«١١٢» - لما أراد المنصور البيعة لابنه المهدي أمر بإحضار الناس، وقامت الخطباء فتكلّمت، وقالت الشعراء فأكثرت [٣] في وصف المهديّ وفضائله، وفيهم مطيع بن إياس، فلما فرغ من كلامه في الخطباء وإنشاده في الشعراء قال للمنصور: يا أمير المؤمنين حّدّثنا فلان بن فلان أنّ النبي صلّى الله عليه وعلى آله قال: المهديّ منّا محمد بن عبد الله، وأمّه من غيرنا، يملؤها عدلا كما ملئت جورا، وهذا العباس بن محمد أخوك يشهد على ذلك. ثم أقبل على العباس فقال: أنشدك الله أسمعت هذا؟ فخاف من المنصور فقال: نعم، فأمر المنصور الناس بالبيعة للمهديّ. قال: ولما انقضى المجلس قال العباس بن محمد لمن يأنس به: أرأيتم هذا الزنديق، لم يرض أن كذب على الله ﷿ ورسوله ﵇ حتى استشهدني على كذبه، فشهدت له خوفا وشهد كلّ من حضر عليّ بأنّي كاذب.
_________________
(١) الأغاني: شهرة.
(٢) الأغاني: مشتبكة.
(٣) الأغاني: فتكلموا فأكثروا.
[ ٣ / ٥٧ ]
«١١٣» - قال إسحاق: دخلت على الفضل بن الربيع وقد بلغ الرشيد إطلاقه يحيى بن عبد الله بن الحسن، وقد كان أمر بقتله فلم يظهر له أنه قتله، وسأله عن خبره هل قتله؟ فقال: لا، قال: فأين هو؟ قال: أطلقته. قال: ولم؟ قال:
لأنه سألني بحقّ الله ورسوله وقرابته منه ومنك، وحلف لي أنّه لا يحدث حدثا وأنه يجيئني متى طلبته، فأطرق ساعة ثم قال: امض بنفسك في طلبه حتى تجيئني به واخرج الساعة، فخرج.
قال: فدخلت عليه مهنّئا بالسلامة، فقلت له: ما رأيت أثبت من جأشك، ولا أصحّ من رأيك فيما جرى، وأنت والله كما قال أشجع، ويروى أيضا لسلم الخاسر: [من الوافر]
بديهته وفكرته سواء إذا ما نابه الخطب الكبير
وأحزم ما يكون الدهر رأيا إذا عيّ المشاور والمشير
وصدر فيه للهمّ اتساع إذا ضاقت عن الهمّ الصدور
فكانت نجاة الفضل في صدقه.
«١١٤» - وقد روي أنّ يعقوب بن داود كذب المهديّ في مثل هذه القصة، فكان سبب فساد حاله معه، وكان بلغ به الغاية، وله أمناء في البلاد، فكان لا ينفذ للمهديّ توقيع حتى يكون معه كتاب من يعقوب إلى أمينه في ذلك البلد.
ثم اتهمه المهديّ بميله إلى العلوية، وأراد اختباره، فدعا به يوما وهو في مجلس أنسه، وعلى رأسه جارية حسناء، فقال له: كيف ترى مجلسنا؟ قال: على غاية الحسن، يمتع [١] الله أمير المؤمنين به. فقال له: جميع ما فيه لك، وهذه الجارية
_________________
(١) الجهشياري: فمتع.
[ ٣ / ٥٨ ]
لك ليتمّ سرورك، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم تصرفها [١] في بعض شأنك.
