(الباب الرابع في محاسن الأخلاق ومساوئها) هذه سمة [١] تجمع معاني لو أتيت بها في باب واحد طال فأملّ [٢]، وبعد على ذي الحاجة إليه مكان ملتمسه، إذ كانت تحوي الآداب والسياسة، والهمّة والسيادة، والصدق والوفاء، والجود والسخاء، والبأس والصبر، والقناعة والتواضع، وغير ذلك من خلال الخير والفضائل، وأضدادها من المساوىء والرذائل، فأفردت لكلّ واحد من هذه وعكسها بابا تطلب فيه، ويسرع إليه تأمل مبتغيه، وأوردت في هذا المكان جملا من مكارم الأخلاق نهجا لمن رام تقيّلها، ومن مساوئها تنبيها لمن أراد [٣] تجنبها، والله الموفق للسداد، والهادي إلى سبيل الرشاد.
«٣٧١» - جاء [٤] جبريل إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله أتيتك بمكارم الأخلاق: أهل الجنة وأهل الدنيا في ثلاثة أحرف من كتاب الله خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ
(الأعراف: ١٩٩) وهو يا محمد أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك.
_________________
(١) ر: شهرة.
(٢) م: لطال تأمله.
(٣) م: آثر.
(٤) تأخرت هذه الفقرة في م فجاءت بعد رقم: ٣٧٢.
[ ٢ / ١٧١ ]
«٣٧٢» - قال الله ﷿ وقوله الحق ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ
(فصلت: ٣٤) ووصف نبيّه ﷺ وأثنى عليه فقال وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ
(القلم: ٤) . فسّروا قوله تعالى وَلِباسُ التَّقْوى
(الأعراف: ٢٦) إنه الحياء؛ ومن أوامره تعالى وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا
(البقرة: ٨٣) فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا
(طه:
٤٤) وَقُلْ لَهُما قَوْلًا كَرِيمًا
(الإسراء: ٢٣) فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا
(الإسراء: ٢٨) وقال ﷺ: من لانت كلمته وجبت محبته.
«٣٧٣» - وقال رسول الله ﷺ: أمرني ربي بتسع: الاخلاص في السرّ والعلانية، والعدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وأن أعفو عمن ظلمني، وأصل من قطعني، وأعطي من حرمني، وأن يكون نطقي ذكرا، وصمتي فكرا، ونظري عبرة.
«٣٧٤» - وقال ﷺ من كلام له: ألا أخبركم بأحبّكم إليّ وأقربكم منّي مجالس يوم القيامة، أحاسنكم أخلاقا الذين يألفون ويؤلفون.
«٣٧٥» - وقالت عائشة ﵂: مكارم الأخلاق عشر: صدق الحديث، وصدق البأس، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، والمكافأة بالصنيع، وبذل المعروف، والتذمم للجار، والتذمم للصاحب، وقرى الضيف، ورأسهنّ الحياء.
[ ٢ / ١٧٢ ]
«٣٧٦» - وقال علي بن أبي طالب ﵇: يا سبحان الله ما أزهد كثيرا من الناس في الخير، عجبت لرجل يجيئه أخوه في حاجة فلا يرى نفسه للخير أهلا، فلو كنا لا نرجو جنّة ولا نخشى نارا، ولا ننتظر ثوابا ولا عقابا، لكان ينبغي أن نطلب مكارم الأخلاق، فإنها تدلّ على سبل النجاة، فقام رجل فقال: فداك أبي وأمي يا أمير المؤمنين أسمعته من رسول الله ﷺ؟
قال: نعم، وما هو خير منه، لما أتينا بسبايا طيء [١] كانت في النساء جارية حمّاء حوراء، لعساء لمياء عيطاء، شماء الأنف، معتدلة القامة، درماء الكعبين، خدلّجة الساقين، لفاء الفخذين، خميصة الخصر، ظاهرة الكشح، مصقولة المتن، فلما رأيتها أعجبت بها، فقلت: لأطلبنّ إلى رسول الله ﷺ أن يجعلها من فيئي، فلما تكلمت نسيت جمالها لما سمعت من فصاحتها، فقالت: يا محمد هلك الوالد، وغاب الوافد، فإن رأيت أن تخلّي عني ولا تشمت بي أحياء العرب، فإني بنت سيد قومي، كان أبي يفكّ العاني، ويحمي الذمار، ويقري الضيف، ويشبع الجائع، ويفرّج عن المكروب، ويطعم الطعام، ويفشي السلام، لم يردد [٢] طالب حاجة قط، أنا ابنة حاتم الطائي؛ فقال رسول الله ﷺ: يا جارية هذه صفة المؤمن، لو كان أبوك إسلاميا لترحمنا عليه، خلّوا عنها فإن أباها كان يحبّ مكارم الأخلاق والله يحبّ مكارم الأخلاق.
٣٧٧- ومن كلام عليّ ﵇: إن الله تعالى جعل مكارم الأخلاق وصلة بينه وبين عباده، فحسب أحدكم أن يتمسك بخلق متصل بالله
_________________
(١) م: بني طيء.
(٢) ر: ولم يردّ.
[ ٢ / ١٧٣ ]
﷿ [١] .
«٣٧٨» - وقال رسول الله ﷺ: إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم فسعوهم بأخلاقكم. (وفي رواية أخرى: فسعوهم ببسط الوجه والخلق الحسن) .
«٣٧٩» - وقال ﷺ: أول ما يوضع في الميزان الخلق الحسن.
«٣٨٠» - وقال ﷺ حسن الخلق نصف الدين.
«٣٨١» - وقال ﷺ: الحياء خير كله.
«٣٨٢» - وقال ﷺ: صلة الرحم منماة للعدد، مثراة للمال، محبة للأهل، منسأة للأجل.
«٣٨٣» - وقال ﷺ: كرم الرجل دينه، ومروءته عقله، وحسبه عمله [٢] .
_________________
(١) في نسخة رئيس الكتاب وردت الآيات الآتية بعد هذا الموطن: من الآيات في الحسد: وَلا تَتَمَنَّوْا ما فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلى بَعْضٍ (النساء: ٣٢) وقال أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلى ما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ (النساء: ٥٤) وقال تعالى أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا (الزخرف: ٣٢) .
(٢) م: حلمه.
[ ٢ / ١٧٤ ]
«٣٨٤» - وقال ﷺ: لا تجلسوا على الطرق فإن أبيتم فغضّوا الأبصار، وترادّوا السلام، واهدوا الضالّة، وأعينوا الضعيف.
