: أما بعد فإنه حفّها بالشهوات وملأها بالآفات، مزج حلالها بالمؤونات، وحرامها بالتبعات، حلالها حساب وحرامها عذاب [والسلام] .
_________________
(١) عيينة وعبد الله بن المبارك وغيرهم، ووثقه أبو حاتم، وتوفي سنة ٢٣٨ (تهذيب التهذيب ٣: ٣٤٤)؛ ووهيب بن الورد القرشي المكي أبو عثمان أحد الزهاد، يروي عن عطاء ويروي عنه الفضيل وابن المبارك وله أحاديث ومواعظ وزهد وكانت وفاته سنة ١٥٣ (تهذيب التهذيب ١١: ١٧٠) .
(٢) حلية الأولياء ٨: ٢٠٤ والبصائر ٢/١: ١٠٩، ومحمد بن صبيح بن السماك كوفي زاهد واعظ، مولى لبني عجل روى عن الأعمش وجماعة، وكان كبير القدر دخل على الرشيد فوعظه، وتوفي سنة ١٨٣؛ (انظر عبر الذهبي ١: ٢٨٧) .
[ ١ / ١٩١ ]
[٤٣١] قال يوسف بن أسباط: لو أنّ رجلا في ترك الدنيا مثل أبي ذرّ وسلمان وأبي الدرداء ما قلنا إنه زاهد، لأن الزهد لا يكون إلا في الحلال المحض، والحلال المحض لا يعرف اليوم.
[٤٣٢]- كان عبد الله بن عبد العزيز العمري يلزم الجبّان «١» كثيرا، وكان لا يخلو من كتاب يكون معه ينظر فيه، فقيل له في ذلك فقال: إنه ليس شيء أوعظ من قبر، ولا أسلم من وحدة، ولا آنس من كتاب.
[٤٣٣]- قال بشر بن الحارث: بلغني أن بنتا لفتح الموصلي عريت، فقيل له: ألا تطلب من يكسوها؟ قال: أدعها حتى يرى الله عريها وصبري عليها. قال: فكان إذا كانت ليالي الشتاء جمع عياله ومال «٢» بكسائه عليهم ثم قال: اللهم أفقرتني وأفقرت عيالي، وجوّعتني وجوّعت عيالي، وأعريتني وأعريت عيالي، بأي وسيلة أتوسّل إليك، وإنما تفعل ذلك بأوليائك وأحبابك، فهل أنا منهم حتى أفرح؟.
[٤٣٤]- قال بشر بن الحارث الحافي: إذا أعجبك الكلام فاصمت،
_________________
(١) عيون الأخبار ٢: ٣٥٦ وحلية الأولياء ٨: ٢٠٤، ٢٣٨، ٣٧٠ (وفي الموضع الثالث يروى عن وكيع) وألف باء ١: ٤٤٦؛ ويوسف بن أسباط الشيباني الكوفي زاهد واعظ يروي عن سفيان الثوري وغيره، وثقه ابن معين وتوفي سنة ١٩٥ (تهذيب التهذيب ١١: ٤٠٧) .
(٢) حلية الأولياء ٨: ٢٨٣ والحيوان ١: ٦٢ وقارن بما في ربيع الأبرار ١: ٧٦٩ والعقد ٢: ٢١٠ وتقييد العلم: ١٤٢.
(٣) حلية الأولياء ٨: ٢٩٢.
(٤) حلية الأولياء ٨: ٣٤٧ وقارن بما ورد بما ورد في الحلية ٧: ٢٨١ على لسان سفيان الثوري وورد في نثر الدر ١: ٤٤٥ (من جملة كلمة لعبد الملك بن صالح) وفي نثر الدر أيضا ١: ٤١٤ إذا حدث احدكم فاعجبه الحديث فليسكت فان أعجبه السكوت فليتكلم لابن عباس، وانظر ربيع الأبرار ١: ٧٨٠.
[ ١ / ١٩٢ ]
وإذا أعجبك الصمت فتكلم. وقد روي هذا الكلام بعينه عن ابن عباس أو غيره.
[٤٣٥]- وقال بشر سمعت خالدا الطحان وهو يذكّر ويقول: إياكم وسرائر الشرك فقيل: وكيف سرائر الشرك؟ قال: أن يصلّي أحدكم فيطوّل في ركوعه وسجوده حتى تلحظه الحدق.
[٤٣٦]- وقال بشر: اكتم حسناتك كما تكتم سيّئاتك.
[٤٣٧]- قال إبراهيم الحربي: حملني أبي إلى بشر بن الحارث فقال:
يا أبا نصر، هذا ابني مستهتر «١» بكتابة الحديث والعلم، فقال لي: يا بنيّ هذا العلم ينبغي أن تعمل به، فإن لم تعمل به كله فمن كل مائتين خمسة مثل زكاة الدراهم، فقال له أبي: يا أبا نصر تدعو له؟ قال: دعاؤك له أبلغ، فإن دعاء الوالد للولد كدعاء النبي لأمته، قال إبراهيم: فاستحليت كلامه واستحسنته، فأنا مارّ «٢» إلى صلاة الجمعة فإذا بشر يصلي في قبة الشعر «٣» فقمت وراءه أركع إلى أن نودي بالأذان، فقام رجل رثّ الحال والهيئة، فقال: يا قوم احذروا أن أكون صادقا وليس مع الاضطرار اختيار، ولا يسع السكوت عند العدم، ولا السؤال مع الوجود، وثمّ فاقة رحمكم الله، قال: فرأيت بشرا أعطاه قطعة وزنها دانق، قال إبراهيم: فقمت إليه فاعطيته درهما وقلت:
أعطني القطعة، فقال: لا أفعل، فقلت: هذان درهمان، فقال: لا
_________________
(١) حلية الأولياء ٨: ٣٤٣.
(٢) حلية الأولياء ٨: ٣٤٧ (وورد أيضا في الحلية ٣: ٢٤٠ لأبي حازم) .
(٣) حلية الأولياء ٨: ٣٤٧- ٣٤٨. ١٣ ١ التذكرة
[ ١ / ١٩٣ ]
أفعل، قال: ومعي عشرة دراهم صحاحا، قلت: هذه عشرة دراهم، قال لي: يا هذا وأيّ شيء رغبتك في دانق تبذل فيه عشرة صحاحا، فقلت: هو رجل صالح، فقال لي: أنا في معروف هذا أرغب، ولست أستبدل النعم نقما، وإلى أن آكل هذا فرج عاجل أو منيّة قاضية. قال إبراهيم فقلت:
انظروا معروف من بيد من، وقلت: يا شيخ دعوة، فقال: مرّ أحيا الله قلبك ولا أماته حتى يميت جسمك، وجعلك ممن يشتري نفسه بكلّ شيء ولا يبيعها بشيء.
[٤٣٨]- وروي أن أخت بشر بن الحارث قصدت أحمد بن حنبل فقالت: إنّا قوم نغزل الليل «١» ومعاشنا منها، وربما تمرّ بنا مشاعل بني طاهر ولاة بغداد ونحن على السطح فنغزل في ضوئها الطاقة والطاقتين، أفتحلّه لنا أم تحرّمه علينا؟ فقال لها: من أنت؟ قالت: أخت بشر، قال: آه يا آل بشر لا عدمتكم، لا أزال أسمع الورع الصافي من قبلكم.
[٤٣٩]- قال معروف لأبي توبة وقد حضرت الصلاة: صلّ بنا؟
فقال: إن صلّيت بكم هذه الصلاة لا أصلي بكم الثانية، فقال معروف:
وأنت تطمع أن تعيش إلى الصلاة الثانية؟! نعوذ بالله من طول الأمل فإنه يمنع خير العمل.
[٤٤٠]- وعنه قال: إذا أراد الله بعبد خيرا فتح عليه «٢» باب العمل
_________________
(١) حلية الأولياء ٨: ٣٥٣ وصفة الصفوة ٢: ٢٩٥ والمستطرف ١: ١٤٣.
(٢) حلية الأولياء ٨: ٣٦١ وصفة الصفوة ٢: ١٨٠ ومحاضرات الراغب وربيع الأبرار ٢٢٣/ب- ٢٢٤/أ (٢: ٧٧١) ومعروف هو الكرخي.
(٣) حلية الأولياء ٨: ٣٦١ والقول في ربيع الأبرار: ٢٥٨ ب (منسوب للأوزاعي) وكذلك في المستطرف ٢: ٦٢ وأدب الدنيا والدين: ٥٤ وقارن ببهجة المجالس ١: ٤٢٨.
[ ١ / ١٩٤ ]
وأغلق عليه باب الجدل، وإذا أراد الله بعبد شرا أغلق عنه باب العمل وفتح عليه باب الجدل.
[٤٤١]- وقيل له في علته: أوص «١»، فقال: إذا متّ فتصدقوا بقميصي هذا فإني أحبّ أن أخرج من الدنيا عريان كما دخلت إليها عريان.
[٤٤٢]- قال أحمد بن أبي الحواري: سمعت أبا سليمان الداراني يقول: من وثق بالله في رزقه زاد في حسن خلقه، وأعقبه الحلم، وسخت نفسه في نفقته، وقلّت وساوسه في صلاته.
[٤٤٣]- قال منصور بن عمار: سبحان من جعل قلوب العارفين أوعية الذكر، وقلوب أهل الدنيا أوعية الطمع، وقلوب الزاهدين أوعية التوكل، وقلوب الفقراء أوعية القناعة، وقلوب المتوكلين أوعية الرضا.
[٤٤٤]- وقال: سلامة النفس في مخالفتها، وبلاؤها في متابعتها «٢» .
[٤٤٥]- وقال منصور بن عمار: حججت حجة فنزلت سكة من سكك
_________________
(١) حلية الأولياء ٨: ٣٦٢ وصفة الصفوة ٢: ١٨٣.
(٢) حلية الأولياء ٩: ٢٥٧؛ وأحمد بن أبي الحواري من أهل دمشق صحب ابا سليمان الداراني وسفيان بن عيينة وغيرهما، وكان زاهدا ورعا توفي سنة ٢٣٠ (طبقات السلمي: ٩٨) أما أستاذه أبو سليمان الداراني فهو عبد الرحمن بن عطية أو عبد الرحمن بن أحمد بن عطية، وكانت وفاته سنة ٢١٥ (طبقات السلمي: ٧٥) .
(٣) حلية الأولياء ٩: ٣٢٧ وطبقات السلمي: ١٣٥؛ ومنصور بن عمار أصله من خراسان، وأقام بالبصرة، وكان من أحسن الناس كلاما بالموعظة (انظر تاريخ بغداد ١٣: ٧١ وطبقات السلمي: ١٣٠) .
(٤) حلية الأولياء ٩: ٣٢٧ وطبقات السلمي: ١٣٦.
(٥) حلية الأولياء ٩: ٣٢٨.
[ ١ / ١٩٥ ]
الكوفة، فخرجت في ليلة مظلمة طخياء، فإذا بصارخ يصرخ في جوف الليل وهو يقول: إلهي وعزتك وجلالك ما أردت بمعصيتي مخالفتك، ولقد عصيتك إذ عصيتك وما أنا بنكالك جاهل، ولكن خطيئة عرضت وأعانني عليها شقائي، وغرّني سترك المرخى عليّ وقد عصيتك بجهدي وخالفتك «١» بجهلي، فالآن من عذابك من يستنقذني؟ وبحبل من أتصل إن أنت قطعت حبلك مني؟ واشباباه واشباباه. فلما فرغ من قوله تلوت آية من كتاب الله ﷿:
نارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ
(البقرة: ٢٤) الآية، فسمعت دكة «٢» لم أسمع بعدها حسّا، فمضيت، فلما كان من الغد رجعت من «٣» مدرجتي فإذا أنا بجنازة قد أخرجت، وإذا عجوز قد ذهبت منّتها- يعني قوّتها- فسألتها عن الميت ولم تكن عرفتني، فقالت: هذا رجل لا جزاه الله خيرا مرّ بابني البارحة وهو قائم يصلّي فتلا آية من كتاب الله ﷿ فتفطرت مرارته فوقع ميتا، ﵀.
