«٩٤٧» - قال الفضل بن يحيى لجعيفران الموسوس: لم لم تصر إليّ؟
فقال: أنت بحر وأنا لا أحسن أسبح؛ فوصله بمال.
٩٤»
- رأى رجل مزبدا بالرها وعليه جبة خز، وكان مزبد قد خرج إليها فحسنت حاله، فقال: يا مزبد هب لي هذه الجبة، فقال: ما أملك غيرها، فقال الرجل: إنّ الله تعالى يقول وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ
(الحشر: ٩)، فقال: الله أرحم بعباده أن ينزل هذه الآية بالرها في كانون وكانون، وإنما نزلت بالحجاز في حزيران وتموز.
«٩٤٩» - قال عبيد الله [٣] بن سليمان لأبي العيناء: إن الأخبار المذكورة
_________________
(١) م: الرماد.
(٢) م: نوادر في هذا الباب.
(٣) م: عبد الله.
[ ٢ / ٣٦٩ ]
في السخاء وكثرة العطاء أكثرها تصنيف الوراقين وأكاذيبهم، قال: ولم لا يكذبون على الوزير، أعزه الله؟
«٩٥٠» - كان سعيد الدارمي بخيلا، وهو شاعر مغنّ، وكانت متفتّيات أهل مكة لا يطيب لهنّ متنزه إلّا به، فاجتمع جماعة منهنّ في متنزه لهنّ، وفيهن صديقة له، وكلّ واحدة منهن قد واعدت هواها، فخرجن حتى أتين الجحفة، فقال بعضهن لبعض: كيف لنا أن نخلو مع هؤلاء. الرجال من الدارمي فإنا إن فعلنا قطّعنا [١] في الأرض، فقالت لهنّ صاحبته: أنا أكفيكنّه، قلن: إنا نريد أن لا يلومنا، قالت: عليّ أن ينصرف حامدا، فأتته فقالت:
يا دارمي إنا قد تفلنا فاحتل [٢] لنا طيبا، قال: نعم هو ذا آتى سوق الجحفة فآتيكنّ منها بطيب، فأتى المكارين فاكترى حمارا وطار [٣] عليه إلى مكة، وهو يقول: [من الهزج]
من اللائي يردن الطي ب في العسرة واليسره [٤]
أنا بالله ذي العزّ وبالركن وبالصخرة
وما أقوى على هذا ولو كنت على البصره
فمكث النسوة ما شئن، ثم قدمن مكة فلقيته صاحبته ليلة في الطواف فأخرجته إلى ناحية المسجد وجعلت تعاتبه على ذهابه ويعاتبها إلى أن قالت له:
يا دارميّ بحقّ هذه البنيّة تحبني؟ قال: نعم، فبربها تحبيني؟ قالت: نعم قال:
فيا لك الخير فأنت تحبينني وأنا أحبك، فما مدخل الدراهم بيننا؟
_________________
(١) م: فضحنا.
(٢) الأغاني: فاجلب؛ م: فاحمل.
(٣) الأغاني: وصار.
(٤) الأغاني: في العسر وفي اليسرة.
[ ٢ / ٣٧٠ ]
«٩٥١» - قال الجاحظ: شوي لأحمد بن جعفر بن سليمان دجاج، ففقد فخذا، فنادى في داره: من هذا الذي تعاطى فعقر؟ والله لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ
(الشعراء: ٤٩)، فقال له أكبر ولده:
يا أبة، لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منّا، فجالوا في الدار فأصابوا الفخذ، فقال: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ
(يوسف: ٩٢) .
«٩٥٢» - أكل قوم عند رجل بخيل وأمعنوا، فأراد أن يقطعهم عن الأكل فبقي متحيرا وقال: ليس هذا أكل من يريد أن يتعشّى.
«٩٥٣» - قال بعضهم: دخلت الكوفة فرأيت صبيا ومعه رغيف، وهو يكسر منه لقمة ويومىء بها إلى شقّ في حائط يخرج منه دخان ثم يأكلها، فبقيت متعجبا منه، ووافاه أبوه فسأله عن ذلك فقال الصبيّ: هذه دار فيها عرس، وقد طبخوا سكباجة حامضة، فأنا أتأدم برائحتها، فصفعه أبوه صفعة شديدة وقال له: تريد أن تعوّد نفسك أن لا تأكل خبزك إلا بأدم.