«٣٨٥» - وقال ﷺ: لا عقل كالتدبير في رضى الله، ولا ورع كالكفّ عن محارم الله، ولا حسب كحسن الخلق.
«٣٨٦» - ومما يروى عنه ﷺ: من صدق لسانه زكا عمله، ومن حسنت نيته زيد في رزقه، ومن حسن برّه لأهل بيته مدّ له في عمره؛ ثم قال: وحسن الخلق وكفّ الأذى يزيدان في الرزق.
«٣٨٧» - وقيل ليوسف ﵇: أتجوع وخزائن الدنيا بيدك؟
قال: أخاف أن أشبع فأنسى الجياع.
«٣٨٨» - وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا بلغه عن الرجل شيء لم يقل له: لم [١] قلت كذا وكذا؟ ولكن يعمّي فيقول: ما بال أقوام.
«٣٨٩» - وقال صلّى الله عليه وعلى آله: لا تظهر الشماتة بأخيك فيعافيه
_________________
(١) لم: سقطت من م.
[ ٢ / ١٧٥ ]
الله ويبتليك.
«٣٩٠» - كان [١] الحسن إذ ذكر رسول الله ﷺ قال: أكرم ولد آدم على الله ﷿، أعظم الأنبياء منزلة عند الله، أتي بمفاتيح الدنيا فاختار ما عند الله، كان يأكل على الأرض، ويجلس على الأرض ويقول: إنما أنا عبد، آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد، وكان يلبس المرقوع والصوف، ويركب الحمار ويردف خلفه، ويأكل الجشب من الطعام، ما شبع من خبز برّ يومين متواليين حتى لحق بالله، من دعاه لباه، ومن صافحه لم يدع يده من يده حتى يكون هو الذي يدعها، من دعاه لباه، ومن صافحه لم يدع يده من يده حتى يكون هو الذي يدعها، يعود المريض، ويتبع الجنائز، ويجالس الفقراء، أعظم الناس من الله مخافة وأتعبهم لله ﷿ بدنا، وأجدّهم في أمر الله، لا تأخذه في الله لومة لائم، وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، أما والله ما كانت تغلق دونه الأبواب ولا كان دونه حجاب ﷺ كثيرا.
«٣٩١» - وقال أنس: ما بسط رسول الله ﷺ ركبتيه بين يدي جليس له قطّ، ولا جلس إليه رجل فقام حتى يكون هو الذي يقوم من عنده، ولا صافحه رجل قطّ فأخذ يده من يده حتى يكون هو الذي يأخذ يده، ولا شممت رائحة قطّ أطيب من ريح رسول الله ﷺ.
٣٩٢- وحدّث ابن عمر أنّ رسول الله ﷺ دخل غيضة ومعه صاحب له، فأخذا منها مسواكين أراكا، أحدهما مستقيم والآخر معوج، فأعطى
_________________
(١) وردت هذه الفقرة في ر بعد رقم: ٣٩٣.
[ ٢ / ١٧٦ ]
صاحبه المستقيم وحبس المعوج، فقال يا رسول الله: أنت أحقّ بالمستقيم مني قال: كلا إنه ليس من صاحب يصاحب صاحبا ولو ساعة من نهار إلا سأله الله تعالى عن مصاحبته إياه، فأحببت أن لا أستأثر عليك بشيء.
«٣٩٣» - وقال عبد الله بن مسعود: كنا يوم بدر كلّ ثلاثة على بعير، فكان عليّ وأبو لبابة زميلي رسول الله ﷺ، فكانا إذا دارت عقبتهما قالا: يا رسول الله اركب ونمشي عنك، فيقول: ما أنتما بأقوى مني ولا أنا بأغنى عن الأجر منكما.
«٣٩٤» - وعن أبي هريرة أنه صلّى الله عليه وآله ما عاب طعاما قطّ، إن اشتهاه أكله، وإلا لم يعبه.
٣٩٥- وكان ﵇ يطوف بالبيت، فانقطع شسعه، فأخرج رجل شسعا من نعله فذهب يشدّه في نعل رسول الله ﷺ، فقال: هذه أثرة ولا أحبّ الأثرة.
«٣٩٦» - وقال أنس: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما أرسلني في حاجة قط فلم تهيّأ إلا قال: لو قضي كان، لو قدّر كان.
«٣٩٧» - وقالت عائشة ﵂: ما ضرب رسول الله ﵌ امرأة قط ولا خادما له ولا ضرب بيده شيئا إلا أن يجاهد في سبيل الله، ولا نيل منه شيء فانتقمه من صاحبه إلا أن تنتهك محارم الله فينتقم لله، ولا خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما حتى يكون إثما فإذا كان إثما كان أبعد
[ ٢ / ١٧٧ ]
الناس منه.
«٣٩٨» - قال علي ﵇: خالطوا الناس مخالطة جميلة، إن متم معها بكوا عليكم، وإن عشتم حنوا إليكم.
٣٩٩- وقال محمد بن علي بن الحسين ﵈: من أعطي الخلق والرفق فقد أعطي الخير والراحة وحسن حاله في دنياه وآخرته، ومن حرم الرفق والخلق كان ذلك سبيلا إلى كلّ شرّ وبلية، إلّا من عصمه الله.
«٤٠٠» - وقال ابن عبّاس: لجليسي علي ثلاث: أن أرميه بطرفي إذا أقبل، وأوسع له إذا جلس، وأصغي إليه إذا حدث.
«٤٠١» - وكان القعقاع بن شور أحد بني عمرو بن شيبان بن ذهل بن ثعلبة إذا جالسه جليس فعرفه بالقصد إليه جعل له نصيبا في ماله، وأعانه على عدوه، وشفع له في حاجته، وغدا عليه بعد المجالسة شاكرا حتى شهر بذلك، وفيه يقول القائل: [من الوافر]
وكنت جليس قعقاع بن شور ولا يشقى بقعقاع جليس
ضحوك السنّ إن نطقوا بخير وعند الشرّ مطراق عبوس
[ ٢ / ١٧٨ ]
«٤٠٢» - قال بعض الحكماء: ليس من جهل الناس بقدر الفضل قصّروا عنه، ولكن من استثقال فرائضه حادوا عن التمسك به، وهم على تبجيل أهله مجمعون؛ وإلى هذا المعنى نظر منصور النمري في قوله: [من البسيط]
الجود أخشن مسّا يا بني مطر من أن تبزّكموه كفّ مستلب
ما أعلم الناس أنّ الجود مكسبة للحمد لكنه يأتي على النّشب
ونظر المتنبي إلى المعنى فقال: [من البسيط]
لولا المشقة ساد الناس كلّهم الجود يفقر والإقدام قتّال
«٤٠٣» - قال رسول الله ﷺ: «ثلاث من كنّ فيه كنّ عليه: المكر، قال الله تعالى وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ
(فاطر: ٤٣) والبغي، قال الله سبحانه يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما بَغْيُكُمْ عَلى أَنْفُسِكُمْ
(يونس: ٢٣) ومن بغي عليه لينصرنّه الله، والنكث، قال الله ﷿ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّما يَنْكُثُ عَلى نَفْسِهِ
(الفتح: ١٠) .