فدعا له بما يحبّ، وقال له: لي إليك حاجة، فقام قائما وقال: يا أمير المؤمنين، ما هذا القول إلا لموجدة، وقال: أنا أستعيذ بالله من سخطك، فقال: أحبّ أن تضمن قضاءها، فقال له: السمع والطاعة. فأحلفه المهديّ، فلما استوثق منه قال له: هذا فلان بن فلان- رجل من العلوية- أحبّ أن تكفيني مؤونته وتريحني منه، فخذه إليك. فحوّله إليه وحوّل [٢] الجارية وما كان في المجلس والمال، وأحضر العلويّ فوجده لبيبا فهما تقيّا فقال له: ويحك يا يعقوب، تلقى الله بدمي وأنا من ولد فاطمة بنت محمد ﷺ، فقال له يعقوب: يا هذا فيك خير؟ فقال له: إن فعلت فيّ خيرا شكرت ودعوت لك واستغفرت، فقال له:
خذ هذا المال وخذ أيّ طريق شئت، فقال: طريق كذا وكذا آمن لي، فقال له:
امض مصاحبا. وسمعت الجارية الكلام كلّه فأرسلت به إلى المهديّ، فشحن الطريق حتى ظفر بالرجل وبالمال، ثم وجّه إلى يعقوب فأحضره وسأله عن الرجل فقال: قد أراحك الله منه، قال: مات؟ قال: نعم، قال: آلله، قال: والله، قال: فضع يدك على رأسي ففعل، وحلف له به أنّه مات. فقال: يا غلام أخرج إلينا من في هذا البيت، ففتح بابه عن العلويّ والمال، فتحير يعقوب وامتنع عليه الكلام، فقال له المهديّ: لقد حلّ لي دمك، وحبسه في مطبق، وطوى خبره عن كلّ أحد حتى أخرجه الرشيد بعد صدر من ولايته وقد عمي.
«١١٥» - قيل: كان يزيد بن أسد أكذب الناس، معروفا بذلك، وكان يسمّى خطيب الشيطان، ونشأ ابنه عبد الله فسلك منهاجه في الكذب، ثم نشأ
_________________
(١) الجهشياري: ففرقها.
(٢) الجهشياري: وحمل.
[ ٣ / ٥٩ ]
ابنه خالد بن عبد الله ففاق الجماعة في الكذب، إلّا أنّ الولاية [١] وسخاء كان فيه سترا بعض أمره. فقال عمرو بن يزيد [٢]: فإني لجالس على باب هشام بن عبد الملك إذ قدم إسماعيل بن عبد الله أخو خالد بخبر المغيرة بن سعيد وخروجه بالكوفة، وجعل يأتي بأحاديث أنكرها، فقلت له: من أنت يا ابن أخي؟ فقال:
إسماعيل بن عبد الله بن يزيد القسريّ، فقلت له: أنكرت ما جرى حتى عرفت نسبك، فجعل يضحك.
«١١٦» - وقال ابن الكلبي: أول كذبة كذبتها في النّسب أنّ خالد بن عبد الله سألني عن جدّته أمّ كرز، وكانت أمة بغيا لبني أسد يقال لها زرنب، فقلت: هي زينب بنت عرعرة بن جذيمة بن نصر بن قعين، فسرّ بذلك ووصلني. قال: ثم قال خالد ذات يوم لمحمد بن منظور الأسدي: يا أبا الصباح قد ولدتمونا، قال:
ما أعرف فينا ولادة لكم، إنّ هذا لكذب. فقيل: لو أقررت للأمير بولادة ما ضرّك، قال: أفسد وأستليط [٣] من ليس منّي، وأقرّ بالكذب على قومي!! «١١٧» - روي أنّ النبيّ صلّى الله عليه وعلى آله سأل عمرو بن الأهتم عن الزّبرقان بن بدر فقال: مانع في حوزته، مطاع في أدنيه [شديد] العارضة.
فقال الزبرقان: أمّا إنّه قد علم أكثر، ولكنه حسدني شرفي. فقال عمرو: أما لئن قال ما قال فو الله ما علمته إلّا ضيّق العطن، زمر المروءة، لئيم الخال، أحمق الوالد، حديث الغنى. فلما رأى الإنكار في وجه رسول الله صلّى الله عليه وعلى
_________________
(١) الأغاني: الرياسة.
(٢) الأغاني: زيد.
(٣) أي أستلحق بالنسب.
[ ٣ / ٦٠ ]
آله قال: يا رسول الله رضيت فقلت أحسن ما علمت، وما كذبت في الأولى، ولقد صدقت في الأخرى. فقال ﷺ عند ذلك: إنّ من البيان لسحرا.