«٩٥٤» - سئل أبو الحارث جمين عمن يحضر مائدة محمد بن يحيى بن خالد فقال: أكرم الخلق والأمهم، يعني الملائكة والذباب.
«٩٥٥» - تغدّى أعرابيّ عند رجل، فقدّم إليه جديا، فأمعن الأعرابيّ، فقال له الرجل: إنك لتمزقه كأن أمّه نطحتك، قال: لا، ولكنك تشفق عليه كأنّ أمّه أرضعتك.
[ ٢ / ٣٧١ ]
٩٥٦- وقال أبو عمرو بن العلاء: دعاني رجل وكان بخيلا، فقدم المائدة ونحن جماعة، وقدم جديا سمينا فنحن نأكله والشاة تصيح، فقلت:
سكّتوا الثكلى، فقال: كيف تسكت وقرّة عينها تمزقونه؟! «٩٥٧» - قال رجل لغلامه: هات الطعام وأغلق الباب، فقال: هذا خطأ بل أغلق الباب وآتي بالطعام، فقال: أنت حرّ لعملك بالحزم.
«٩٥٨» - لقي أعرابيّ رجلا من الحاجّ فقال: ممن الرجل؟ قال: باهليّ فقال: أعيذك بالله من ذاك، قال: أي والله وأنا مع ذلك مولى لهم، فأقبل الأعرابيّ يقبّل يديه ويتمسّح به، فقال له الرجل: لم تفعل ذلك؟ قال:
لأني أثق بأنّ الله ﷿ لم يبتلك بهذا في الدنيا إلا وأنت من أهل الجنة.
«٩٥٩» - قالت قينة لأبي العيناء هب لي خاتمك اذكرك به، قال:
اذكريني بالمنع.
«٩٦٠» - قال مديني لآخر: صعدت إلى السماء في سلّم من زبد، كلما صعدت ذراعا نزلت ذراعا حتى أبلغ بنات نعش، فآخذ كوكبة كوكبة، لو أن لمولاك مائة بيدر من إبر خوارزمية ثم جاءه يوسف النبيّ ﵇ وقد قدّ قميصه من دبر، ومعه جبريل وميكائيل يشفعان له، ما أعطاه إبرة منها يخيط بها قميصه.
[ ٢ / ٣٧٢ ]
«٩٦١» - استأذن مزبد على بعض البخلاء وقد أهدي له تين في أول أوانه، فلما أحسّ بدخوله تناول الطبق فوضعه تحت السرير، وبقيت يده معلقة ثم قال لمزبد: ما جاء بك في هذا الوقت؟ قال: يا سيدي مررت الساعة بباب فلان فسمعت جاريته تقرأ لحنا ما سمعت قطّ أحسن منه، فلما علمت من شدّة محبتك للقرآن وسماعك للألحان حفظته وجئت لأقرأه عليك، قال:
فهاته، فقال: بسم الله الرحمن الرحيم. والزيتون وطور سينين، فقال: ويلك أين التين؟ قال: تحت السرير.
«٩٦٢» - قيل لأبي الحارث جمين: أتغديت عند فلان؟ قال: لا ولكني مررت ببابه وهو يتغدّى، قيل: وكيف علمت ذلك؟ قال: رأيت غلمانه بأيديهم قسيّ البندق يرمون الطير في الهواء.
«٩٦٣» - قال الجماز: رأيت بالكوفة رجلا وقف على بقال فأخرج له رغيفا صحيحا فقال: أعطني به كسرا وبصرفه جزرا.
«٩٦٤» - استوهب رجل من مخنث في الحمام خطميا فمنعه، فقال:
سبحان الله، تمنعني الخطميّ وقفيز منه بدرهم؟! فقال المخنث: فاحسب حسابك على أربعة أقفزة [١] كم يصيبك بلا شيء؟
«٩٦٥» - كان زياد بن عبد الله الحارثي على شرطة المدينة، وكان مبخّلا
_________________
(١) زاد في م: بدرهم.