«٤٠٤» - وقال ﷺ: أعجل الأشياء عقوبة البغي.
«٤٠٥» وقال ﷺ: ما من ذنب أدنى [١] أن يعجّل الله لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخّر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم.
_________________
(١) ر: أحرى.
[ ٢ / ١٧٩ ]
«٤٠٦» - وقيل [١]: سوء الخلق يعدي لأنّه يدعو صاحبه إلى أن يقابله بمثله.
«٤٠٧» - وقيل: الحسن الخلق قريب عند البعيد، والسيء الخلق بعيد عند أهله.
٤٠٨- وقيل: المرء عبد من رجاه، وبئس الشعار الحسد، والافتقار يمحق الأقدار، والبطر يسلب النعمة، وكثرة الكلام تكسب الملال وإن كان حكما، وإظهار الفاقة من خمول الهمة.
«٤٠٩» - وقال معاوية: ثلاث ما اجتمعن في حرّ: مباهتة الرجال، والغيبة للناس، والملال لأهل المودة.
«٤١٠» - وقيل: شرّ الناس من لا يبالي أن يراه الناس مسيئا.
«٤١١» - وقال سقراط: المال رداء الكبر، والهوى مركب المعاصي، والتمني؟؟؟ رأس مال الجاهل، والكبر قاعدة المقت، وسوء الخلق سدّ بين المرء وبين الله.
«٤١٢» - وقال عليّ ﵇: الحاسد بخيل بما لا يملكه.
«٤١٣» - وقال أيضا: الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له.
_________________
(١) قبل هذه اللفظة في ع: غيره.
[ ٢ / ١٨٠ ]
«٤١٤» - وقال عبد الله بن مسعود: لا تعادوا نعم الله تعالى فإن الحسود عدوّ للنعم.
«٤١٥» - وقيل في الدعاء على الرجل: طلبك من لا يقصّر دون الظّفر، وحسدك من لا ينام دون الشفاء.
«٤١٦» - وقيل: الحسود غضبان على القدر، والقدر لا يعتبه.
«٤١٧» - وقيل لبعضهم: ما بال فلان ينتقصك؟ قال: لأنّه شقيقي في النسب، وجاري في البلد، وشريكي في الصناعة؛ فذكر دواعي الحسد كلها.
«٤١٨» - وقال رسول الله ﷺ: كاد الفقر أن يكون كفرا، وكاد الحسد أن يغلب القدر.
«٤١٩» - وقال ﷺ: إن الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.
٤٢٠- وكان يقال: الحسد يضعف اليقين، ويسهر العين، ويكثر
[ ٢ / ١٨١ ]
الهمّ.
٤٢١- وفي الحكمة: الحاسد لا يضرّ إلا نفسه.
«٤٢٢» - وقال أعرابيّ: الحسد داء منصف يفعل في الحاسد أكثر من فعله في المحسود، وهو مأخوذ من الخبر: قاتل الله الحسد فما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله.
«٤٢٣» - وقيل [١]: ثلاث موبقات: الكبر فإنه حطّ إبليس عن مرتبته، والحرص فإنه أخرج آدم من الجنة، والحسد فإنه دعا ابن آدم إلى قتل أخيه.
«٤٢٤» - وقيل: يكفيك [٢] من الحاسد أنه يغتمّ في وقت سرورك.
٤٢٥- وقال محمد بن علي بن موسى بن جعفر: الحسد ما حق للحسنات، والزهو جالب للمقت، والعجب صادف عن طلب العلم داع إلى التخمّط في الجهل، والبخل أذمّ الأخلاق، والطمع سجية سيئة.
«٤٢٦» - وقال أيضا: مخالطة الأشرار تدل على شر من يخالطهم، والكفر للنعم أمارة البطر وسبب للغير، واللجاجة مسلبة للسلامة ومؤذنة بالندامة، والهزء فكاهة السفهاء وصناعة الجهال، والنّزق مغضبة للاخوان
_________________
(١) وقعت هذه الفقرة والتالية لها بعد الفقرة: ٤١٧ في ر.
(٢) ع: يشفيك.
[ ٢ / ١٨٢ ]
يورث الشنآن، والعقوق يعقب القلة ويؤدي إلى الذلة.
«٤٢٧» - وقال: إياك والحسد فإنه يبين فيك ولا يبين في عدوّك.
«٤٢٨» - وقال محمد بن واسع: ليس لملول صديق، ولا لحسود غنى.
٤٢٩- وقال آخر: يجب على ذي السعة في رأيه، والفضل في خصاله، أن يتطوّل على حسّاده بنظره، ويتحرّى لهم المنافع، فإنه بلاء غرسه الله فيهم ثم لم يسلطهم عليه، فهم يعذّبون بحركات الحسد في وقت مسرّته بما أكرم به.
٤٣٠- وقال آخر: الحقد غصّة لا يسيغها إلا الظفر، والحسد شجى فارح [١] لا يدفعه عن صاحبه إلا بلوغ أمله في من قصده بحسده، وأنّى له بذلك؟ وقد قيل: من كنت سببا لبلائه فالواجب عليك التلطف له في علاجه من دائه.
«٤٣١» - قال صاحب كليلة ودمنة: مثل الحقد في القلب ما لم يجد محركا مثل الجمر المكنون، وليس ينفكّ الحقد يتطلّع إلى العلل كما تبتغي [٢] النار الحطب، فإذا وجد شيئا استعر ثم لا يطفئه مال ولا كلام ولا تضرّع ولا
_________________
(١) م: فادح.
(٢) م: تتلقى.
[ ٢ / ١٨٣ ]
مناصفة ولا شيء غير تلف تلك الأنفس.
«٤٣٢» - وقال: لا يزيدك لطف الحقود بك، ولينه لك، وتكرمته إياك إلا وحشة وسوء ظن، وإنك لا تجد للحقود الموتور أمانا هو أوثق من الذّعر، ولا أحرز من البعد والاحتراس منه.