[٤٤٦]- فقد الحسن بن حي شابا كان ينقطع إليه، فخرج الحسن حتى أتى منزله فدقّ عليه الباب فخرج إليه الشابّ، فقال له: يا أخي مالك لم أرك منذ أيام؟ فقال له: يا أخي إن هذه الدار ليست هي دار ليست هي دار لقاء، إنما هي دار عمل، واللقاء ثمّ، أغلق الباب في وجهه فما رآه الحسن بعد ذلك اليوم حتى أخرجت جنازته.
[٤٤٧]- قال محمد الكندي: سمعت أشياخنا يقولون: إذا عرض لك
_________________
(١) ورد هذا القول مرة في الأدب الصغير (رسائل البلغاء): ١٤ ومرة في الأدب الكبير: ٩٨؛ وهو منسوب لعتبة في ربيع الأبرار: ٢٠١/أولفيثاغور في فقر الحكماء: ٢٠٨ وانظر الحكمة الخالدة: ٧٣ وسيأتي تحت رقم: ٩٣٩ وضمن كلمة نسبت لعلي ولا بن المقفع رقم: ١٠٢٦.
[ ١ / ١٩٦ ]
أمران لا تدري في أيهما الرشاد، فانظر أقربهما إلى هواك فخالفه، فإن الحقّ في مخالفة الهوى.
[٤٤٨]- قال أبو الحسن السري بن المغلّس السقطي، وهو خال أبي القاسم الجنيد وأستاذه: كلّ الدنيا فضول إلا خمس خصال: خبز يشبعه، وماء يرويه، وثوب يستره، وبيت يكنّه، وعلم يستعمله.
[٤٤٩]- وقال: من استعمل التسويف طالت حسرته يوم القيامة.
[٤٥٠]- قال أبو علي الروذباري: في اكتساب الدنيا مذلّة النفوس، وفي اكتساب الآخرة عزها، فيا عجبا لمن يختار المذلّة في طلب ما يفنى، على العزّ في طلب ما يبقى.
[٤٥١]- وكان يقول: إذا سكن الخوف في القلب لم ينطق اللسان إلا بما يعنيه.
[٤٥٢]- وقال بديل بن ميسرة العقيليّ: من أراد بعمله وجه الله أقبل الله عليه بوجهه، وأقبل بقلوب العباد إليه، ومن عمل لغير الله صرف الله عنه وجهه وصرف قلوب العباد عنه.
_________________
(١) حلية الأولياء ١٠: ١١٩ وصفة الصفوة ٢: ٢١١.
(٢) حلية الأولياء ١٠: ١٢٢.
(٣) حلية الأولياء ١٠: ٣٥٧؛ وأبو علي الروذباري اسمه أحمد بن محمد بن القاسم، من أهل بغداد، سكن مصر ومات بها، وكان عالما فقيها محدثا متصوفا توفي سنة ٣٢٢ (تاريخ بغداد ١: ٣٢٩ وطبقات السلمي ٣٥٤ وعبر الذهبي ٢: ١٩٥) .
(٤) هذا القول للحسن بن أحمد المعروف بابن الكاتب في حلية الأولياء ١٠: ٣٦٠.
(٥) حلية الأولياء ٣: ٦٢ وصفة الصفوة ٣: ١٨٩؛ وبديل محدث بصري وثقه ابن سعد وابن معين والنسائي، وكانت وفاته سنة ١٣٠ (تهذيب التهذيب ١: ٤٢٤) .
[ ١ / ١٩٧ ]
[٤٥٣] قال أبو يزيد البسطاميّ: إنّ في الطاعات من الآفات ما لا تحتاجون معه إلى أن تطلبوا المعاصي.
[٤٥٤]- وقال: ما دام العبد يظنّ أنّ في الخلق من هو شرّ منه فهو متكبر.
[٤٥٥]- وقال: من سمع الكلام ليتكلّم به مع الناس رزقه الله فهما يكلّم به الناس، ومن سمعه ليعامل الله به رزقه الله فهما يناجي به ربّه.
[٤٥٦]- وقال أبو حازم الأعرج: إن عوفينا من شرّ ما أعطينا لم يضرّنا فقد ما زوي عنّا.
[٤٥٧]- قيل لرابعة القيسية «١»: لو كلّمنا «٢» رجال عشيرتك فاشتروا لك خادما تكفيك مهنة بيتك، قالت: والله إني لأستحيي أن أسأل الدنيا من يملكها، فكيف أسألها من لا يملكها؟!.
[٤٥٨]- دخل ناسك على صاحب له وهو يكيد بنفسه، فقال له:
طب نفسا فإنك تلقى رحيما، قال: أما ذنوبي فأرجو أن يغفرها الله لي،
_________________
(١) حلية الأولياء ١٠: ٣٦ وصفة الصفوة ٤: ٩٠.
(٢) حلية الأولياء ١٠: ٣٦ وصفة الصفوة ٤: ٩٠.
(٣) حلية الأولياء ١٠: ٣٨.
(٤) نثر الدر ٧: ٧٨ (رقم: ١٤١) والبيان والتبيين ٣: ١٢٦ والبصائر ٢: ٥٥٣ وشرح النهج ٢: ٩٤ وصفة الصفوة ٢: ٨٩ (باختلاف يسير) .
(٥) نثر الدر ٧: ٦٢ (رقم: ٤) والبيان والتبيين ٣: ١٢٧ وشرح النهج ٢: ٩٥ وربيع الأبرار: ٤١٣/أ (٤: ٣٨٧) «ألا نكلم لك السلطان » .
(٦) البيان والتبيين ١: ٢١١، ٣: ١٣١ والأجوبة المسكتة رقم: ٨٠١.
[ ١ / ١٩٨ ]
وليس اهتمامي إلا لمن أدع من بناتي، قال له صاحبه: الذي ترجوه لمغفرة ذنوبك «١» فارجه لحفظ بناتك.
[٤٥٩]- قال بكر بن عبد الله: أطفئوا نار الغضب بذكر نار جهنم.
[٤٦٠]- قال ابن أبي عدي: صام داود بن أبي هند أربعين سنة لا يعلم به أهله «٢» وكان خرّازا يحمل معه غداءه من عندهم فيتصدّق به في الطريق، ويرجع عشاء فيفطر معهم.
[٤٦١]- قدم سليمان بن عبد الملك المدينة وعمر بن عبد العزيز عامله عليها، قال: فصلّى بالناس الظهر، ثم فتح باب المقصورة وقد استند إلى المحراب، واستقبل الناس بوجهه، فنظر إلى صفوان بن سليم الزهري عن غير معرفة، فقال: يا عمر من هذا؟ ما رأيت سمتا أحسن منه، قال: يا أمير المؤمنين هذا صفوان بن سليم، قال: يا غلام كيس فيه خمسمائة دينار، فأتي «٣» به فقال لخادمه: ترى هذا الرجل القائم يصلّي؟ فوصفه للغلام حتى أثبته، قال: فخرج الغلام بالكيس حتى جلس إلى صفوان، فلمّا نظر صفوان إليه ركع وسجد ثم سلّم، فأقبل عليه وقال: ما حاجتك؟ قال: أمرني أمير
_________________
(١) البيان والتبيين ٣: ١٤١ وشرح النهج ٢: ٩٥.
(٢) حلية الأولياء ٣: ٩٣- ٩٤ وصفة الصفوة ٣: ٢٢١ والشفاء: ١١٠؛ وداود بن أبي هند محدث بصري روى عن سعيد بن المسيب والشعبي وابن سيرين ومكحول، وكان ثقة كثير الحديث توفي سنة ١٣٩ وقيل بعد ذلك (طبقات ابن سعد ٧: ٢٥٥ وتهذيب التهذيب ٣: ٢٠٤) وابن أبي عدي اسمه محمد واسم أبيه ابراهيم، مولى لبني سليم ثقة توفي بالبصرة سنة ١٩٤ (طبقات ابن سعد ٧: ٢٩٢) .
(٣) حلية الأولياء ٣: ١٦٠- ١٦١ وصفة الصفوة ٢: ٨٧.
[ ١ / ١٩٩ ]
المؤمنين، وهو ذا ينظر إليك وإليّ، أن أدفع إليك هذا الكيس، ويقول لك: استعن بهذه على زمانك وعلى عيالك، فقال صفوان للغلام: ليس أنا الذي أرسلت إليه، قال الغلام: ألست صفوان بن سليم؟ قال: بلى أنا صفوان بن سليم، قال فإليك أرسلت، قال: اذهب فاستثبت فإذا أثبتّ فهلمّ، فقال الغلام: أمسك الكيس معك وأذهب أنا، قال: لا إذا أمسكت فقد أخذت «١»، ولكن اذهب واستثبت وأنا ها هنا جالس، فولّى الغلام، وأخذ صفوان نعليه وخرج، فلم ير بها حتى خرج سليمان من المدينة.
[٤٦٢]- وكان أبو مسلم الخولاني يقول: كان الناس ورقا لا شوك فيه، وأنتم اليوم شوك لا ورق فيه.
[٤٦٣]- قال أبو حازم سلمة بن دينار: عند تصحيح الضمائر تغفر الكبائر، وإذا عزم العبد على ترك الآثام أتته «٢» الفتوح.
[٤٦٤]- وقال: كلّ نعمة لا تقرّب من الله فهي بلية.
[٤٦٥]- وقال: قاتل هواك كما «٣» تقاتل عدوّك.
_________________
(١) ربيع الأبرار ١: ٣٩٨ والبيان والتبيين ٣: ١٢٧ (ونسبه لأبي الدرداء) ٢: ١٩٧ (لأبي ذر) وصفة الصفوة ١: ٢٦٢ (لأبي الدرداء) وحلية الأولياء ٢: ١٢٣ والبصائر ٢: ٢٠١ ومجموعة ورام ١: ٧٢ والعزلة: ٨٥ والمستطرف ١: ١٢٣ (لأبي الدرداء) والايجاز والاعجاز: ٩ والتمثيل والمحاضرة: ٣١ (لأبي ذر) ومحاضرات الراغب ٢: ٢٧ (لأبي الدرداء) .
(٢) حلية الأولياء ٣: ٢٣٠ وصفة الصفوة ٢: ٩٢.
(٣) حلية الأولياء ٣: ٢٣٠ وصفة الصفوة ٢: ٨٩.
(٤) حلية الأولياء ٣: ٢٣١.
[ ١ / ٢٠٠ ]
[٤٦٦] وقيل له: ما مالك؟ قال: ثقتي بالله ويأسي مما في أيدي الناس.
[٤٦٧]- وقال: قليل الدنيا يشغل عن كثير الآخرة، وإن كثيرها ينسيك قليلها، وإن كنت تطلب من الدنيا ما يكفيك فأدنى ما فيها يجزيك، وإن كنت لا يغنيك ما يكفيك «١» فليس فيها شيء يغنيك.
[٤٦٨]- ودخل سليمان بن عبد الملك المدينة «٢» حاجّا فقال: هل بها أحد أدرك عدّة من الصحابة؟ قيل: نعم أبو حازم، فأرسل إليه، فلما أتاه قال:
يا أبا حازم ما هذا الجفاء؟
قال: وأيّ جفاء رأيت مني يا أمير المؤمنين؟ قال: وجوه الناس أتوني ولم تأتني، قال: والله ما عرفتني قبل يومي هذا ولا أنا رأيتك فأيّ جفاء رأيت مني؟ فالتفت سليمان إلى الزهري فقال: أصاب الشيخ وأخطأت أنا، ثم قال: يا أبا حازم ما لنا نكره الموت؟ قال: عمرتم الدنيا وخرّبتم الآخرة، فتكرهون الخروج من العمران إلى الخراب. قال: صدقت يا أبا حازم، ليت
_________________
(١) نثر الدر ٧: ٧١ (رقم: ٨٧) والبيان ٣: ١٣٩ وعيون الأخبار ٢: ٣٦٠ وحلية الأولياء ٣: ٢٣٢، ٣: ١٨٣ والعقد ٣: ٢٠٥ والأجوبة المسكتة، رقم: ٨٣٣ وأدب الدنيا والدين: ١٢٠ ومحاضرات الأبرار ٢: ٢٤٤ والشريشي ٣: ١٢ وصفة الصفوة ٢: ٨٨ وقارن بشرح النهج ٢: ٩٤ وربيع الأبرار ٢: ٨٠٢ وقد مرّ هذا القول في رقم: ٤٠٧.