[ ٢ / ٣٧٣ ]
على الطعام، فدعا أشعب في شهر رمضان كي يفطر عنده، فقدّمت إليه في أوّل ليلة مصليّة [١] معقودة، وكانت تعجبه، فجعل أشعب يمعن فيها وزياد يلمحه، فلما فرغوا من الأكل قال زياد: ما أظنّ أنّ لأهل السجن إماما يصلي بهم في هذا الشهر، فليصلّ بهم أشعب، فقال أشعب: أو غير ذلك أصلحك الله، قال: وما هو؟ قال: أحلف أني لا أذوق مصلية أبدا، فخجل زياد وتغافل عنه.
٩٦٦- قال ابن باذشاه: كان عندنا بأصفهان رجل أعمى يطوف ويسأل، فأعطاه مرة إنسان رغيفا فدعا له وقال: أحسن الله إليك، وبارك عليك، وجزاك خيرا، وردّ غربتك؛ فقال له الرجل: ولم ذكرت الغربة؟
قال: لأنّ لي ها هنا عشرين سنة ما ناولني أحد رغيفا صحيحا.
«٩٦٧» - كانت بالمدينة جارية يقال لها بصبص، مغنية يجتمع الأشراف عند مولاها لسماع غنائها، فاجتمع عندها يوما محمد بن عيسى الجعفري وعبد الله بن مصعب الزبيري [٢] في جماعة من أشراف المدينة، فتذاكروا أمر مزبد وبخله، فقالت بصبص: أنا آخذ لكم منه درهما فقال لها مولاها: أنت حرّة إن لم أشتر لك مخنقة بمائة دينار إن فعلت هذا، وأشتري لك مع هذا ثوب وشي بمائة دينار، وأجعل لك مجلسا بالعقيق أنحر فيه بدنة لم تركب ولم تقتب، قالت: فجيء به وارفع الغيرة عني قال: أنت حرة إن منعتك منه ولو رأيته قد رفع رجليك ولأعاوننّه على ذلك إذا حصّلت منه الدرهم، فقال عبد الله بن مصعب: أنا لكم [٣] به، قال عبد الله: فصليت الغداة في مسجد
_________________
(١) م: بصلية. (وفي بعض المصادر: مضيرة) .
(٢) ع: الزهري.
(٣) م: آتيكم.
[ ٢ / ٣٧٤ ]
المدينة فإذا به قد أقبل، فقلت يا أبا إسحاق، ما تحبّ أن ترى بصبص؟
قال: بلى والله، وامرأته طالق إن لم يكن الله ساخطا عليّ في أمرها فقد جفتني، وإلا فأنا أسأله منذ سنة أن ألقاها فلا تجيبني، فقلت له: إذا صليت العصر فأتني هاهنا، فقال: امرأته طالق إن برح يومه من ها هنا إلى العصر، قال فتصرفت في حوائجي حتى كانت [١] العصر، فدخلت المسجد فوجدته، فأخذت بيده وأتيتهم به، واكل القوم وشربوا حتى صلّيت العتمة؛ ثم تساكروا وتنادموا [٢]، فأقبلت بصبص على مزبد فقالت: يا أبا إسحاق، كأني والله في نفسك تشتهي أن أغنيك الساعة: [من الهزج]
لقد حثوا [٣] الجمال ليه ربوا منّا فلم يئلوا
فقال لها: امرأته طالق إن لم تكوني تعلمين ما في اللوح المحفوظ، فغنّته إياه ثم قالت له: أي أبا إسحاق، كأني بك تشتهي أن أقوم من مجلسي فأجلس إلى جنبك فتدخل يدك في جلبابي فتقرص عكني قرصات وأغنيك:
قالت وأبثثتها وجدي فبحت به
فقال لها: امرأته طالق إن لم تكوني تعلمين ما [٤] تكسب الأنفس غدا وبأيّ أرض تموت، قالت: فقم، فقام فجلس إلى جنبها وأدخل يده في جلبابها وقرصها، وغنت له، ثم قالت: برح الخفاء، أنا أعلم أنك تشتهي أن تقبلني شقّ التين وأغنيك هزجا: [من الهزج]
أنا أبصرت بالليل غلاما حسن الدلّ
كغصن البان قد أصب ح مسقيّا من الطلّ
_________________
(١) نثر: فاتت.