«٤٣٣» - وقد اعتذر عبد الملك بن صالح للحقد فشبه وما قصر، قال له يحيى بن خالد: لله أنت من سيد لولا أنّك حقود؛ فقال عبد الملك: أنا خزانة تحفظ الخير والشرّ، فقال يحيى: ما رأيت أحدا احتجّ للحقد حتى حسّنه غيرك.
وسلك ابن الرومي هذه [١] السبيل فقال: [من الطويل]
وما الحقد إلا توأم الشكر للفتى وبعض السجايا ينتسبن إلى بعض
إذا الأرض أدّت ريع ما أنت زارع من البذر فيها فهي ناهيك من أرض
«٤٣٤» - ومن مكارم الأخلاق قول الشاعر: [من الطويل]
وكيف يسيغ المرء زادا وجاره خفيف المعا بادي الخصاصة والجهد
وللموت خير من زيارة باخل يلاحظ أطراف الأكيل على عمد
_________________
(١) م: هذا.
[ ٢ / ١٨٤ ]
«٤٣٥» - وقول آخر: [من الطويل]
ومرضى إذا لوقوا [١] حياء وعفّة وفي الحرب أمثال الليوث الخوادر
كأن بهم وصما يخافون عاره وما وصمهم إلّا اتّقاء المعاير
«٤٣٦» - وقول آخر: [من الوافر]
يعيش المرء ما استحيا بخير ويبقى العود ما بقي اللحاء
فلا وأبيك ما في العيش خير ولا الدنيا إذا ذهب الحياء
إذا لم تخش عاقبة الليالي ولم تستحي فافعل ما تشاء
«٤٣٧» - وقيل: الحياء لباس سابغ، وحجاب واق [٢]، وستر من المساوىء واقع، وحليف للدين، وموجب للصنع، ورقيب للعصمة، وعين كالئة، يذود عن الفساد وينهى عن الفحشاء والأدناس.
«٤٣٨» - وقيل: لا ترض قول أحد حتى ترضى فعله، ولا ترض بما فعل حتى ترضى عقله، ولا ترض عقله حتى ترضى حياءه، فإن ابن آدم مطبوع على كرم ولؤم، فإذا قوي الحياء قوي الكرم، وإذا ضعف الحياء قوي اللؤم.
_________________
(١) م: لاقوا.
(٢) واق: سقطت من ر.
[ ٢ / ١٨٥ ]
«٤٣٩» - قال عروة بن الزبير: لعهدي بالناس والرجل منهم إذا أراد أن يسوء جاره سأل غيره حاجة، فيشكوه جاره ويقول: تجاوزني بحاجته [١]، أراد بذلك شيني.
«٤٤٠» - قال بعضهم: كنت أمشي مع الخليل فانقطع شسع نعلي، فخلع نعله، فقلت ما تصنع؟ قال: أواسيك في الحفا.
«٤٤١» - وكان الأحنف إذا أتاه إنسان أوسع له، فإن لم يجد موضعا تحرّك ليريه أنه يوسع له.
«٤٤٢» - وقال ابن السمّاك لمحمد بن سليمان أو لحماد بن موسى كاتبه، ورآه كالمعرض عنه: مالي أراك كالمعرض عني؟ قال: بلغني عنك شيء كرهته، قال: إذن لا أبالي، قال: ولم؟ قال: لأنه إن كان ذنبا غفرته، وإن كان باطلا لم تقبله. فعاد إلى مؤانسته.
«٤٤٣» - دخل على الحسين بن علي ﵉ جارية في يدها طاقة ريحان فحيّته بها، فقال لها: أنت حرّة لوجه الله تعالى؛ قال أنس، فقلت له: تحييك بطاقة ريحان لا خطر لها فتعتقها؟ فقال: كذا أدبنا الله ﷿ قال: وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها
(النساء: ٨٦) .
«٤٤٤» - وكتب إليه أخوه الحسن في إعطائه الشعراء، فكتب إليه
_________________
(١) م: حاجته.
[ ٢ / ١٨٦ ]
الحسين: أنت أعلم مني بأن خير المال ما وقى العرض (فانظر شرف خلقه كيف [١] ابتدأ كتابه بقوله: أنت أعلم مني) .
«٤٤٥» - وجنى غلام له جناية توجب العقاب عليها فأمر به أن يضرب، فقال: يا مولاي وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ
قال: خلّوا عنه، فقال: يا مولاي وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ
قال: قد عفوت عنك، قال: يا مولاي وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ
(آل عمران: ١٣٤) قال: أنت حرّ لوجه الله، ولك ضعف ما كنت أعطيك.
«٤٤٦» - وكان بينه وبين أخيه الحسن كلام، فقيل له: ادخل على أخيك فهو أكبر منك، فقال: إني سمعت جدي ﷺ يقول: أيّما اثنين جرى بينهما كلام فطلب أحدهما رضى الآخر كان سابقه إلى الجنة؛ وأنا أكره أن أسبق أخي الأكبر، فبلغ قوله الحسن فأتاه عاجلا.
«٤٤٧» - وقال المغيرة بن حبناء: [من الطويل]
فإن يك عارا ما لقيت فربّما أتى المرء يوم السّوء من حيث لا يدري
ولم أر ذا عيش يدوم ولا أرى زمان الغنى إلّا قريبا من الفقر
ومن يفتقر يعلم مكان صديقه ومن يحي لا يعدم بلاء من الدهر
_________________
(١) م ر: حيث.