(٢) حلية الأولياء ٣: ٢٣٢ وبعضه في عيون الأخبار ٢: ٣٦١ والآمل والمأمول: ٥٥.
(٣) حلية الأولياء ٣: ٢٣٤- ٢٣٧ (وقوله «ما بالنا نكره الموت الخراب» في عيون الأخبار ٢: ٣٧٠) وانظر سراج الملوك: ٥٠- ٥١ والذهب المسبوك: ١٦٥ وصفة الصفوة ٢: ٨٩. والمصباح المضيء ٢: ٤٨- ٥٣ والامامة والسياسة ٢: ٨٨- ٩١ ومحاضرات الأبرار ١: ٣٠١- ٣٠٤ وأنس المحزون: ٦٦ ب والمنهج المسلوك: ٤٥ ب.
[ ١ / ٢٠١ ]
شعري ما لنا عند الله غدا؟ قال: اعرض عملك على كتاب الله ﷿، قال: أين أجده في كتاب الله؟ قال: قال الله: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ، وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ
(الانفطار: ١٣- ١٤)، قال سليمان: فأين رحمة الله؟ قال: قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ
(الاعراف: ٥٦) قال سليمان: ليت شعري كيف العرض على الله غدا؟ قال أبو حازم: أما المحسن كالغائب يقدم على أهله، وأما المسيء كالآبق يقدم به على مولاه، فبكى سليمان حتى علا نحيبه واشتدّ بكاؤه، وقال: يا أبا حازم كيف لنا أن نصلح؟ قال: تدعون عنكم الصّلف، وتقسمون بالسّويّة وتعدلون في القضيّة، قال: وكيف المأخذ من ذلك؟ قال: تأخذه بحقّه وتضعه لحقّه في أهله، قال: يا أبا حازم من أفضل الخلائق؟ قال: أولو المروءة والنهى، قال: فما أعدل العدل؟ قال:
كلمة صدق عند من ترجوه أو تخافه، قال: فما أسرع الدعاء إجابة؟ قال:
دعاء المحسن للمحسن «١»، قال: فما أفضل الصدقة؟ قال: جهد المقلّ إلى البائس «٢» الفقير لا يتبعها منّ ولا أذى، قال: يا أبا حازم من أكيس الناس؟
قال: رجل ظفر بطاعة الله فعمل بها ثم دلّ الناس عليها، قال: فمن أحمق الناس؟ قال: رجل اغتاظ في «٣» هوى أخيه وهو ظالم، فباع آخرته بدنياه، قال: يا أبا حازم هل لك أن تصحبنا وتصيب منا ونصيب منك؟ قال:
كلّا، قال: ولم؟ قال: إني أخاف أن أركن إليكم شيئا قليلا فيذيقني الله ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تكون لي منه نصيرا، قال: يا أبا حازم ارفع إليّ حاجتك، قال: نعم تدخلني الجنّة وتخرجني من النار، قال ليس ذلك إليّ، قال: فما لي حاجة سواها، قال: يا أبا حازم فادع الله لي، قال:
نعم، اللهم إن كان سليمان من أوليائك فيسّره لخير الدنيا والآخرة، وإن كان
[ ١ / ٢٠٢ ]
من أعدائك فخذ بناصيته إلى ما تحبّ وترضى، قال سليمان: عظني، قال:
قال: قد أكثرت إن كنت من أهله، وإن لم تكن من أهله فماذا حاجتك «١» أن ترمي على قوس ليس لها وتر؟ قال سليمان: يا أبا حازم ما تقول فيما نحن فيه؟
قال: أوتعفيني يا أمير المؤمنين، قال: بل نصيحة تلقيها إليّ، قال: إن آباءك غصبوا الناس هذا الأمر عنوة بالسيف عن غير مشورة ولا إجماع من الناس، وقد قتلوا فيه مقتلة عظيمة وارتحلوا، فلو شعرت ما قالوا وقيل لهم، فقال رجل من جلساء سليمان: بئس ما قلت، قال أبو حازم: كذبت، إنّ الله أخذ على العلماء الميثاق ليبيننّه للناس ولا يكتمونه. قال: يا أبا حازم أوصني، قال:
نعم أوصيك وأوجز، نزّه الله وعظّمه أن يراك حيث نهاك أو يفقدك حيث أمرك، ثم قام، فلما ولّي قال: يا أبا حازم هذه مائة أنفقها ولك عندي أمثالها كثير، فرمى بها وقال: ما أرضاها لك فكيف أرضاها لنفسي، إني أعيذك بالله أن يكون سؤالك إيّاي هزلا وردّي عليك بذلا، إن موسى بن عمران ﵇ لما ورد ماء مدين: فَقالَ رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ
(القصص: ٢٤) فسأل موسى ربّه ولم يسأل الناس، ففطنت الجاريتان ولم يفطن الرّعاء لما فطنتا له، فأتتا أباهما، وهو شعيب ﵇، فاخبرتاه خبره، قال شعيب: ينبغي أن يكون هذا جائعا، ثم قال لاحداهما: اذهبي ادعيه، فلما أتته أعظمته وغطّت وجهها ثم قالت: (إنّ أبي يدعوك ليجزيك) فلما قالت: ليجزيك أَجْرَ ما سَقَيْتَ لَنا
(القصص: ٢٥) كره موسى ﵇ ذلك، وأراد أن لا يتبعها ولم يجد بدّا من أن يتبعها «٢» لأنه كان في أرض مسبعة وخوف، فخرج معها وكانت امرأة ذات عجز، وكانت الرياح تضرب ثوبها فتصف لموسى ﵇ عجزها فيغضّ مرّة ويعرض أخرى، فقال: يا
[ ١ / ٢٠٣ ]
أمة الله كوني خلفي، فدخل إلى شعيب والعشاء مهيأ، فقال: كل، فقال موسى: لا، قال شعيب: ألست جائعا؟ قال: بلى ولكنني أنا من أهل بيت لا نبيع شيئا من عمل الآخرة بملء الأرض ذهبا، وأخشى أن يكون هذا أجر ما سقيت لهما. قال شعيب لا يا شابّ، ولكن هذا عادتي وعادة آبائي، قرى الضيف وإطعام الطعام، قال: فجلس موسى فأكل، فإن كانت هذه المائة دينار عوضا مما قد حدثتك فالميتة والدم ولحم الخنزير في حال الاضطرار أحلّ منه، وإن كانت من مال المسلمين فلي فيها شركاء ونظراء إن وازيتهم وإلّا فلا حاجة لي فيها. إن بني إسرائيل لم يزالوا على الهدى والتّقى، حيث كان أمراؤهم يأتون إلى علمائهم رغبة في علمهم، فلمّا نكسوا وتعسوا وسقطوا من عين الله وآمنوا بالجبت والطّاغوت، كان علماؤهم يأتون إلى أمرائهم، وشاركوهم في دنياهم وشركوا معهم في فتنتهم. قال ابن شهاب: يا أبا حازم، وإياي تعني أو بي تعرّض، قال: ما إياك اعتمدت، ولكن هو ما تسمع، قال سليمان: يا ابن شهاب تعرفه؟ قال: نعم جاري منذ ثلاثين سنة ما كلّمته كلمة واحدة «١» قط، قال أبو حازم: إنك نسيت الله فنسيتني، ولو أحببت الله لأحببتني، قال ابن شهاب: يا أبا حازم تشتمني؟ قال سليمان:
ما شتمك ولكن أنت شتمت نفسك، أما علمت أن للجار على الجار حقا كحقّ القرابة؟ فلما ذهب أبو حازم قال رجل من جلساء سليمان: يا أمير المؤمنين تحب أن يكون الناس كلهم مثل أبي حازم؟ قال: لا.
[٤٦٩]- جاء ابن «٢» لسليمان بن عبد الملك حتّى جلس إلى جنب طاووس
_________________
(١) حلية الاولياء ٤: ١٦. وصفة الصفوة ٢: ١٦٢ والأجوبة المسكتة رقم: ٧٨٩.
[ ١ / ٢٠٤ ]
ابن كيسان، فلم يلتفت إليه فقيل له: جلس إليك ابن أمير المؤمنين فلم تلتفت إليه، فقال: أردت أن يعلم إنّ لله عبادا يزهدون فيما في يديه.
[٤٧٠]- قال مورق العجليّ: ضاحك «١» معترف بذنبه خير من باك مدلّ على ربه.
[٤٧١]- استقبل عامر بن عبد قيس «٢» رجل في يوم حلبة، فقال: من سبق يا شيخ؟ قال: المقرّبون.
[٤٧٢]- قال محمد بن واسع: ما آسى من «٣» الدنيا إلا على ثلاث، بلغة من عيش ليس لأحد عليّ فيها منّة ولا لله عليّ فيها تبعة، وصلاة في جماعة أكفى سهوها ويذخر لي أجرها، وأخ إذا ما اعوججت قوّمني.
[٤٧٣]- قال مكحول: إن كان في الجماعة الفضيلة «٤»، فإنّ في العزلة السلامة.
_________________
(١) نثر الدر ٧: ٦٣ (رقم: ١٣) والبيان والتبيين ٢: ١٩٨، ٣: ١٥٨ وأدب الدنيا والدين: ١٠٥ والمستطرف ١: ٢٧ وورد في فقر الحكماء: ٢٧٩ منسوبا لبطليموس على النحو الآتي: نائم (؟) مقر بذنبه خير من ضال مدل على ربه (فتأمل دقة التحقيق) وجاء في محاضرات الراغب ٢: ٤١١ ضحك العبد وهو مشفق من ذنبه خير من بكائه وهو مدل على ربه.
(٢) البيان والتبيين ٣: ١٦٠ وعيون الأخبار ٢: ٣٧٠ وقد ورد في البيان ٢: ٢٨٢ بصورة أتم منسوبا إلى بلال، وهذا هو الذي مرّ آنفا رقم: ٢٩٧.
(٣) البيان والتبيين ٣: ١٦٢ وصفة الصفوة ٣: ١٩٤ والبرصان: ٢٦٦- ٢٦٧ ونثر الدر ٤: ٥٠.
(٤) البيان والتبيين ٣: ١٦٨، ١٨١ وحلية الأولياء ٤: ١٨١ وبهجة المجالس ١: ٦٦٩.
[ ١ / ٢٠٥ ]
[٤٧٤]- قال واصل بن عطاء: المؤمن إذا جاع صبر وإذا شبع شكر.
[٤٧٥]- قال الحسن: إنكم ما تنالون ما تحبّون إلا بترك ما تشتهون، ولا تدركون ما تأملون إلّا بالصبر على ما تكرهون.
[٤٧٦]- وقال: إنّ أهل الدنيا وإن دقدقت بهم الهماليج ووطىء الناس أعقابهم، فإنّ ذلّ المعصية في قلوبهم.
[٤٧٧]- وقال: لا تزول قدما ابن آدم حتى يسأل عن ثلاث: شبابه فيم أبلاه، وعمره فيم أفناه «١»، وماله فيم أنفقه ومن أين اكتسبه.
[٤٧٨]- قال محمد بن عمرو بن علقمة: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب الناس وهو يقول: ما أنعم الله على عبد بنعمة فانتزعها منه فعاضه في ذلك الصبر إلا كان ما عاضه الله أفضل مما نزع، ثم قرأ: إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ
(الزمر: ١٠) .
[٤٧٩]- وكتب عمر إلى الجّراح بن عبد الله الحكمي، وهو عامله: إن استطعت أن «٢» تترك مما أحلّ الله لك ما يكون حاجزا بينك وبين ما حرّم الله فافعل، فإنه من استوعب الحلال كلّه تاقت نفسه إلى الحرام.
_________________
(١) البيان والتبيين ٣: ١٦٩.
(٢) البيان والتبيين ٣: ١٦٧ والعقد ٣: ٢٠٢ وربيع الأبرار ١٧٦/أ.
(٣) البيان والتبيين ٣: ١٢٥ وبهجة المجالس ١: ٣٩٤ ورفعه في أدب الدنيا والدين: ١١٩ وفي أمالي الطوسي ٢: ٢٠٦ «حتى يسأل عن أربع» وأمثال الماوردي: ٩٤ ب.