(٢) م: وتناوموا.
(٣) ر ونثر: لقد رحلوا؛ م: لقد رحل.
(٤) نثر: تعلمين ما في الأرحام وما.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
فقال: امرأته طالق إن لم تكوني نبيّة مرسلة، فقبّلها وغنّته، ثم قالت:
يا أبا إسحاق، رأيت قطّ أنذل من هؤلاء؟ يدعونك ويخرجوني إليك ولا يشترون لنا ريحانا بدرهم؟ هلمّ درهما نشتري به ريحانا، فوثب وصاح:
واحرباه، أي زانية، أخطأت استك الحفرة، انقطع والله الوحي عنك، ووثب من عندها وجلس ناحية، فعطعط القوم بها، وعلموا أنّ حيلتها لم تنفذ عليه، وعادوا لمجلسهم وخرج مزبد من عندهم فلم يعد إليهم.
«٩٦٨» - سأل يحيى بن خالد أبا الحارث جمينا عن مائدة ابنه فقال:
أما مائدته فمن نصف سمسمة، وأما صحافه فمقورة من قشور حبّ الخشخاش، وما بين الرغيف والرغيف مدّ البصر، وما بين واللون واللون فترة ما بين نبيّ ونبيّ، قال: فمن يحضرها؟ قال: خلق كثير من الكرام الكاتبين، قال فيأكل معه أحد؟ قال: نعم الذباب [١]، قال: سوءة له، وهذا ثوبك مخرّق وأنت بفنائه تطور [٢]، فلو رقعت قميصك، قال: ما أقدر على إبرة، قال:
هو يعطيك، قال: والله لو ملك بيتا من بغداد إلى النوبة مملوءا إبرا في كلّ إبرة خيط ثم جاء جبريل وميكائيل ومعهما يعقوب النبيّ ﵇ يسألونه إبرة يخيط بها يوسف قميصه الذي قدّ من دبر ما أعطاهم.
«٩٦٩» - ولقيه رجل وقد تعلق به غلام، فقال: يا أبا الحارث، من هذا؟ قال: هذا غلام للفضل بن يحيى، كنت عند مولى هذا أمس فقدّم إلينا مائدة عليها رغيفان عملا من نصف خشخاشة، وثريدة في سكرّجة
_________________
(١) نثر: الذبان.
(٢) م: تطوف بفنائه.
[ ٢ / ٣٧٦ ]
وخبيصة في مسعطة [١]، فتنفست الصعداء فدخل الخوان وما عليه في أنفي، فمولاه يطالبني بالقيمة، قال الرجل: استغفر الله مما تقول، فأومأ إلى غلام معه وقال: غلامي هذا حرّ إن لم يكن لو أنّ عصفورا وقع على بعض قشور ذلك الخشخاش الذي عمل منه ذلك لما رضي مولى هذا حتى يؤتى بذلك العصفور مشويا بين رغيفين، والرغيفان من عند العصفور؛ ثم قال: وعليّ المشي إلى بيت الله الحرام إذا عطشت بالقرعاء رجعت إلى دجلة العوراء حتى أشرب منها لو أن مولى هذا كلّف في يوم قائظ شديد الحرّ أن يصعد على سلّم من زبد حتى يلتقط كواكب بنات نعش كوكبا كوكبا كان ذلك أسهل عليه من أن يشمّ شامّ تلك الثريدة أو يذوق ذائق تلك الخبيصة، فقال الرجل: عليك لعنة الله وعليّ إن سمعت منك شيئا بعد هذا.
«٩٧٠» - قال بعضهم لبخيل: لم لا تدعوني؟ قال: لأنك جيد المضغ سريع البلع، إذا أكلت لقمة هيأت أخرى، قال فتريد مني إذا أكلت لقمة أصلّي ركعتين ثم أعود إلى الثانية؟! «٩٧١» - قال بعض البخلاء لرجل على مائدته: اكسر ذلك الرغيف، قال: دعه يبتلى به غيري.
«٩٧٢» - نظر الكنديّ إلى رجل يكسر درهما صحيحا فقال: ويحك، لا تفرّق بين الله تعالى ورسوله.