[ ٢ / ١٨٧ ]
وإني لأستحيي إذا كنت معسرا صديقي والخّلان أن يعلموا عسري
وأهجر خلّاني وما خان عهدهم حياء وإعراضا وما بي من كبر
وأكرم نفسي أن ترى بي حاجة إلى أحد دوني وإن كان ذا وفر
ولما رأيت المال قد حيل دونه وصدّت وجوه دون أرحامها البتر
جعلت حليف النفس عضبا ونثرة وأزرق مشحوذا كخافية النسر
ولا خير في عيش امرىء لا ترى له وظيفة حقّ في ثناء وفي أجر
«٤٤٨» - وقال آخر: [من الطويل]
وإني لألقى المرء أعلم أنه عدوّ وفي أحشائه الضّغن كامن
فأمنحه بشري فيرجع قلبه سليما وقد ماتت لديه الضغائن
«٤٤٩» - وقال يحيى بن زياد الحارثي: [من الطويل]
ولكن إذا ما حلّ كره فسامحت به النفس يوما كان للكره أذهبا
«٤٥٠» - وقال آخر: [من الكامل]
أعمى إذا ما جارتي خرجت حتى يواري جارتي الخدر
ويصمّ عمّا كان بينهما سمعي وما بي غيره وقر
«٤٥١» - حدّث رجل من الأعراف قال: نزلت برجل من طيّء فنحر لي
[ ٢ / ١٨٨ ]
ناقة فأكلت منها، فلما كان الغد نحر أخرى فقلت: إن عندك من اللحم ما يغني ويكفي، فقال: إني والله ما أطعم ضيفي إلا لحما عبيطا، قال: وفعل ذلك في اليوم الثالث، وفي كلّ ذلك آكل شيئا ويأكل الطائي أكل جماعة، ثم يؤتى باللبن فأشرب شيئا ويشرب عامّة الوطب، فلما كان في اليوم الثالث ارتقبت غفلته فاضطجع، فلما امتلأ نوما استقت قطيعا من إبله فأقبلته الفجّ فانتبه، واختصر عليّ الطريق حتى وقف لي في مضيق منه فألقم وتره فوق [١] سهمه، ثم نادى: لتطب نفسك عنها، قلت: أرني آية، قال: انظر إلى ذلك الضبّ فإني واضع سهمي في مغرز ذنبه، فرماه فأندر ذنبه، فقلت:
زدني، قال: انظر إلى أعلى فقاره، فرمى فأثبت سهمه في الموضع، ثم قال لي: الثالثة والله في كبدك، قال قلت: شأنك بإبلك، قال: كلّا حتى تسوقها إلى حيث كانت، قال: فلما انتهيت بها قال: فكرت فيك فلم أجد لي عندك ترة تطالبني بها، وما أحسب حملك على أخذ إبلي إلا الحاجة، قلت: هو والله ذاك، قال: فاعمد إلى عشرين من خيارها [٢] فخذها، فقلت: إذن والله لا أفعل حتى تسمع مدحك، فو الله ما رأيت رجلا أكرم ضيافة، ولا أهدى لسبيل، ولا أرمى كفّا، ولا أوسع صدرا، ولا أرغب خوفا، ولا أكرم عفوا منك، قال: فاستحيا فصرف وجهه عني وقال: انصرف بالقطيع مباركا لك فيه.
«٤٥٢» - خرج رجل من طيء، وكان مصافيا لحاتم، فأوصى حاتما
_________________
(١) م: وفوق.
(٢) ر ع م: جيادها.
[ ٢ / ١٨٩ ]
بأهله فكان يتعهدهم، وإذا جزر جزرة بعث إليهم من أطايبها، فراودته امرأة الرجل فاستعصم ولم يفعل، فلما قدم زوجها أخبرته أنّ حاتما أرادها، فغضب من ذلك، وجاءت العشيرة للتسليم وحاتم معهم، فلم يلق حاتما بما كان يلقاه به من طلاقة الوجه وحسن البشر، فعلم حاتم أنّ ذلك من قبل امرأته، فأنشأ يقول: [من الطويل]
إني امروّ من عصبة ثعليّة كرام أغانيها عفيف فقيرها [١]
إذا ما بخيل الناس هرّت كلابه وشقّ على الضيف الطروق عقورها
فإني جبان الكلب رحلي موطّأ جواد [٢] إذا ما النفس شحّ ضميرها
وما تشتكيني جارتي غير أنني إذا غاب عنها بعلها لا أزورها
سيبلغها خيري ويرجع زوجها [٣] إليها ولم تسبل عليّ ستورها
فلما بلغ الرجل الشعر عرف أن حاتما بريء، فطلّق امرأته.
«٤٥٣» - وكان مسلمة بن عبد الملك إذا كثر عليه أصحاب الحوائج وخشي الضجر أمر أن يحضر ندماؤه من أهل الأدب، فتذاكروا مكارم الأخلاق في الناس وجميل طرائقهم ومروءاتهم، فيطرب ويهيج ثم يقول: ائذنوا لأصحاب الحوائج، فلا يدخل عليه أحد إلا قضى حاجته.
«٤٥٤» - كان يحيى بن خالد بن برمك عاقلا أديبا كريما حسن الأخلاق
_________________
(١) رواية الديوان: أبت لي ذاكم أسرة ثعلية كريم غناها مستعف فقيرها
(٢) الديوان: بيتي موطأ أجود.
(٣) الديوان: بعلها.
[ ٢ / ١٩٠ ]
رضيّ الأفعال حليما ركينا، حتى لو ادّعى اجتماع مكارم الأخلاق فيه لكان أهلا للدعوى؛ وسخط الرشيد على كاتبه منصور بن زياد، وأمر أن يطالب بعشرة آلاف ألف درهم، أو يؤتى برأسه، وأمر صالحا صاحب المصلّى بذلك، قال صالح: فاستسلم للقتل وحلف أنه لا يعرف موضع ثلاثمائة ألف درهم فكيف بعشرة آلاف ألف، ثم دخل إلى داره فأوصى وارتفع الصراخ منها، وخرج فقال لي: امض بنا إلى أبي عليّ يحيى بن خالد لعل الله أن يأتينا بفرج من جهته، فلما قصّ القصة على يحيى قلق وأطرق مفكرا ثم قال لخازنه: كم عندك من المال؟ قال: خمسة آلاف ألف، فقال: أحضرني مفاتيحها، فأحضرها، ثم وجه إلى ابنه الفضل: إنك كنت أعلمتني أن عندك ألفي ألف درهم، قدّرت أن تشتري بها ضيعة، وقد أصبت لك ضيعة يبقى لك ذكرها وشكرها، فوجّه إليه بالمال، ثم وجه إلى جعفر ابنه فاستدعى منه ألف ألف درهم، ثم أرسل إلى دنانير جاريته فاستدعى منها عقدا كان وهبه الرشيد لها وابتاعه بمائة ألف وعشرين ألف دينار، قال صالح: وكان كعظم الذراع، وقال يحيى: قد حسبناه [١] بألفي ألف درهم، وهذا تمام مالك فانصرف وخلّ عن [٢] صاحبنا، قال صالح: فأخذت ذلك ورددت منصورا معي فلما صرنا بالباب أنشد منصور متمثلا (والشعر للعين المنقري) [٣]: [من الوافر]
فما بقيا عليّ تركتماني ولكن خفتما صرد النبال
قال صالح: فقلت ما على الأرض أنبل من رجل خرجنا من عنده ولا
_________________
(١) ر: حسبنا.
(٢) عن: سقطت من م.
(٣) والشعر.. المنقري: زيادة من ر م.
[ ٢ / ١٩١ ]
أخبث سريرة من هذا النبطي، قال: ثم حدثت يحيى من بعد بقوله وقلت:
أنعمت على غير شاكر، فجعل يحيى يطلب له المعاذير ويقول: إن المنخوب القلب ربّما سبقه لسانه بما ليس في ضميره، وقد كان الرجل في حال عظيمة، فقلت: والله ما أدري من أيّ أمريك أعجب، أمن أوّله أم [١] من آخره.