(٤) البيان والتبيين ٣: ١٤٢ وحلية الأولياء ٥: ٢٩٨ وسراج الملوك: ١٦٨ ونثر الدر ٢: ١٢٧ والتعازي والمراثي: ٦٣.
(٥) البيان والتبيين ٣: ١٧٠ وأدب الدنيا والدين: ٢١٣ ونثر الدر ٢: ١٢٧، ١٢٩.
[ ١ / ٢٠٦ ]
[٤٨٠]- وقال عمر لخالد بن صفوان: عظني وأوجز، فقال خالد: يا أمير المؤمنين إن أقواما غرّهم ستر الله وفتنهم حسن الثّناء فلا يغلبنّك جهل غيرك بك علمك بنفسك، أعاذنا الله وإياك أن نكون بالستر مغرورين، وبثناء الناس مسرورين، وعمّا افترض الله تعالى متخلفين ومقصرين، وإلى الأهواء مائلين؛ فبكى ثم قال: أعاذنا الله وإياك من اتباع الهوى.
[٤٨١]- قال جحدر بن ربيعة العكليّ: [من الطويل] .
إذا انقطعت دنيا الفتى وأجنّه من الأرض رمس ذو تراب وجندل
رأى أنّما الدنيا غرور وأنما ثواب الفتى في صبره والتوكل
[٤٨٢]- وقال الأخطل: [من الكامل]
والناس همّهم الحياة ولا أرى طول الحياة يزيد غير خبال
وإذا افتقرت إلى الذخائر لم تجد ذخرا يكون كصالح الأعمال
[٤٨٣]- وقال آخر: [من الطويل]
يعلّل والأيام تنقص عمره كما تنقص النيران من طرف الزّند
[٤٨٤]- وقال آخر: [من الطويل]
_________________
(١) حلية الأولياء ٨: ١٨ وسيرة عمر (ابن الجوزي): ١٣٧- ١٣٨ والمصباح المضيء ٢: ٨٩- ٩٠.
(٢) ديوان الأخطل: ١٥٨ والحماسة البصرية ٢: ٤١٩.
(٣) البيان والتبيين: ١٧٩ وعيون الأخبار ٣: ٦٦ واللسان (قبر) والحماسة ١: ٣٦٨ (شرح المرزوقي: ٨٩١) وأنس المحزون: ١٩/أ- ب والشعر لعبد الله بن ثعلبة الحنفي؛ ونسب لأعرابي في شرح النهج ٧: ٢٣٥.
[ ١ / ٢٠٧ ]
لكلّ أناس مقبر بفنائهم فهم ينقصون والقبور تزيد
هم جيرة الأحياء أما محلّهم فدان ولكنّ اللقاء بعيد
[٤٨٥]- وقال بشار: [من الخفيف] .
كيف يبكي لمحبس في طلول من يبكّي لحبس يوم طويل
إنّ في البعث والحساب لشغلا عن وقوف برسم دار محيل
[٤٨٦]- وقال «١» آخر: [من الرجز] .
كل امرىء مصبّح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
[٤٨٧]- وقال عروة بن أذينة: [من الوافر] .
نراع إذا الجنائز قابلتنا ويحزننا بكاء الباكيات
كروعة ثلّة لمغار سبع فلمّا غاب عادت راتعات
[٤٨٨]- وكان محمد بن إدريس الشافعي ﵁ من زهاد الفقهاء، روي عنه أنه قال: ما حلفت بالله قطّ لا صادقا ولا كاذبا.
[٤٨٩]- وروي عنه أنه كان يقسم الليل ثلاثة أجزاء: ثلث للعلم، وثلث
_________________
(١) ديوان بشار (جمع العلوي): ١٨٩ والبيان ٣: ١٩٧ وزهر الآداب: ٤٢٤ والمحاسن والأضداد: ١١٩.
(٢) البيان والتبيين ٣: ١٨٢، وألف باء ١: ٢٩١ (يردده أبو بكر حين أصابته الحمى) .
(٣) البيان والتبيين ٣: ٢٠١ والحيوان ٦: ٥٠٧ وعيون الأخبار ٣: ٦٢ وأمالي المرتضى ١: ٤١٥ وشعر عروة: ٣٠٩ وورد البيتان في الزهرة ٢: ٨٨ لأبي بكر العرزمي.
(٤) حلية الأولياء ٩: ١٢٨، ١٣٥ ومناقب الشافعي ٢: ١٦٤.
(٥) حلية الأولياء ٩: ١٣٥ وصفة الصفوة ٢: ١٤٤ ومناقب الشافعي ٢: ١٥٧.
[ ١ / ٢٠٨ ]
للصلاة، وثلث للنوم.
[٤٩٠]- أما أبو حنيفة فكان يحيي نصف اللّيل، فلم يزل بعد ذلك يحيي كلّ الليل، وقال: أنا أستحيي من الله أن أوصف بما ليس فيّ من عبادته.
[٤٩١]- وقال الربيع: كان الشافعيّ يختم القرآن في شهر رمضان ستين مرّة كل ذلك في الصلاة.
[٤٩٢]- وقال الشافعيّ: ما شبعت منذ ستّ عشرة سنة، لأن الشبع يثقل البدن، ويزيل الفطنة، ويجلب النوم، ويضعف صاحبه عن العبادة.
[٤٩٣]- وسئل عن مسئلة فسكت فقيل له: ألا تجيب رحمك الله؟
فقال: حتى أدري الفضل في سكوتي أو في الجواب.
[٤٩٤]- وروي عن عبد الله بن محمد البلوي قال: كنت أنا وعمر بن نباتة جلوسا نتذاكر العبّاد والزهّاد فقال لي عمر: ما رأيت أورع ولا أفصح من محمد بن إدريس الشافعي، خرجت أنا وهو والحارث بن لبيد إلى الصّفا، وكان الحارث تلميذا لصالح المرّي، فافتتح يقرأ وكان حسن الصوت، فقرأ:
هذا يَوْمُ لا يَنْطِقُونَ وَلا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ
(المرسلات: ٣٥- ٣٦) فرأيت الشافعيّ وقد تغيّر لونه واقشعرّ جلده، فاضطرب اضطرابا شديدا وخرّ مغشيا عليه، فلمّا أفاق جعل يقول: أعوذ بك من مقام الكذابين، وإعراض
_________________
(١) في تهجد أبي حنيفة قارن بما ورد في مناقب أبي حنيفة ١: ٢٠٩، ٢١٤.
(٢) حلية الأولياء ٩: ١٣٤ وصفة الصفوة ٢: ١٤٥ (والربيع هو ابن سليمان) والشريشي ٤: ٩٠ وربيع الأبرار ٢: ٨٠.
(٣) حلية الأولياء ٩: ١٢٧ والشريشي ٤: ٩٠ وقارن بمناقب الشافعي ٢: ١٦٦.
(٤) مناقب الشافعي ٢: ١٧٦، ١٧٧. ١٤ ١ التذكرة
[ ١ / ٢٠٩ ]
الغافلين، اللهم لك خضعت قلوب العارفين، وذلّت هيبة المشتاقين، إلهي هب لي جودك وجللني بسترك، واعف عن تقصيري بكرم وجهك، قال: ثم قمنا وانصرفنا، فلمّا دخلت بغداد، وكان هو بالعراق، فقعدت على الشطّ أتوضأ للصلاة إذ مرّ بي رجل فقال لي: يا غلام أحسن وضوءك أحسن الله إليك في الدنيا والآخرة، فالتفتّ فإذا أنا برجل يتبعه جماعة، فأسرعت في وضوئي وجعلت أقفو أثره، فالتفت إليّ فقال: هل لك من حاجة؟ فقلت:
نعم تعلّمني مما علّمك الله شيئا، فقال لي: اعلم أنّ من صدق الله نجا، ومن أشفق على دينه سلم من الردى، ومن زهد في الدنيا قرّت عيناه بما يرى من ثواب الله غدا، أفلا أزيدك؟ قلت: بلى، قال: من كان فيه ثلاث خصال فقد استكمل الإيمان: من أمر بالمعروف وائتمر، ونهى عن المنكر وانتهى، وحافظ على حدود الله تعالى؛ ألا أزيدك؟ قلت: بلى، قال: كن في الدنيا زاهدا، وفي الآخرة راغبا، واصدق الله في جميع أمورك تنج مع الناجين، ثم مضى فسألت عنه من هذا؟ فقالوا: هو الشافعي.
[٤٩٥]- وسئل عن الرياء فقال على البديهة: الرياء فتنة عقدها الهوى حيال أبصار قلوب العلماء، فنظروا إليها بسوء اختيار النفوس فأحبطت أعمالهم.
[٤٩٦]- وقال الشافعي ﵁ أيضا: إذا خفت على عملك العجب فاذكر رضا من تطلب، وفي أي نعيم ترغب، وأي عقارب ترهب، وأي عافية تشكر، وأي بلاء تذكر، فإنك إذا فكرت في واحد من هذه الخصال صغر في عينك عملك.
[٤٩٧]- وكان الشافعيّ ممن يريد بالفقه وجه الله لا السمعة «١» والرئاسة،
_________________
(١) قارن بصفة الصفوة ٢: ١٤٢ وتقييد العلم: ١٩.
[ ١ / ٢١٠ ]
ولذلك قال: وددت أنّ الناس انتفعوا بهذا العلم وما نسب إليّ منه شيء.
[٤٩٨]- وقال: ما كلّمت أحدا قطّ إلا أحببت أن يوفّق ويسدّد ويعان ويكون عليه رعاية من الله ﷿ وحفظ، وما كلمت أحدا قط وأنا أبالي أن يبيّن الله الحق على لساني أو على لسانه.
[٤٩٩]- وكان أبو حنيفة ﵁ طويل الصمت دائم الفكر قليل المحادثة للناس؛ وذكر عند ابن المبارك فقال: أتذكرون رجلا عرضت عليه الدنيا بحذافيرها ففرّ منها.
[٥٠٠]- قال الربيع بن عاصم: أرسلني يزيد بن عمر بن هبيرة فقدمت بأبي حنيفة عليه، فأراده على بيت المال فأبى فضربه عشرين سوطا.
[٥٠١]- وقيل لأبي حنيفة: قد أمر لك أبو جعفر أمير المؤمنين بعشرة آلاف درهم، قال: ما رضي أبو حنيفة. فلما كان في اليوم الذي توقّع أن يؤتى بالمال صلّى الصبح ثم تغشّى بثوبه فلم يتكلّم، فجاء رسول الحسن بن قحطبة بالمال فدخل عليه فلم يكلّمه، فقال من حضر: ما يكلّمنا إلا بالكلمة بعد الكلمة، أي هذه عادته، فقال: ضعوا المال في هذا الجراب في زاوية البيت، ثم أوصى أبو حنيفة بعد ذلك «١» بمتاع بيته، فقال لابنه: إذا متّ فادفنوني، وخذ «٢» هذه البدرة واذهب بها إلى الحسن بن قحطبة فقل له: هذه
_________________
(١) صفة الصفوة ٢: ١٤٢ وربيع الأبرار ٢٤٨/أوالشريشي ٤: ٩٠.
(٢) مناقب أبي حنيفة ١: ١٨٩ وقارن بما ورد فيه ١: ١٨١- ١٨٢.
(٣) مناقب أبي حنيفة للمكي ١: ٢٧٣- ٢٧٤ وربيع الأبرار ٣: ٦٠٥.
(٤) قارن بمناقب أبي حنيفة للكردري ٢: ٢٤٤ وانظر ربيع الأبرار: ٢٤٨/أ.
[ ١ / ٢١١ ]
وديعتك التي أودعتها أبا حنيفة، قال ابنه: ففعلت ذلك فقال الحسن: رحمة الله على أبيك لقد كان شحيحا على دينه.
[٥٠٢]- قال حكيم: الدنيا تراد لثلاثة أشياء: العز والغنى والراحة، فمن زهد فيها عزّ، ومن قنع استغنى، ومن ترك السعي استراح.
