«١٠» - لما قوي أمر بني العباس وظهر، قال مروان بن محمد لعبد الحميد بن يحيى كاتبه: إنّا نجد في الكتب أنّ هذا الأمر زائل عنّا لا محالة، وسيضطر إليك هؤلاء القوم- يعني ولد العباس- فصر إليهم فإني لأرجو أن تتمكّن منهم فتنفعني في مخلّفيّ وفي كثير من أموري، فقال: وكيف لي بعلم الناس جميعا أنّ هذا عن رأيك وكلّهم يقول: إني غدرت بك وصرت إلى عدوك وأنشد:
[من الطويل]
أسرّ وفاء ثم أظهر غدرة فمن لي بعذر يوسع الناس ظاهره
ثم أنشد: [من الوافر]
ولؤم ظاهر لا شكّ فيه للائمة وعذري بالمغيب
فلما سمع مروان ذلك علم أنه لا يفعل، ثم قال له عبد الحميد: إنّ الذي أمرتني به
[ ٣ / ١٠ ]
أنفع الأمرين لك، وأقبحهما بي، ولك عليّ الصبر معك إلى أن يفتح الله عليك أو أقتل معك.
«١١» - كان الحارث بن هشام المخزومي في وقعة اليرموك وبها أصيب فأثبتته الجراح، فاستسقى ماء، فأتي به، فلما تناوله نظر إلى عكرمة بن أبي جهل صريعا في مثل حاله، فردّ الإناء على الساقي وقال له: امض إلى عكرمة بن أبي جهل [١] يشرب أولا فإنه أشرف مني، فمضى به إليه فأبى أن يشرب قبله، فرجع إلى الحارث فوجده ميتا ورجع إلى عكرمة فوجده أيضا ميتا لم يشرب واحد منهما الماء.
«١٢» - كان مرداس بن أديّة أحد بني ربيعة بن حنظلة رأسا من رؤوس الخوارج، فحبسه عبيد الله بن زياد، فرأى السجّان شدّة اجتهاده وحلاوة منطقه، فقال له: إنّي أرى مذهبا حسنا، وإني لأحبّ أن أوليك معروفا، أفرأيتك إن تركتك تنصرف ليلا إلى بيتك أتدلج إليّ؟ قال: نعم، فكان يفعل ذلك به. ولجّ عبيد الله في حبس الخوارج وقتلهم، فكلّم في بعضهم فأبى ولجّ وقال: أقمع النفاق قبل أن ينجم، لكلام هؤلاء أسرع إلى القلوب من النار إلى اليراع؛ فلما كان ذات يوم قتل رجل من الخوارج رجلا من الشّرط، فقال ابن زياد: ما أدري ما أصنع بهؤلاء، كلّما أمرت رجلا بقتل رجل منهم فتك بقاتله، لأقتلنّ من في حبسي منهم. فأخرج السّجّان مرداسا إلى منزله كما كان يفعل، وأتى مرداسا الخبر، فلما
_________________
(١) بن أبي جهل: سقطت من ع.
[ ٣ / ١١ ]
كان السحر تهيّأ للرجوع، فقال له أهله: اتّق الله في نفسك، فإنّك إن رجعت قتلت، فقال: إنّي ما كنت لألقى الله غادرا. فرجع إلى السجّان وقال: إني قد علمت ما عزم عليه صاحبك، فقال: أعلمت ورجعت؟ قال: نعم.