«٤٥٥» - وأمر يحيى بن خالد كاتبين من كتابه أن يكتبا كتابا في معنى واحد فكتباه، واختصر أحدهما وأطال الآخر، فلما قرأ يحيى كتاب المختصر قال: ما أجد موضع مزيد، ثم قرأ كتاب المطيل فقال: ما أجد موضع نقصان.
«٤٥٦» - قال رسول الله ﷺ إذا أردتم أن تعلموا ما للعبد عند ربه فانظروا إلى ما يتبعه من حسن الثناء.
«٤٥٧» - وقال بعض أهل التفسير في قوله تعالى: وَاجْعَلْ لِي لِسانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ
(الشعراء: ٨٤) إنه أراد حسن الثناء من بعده.
«٤٥٨» - وقال أكثم بن صيفي: إنما أنتم أخبار [فطيبوا أخباركم] [٢]؛ ألمّ بهذا المعنى أبو تمام فقال: [من البسيط]
وما ابن آدم إلّا ذكر صالحة أو ذكر سيئة يسري بها الكلم
إذا سمعت بدهر باد أمّته جاءت بأخبارها من بعدها أمم
_________________
(١) م: أو.
(٢) زيادة من العقد.
[ ٢ / ١٩٢ ]
وإنما يكون الثناء على مكارم الأخلاق.
«٤٥٩» - وقال الأحنف بن قيس: ما ذخرت الآباء للأبناء، وما أبقت الموتى للأحياء، أفضل من اصطناع المعروف عند ذوي الآداب والأحساب.
٤٦٠- وقال بعضهم: ظفر الكريم عفو، وظفر اللئيم عقوبة.
«٤٦١» - وقال الأحنف: المروءة كلّها إصلاح المال وبذله للحقوق.
٤٦٢- قال ابن أبي دواد، وقد وصف كرم أخلاق المعتصم: دخلت عليه يوما فدعا بالغداء ثم قال: يا أبا عبد الله ها هنا رجل قد صار إليه من مال فارس أيام عليّ بن عيسى القمي عشرون ألف ألف درهم، وقد عزمت على أخذها منه، فإن خرج إليّ منها طوعا وإلا قتلته وأخذت كل ما ظهر لي من ماله، قلت: ومن هو يا أمير المؤمنين؟ قال: يعقوب بن فرادون [١] النصراني كاتب عليّ بن عيسى، فقلت: وفّق الله أمير المؤمنين لطاعته، قال: وأحضر الطست ليغسل يده فغسلها ثم قال لي: اغسل يدك، فقلت: مالي إلى الطعام حاجة، قال: ولم؛ قلت: تأخذ مال [٢] جاري وتقتله؟! قال: هو جار لك؟ قلت: بيتي وبيته، قال: فقد تركت من المال لك [٣] خمسة آلاف ألف درهم، فقلت: ما آكل شيئا، قال: يا غلام هات طعامك ولا أبالي أن لا يأكل، وهو في خلل ذلك يكلّمني ويبتسم، فوضع الطعام بين يديه، فو الله ما هناه أن يأكل كرما ونبلا، ثم قال: يا أبا عبد الله كل حتى أترك لك من المال
_________________
(١) م: مرادون.
(٢) مال: سقطت من ر.
(٣) م: لك من المال.
[ ٢ / ١٩٣ ]
المذكور نصفه، فقلت: ما آكل شيئا، قال: فأكل لقما ثلاثا وأنا ألحظه ما يقدر أن يسيغها، ثم قال: يا أبا عبد الله ادن فكل فقد وهبت لك المال جميعه [١] ودمه، فقلت: وهب الله لأمير المؤمنين الجنة فو الله الذي لا إله إلّا هو ما رأيت ولا سمعت بخليفة قط ولا ملك أكرم منك عفوا، ولا أسمح كفا، ولا أجمل عشرة، ولا أنبل أخلاقا، ثم قال: يا غلام الطست، فجاء به، فغسلت يدي وأكلت، وبلغ الخبر إلى يعقوب فشكرني على ذلك فاستكففته وقلت: فعلت ذاك للحرمة لا للشكر.
«٤٦٣» - سرق بعض غاشية جعفر بن سليمان بن علي درة نفيسة من بين يديه وباعها بمال جزيل، فأنفذ جعفر بن سليمان إلى الجوهريين بصفة الدرة فقالوا: باعها فلان منذ مدة، فأخذ وجيء به إليه وكان يختصّ به، فلما رآه جعفر ورأى ما قد ظهر عليه من الجزع والخوف قال له: أراك قد تغير لونك، ألست يوم كذا وكذا طلبت مني هذه الدرة فوهبتها لك؟ وأقسم بالله لقد أنسيت هذه الحال؛ وأحضر ما كان اشتريت به فدفعه إلى الجوهري ثم قال للرجل: خذ الدرة الآن [٢] وبعها حلالا بالثمن الذي تطيب به نفسك لا بيع خائف ولا وجل، والله لقد آلمني ما دخل عليك من الرعب والجزع.
«٤٦٤» - وقال الأصمعي: ما رأيت أكرم أخلاقا ولا أشرف أفعالا من جعفر بن سليمان، كنا عنده فتغدينا معه واستطاب الطعام فقال لطباخه [٣]: قد أحسنت وسأعتقك وأزوّجك، فقال الطباخ: قد قلت هذه غير مرة وكذبت،
_________________
(١) م: كله.
(٢) الآن: سقطت من م.
(٣) م: لصاحبه.
[ ٢ / ١٩٤ ]
قال: فو الله ما زاد على أن ضحك، وقال لي: يا أصمعيّ إنما يريد البائس «أخلفت»، قال الأصمعي: وإذا هو قد رضي ب «أخلفت» .
«٤٦٥» - قيل كان المهتدي [١] يصلّي الصلوات كلّها في المسجد الجامع بالبصرة لما قدمها، فأقيمت الصلاة يوما فقال أعرابي: يا أمير المؤمنين لست على طهر وقد رغبت إلى الله تعالى في الصلاة خلفك فأمر هؤلاء أن ينظروني، قال: انتظروه رحمكم الله، ودخل المحراب فوقف إلى أن أقبل وقيل له قد جاء الرجل، فعجب الناس من سماحة أخلاقه.