[٥٠٣]- وقيل للحسن إن أبا ذرّ كان يقول: الفقر أحبّ إليّ من الغنى والسقم أحبّ إليّ من الصحة. فقال الحسن: رحم الله أبا ذر، أما أنا فأقول: من اتكل على حسن الاختيار من الله لم يتمنّ أنه في غير الحال التي اختارها الله له.
[٥٠٤]- زفّت معاذة إلى صلة بن أشيم، فبات ليلة الزفاف يتهجد، فقيل له فقال: أدخلت بيتا فذكرت النار، يعني الحمام، ثم أدخلت بيتا فذكرت الجنة يعني بيت العروس، فما زال فكري فيهما حتى أصبحت.
[٥٠٥]- كان عبد الله بن مرزوق من ندماء المهدي، فسكر يوما ففاتته الصلاة، فجاءته جارية بمجمرة فوضعتها على رجله، فانتبه مذعورا، فقالت: لم تصبر على نار الدنيا فكيف تصنع بنار الآخرة؟ فقام وقضى الصلاة وتصدّق بما معه وذهب يبيع البقل، فدخل عليه فضيل بن عياض «١» وابن عيينة
_________________
(١) البصائر ٧: ٩٩ وربيع الأبرار ١: ٤٥ وغرر الخصائص: ١٠٧.
(٢) حلية الأولياء ١: ١٦٢ وربيع الأبرار: ٤٠٨ ب والحكمة الخالدة: ١١٥ وقارن بقول لأبي ذر اذ صرح أنه يحب ثلاثة: الفقر والسقم والموت وتعليق لدهثم في البيان ٣: ١٥٣ وانظر العقد ٣: ١٩٦ حيث يتحدث أبو هريرة عن ثلاث يكرههن الناس وهو يحبهن.
(٣) قارن بصفة الصفوة ٣: ١٤١ وربيع الأبرار: ٣٨٨ ب. (٤: ٢٨٥) .
(٤) ربيع الأبرار: ٤٠٩/أ (٤: ٣٧٢) والمستطرف ١: ٦٨.
[ ١ / ٢١٢ ]
فإذا تحت رأسه لبنة وما تحت جنبه شيء فقالا: إنه لم يدع أحد شيئا إلّا عوّضه الله منه بدلا، فما عوّضك ما تركت له؟ قال: الرّضا بما أنا فيه. قال سفيان ابن عيينة: ما من عملي شيء أرجى عندي من بغض هؤلاء، قال الفضيل:
رجل لا يخالط هؤلاء ولا يزيد على المكتوبة أفضل عندنا من رجل يقوم الليل ويصوم النهار ويحجّ ويعتمر ويجاهد في سبيل الله ويخالطهم.
[٥٠٦]- صحب رجل الربيع بن خثيم فقال: إني لأرى الربيع لم يتكلّم منذ عشرين سنة إلا بكلمة تصعد؛ وكان لا يتكلم كلمة «١» في الفتنة، فلمّا قتل الحسين قالوا ليتكلمنّ اليوم، فقالوا: يا أبا يزيد قتل الحسين «٢» فقال: أوقد فعلوا: اللَّهُمَّ فاطِرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبادِكَ فِي ما كانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ
(الزمر: ٤٦) ثم سكت.
[٥٠٧]- كان «٣» وكيع يقول: ما خطوت للدنيا منذ أربعين سنة، ولا سمعت حديثا قطّ فنسيته، قيل وكيف ذاك؟ قال: لأنّي لا أسمع شيئا إلا عملت به.
[٥٠٨]- وكان يزيد بن أبان الرقاشي من أصحاب الحسن وأنس يبكي
_________________
(١) البيان والتبيين ٣: ١٦٠ وحلية الأولياء ٢: ١٠٩، ١١٠، ١١١ وصفة الصفوة ٣: ٣٢ وربيع الأبرار ١: ٧٧٢ والبصائر ٢: ٥٠٨ وشرح النهج ٧: ٩٣.
(٢) ربيع الأبرار ٢٧٧/أ؛ ووكيع بن الجراح كان أعجوبة في قدرته على الحفظ مع النسك والتعفف، وله مؤلفات عديدة، وكانت وفاته سنة ٢٠٦ (تهذيب التهذيب ١١: ١٢٣- ١٣١) .
(٣) العقد ٣: ١٩٨ وصفة الصفوة ٣: ٢١١ وربيع الأبرار: ٢٩١ ب؛ وكان يزيد بن أبان الرقاشي البصري قاصا زاهدا بكاء وفي حديثه ضعف، وتوفي ما بين ١١٠- ١٢٠ (تهذيب التهذيب ١١: ٣٠٩- ٣١١) .
[ ١ / ٢١٣ ]
عامّة ليله ونهاره حتى سقطت أشفار عينيه، فقال له ابنه: لو خلقت النار لأجلك ما زدت ما تصنع، فقال: هل خلقت النّار إلا لي ولأمثالي.
[٥٠٩]- حاك مجمع التيمي ثوبا قد تنوّق فيه فباعه فردّ عليه بعيب فبكى، فقال له المشتري: لا تبك فقد رضيت به، فقال: ما أبكاني إلّا أني «١» تنّوقت فيه فردّ بالعيب، فأخاف أن يردّ عليّ عملي الذي عملته في أربعين سنة.
[٥١٠]- كان عمر بن حبيب إذا فرغ من تهجده قال: الرواح الرواح، السباق السباق، سبقتم إلى الماء والظلّ، من يسبق إلى الماء يظمأ، ومن يسبق إلى الظلّ يضح.
[٥١١]- وكان في بستان له مع غلامه فأذّن المؤذن فقال الغلام: الله أكبر الله أكبر، فقال: سبقتني إليها، أنت حرّ ولك هذه النخلة.
[٥١٢]- قال جعفر بن عبد القادر المقدسي: سألت جعيلا عن حدّ الزهد؟
فقال: استصغار الدنيا، فلما وليت دعاني فقال: بل هو محو الدنيا من القلب.
[٥١٣]- قال سكين بن موسى: كنت مجاورا بمكة، وكان فيها مجنون
_________________
(١) مجموعة ورام ١: ٤٢ وربيع الأبرار: ١٩٢/أ؛ وهو مجمع بن صمغان التيمي صاحب سفيان الثوري؛ كان زاهدا عابدا ثقة (حلية الأولياء ٥: ٨٩) .
(٢) ربيع الأبرار: ٢٥٩ ب؛ وكان عمر بن حبيب المكي قاصا سكن اليمن، روى عن عطاء والزهري وكان حافظا متقنا (تهذيب التهذيب ٧: ٤٣١) .
(٣) ربيع الأبرار: ٢٥٩ ب.
[ ١ / ٢١٤ ]
ينطق بفنون الحكمة، فقلت: أين تأوي بالليل؟ فقال: إلى دار الغرباء، قلت: ما أعرف بمكة دار الغرباء، قال: سكني تلك المقابر، قلت: ما تستوحش في الليل وظلمته؟ قال: إذا ذكرت القبر ووحشته هان عليّ الليل وظلمته.
[٥١٤]- قيل: الزهادة في الدنيا قصر الأمل، لا أكل الغليظ ولا لبس السّمل «١» .
[٥١٥]- قيل للحسن: ما الحجّ المبرور؟ فقال: أن ترجع زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة.
[٥١٦]- وكان يقول: من ساءته خطيئة ولم يستغفر غفر له.
[٥١٧]- كان مالك بن دينار يمرّ بالسوق فيرى ما يشتهيه فيقول: يا نفس اصبري، ما أحرمك ما تريدين إلّا لكرامتك عليّ.
[٥١٨]- وقال له جار له في مرضه: ما تشتهي؟ قال: إن نفسي لتنازعني إلى شيء منذ أربعين سنة، رغيف أبيض ولبن في زجاج، فأتاه به فجعل ينظر إليه ثم يقول: دافعت «٢» شهوتي عمري كلّه، حتى إذا لم يبق من عمري إلا مثل ظمء الحمار آخذها؟! انظروا يتيم آل فلان فادفعوه إليه، ومات بشهوته.
_________________
(١) نسب هذا القول لسفيان بن عيينة في عيون الأخبار ٢: ٣٥٦ ومحاضرات الراغب ١: ٥١١ وفي ألف باء ١: ٤٤٦ (للثوري) وانظر ربيع الأبرار ١: ٨٢٥ ومجموعة ورام ١: ٧٣.
(٢) ربيع الأبرار ٢: ١٣٥.
(٣) ربيع الأبرار: ١٩٠/أ.
(٤) ربيع الأبرار: ١٩٠/أومحاضرات الراغب: ٢: ٤١٢- ٤١٣ وقارن بما في حلية الأولياء ٢: ٣٦٦.
[ ١ / ٢١٥ ]
[٥١٩]- قال الثوري: إذا مررت بدورهم، يعني السلاطين، فلا تنظر إليها فإنما بنوها لينظر إليها، ثم تلا قوله تعالى: وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ
(الحجر: ٨٨) الآية.
[٥٢٠]- قبل سعيد بن المسيب من مال الخمس من السلطان ولم يقبله الثوري، وقال: إني لأعلم أنه حلال لي ولكن أكره أن يقع لهم في قلبي مودّة.
[٥٢١]- وقيل له: لو دخلت عليهم وتحفّظت، قال: أفتأمرونني أن أسبح في البحر «١» ولا تبتلّ ثيابي؟! [٥٢٢]- محمد بن هانىء: [من الطويل] .
وما الناس إلّا ظاعن ومودّع وثاو «٢» قريح الجفن يبكي لراحل
فهل هذه الأيام إلّا كما خلا وهل نحن إلا كالقرون الأوائل
نساق من الدنيا إلى غير دائم ونبكي من «٣» الدنيا على غير طائل
فما عاجل نرجوه إلّا كآجل وما آجل نخشاه إلا كعاجل
[٥٢٣]- نظر سريع الأهوازي إلى شابّ من أولاد الملوك وهو يتوقّى في
_________________
(١) ربيع الأبرار: ٣٧١ ب.
(٢) ربيع الأبرار: ٣٧١ ب.
(٣) ربيع الأبرار: ٣٧٢/أ.
(٤) ديوان ابن هانىء: ٣٣١.
[ ١ / ٢١٦ ]
الأطعمة ويتّقي الحرّ والبرد، فقال له: يا ابن أخي، لم تفعل هذا؟ قال:
أخاف الموت، قال: فاحذر أن تصير إلى دار تتمنّى فيها الموت تقدر عليه.
[٥٢٤]- وكتب رجل إلى عبد الله بن الزبير لما دعا إلى الخلافة يعظه: أما بعد، فإنّ التقوى في أهلها علامات يعرفون بها ويعرفون بها أنفسهم «١»: من صبر على البلاء، ورضي بالقضاء، وشكر النعمة، وذلّ لحكم القرآن، وإنّما الإمام كالسوق يحمل اليها ما زكا فيها، فمن كان من أهل الحقّ أتاه أهل الحقّ بحقهم، ومن كان من أهل الباطل أتاه أهل الباطل بباطلهم، فانظر أيّ الإمامين أنت.
[٥٢٥]- ولما احتضر معاوية جعلوا يقلبونه فقال: إنكم تقلّبون حوّلا «٢» قلّبا إن نجا من عذاب الله، ثم قال: [من الخفيف] .
إن تعذّب يكن عذابك يا ربّ غراما لا طوق لي بالعذاب
أو تجاوز فأنت أهل لعفو عن مسيء ذنوبه كالتراب
[٥٢٦]- ولما احتضر المنصور قال: يا ربيع بعنا الآخرة بنومة.
_________________
(١) حلية الأولياء ١: ٣٣٦ وصفة الصفوة ١: ٣٢٤ والمصباح المضيء ٢: ٤٣.
(٢) انظر انساب الأشراف ٤/١ الفقرة ٤٢٦، ٤٢٥ ونور القبس: ٢٩٢ وابن الأثير ٤: ٤ والعمدة ١: ١٤ وابن كثير ٨: ١٤٢، ٩: ٦٨ وبهجة المجالس ٢: ٣٦٩ والكامل للمبرد ٤: ١١١ والميداني ١: ١٤٩، والعسكري ١: ٤٠٩.