«٩٧٣» - وقد روي أن معاوية كان شحيحا على الطعام، ونسب إليه في
_________________
(١) م ونثر: مسعط.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
ذلك ما ليس بمشهور، فمن ذلك أنه قال لرجل واكله: ارفق بيدك، فقال له: وأنت فاغضض من طرفك وبصرك [١] .
«٩٧٤» - ووصف رجل بخيلا فقال: عينه دولاب اللقم في أيدي الأضياف.
«٩٧٥» - وروي أن بخيلا كان يقوم في الليل وقد نام صبيانه على الجنب الأيسر فيقلبهم إلى اليمين، فسئل عن ذلك فقال: هؤلاء ينامون على اليسار فيصبحون جياعا، فأنا أقلبهم على اليمين لئلا ينهضم ما أكلوه سريعا.
«٩٧٦» - دعا بخيل على صاحبه فقال له: إن كنت كاذبا فعشّيت السكارى بجبن.
«٩٧٧» - قيل لبخيل: ما أحسن الأيدي على المائدة؟ فقال: مقطّعة.
«٩٧٨» - سقى بخيل ضيفا له نبيذا عتيقا على الريق فتأوّه الرجل فقيل له: لم لا تتكلم؟ قال: إن سكتّ متّ أنا، وإن تكلمت مات ربّ البيت.
«٩٧٩» - استأذن جحظة على صديق له مبخّل، فقال له غلمانه: هو محموم، فقال: كلوا بين يديه حتى يعرق.
«٩٨٠» - وقال: أكلت مع بخيل مرة فقال لي: يا هذا ما رأيت أذلّ من الرغيف في يدك.
_________________
(١) ر م: فاغضض من بصرك.
[ ٢ / ٣٧٨ ]
«٩٨١» - أعطى المنصور بعضهم شيئا ثم ندم فقال له: لا تنفق هذا المال واحتفظ به، وجعل يكرر ذلك عليه فقال له: يا أمير المؤمنين، إن رأيت فاختمه حتى ألقاك به يوم القيامة.
«٩٨٢» - تزوج عمرو بن حريث ابنة أسماء بن خارجة فقالت له يوما: ما أحسبك وأبي تقرآن من كتاب الله تعالى إلا حرفين: قال: وما هما؟ قالت:
كان أبي يقرأ وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ
(سبأ:
٣٩) وأنت تقرأ إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كانُوا إِخْوانَ الشَّياطِينِ
(الإسراء: ٢٧) .
«٩٨٣» - قال أبو العيناء: دعاني جار لي إلى وليمة، وكان بخيلا، فرأيته يدور على الموائد ويتنفّس الصعداء ويقول وَجَزاهُمْ بِما صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا
(الإنسان: ١٢) .
«٩٨٤» - حكى بعضهم أنه كان على مائدة بخيل قال: فطافت علينا هرة وصاحت، فألقينا إليها لقمة من حوّارى، فقال صاحب الدار: إن كان لا بدّ فمن الخشكار.
«٩٨٥» - وذكر آخر أنه كان في دعوة بعض التجار المياسير [١]، فألقى للسنّور لقمة خبز ثم أراد أن يثنّيها، فقال التاجر: دع هذا، فليست الهرّة لنا وإنما هي للجيران.
«٩٨٦» - قال الجاحظ: كنا عند داود بواسط أيام ولايته كسكر، فأتته
_________________
(١) م: في دعوة بعض البخلاء وقيل بعض التجار المياسير.