«٤٦٦» - قال يحيى بن أكثم: ماشيت المأمون في بستانه ويده في يدي، فكان في الظلّ وأنا في الشمس، فلما بلغنا ما أردنا ورجعنا صرت أنا في الفيء وصار هو في الشمس، فدرت أنا إلى الشمس فقال: لا ليس هذا بإنصاف، كما كنت أنا في الفيء ذاهبا فكن أنت في الفيء راجعا.
٤٦٧- ووقع إلى علي بن هشام وقد شكاه غريم له: ليس من المروءة أن تكون آنيتك [٢] من ذهب وفضة ويكون غريمك عاريا [٣] وضيفك طاويا.
٤٦٨- كان أحمد بن عيسى بن زيد بن علي بن الحسين بن علي من أفاضل العلويين، وبقي في الاستتار ستين سنة، (فلما قام المنتصر وأظهر الميل إلى العلوية أراد أن يظهر فاعتلّ وتوفي بالبصرة)؛ فبينا هو في استتاره مرّ به رجلان
_________________
(١) ع م: المهدي.
(٢) م: يكون بيتك.
(٣) ر ع م: عاويا.
[ ٢ / ١٩٥ ]
قد تلازما، فطالب أحدهما صاحبه بمائة دينار دينا له عليه: والرجل المطالب معترف فهو [١] يقول: يا هذا لا تمض بي إلى الحاكم، فإني قد تركت في منزلي أطفالا قد ماتت أمهم لا يهتدون لشرب ماء إن عطشوا، فإن تأخرت عنهم ساعة ماتوا، وإن أقررت عند القاضي حبسني فتلفوا، فلا تحملني على يمين فاجرة، فإني أحلف لك ثم أعطيك مالك، وصاحبه يقول: لا بدّ من تقديمك وحبسك أو تحلف، فلما كثر هذا منهما إذا صرّة قد سقطت بينهما ومعها رقعة: يا هذا خذ هذه المائة الدينار التي لك قبل الرجل ولا تحمله على الحلف كاذبا، وليكن جزاء هذا أن تكتماه فلا يعلم به غيركما، ولا تسألا عن فاعله، فسرّا جميعا بذلك وافترقا، فبدأ الحديث من أحدهما فشاع، فقيل: فمن يفعل هذا الفعل إلا أحمد بن عيسى؛ فقصدوا الدار لطلبه فوجدوا آثارا تدلّ على أنه كان فيها وتنحى، وهرب صاحب الدار فأحرقت.
٤٦٩- قال علي بن عبيدة من كلام له: [حسن] الخلق جوهر الانسان، العفاف طهارة الجوارح. النية الحسنة عمارة الدين.
٤٧٠- وقال أعرابيّ: خصلتان من الكرم: إنصاف الناس من نفسك، ومواساة الإخوان.
«٤٧١» - كان العبّاس بن الحسن [٢] بن عبيد الله بن العبّاس بن علي بن أبي طالب شاعرا عالما فصيحا وكان يقال: من أراد لذة لا تبعة فيها فليسمع كلام العبّاس بن الحسن. ودخل أبو دلف العجلي على الرشيد وهو جالس على طنفسة في طارمة، وعند باب الطارمة شيخ على طنفسة مثلها، فقال الرشيد:
_________________
(١) م: وهو.
(٢) نثر الدر: الحسين.
[ ٢ / ١٩٦ ]
يا قاسم ما خبر الجبل؟ قال: خراب يباب اعتوره الأكراد والأعراب، قال:
أنت سبب خرابه وفساده، فان ولّيتك إياه، قال: أعمره وأصلحه، فقال بعض من حضر: أو غير ذلك، فقال أبو دلف: وكيف يكون غير ذلك وأمير المؤمنين يزعم أني ملكته فأفسدته وهو عليّ، أفتراني لا أقدر على إصلاحه وهو معي؟ فقال الشيخ: إن همته لترمي به وراء سنّه مرمى بعيدا، وأخلق به أن يزيد فعله على قوله، فقبل الرشيد قوله [١] وولاه، وأمر بأن يخلع عليه، فلما خرج أبو دلف سأل عن الشيخ فقيل له: هو العبّاس بن الحسن العلويّ، فحمل إليه عشرة آلاف دينار وشكر فعله، فقال له العباس: ما أخذت على معروف أجرا قطّ، فاضطرب أبو دلف وقال: إن رأيت أن تكمل النعمة عندي وتتمّها عليّ بقبولها، فقال: أفعل، هي لي عندك، فإذا لزمتني حقوق لقوم يقصّر عنها مالي صككت عليك بما تدفعه إليهم إلى أن أستنفدها، فقنع بذلك أبو دلف، فما زال يصك عليه للناس إلى أن أفناها من غير أن يصل إلى العباس درهم منها.
«٤٧٢» - روي أنّ شيخا أتى سعيد بن سلم وكلّمه في حاجة وما شاه، فوضع زجّ عصاه التي يتوكأ عليها على رجل سعيد حتى أدماها، فما تأوّه لذلك ولا نهاه، فلما فارقه قيل له: كيف صبرت منه على هذا؟ قال: خفت أن يعلم جنايته فينقطع عن ذكر حاجته.
«٤٧٣» - مرّ عبد العزيز بن مروان بمصر فسمع امرأة تصيح بابنها: يا عبد العزيز، فوقف وقال: من المسمّى باسمنا؟ ادفعوا إليه خمسمائة دينار، فما ولد
_________________
(١) م ر: رأيه.
[ ٢ / ١٩٧ ]
في أيامه مولود بمصر إلا سمي عبد العزيز.
«٤٧٤» - استلب رجل رداء طلحة بن عبيد الله، فذهب صاحبه يتبعه، فقال له طلحة: دعه فما فعل هذا إلا من حاجة.
«٤٧٥» - قرع رجل باب بعضهم فقال لجاريته: انظري من القارع، فقال: أنا صديق لمولاك، فنهض وبيده السيف وكيس يسوق جاريته، وفتح الباب وقال: ما شأنك؟ قال: راعني أمر، قال: لا يك ما ساءك [١]، قد قسمت أمرك بين نائبة فهذا المال، وبين عدوّ فهذا السيف، وأيّم فهذه [٢] الجارية.
«٤٧٦» - وقع جعفر بن يحيى في رقعة متحرم به، هذا فتى له حرمة الأمل فامتحنه بالعمل، فإن كان كافيا فالسلطان له دوننا، وإن لم يكن كافيا فنحن له دون السلطان.
«٤٧٧» - قال خالد: أيلبس الرجل أجود ثيابه ويتطيّب بأطيب طيبه ثم يتخطى القبائل والوجوه لا [٣] يريد إلا قضاء حقي [٤] وتعظيمي بسؤاله حاجة، فلا أعرف ذلك له ولا أكافيه عليه؟! تخطيت إذن مكارم الأخلاق ومحاسنها إلى مساوئها.