(٣) نثر الدر ٣: ٣٠ ومحاضرات الراغب ١: ١٧٤ (منسوبا لعبد الملك) وربيع الأبرار: ٣٦٣/أ (منسوبا للمنصور) والبصائر ٢: ٤٣٣ وقارن بما قاله عند موته في ربيع الأبرار ايضا: ٣٦٢/أ.
[ ١ / ٢١٧ ]
[٥٢٧]- وقال الرشيد عند موته «١»: وا حيائي من رسول الله ﷺ.
[٥٢٨]- وقال المأمون لما احتضر: يا من لا يزول ملكه ارحم من قد زال ملكه.
[٥٢٩]- وروي أن عبد الملك قال حين ثقل، ورأى غسّالا يلوي ثوبا بيده: وددت أني كنت غسّالا لا أعيش إلّا بما أكسب يوما بيوم. فذكر ذلك لأبي حازم فقال: الحمد الله الذي جعلهم عند الموت يتمنّون ما نحن فيه، ولا نتمنى عند الموت ما هم فيه.
[٥٣٠]- وروي أيضا أنه قال عند موته، وأشار إلى الدنيا: إن طويلك لقصير، وإن كثيرك لقليل، وإن كنّا منك لفي غرور.
[٥٣١]- ونظر هشام بن عبد الملك لما احتضر إلى بنيه وهم يبكون عليه فقال: جاد هشام لكم بالدنيا وجدتم له بالبكاء «٢»، وترك لكم ما جمع، وتركتم عليه ما كسب، ما أعظم منقلب هشام إن لم يغفر الله له.
_________________
(١) قولة الرشيد في البصائر ٢: ٤٣٣ ونثر الدر ٣: ٣٥ وقارن بما قاله لدى احتضاره في مجموعة ورام ١: ٢٨٢.
(٢) نثر الدر ٣: ٣٩ وسراج الملوك: ٤٨ والبصائر ٢: ٤٣٣ ومحاضرات الراغب ٢: ٤٩٥ وربيع الأبرار ٣٦٣/أومجموعة ورام: ٢٨٢ وأنس المحزون: ١٣/أ.
(٣) البيان والتبيين ٣: ١٩١ والتعازي والمرائي: ٢٢٦ والحكمة الخالدة: ١٧٤ ونثر الدر ٧: ٧٩ (رقم: ١٥١) وسراج الملوك: ٤١ وأدب الدنيا والدين: ١٢٤ ومحاضرات الراغب ١: ١٧٤، ٢: ٤٩٤ ومجموعة ورام ١: ٢٨١ ولقاح الخواطر: ٦٣/أوالدميري ٢: ٤٤١.
(٤) مروج الذهب ٥: ٣٦٩ (باريس) .
(٥) الموفقيات: ٤٧٣ والعقد ٣: ٢١٣ والحكمة الخالدة: ١٧٥ ولباب الآداب: ١٢٢ وبهجة المجالس ١: ٣٧١ وسراج الملوك: ٤٨ وأدب الدنيا والدين: ٢٢٠ والمستطرف ١: ٧٨ ومحاضرات الراغب ٢: ٤٩٥ وغرر الخصائص: ٢٣٩ والجليس الصالح ٢: ٣٨٦.
[ ١ / ٢١٨ ]
[٥٣٢]- وأنشد لأبي العتاهية ويروى لأبي نواس: [من الكامل] .
والموت لا يخفى على أحد ممن أرى وكأنه يخفى
ولقد مررت على القبور فما ميّزت بين العبد والمولى
[٥٣٣]- وقال سليمان بن الوليد «١»: [من المديد] .
ربّ مغروس يعاش به عدمته كفّ مغترسه
وكذاك الدهر مأتمه أقرب الأشياء من عرسه
[٥٣٤]- من كلام سفيان الثوري فيما أوصى به عليّ بن الحسين «٢» السلمي: عليك بالصدق في المواطن كلّها، وإياك والكذب والخيانة ومجالسة أصحابها، فإنها وزر كله، وإياك يا أخي والرياء في القول والعمل، فإنه شرك بعينه، وإياك والعجب فإنّ العمل الصالح لا يرفع وفيه عجب، ولا تأخذنّ دينك إلّا ممن هو مشفق على دينه، فإن مثل الذي هو غير مشفق على دينه «٣» كمثل طبيب به داء لا يستطيع أن يعالج داء نفسه وينصح لنفسه، كيف يعالج
_________________
(١) ورد البيت الثاني في ديوان أبي العتاهية: ٩ من قصيدة طويلة وفي أدب الدنيا والدين: ٢٨٥ ولم ترد الأبيات في ديوان أبي نواس (رواية الصولي) .
(٢) البيتان في البيان والتبيين ٣: ٢٠٢ والحيوان ٤: ١٩٥ وعيون الأخبار ٣: ٦١ وأدب الدنيا والدين: ١٢٠ وسليمان هذا هو أخو مسلم بن الوليد، وفي معجم الأدباء ١١: ٢٥٥ ونكت الهميان: ١٦٠ أنه ابن مسلم بن الوليد.
(٣) حلية الأولياء ٧: ٨٢- ٨٥ (مع بعض حذف) .
[ ١ / ٢١٩ ]
داء الناس وينصح لهم؟ فهذا الذي لا يشفق على دينه كيف يشفق على دينك؟
وليكن جليسك من يزهّدك في الدنيا ويرغّبك في الآخرة، وإياك ومجالسة الذين يخوضون في حديث الدنيا «١» فإنهم يفسدون عليك دينك وقلبك، وأكثر ذكر الموت؛ وأكثر الاستغفار ممّا قد سلف من ذنوبك، وسل الله السلامة لما بقي من عمرك، وانصح لكلّ مؤمن إذا سألك في أمر دينه، وإياك أن تخون مؤمنا فمن خان مؤمنا «٢» فقد خان الله ورسوله. وإذا أحببت أخاك في الله فابذل له نفسك ومالك، وإياك والخصومات والجدل والمراء فإنك تصير ظلوما خوّانا أثيما، وعليك بالصبر في المواطن كلها، وإياك والحدّة والغضب فإنهما يجرّان إلى الفجور، والفجور يجرّ إلى النار، ولا تمارينّ عالما فيمقتك، وإن الاختلاف إلى العلماء رحمة والانقطاع عنهم سخط الرحمن. ودع كثيرا مما يريبك إلى ما لا يريبك تكن سليما، وأمر بالمعروف وانه عن المنكر تكن حبيب الله، وأقلل الفرح والضحك بما تصيب من الدنيا تزدد قوة عند الله، واعمل لآخرتك يكفك الله أمر دنياك، وأحسن سريرتك يحسن الله علانيتك، وإذا هممت بأمر من أمر الآخرة فشمّر إليها وأسرع من قبل أن يحول بينك وبينها الشيطان. كن طاهر القلب، نقيّ الجسد من الذنوب والخطايا، نقيّ اليدين من المظالم، سليم القلب من الغشّ والمكر والخيانة، خالي البطن من الحرام، فإنه لا يدخل الجنة لحم نبت من سحت. كفّ بصرك عن الناس. ولا تمشينّ لغير حاجة. أقل العثرة، واقبل المعذرة، ولا تبغض أحدا ممن يطيع الله. صل من قطعك وصل رحمك، وتجاوز عمّن ظلمك تكن رفيق الأنبياء والشهداء، وأقلّ دخول السوق فإنهم ذئاب عليهم «٣» ثياب وفيها مردة الشياطين من الجنّ والإنس، وإذا دخلتها لزمك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنك لا ترى
[ ١ / ٢٢٠ ]
فيها إلا منكرا، فقم على طرقها فقل: «أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، يحيي ويميت، بيده الخير كلّه، وهو على كلّ شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله العليّ العظيم»، فقد بلغنا أنه يكتب لقائلها بكلّ من في السوق، عجميّ أو فصيح، عشر حسنات، ولا تجلس فيها، واقض حاجتك وأنت قائم يسلم لك دينك، وإياك أن يفارقك الدسم «١» فإنه أتمّ لعقلك، ولا تمنعنّ «٢» نفسك من الحلاوة فإنها تزيد في الحلم، وعليك باللحم ولا تدم عليه ولا تدعه أربعين يوما فإنه يسيء خلقك، وعليك بالعدس فإنه يعزر الدموع ويرقّ القلب، وعليك باللباس الخشن تجد حلاوة الإيمان.
وعليك بقلة الأكل تملك سهر الليل «٣»، وعليك بالصوم فإنه يسدّ عنك باب الفجور ويفتح عليك باب العبادة، وعليك بقلة الكلام يلن قلبك، وعليك بطول الصمت تملك الورع. ولا تكوننّ حريصا على الدنيا، ولا حاسدا، ولا تكن طعانا تنج من ألسن الناس، وكن رحيما تكن محببا إلى الناس، وارض بما قسم الله تكن غنيا، وتوكل على الله تكن قويا، ولا تنازع أهل الدنيا في دنياهم يحبك الله ويحبك أهل الأرض، وكن متواضعا تستكمل أعمال البّر. ولا تدع أيامك ولياليك وساعاتك تمرّ عليك باطلا، وعليك بذكر الموت يهّون الله عليك أمر الدنيا. اشتق إلى الجنة يوفّق الله لك الطاعة، وأشفق من النار يهوّن الله عليك المصائب، ولا تحقرنّ شيئا من المعروف. انظر يا أخي أن يكون أول أمرك تقوى الله في السّر والعلانية، واخش خشية من قد علم أنه ميت ومبعوث ثم الحشر ثم الوقوف بين يدي الجبار ﷿، ومحاسب بعملك ثم المصير إلى إحدى الدارين: إما إلى جنة ناعمة خالدة «٤»، وإمّا إلى نار فيها ألوان
[ ١ / ٢٢١ ]
العذاب مع خلود لا موت فيه، وارج رجاء من يعلم أنه يعفو «١» أو يعاقب.
[٥٣٥]- يقال إنه «٢» كان في عضد بزرجمهر مكتوب: إن كانت الحظوظ بالجدود فما الحرص؟ وإن كانت الأشياء غير دائمة فما السرور؟ وإن كانت الدنيا غرّارة فما الطمأنينة؟
[٥٣٦]- روى عمر البناء البغدادي قال: لما كانت محنة غلام الخليل ونسب الصوفية إلى الزندقة أمر الخليفة بالقبض عليهم، فأخذ فيهم أبو الحسين أحمد بن محمد المعروف بالنوري، وكان صوفيا متكلما، فأدخلوا على الخليفة فأمر بضرب أعناقهم، فتقدم النوريّ مبتدرا إلى السيّاف ليضرب عنقه، فقال له: ما دعاك إلى الابتدار إلى القتل من بين أصحابك؟ فقال: آثرت حياتهم على حياتي هذه اللحظة، فتوقّف السياف والحاضرون عن قتله، ورفع أمرهم إلى الخليفة، فردّهم إلى قاضي القضاة، وهو يومئذ إسماعيل بن إسحاق، فسأل النوريّ عن مسائل في العبادات من الطهارة والصلوات فأجابه، ثم قال: وبعد هذا لله عباد «٣» يسمعون بالله، وينطقون بالله، ويصدرون بالله، ويوردون بالله، ويأكلون بالله، ويلبسون بالله، فلما سمع إسماعيل كلامه بكى بكاء طويلا، ثم دخل على الخليفة فقال: إن كان هؤلاء زنادقة فليس في
_________________
(١) عيون الأخبار ٣: ١٩١ وأمالي الزجاجي: ١٨٦ وأخبار الزجاجي: ١٨٧ وقارن بقولة لحكيم في غرر الخصائص: ٣٥٤.
(٢) حلية الأولياء ١٠: ٢٥٠- ٢٥١ وزهر الآداب: ٩٩١ وبهجة المجالس ٢: ٣٣٦. وقارن بما جاء في سراج الملوك: ١٥٥ وبهجة المجالس ٢: ٢٧٩ ونثر الدر ٧: ٤٢ (٩٣) والعقد ٢: ٢٥٨ وعيون الأخبار ٣: ١٩١ وأبو الحسين النوري توفي سنة ٢٩٥ (انظر المنتظم ٦: ٧٧ وتاريخ بغداد ٥: ١٣٠ والبداية والنهاية ١١: ١٠٦) .