[ ٢ / ٣٧٩ ]
زقاق فيها دوشاب [١] من البصرة في جملة هدايا حملت إليه، فقسمها بيننا، فكلنا أخذ ما أعطي غير الحزامي، فأنكرنا ذلك وقلنا إنما يجزع الحزامي من الإعطاء وهو عدوه، فأما الأخذ فهو ضالته وأمنيّته، فإنه لو أعطي أفاعي سجستان وثعابين مصر وجرّارات [٢] الأهواز لأخذها إذا كان اسم الأخذ واقعا عليها، فسألناه عن سبب ذلك فتعصّر قليلا ثم باح بسره فقال: وضيعته أضعاف ربحه، وأخذه من أسباب الإدبار، قلت: أول وضائعه احتمال ثقل الشكر، قال: هذا ما لم يخطر ببالي قطّ، ولكن أوّل ذلك كراء الحمّال، فإذا صار إلى المنزل صار سببا لطلب العصيدة والأرزة والبستندودة، فإن بعته فرارا من هذا البلاء صيرتموني شهرة، وإن أنا حبسته ذهب في ذلك وأشباهه وجذب ذلك شراء السمن، وصار أضرّ علينا من العيال، فإن أنا جعلته نبيذا احتجت إلى كراء القدور وإلى شراء الداذيّ والماء، وإن فسد ذهبت النفقة باطلا ولم نستخلفه منها بوجه من الوجوه، لأنّ خلّ الداذيّ يخضب اللحم، ويضرّ بالطبخ، ويفسد الطّعم، ويسوّد المرق، ولا يصلح للاصطباغ، وإن سلم وأعوذ بالله وجاد وصفا ولم نجد بدّا من شربه ولم تطب أنفسنا بتركه، فإن قعدت في البيت أشربه لم يكن ذلك إلا بترك سلاف الفارسيّ المعسّل والدجاج المسمّن وجداء كسكر وفاكهة الجبل والنّقل الهشّ والريحان الغضّ من عند من لا ينقص [٣] ماله ولا تنقطع مادته، وعند من لا يبالي على أيّ قطريه وقع [٤]، مع فوت المجلس المؤنق والسماع المطرب، وعلى أني إن قعدت في البيت أشربه لم يكن لي بدّ من واحد، وذلك الواحد لا بدّ له من لحم بدرهم، ونقل بطسوج، وريحان بقيراط، وهذا كله غرم وشؤم وحرفة وخروج عن العادة، فإن كان ذلك النديم غير موافق فأهل السجن أحسن حالا منّي، وإن كان
_________________
(١) البخلاء: دبس.
(٢) البخلاء: وحيات.
(٣) البخلاء: يغيض.
(٤) البخلاء: سقط.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
موافقا فقد فتح الله منه على مالي التلف، وإذا علم الصديق أن عندي زائرا ونبيذا دقّ عليّ الباب دقّ المدلّ، فان حجبناه فبلاء، وإن أدخلناه فشقاء، فإن بدا لي في استحسان حديث الناس عندي كما يستحسنه مني من أكون عنده فقد شاركت المسرفين، وفارقت إخواني من الصالحين [١]، وصرت من إخوان الشياطين؛ فإذا صرت كذلك فقد ذهب كسبي من مال غيري، وصار غيري يكسب مني، وأنا لو ابتليت بأحدهما لم أقم له، فكيف اذا ابتليت بأن أعطي ولا آخذ؟ أعوذ بالله من الخذلان بعد العصمة، ومن الحور بعد الكور، ولو كان هذا في الحداثة لكان أحسن. هذا الدوشاب دسيس [٢] من الحرفة، وكيد من الشيطان، وخدعة من الحسود، وهي الحلاوة التي تعقب المرارة، وما أخوفني أن يكون أبو سليمان قد ملّني [٣] فهو يحتال لي الحيل.
«٩٨٧» - قال بعض البخلاء: يزعمون أن خبزنا خفاف؟ وأيّ ابن زانية يقدر أن يأكل منه أكثر من رغيف؟
«٩٨٨» - ودخل قوم على بعضهم وقد تغدّى مع أصحابه ولم يرفع المائدة، فقال لهم: كلوا وأجهزوا على الجرحى، يريد كلوا ما كسر ونيل منه ولا تعرضوا للصحيح.
«٩٨٩» - حدث محمد بن عيسى الحرفيّ، وكان جار أبي العتاهية، قال: كان لأبي العتاهية جار يلتقط النوى ضعيف سيء الحال متجمّل له
_________________
(١) البخلاء: المصلحين.
(٢) م: دسيس المرارة.
(٣) البخلاء: مل منادمتي.