_________________
(١) لايك ما ساءك: سقط من م.
(٢) ع ر م: وأتمه بهذه.
(٣) م: فلا.
(٤) م: قضاء حقه وقيل حقي.
[ ٢ / ١٩٨ ]
«٤٧٨» - قال ابن عبّاس: قدم علينا الوليد بن عتبة المدينة واليا كأن وجهه ورقة مصحف، فو الله ما ترك عانيا إلا فكّه، ولا غريما إلّا أدّى عنه، ينظر إلينا بعين أرقّ من الماء، ويكلّمنا بكلام أحلى من الجنى، ولقد شهدت منه مشهدا لو كان من معاوية لذكرته منه أبدا: تغدينا عنده فأقبل الخباز بصحفة فعثر بوسادة وندرت الصحفة من يده، فو الله ما ردّها إلا ذقنه، وصار ما فيها في حجره، ومثل الغلام ما فيه من الروح إلا ما يقيم رجله، فقام فدخل فغير ثيابه ثم أقبل تبرق أسارير وجهه، فأقبل على الخباز فقال: يا بائس ما أرانا إلا قد روّعناك، أنت وأولادك أحرار لوجه الله تعالى. فهذا هو التواضع الجميل، والبذل الحسن، والكرم المحض.
«٤٧٩» - وفد داود بن سلم [١] على حرب بن خالد بن يزيد بن معاوية، فلما نزل به حطّ غلمانه رحله فقال: [من المتقارب]
ولما دفعت لأبوابهم ولاقيت حربا لقيت النجاحا
رأيناه يحمده المجتدون ويأبى على العسر إلا سماحا
ويغشون حتى ترى كلبهم يهاب الهرير وينسى النباحا
فأجازه بجائزة عظيمة، ثم استأذنه داود في الخروج فأذن له، فأعطاه ألف دينار، ولما أراد أن يرحل لم يعنه غلمانه ولم يقوموا إليه، فظنّ داود أن حربا ساخط عليه، فرجع إليه فأخبره بما رأى من غلمانه، فقال، سلهم لم فعلوا
_________________
(١) م: سليم.
[ ٢ / ١٩٩ ]
بك ذلك [١] . قال فسألهم فقالوا: إنا ننزل من جاءنا ولا نرحّل من خرج عنا؛ فسمع الغاضريّ هذا الحديث فجاءه وقال له: أنا يهوديّ إن لم يكن الذي قال لك الغلمان أحسن من شعرك.
«٤٨٠» - قال إسحاق الموصليّ: دخلت يوما إلى المعتصم وعنده إسحاق ابن إبراهيم بن مصعب، فاستدناني فدنوت، واستدناني فتوقفت خوفا من أن أكون موازيا في مجلسي لإسحاق بن إبراهيم، ففطن المعتصم وقال: إنّ إسحاق كريم وإنك لم تستنزل [٢] ما عند الكريم بمثل إكرامه، ثم تحدثنا فأفضت بنا المذاكرة إلى قول أبي خراش الهذلي: [من الطويل]
حمدت إلهي بعد عروة إذ نجا خراش وبعض الشرّ أهون من بعض
فأنشدها المعتصم إلى آخرها، وأنشد فيها:
ولم أدر من ألقى عليه رداءه سوى أنّه قد حطّ عن ماجد محض
فغلطت وأسأت الأدب فقلت: يا أمير المؤمنين هذه رواية الكتّاب وما أخذ عن المعلم، والصحيح: بزّ عن ماجد محض، فقال لي: نعم صدقت، وغمزني بعينه يحذّرني من إسحاق، وفطنت لغلطي فأمسكت، وعلمت أنه قد أشفق عليّ من بادرة تبدر من إسحاق لأنه كان لا يحتمل مثل هذا في الخلفاء من أحد حتى يعظم [٣] عقوبته، ويطيل حبسه كائنا من كان، فنبهني ﵀ على ذلك.
٤٨١- لما مات عبيد الله بن سليمان بن وهب وارتفع الصراخ من داره
_________________
(١) ر: ذاك.
(٢) ر: يسترك.
(٣) ر: تعظم.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
سجد المعتضد فأطال السجود، وكان بحضرته بدر المعتضديّ، فلما رفع رأسه قال له بدر: والله يا أمير المؤمنين لقد كان صحيح الولاء مجتهدا في خدمتك، عفيفا عن أموالك وأموال رعيتك، ميمون النقيبة حسن التدبير، قال:
أفظننت يا بدر أني سجدت سرورا بموته؟ إنما سجدت شكرا لله إذ وفّقني فلم أصرفه ولم أوحشه، ولم يبلغ بي الطمع فيه إلى القبض عليه، ولم يبلغ به الفزع مني إلى التدبير عليّ، ففارقني ومضى راضيا وما بيننا مستور، ولم يجد أعداؤنا طريقا إلى أن يصفوني بقلّة الرعاية، والمسارعة إلى الاستبدال بالخدم، والشره إلى أموال حاشيتي.
٤٨٢- قال علي بن عبد الملك بن صالح: ما سمعت في الكرم بأحسن من فعل بعض ولد الحسين بن علي ﵉ بمستميح له، وذلك أنه أتاه ليلا، فلما ابتدأ يتكلم بحاجته أطفأ السراج وقال له: تكلّم بلسانك كلّه فإني أتخوّف أن تخجلك المعاينة عن استيفاء جميع مسألتك.
٤٨٣- أنشد اليزيدي [١]: [من الطويل]
وما الجود عن فقر الرجال ولا الغنى ولكنّه خيم النفوس وخيرها
فنفسك أكرم عن أمور كثيرة فمالك نفس بعدها تستعيرها
«٤٨٤» - وقال إبراهيم بن العبّاس: [من الوافر]
أميل مع الصديق على ابن أمي وأقضي للصديق على الشقيق
_________________
(١) م: وأنشد الزينبي في هذا المعنى.
[ ٢ / ٢٠١ ]
أفرّق بين معروفي ومنّي وأجمع بين مالي والحقوق
فإن ألفيتني مولى مطاعا فإنك واجدي عبد الصديق
٤٨٥- وقال ابن صرمة الأنصاري: [من الوافر]
لنا صرم يؤول الحقّ فيها وأخلاق يسود بها الفقير
ونصح للعشيرة حيث كانت إذا ملئت من الغشّ الصدور
وحلم لا يصوب الجهل فيه وإطعام إذا قحط الصّبير
بذات يد على ما كان فيها نجود به قليل أو كثير