[ ١ / ٢٢٢ ]
الأرض موحّد، فأمر بتخليتهم؛ وسأله السلطان يومئذ من أين تأكلون؟
قال: لسنا نعرف الأسباب التي تستجلب بها الأرزاق، نحن قوم مدبّرون.
[٥٣٧]- قال يزيد بن الصقيل «١» العقيليّ، وكان لصا فتاب: [من الطويل] .
وإن امرءا ينجو من النار بعد ما تزوّد من أعمالها لسعيد
إذا ما المنايا أخطأتك وصادفت حميمك فاعلم أنها ستعود
[٥٣٨]- وقال الحسين بن مطير الأسدي: [من الطويل] .
وقد تخدع الدنيا فيمسي غنّيها فقيرا ويغني بعد بؤس فقيرها
فلا تقرب الأمر الحرام فإنه حلاوته تفنى ويبقى مريرها
وكم قد رأينا من تكدّر عيشة وأخرى صفا بعد اكدرار غديرها
وكم طامع في حاجة لا ينالها ومن آيس منها أتاه يسيرها
[٥٣٩]- كعب بن زهير: [من البسيط] .
لو كنت أعجب من شيء لأعجبني سعي الفتى وهو مخبوء له القدر
يسعى الفتى لأمور ليس يدركها فالنفس واحدة والهمّ منتشر
_________________
(١) أمالي القالي ١: ٦١ والبيت الأول في بهجة المجالس ١: ١٨٩.
(٢) ديوان المعاني ٢: ٢٤٨ وأمالي المرتضى ١: ٤٣٣ وحماسة ابن الشجري: ١٦٣ والخزانة ٢: ٤٨٦ وشعر الحسين (جمع عطوان): ١٦٧- ١٦٩ (باختلاف في الترتيب)، وانظر الفرج بعد الشدة ٥: ١٢.
(٣) ديوان كعب: ٢٢٩ والبصائر ٣: ٤٤٦. ومنها بيتان في أدب الدنيا والدين: ٥٢؛ وبيتان في حماسة البحتري: ٢١٧ منسوبان لقعنب بن أم صاحب الغطفاني والدميري ١: ٧١.
[ ١ / ٢٢٣ ]
والمرء ما عاش ممدود له أمل لا تنتهي العين حتى ينتهي الأثر
ويروى مجمّو «١» له القدر، أي مجموع من قولك جممت «٢» الماء في الحوض إذا جمعته.
[٥٤٠]- وقال آخر: [من الطويل] .
ومن يحمد الدنيا لعيش يسرّه فسوف لعمري عن قليل يلومها
إذا أدبرت كانت على المرء حسرة وإن أقبلت كانت كثيرا همومها
[٥٤١]- وقال آخر: [من الكامل] .
إنّ المساءة للمسرّة موعد أختان رهن للعشيّة أو غد
فإذا سمعت بهالك فتيقّنن أن السبيل سبيله فتزوّد
[٥٤٢]- قال المسيّب بن واضح «٣»: صحبت ابن المبارك مقدمه من الحجّ فقال لي يا مسيّب: ما أتى فساد العامة إلا من قبل الخاصة، قلت: وكيف ذاك رحمك الله؟ قال لأنّ أمة محمد ﷺ على طبقات خمس: فالطبقة الأولى هم الزهاد، والثانية العلماء، والثالثة الغزاة، والرابعة التجّار، والخامسة الولاة. فأما الزهاد فهم ملوك هذه الأمة، وأما العلماء فهم ورثة الأنبياء، وأما الغزاة فهم سيوف الله ﷿، وأما التجار فهم الأمناء، وأما الولاة فهم الرعاة.
_________________
(١) ورد البيتان في المحاسن والأضداد: ١١٧.
(٢) المسيب بن واضح حمصي روى عن اسماعيل بن عياش والكبار، وتوفي في آخر سنة ٢٤٦ (عبر الذهبي ١: ٤٤٨) .
[ ١ / ٢٢٤ ]
فإذا كان الزاهد طامعا فالتائب بمن يقتدي؟ وإذا كان العالم راغبا فالجاهل بمن يهتدي؟ وإذا كان الغازي مرائيا فمتى يظفر بالعدوّ؟ وإذا كان التاجر خائنا فعلام يؤتمن الخونة؟ وإذا كان الراعي ذئبا فالشاة من يحفظها؟.
[٥٤٣]- قال عمرو بن عبيد للمنصور في موعظة له طويلة مشهورة: إن الله تعالى أعطاك الدنيا بأسرها فاشتر نفسك منه ببعضها، وإن هذا الذي أصبح في يديك لو بقي في يدي من كان قبلك لم يصر إليك، فاحذر ليلة تمخّض بيوم هو آخر عمرك. فبكى المنصور وقال له: سل حاجتك؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، لا تعطني حتى أسألك، ولا تدعني حتى أجيئك.
[٥٤٤]- قيل لزاهد كيف سخت نفسك عن الدنيا؟ قال: أيقنت أني خارج عنها كارها فأحببت أن أخرج منها طوعا.
[٥٤٥]- قال الفضيل: يا ربّ إني لأستحيي أن أقول توكلت عليك، لو توكلت عليك لما خفت ولا رجوت غيرك.
[٥٤٦]- وسئل الفضيل عن الزهد فقال: هو حرفان في كتاب الله ﷿: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى ما فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ
(الحديد:
٢٣) .
_________________
(١) نثر الدر ٧: ٦٤ (رقم: ١٩) وعيون الأخبار ٢: ٣٣٧ وأنساب الاشراف ٣: ٢٣٣- ٢٣٤ وشرح النهج ٢: ٩٦، ١٨: ١٤٧ والموفقيات ١٤٢ والبيان والتبيين ٢: ١٩٨ والشريشي ٣: ٣٥ والذهب المسبوك: ١٩١ وتاريخ بغداد ١٢: ١٦٧ والمصباح المضيء ٢: ١٣٦ وزهر الآداب: ١٠٢- ١٠٣ وبهجة المجالس ٢: ٣٣٥ (بايجاز) وتاريخ الخلفاء: ٢٨٩.
(٢) نثر الدر ٧: ٦٤ (رقم: ٢٢) وشرح النهج ٢: ٩٦ ومجموعة ورام ٢: ٩ والبصائر ١: ٢٤٧ وبهجة المجالس ٢: ٢٩٠.
(٣) نثر الدر ٧: ٦٥ (رقم: ٣٠) وشرح النهج ٢: ٩٧ والعقد ٣: ١٧٨ والبصائر ٢: ٤٣٣.
(٤) نثر الدر ٧: ٦٦ (رقم: ٣٧) ومحاضرات الراغب ١: ٥١١ وشرح النهج ٢: ٩٧ وقد مرّ هذا في رقم: ١٦٥. ١٥ ١ التذكرة
[ ١ / ٢٢٥ ]
[٥٤٧]- وقف أعرابيّ على قبر هشام، وخادم له يقول: ما لقينا بعدك؟ فقال: إيها عليك، أما إنه لو نشر لأخبرك أنه لقي أشدّ مما لقيتم.
[٥٤٨]- قال مطرّف: لأن يسألني ربّي ألا فعلت، أحبّ إليّ من أن يسألني لم فعلت.
[٥٤٩]- وقف بعضهم على قبر بعض الجبابرة فقال: أيها الجبار كم نفس قتلتها طلبا للراحة منها أصبحت اليوم وهي أكبر شغلك؟
[٥٥٠]- كان ابن الفضيل يوما خلف الامام، وسمع سورة الرحمن فجعل يتلوّى وأبوه ينادي: أما سمعت قوله: حُورٌ مَقْصُوراتٌ فِي الْخِيامِ
(الرحمن: ٧٢) فقال ابنه: يا أبة لكنّي سمعت يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيماهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّواصِي وَالْأَقْدامِ
(الرحمن: ٤١) .
[٥٥١]- دخل لصّ على بعض الزهاد فلم ير في داره شيئا فقال له: يا هذا أين متاعك؟ قال: حوّلته إلى الدار الأخرى.
[٥٥٢]- قال بعضهم: رأيت صوفيا بالبادية فقلت له: أين الزاد؟
فقال: قدّمته إلى المعاد.
_________________
(١) نثر الدر ٧: ٦٦ (رقم: ١١) ومحاضرات الراغب ٢: ٤٨٤. وفي العقد ٣: ٢٤٣- ٢٤٤ يقول هذا القول خصي وقف على قبر الوليد.
(٢) نثر الدر ٧: ٦٨ (رقم: ٥٢) وحلية الأولياء ٢: ٢٠٠ وصفة الصفوة ٣: ١٤٥ وربيع الأبرار: ٢٥٩/أوبايجاز في ربيع الابرار ١: ١٧٢- ١٧٣ وقارن بقولة واصل: لأن يقول لي هلا قلت في ربيع الأبرار ١: ٧٦٣- ٧٦٤. وانظر لقاح الخواطر: ٤٥/أ.
(٣) نثر الدر ٧: ٦٨ (رقم: ٥٨) والبصائر ٧: ١٨٩.
(٤) نثر الدر ٧: ٦٨ (رقم: ٦١) . والبصائر ٢: ٣٢٥ وحلية الأولياء ٢: ٤٠٠ وصفة الصفوة ٣: ٤٥ وربيع الأبرار: ٢٥٩/أ.
(٥) نثر الدر ٧: ٦٩ (رقم: ٦٥) وشرح النهج ٢: ٩٨.
(٦) نثر الدر ٧: ٦٩ (رقم: ٧٠) والبصائر ١: ١٧٦ (عن فتح الموصلي) .
[ ١ / ٢٢٦ ]
[٥٥٣]- ودخل قوم منزل عابد فلم يجدوا شيئا يقعدون عليه، فلما خرجوا قال لهم: لو كانت دار مقام لا تّخذنا لها أثاثا.
[٥٥٤]- قال ابن السماك: خف الله كأنك لم تطعه، وارج الله تعالى كأنك لم تعصه.
[٥٥٥]- وقال آخر: ابن آدم مالك تأسف على مفقود لا يردّه عليك الفوت، وتفرح بموجود لا يتركه في يدك الموت؟! [٥٥٦]- كتب آخر إلى عابد: بلغني تفرّغك للعبادة، فما سبب المعاش؟ فكتب إليه: [يا بطّال، يبلغك عنّي أنني منقطع إلى الله وتسألني عن المعاش؟!] .
[٥٥٧]- قال سفيان: إذا أردت أن تعرف الدنيا فانظر عند من هي.
[٥٥٨]- وقال آخر: اعمل للدنيا على قدر مكثك فيها وللآخرة كذلك.
[٥٥٩]- قال يحيى بن معاذ: الوعد حقّ الخلق على الله فهو أحقّ من وفى، والوعيد حقّه على الخلق فهو أحق من عفا.
_________________
(١) نثر الدر ٧: ٧٠ (رقم: ٧٧) وأدب الدنيا: ١١٩- ١٢٠ والبصائر ٤: ٢١٥.
(٢) نثر الدر ٤: ٧١، ٧: ٧٠ (رقم: ٧٥) وربيع الأبرار ٢٢٤ ب وشرح النهج ٢: ٩٩ وربيع الأبرار ٢: ٧٧٤ ونسب في فقر الحكماء: ٢٩٧ لبزرجمهر.
(٣) نثر الدر ٧: ٧٠ (رقم: ٧٩) والبصائر ٤: ٢٨٨.
(٤) نثر الدر ٧: ٧١ (رقم: ٨٥) ومنه تكملة النقص في النص.
(٥) نثر الدر ٧: ٧١ (رقم: ٨٩) والحكمة الخالدة: ١٢٩ ومحاضرات الراغب ١: ٥٠٩ (ببعض اختلاف) وربيع الأبرار ١: ٥٧.
(٦) نثر الدر ٧: ٧١ (رقم: ٩١) والحكمة الخالدة: ١٢٩ وبهجة المجالس ٢: ٢٨٨.
(٧) نثر الدر ٧: ٧٢ (رقم: ٩٥) .
[ ١ / ٢٢٧ ]
[٥٦٠] قيل لبعضهم: كيف أصبحت؟ قال: آسفا على أمسي، كارها ليومي، متّهما لغدي.