[ ٢ / ٣٨١ ]
بنات [١]، فكان يمر بأبي العتاهية طرفي النهار فيقول أبو العتاهية: اللهم أعنه على ما هو بسبيله، شيخ ضعيف سيّىء الحال له بنات متجمل، اللهم أعنه، اللهم اصنع له، اللهم بارك فيه، فبقي على هذا إلى أن مات الشيخ نحوا من عشرين سنة لا والله إن تصدّق عليه بدرهم ولا دانق قط، ولا زاده على الدعاء شيئا، فقلت له يوما: يا أبا إسحاق إني أراك تكثر الدعاء لهذا الشيخ، وتزعم أنه فقير معيل [٢] فلم لا تتصدّق عليه بشيء؟ فقال: أخشى أن يعتاد الصدقة، والصدقة أخر مكاسب العبد، وإنّ في الدعاء لخيرا كثيرا.
«٩٩٠» - ووقف على أبي العتاهية ذات يوم سائل من العيّارين الظرفاء، وجماعة جيرانه حواليه، فسأله من بين الجيران، فقال: صنع الله لك، فأعاد السؤال فردّ عليه مثل ذلك، فأعاده الثالثة فردّ عليه مثل ذلك، فغضب وقال له: ألست الذي يقول: [من المديد]
كلّ حيّ عند ميتته حظّه من ماله الكفن
قال: نعم، قال: فبالله أتريد أن تعدّ مالك كلّه لثمن كفنك؟ قال:
لا، قال: فبالله كم قدّرت لكفنك؟ قال: خمسة دنانير، قال: هي إذن حظك من مالك، قال: نعم، قال: فتصدّق عليّ من غير حظك بدرهم واحد، قال: لو تصدقت عليك لكان حظّي، قال: فاعمل على أن دينارا من الخمسة وضيعته قيراط، فادفع إليّ قيراطا واحدا، وإلا فواحدة أخرى قال: وما هي؟ قال: القبور تحفر بثلاثة دراهم، فاعطني درهما وأقيم لك كفيلا بأني أحفر لك قبرك متى متّ وتربح در همين لم يكونا في حسابك، فإن لم أحفر رددته على ورثتك أو ردّه كفيلي عليهم، فخجل أبو العتاهية وقال:
_________________
(١) الأغاني: عليه ثياب.
(٢) الأغاني: مقلّ.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
اغرب لعنك الله وغضب عليك، وضحك جميع من حضر ومرّ السائل يضحك؛ فالتفت إلينا أبو العتاهية وقد اغتاظ فقال: من أجل هذا وأمثاله حرمت الصدقة، فقلنا له: ومن حرّمها؟ ومتى حرّمت؟ فما رأيت أحدا ادّعى أنّ الصدقة حرمت قبله ولا بعده.
«٩٩١» - قال محمد بن زيد بن علي بن الحسين: اجتمع قوم من قريش أنا فيهم، فأحببنا أن نأتي ابن هرمة فنعبث به، فتزودنا زادا كثيرا ثم أتيناه لنقيم عنده، فلما انتهينا إليه خرج علينا فقال: ما جاء بكم؟ فقلنا: سمعنا شعرك فدعانا إليك لما سمعناك قلت: [من الكامل]
إنّ امرءا جعل الطريق لبيته طنبا وأنكر حقّه للئيم
وسمعناك قلت [١]: [من المنسرح]
كم ناقة قد وجأت منحرها بمستهلّ الشؤبوب أو جمل
لا أمتع العوذ بالفصال ولا أبتاع إلا قريبة الأجل
قال: فنظر إلينا طويلا ثم قال: ما على الأرض عصابة أضعف عقولا ولا أسخف دينا منكم، فقلنا: يا عدوّ الله يا دعيّ، أتيناك زائرين، تسمعنا مثل هذا الكلام؟ فقال: أما سمعتم الله ﷿ يقول للشعراء وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ ما لا يَفْعَلُونَ
(الشعراء: ٢٢٦) أفيخبركم الله أني أقول ما لا أفعل وتريدون مني أن أفعل ما أقول؟ قال: فضحكنا منه وأخرجناه فأقام عندنا في نزهتنا يشركنا في زادنا حتى انصرفنا إلى المدينة.
_________________
(١) م: تقول.