[٥٦١]- قيل «١» لآخر: لم تركت الدنيا؟ قال: لأني أمنع من صافيها وأمتنع من كدرها.
[٥٦٢]- وقيل لآخر: ما الذي تطلب؟ قال: الراحة، قيل: فهل وجدتها؟ قال: قد وجدت أني لا أجدها في الدنيا.
[٥٦٣]- كان يحيى بن معاذ يقول: يا أيها الناس لا تكونوا ممن يفضحكم يوم موتكم ميراثه، ويوم القيامة ميزانه.
[٥٦٤]- وقال آخر: اصبروا عباد الله على عمل لا غنى بكم عن ثوابه، واصبروا «٢» عن عمل لا صبر لكم على عقابه.
[٥٦٥]- وكان بعض التابعين يقول: أصبحت في أجل منقوص، وعمل محفوظ، والموت في رقابنا، والنار من ورائنا، ولا ندري ما يفعل الله بنا.
_________________
(١) نثر الدر ٧: ٧٤ (رقم: ١٠٨) والبصائر ٣: ٤٧١. وشرح النهج ٨: ٢٤٧.
(٢) نثر الدر ٧: ٧٤ (رقم: ١٠٩) وهو في نسخة الفاتح من البصائر ولم يرد في المطبوعة وموقعه فيها لو ورد ص: ٤٧٨ من الجزء الثالث وشرح النهج ٧: ٢٤٧ وربيع الأبرار ١: ٩٨.
(٣) نثر الدر ٧: ٧٤ (رقم: ١١٠) والبصائر ٣: ٦١٧.
(٤) نثر الدر ٧: ٧٥ (رقم: ١٢٤) وحلية الأولياء ١٠: ٦٣ ومحاضرات الراغب ١: ٥٢٣ والمستطرف ١: ١٤٠.
(٥) نثر الدر ٧: ٧٦ (رقم: ١٢٧) .
(٦) نثر الدر ٧: ٧٦ (رقم: ١٣٠) والبصائر ٢: ٤٣٥ وشرح النهج ٨: ٢٤٧ ونسب في أمالي الطوسي ٢: ٢٥٤ للربيع بن خثيم.
[ ١ / ٢٢٨ ]
[٥٦٦]- قال أبو حازم: عجبا لقوم يعملون لدار يرحلون عنها كلّ يوم مرحلة، ويتركون أن يعملوا لدار يرحلون إليها كلّ يوم مرحلة.
[٥٦٧]- قال مطرف بن عبد الله: لا تنظروا إلى خفض عيشهم ولين لباسهم؛ ولكن انظروا إلى سرعة ظعنهم وسوء منقلبهم.
[٥٦٨]- قال قتادة: يعطي الله العبد على نية الآخرة ما شاء من الدنيا، ولا يعطيه على نية الدنيا إلا الدنيا.
[٥٦٩]- وقال آخر: إذا ابتليت أن تدخل مع الناس إلى سلطان فإذا أخذوا في الثناء فخذ في الدعاء.
[٥٧٠]- كتب ناسك إلى ناسك يستوصفه الدنيا والآخرة فكتب إليه:
الدنيا حلم والآخرة يقظة، والمتوسط بينهما الموت، ونحن في أضغاث ننقل إلى أجداث.
[٥٧١]- رأى بعض العبّاد رجلا يضرب غلامه فوعظه ونهاه، فقلب السوط، وأخذ يضرب العابد، وتسارع الناس إليه فقال: دعوه فقد أمرت
_________________
(١) نثر الدر ٧: ٧٧ (رقم: ١٣٢) والحكمة الخالدة: ١٢٦ وشرح النهج ٢: ٩٤.
(٢) نثر الدر ٧: ٧٨ (رقم: ١٤٤) والبيان والتبيين ٣: ١٥٢- ١٥٣ وبهجة المجالس ١: ٣٥١ ومحاضرات الراغب ١: ١٧٣ وربيع الأبرار ١: ٥٦٥، ٣٦٩ ب وشرح النهج ١٨: ٣٦٥ وغرر الخصائص: ٨١.
(٣) في مجموعة ورام ١: ٧٦ عن أنس يرفعه؛ ومرّ في رقم: ٤١٦ وقارنه بقول للحسن البصري في الحكمة الخالدة: ١٥١.
(٤) نثر الدر ٧: ٧٩ (رقم: ١٥٠) وعيون الأخبار ١: ٢٣ والبيان والتبيين ٣: ٢٧٥.
(٥) نثر الدر ٧: ٢٦ (رقم: ١٢٦)، ٨٦ (رقم: ١٦٠) وبعضه في مجموعة ورام ٢: ٢٤ منسوبا لعلي بن الحسين؛ وورد القول نفسه في مختار الحكم: ٣٣٦ والتمثيل والمحاضرة: ١٧٠ والبصائر ٤: ٧٥ وزهر الآداب: ٨١٠ وهو للفضيل بن عياض في الايجاز والاعجاز: ٣٥.
(٦) نثر الدر ٧: ٨٦ (رقم: ١٦١) .
[ ١ / ٢٢٩ ]
بالمعروف ونهيت عن المنكر وأحتاج الآن أن أصبر على ما أصابني، فبذلك نطق الكتاب.
[٥٧٢]- كان معروف الكرخي يقول: ليكن الله ﷿ جليسك وأنيسك وموضع شكواك، فإن الناس لا ينفعون ولا يعطون ولا يحرمون، وإن شفاء ما ينزل بك من المصائب كتمانه.
[٥٧٣]- بنى ملك في بني إسرائيل مدينة فتأنّق «١» في بنائها، ثم صنع للناس طعاما، ونصب على باب المدينة من سأل عنها، فلم يعبها أحد، إلا ثلاثة نفر عليهم الأكسية، فإنهم قالوا: رأينا عيبين، فسألهم فقالوا: تخرب ويموت صاحبها، فقال: فهل تعلمون دارا تسلم من هذين العيبين؟ قالوا:
نعم، الآخرة. فخلّى ملكه وتعبّد معهم زمانا، ثم ودّعهم فقالوا: هل رأيت منا ما تكرهه؟ قال: لا لكن عرفتموني فأنتم تكرمونني فأصحب من لا يعرفني.
[٥٧٤]- قال الحسن: لقد وقذتني كلمة سمعتها من الحجاج، قيل له فإن كلام الحجاج ليقذك؟ قال: نعم، سمعته يقول على هذه الأعواد: إن امرءا ذهبت ساعة من عمره في غير ما خلق له لحريّ أن تطول عليها حسرته.
[٥٧٥]- وقال المدائني: حجّ الحجاج فنزل بعض المياه، ودعا بالغداء
_________________
(١) نثر الدر ٧: ٨٦ (رقم: ١٦٢) وقارن بحلية الأولياء ٨: ٣٦٠ وصفة الصفوة ٢: ١٨١.
(٢) ربيع الأبرار ١: ٥٩ وقارن بالمستطرف ٢: ١١٥.
(٣) البيان والتبيين ٢: ١٩٣- ١٩٤ ومحاضرات الراغب ٢: ٣٨٤ وربيع الأبرار ١: ٦٨؛ وفي الموفقيات: ١٠٠- ١٠١ أن الذي وقذته كلمات الحجاج هو مالك بن دينار.
(٤) البيان والتبيين ٤: ٩٨- ٩٩ وعيون الأخبار ٢: ٣٦٦ والعقد ٣: ٤٤٤ والامتاع والمؤانسة ٣: ٨٠ وسراج الملوك: ٦٠.
[ ١ / ٢٣٠ ]
فقال لحاجبه: اطلب «١» من يتغدى معي واسأله عن بعض الأمر، فنظر الحاجب فإذا هو بأعرابيّ في شملتين من شعر نائم، فضربه برجله وقال: إيت الأمير، فأتاه فقال له الحجاج: اغسل يديك للغداء قال: إنه دعاني من هو خير منك فأجبته، قال: من هو؟ قال: الله تعالى، دعاني إلى الصوم فصمت، قال: أوفي مثل هذا اليوم الحار؟ قال: نعم ليوم هو أحرّ منه، قال: فافطر وصم «٢» غدا، قال: إن ضمنت لي البقاء، قال: ليس ذلك إلي، قال:
فكيف تسألني آجلا لعاجل لا تقدر عليه؟ قال: إنه طعام طيب قال: إنك لم تطيبه ولا الخباز ولكن تطيّبه العافية.
[٥٧٦]- ذكرت الدنيا عند الحسن فقال: [من الكامل] .
أحلام نوم أو كظلّ زائل إن الليب بمثلها لا يخدع «٣»
[٥٧٧]- وكان يتمثل: [من الكامل] .
اليوم عندك دلّها وحديثها وغدا لغيرك كفّها والمعصم
[٥٧٨]- قال عبد الله بن المخارق الشيباني: [من البسيط] .
كم من مؤمّل شيء ليس يدركه والمرء يزري به في دهره الأمل
ترجو الثراء وترجو الخلد مجتهدا ودون ما ترتجي الأقدار والأجل
_________________
(١) أمالي المرتضى ١: ١٦٠.
(٢) أمالي المرتضى ١: ١٦٠ (وفي الحاشية بيتان يتوسطهما هذا البيت) .
(٣) عبد الله بن المخارق الشيباني هو المعروف بنابغة بني شيبان، والبيتان في ديوانه: ٩٥ وهما في حماسة البحتري: ٢١٧ (وسقط اسم الشاعر) .
[ ١ / ٢٣١ ]
[٥٧٩] قال محمد بن الحسين الأسدي «١»: [من الوافر] .
إذا طمحت إلى أمل وطيّ تعرّض دونه أجل قريب
[٥٨٠]- قال عبدة بن الطبيب: [من الكامل] .
إن الحوادث يخترمن وإنما عمر الفتى في أهله مستودع
يسعى ويجمع جاهدا مستهترا جدا وليس بآكل ما يجمع
[٥٨١]- وقال الجراح بن عمرو: [من الطويل] .
يرجّون أيام السلامة والغنى وتغتالهم دون الرجاء غوائله
[٥٨٢]- روي أن عابدا قدم قرصيه ليتعشّى فعرض له سائل فأعطاه أحدهما ثم قال: ما ذاك بمشبعه ولا هذا بمشبعي، ولأن يشبع واحد خير من أن يجوع اثنان «٢»، ثم ناوله القرص «٣» الآخر فلما نام أتي في منامه، فقيل له:
سل حاجتك؟ فقال: أن يغاث الناس.
[٥٨٣]- وكان أبو عمران الجوني يقول: لا يغرّنكم من ربكم طول النسيئة وحسن الطلبة «٤» فإنّ أخذه أليم شديد.
[٥٨٤]- قال مجاهد في قوله ﷿:
_________________
(١) البيتان من قصيدة مفضلية رقم: ٢٧ وهي في الحماسة البصرية ١: ٢٨٢- ٢٨٣.
(٢) البيت له في حماسة البحتري: ٢١٧.
(٣) حلية الأولياء ٢: ٣٠٩.
[ ١ / ٢٣٢ ]
سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ
(الفتح: ٢٩) هو الخشوع.
[٥٨٥]- قالت أعرابية في الموقف: سبحانك ما أضيق الطريق على من لم تكن دليله، وأوحشه على من لم تكن أنيسه.
[٥٨٦]- قيل لأعرابي: كيف أصبحت؟ قال: كيف يصبح من يفنى ببقائه؟! [٥٨٧]- سمع يحيى بن خالد نوح بن قدامة العدوي «١» ينشد في صفة الدنيا: [من البسيط] .
حتوفها رصد وشربها رنق وعيشها نكد وملكها دول
فقال: لقد انتظم هذا الشعر صفة هذه الغرّارة.
_________________
(١) البصائر ١: ١٥ ونثر الدر ٤: ١٥ وربيع الأبرار: ١٥٦/أ (٢: ٢٤٧) .
(٢) نسب لعلي في نهج البلاغة: ٤٨٩ (رقم: ١١٥) وأمالي الطوسي ٢: ٢٥٤.
(٣) المحاسن والأضداد: ١١٨ والبيت في ديوان المعاني ٢: ١٨١.
[ ١ / ٢٣٣ ]