[ ٢ / ٣٨٣ ]
«٩٩٢» - قال يونس الخياط [١]: كان لأبي صديق وكان يدعوه يشرب معه فإذا سكر خلع عليه قميصه، فإذا صحا من الغد بعث إليه وأخذه منه، فقال أبي: [من الطويل]
كساني قميصا مرتين إذا انتشى وينزعه مني إذا كان صاحيا
فلي فرحة في سكره بقميصه وروعاته في الصّحو حصّت شواتيا
فيا ليت حظّي من سروري وروعتي يكون كفافا لا عليّ ولا ليا
«٩٩٣» - قال أشعب: ولي المدينة رجل من ولد عامر بن لؤي، وكان أبخل الناس وأنكدهم، وأغراه الله بي يطلبني في ليله ونهاره، فإذا هربت منه هجم على منزلي بالشّرط، وإن كنت في موضع بعث إلى من أكون عنده يطلبني منه، فيطالبني بأن أحدّثه وأضحكه، ولا أسكت ولا أنام، ثم لا يطعمني ولا يعطيني شيئا، ولقيت منه جهدا عظيما وبلاء شديدا، وحضر الحج فقال لي:
يا أشعب كن معي، قلت: بأبي أنت وأمي، أنا عليل وليست لي في الحج نية فقال: عليه وعليه، وقال [٢] إنّ الكعبة بيت النار لئن لم تخرج معي لأودعنّك الحبس حتى أقدم، فخرجت معه مكرها، فلما نزلنا المنزل أظهر أنه صائم، ونام حتى تشاغلت وأكل ما في سفرته، وأمر غلامه أن يطعمني رغيفين بملح، فجئت وعندي أنه صائم، ولم أزل منتظرا إلى المغرب أتوقّع إفطاره، فلما صلّيت المغرب قلت لغلامه: ما ينتظر بالأكل؟ قال: قد أكل منذ زمان، قلت:
أو لم يكن صائما؟ قال: لا، قلت: أفاطوي أنا؟ قال: قد أعدّ لك ما
_________________
(١) ر م: بن الخياط.
(٢) بأبي وقال: سقط من ع ر.
[ ٢ / ٣٨٤ ]
تأكله فكل، وأخرج إليّ رغيفين والملح، فأكلتهما وبتّ ميتا جوعا، وأصبحت فسرنا حتى نزلنا المنزل، فقال لغلامه: ابتع لنا لحما بدرهم، فابتاعه، فقال: كبب لي قطعا، ففعل، فأكله ونصب القدر، فلما اغبرت قال: اغرف لي منها قطعا ففعل، وأكلها [١] ثم قال: اطرح فيها دقة وأطعمني منها، ففعل، ثم قال: ألق توابلها وأطعمني منها، ففعل، وأنا جالس أنظر إليه لا يدعوني، فلما استوفى اللحم كلّه قال: يا غلام أطعم أشعب، فرمى إليّ برغيفين، فجئت إلى القدر فإذا ليس فيها إلّا مرق وعظام، فأكلت الرغيفين، وأخرج له جرابا فيه فاكهة يابسة، فأخذ منها حفنة فأكلها، وبقي في كفه كفّ لوز بقشره، ولم تكن له فيه حيلة، فرمى به إليّ وقال: كل هذا يا أشعب، فذهبت أكسر واحدة منه فإذا ضرسي قد انكسرت منها قطعة فسقطت بين يديّ، وتباعدت أطلب حجرا أكسر به فوجدته فضربت به لوزة فطفرت علم الله مقدار رمية حجر، وعدوت في طلبها، فبينا أنا في ذلك إذ أقبل بنو مصعب، يعني ثابتا وإخوته، يلبّون بتلك الحلوق الجهورية، فصحت بهم:
الغوث الغوث بالله وبكم يا آل الزبير، الحقوني أدركوني، فركضوا إليّ، فلما رأوني قالوا: مالك ويلك؟ قلت: خذوني معكم تخلصوني [٢] من الموت، فحملوني معهم، فجعلت أرفرف بيديّ كما يفعل الفرخ إذا طلب الزّقّ من أبويه، فقالوا: مالك ويلك؟ قلت: ليس هذا موضع الحديث، زقّوني زقوني ما معكم، فقد متّ ضرا وجوعا منذ ثلاث، فأطعموني حتى تراجعت نفسي وحملوني معهم في محمل ثم قالوا: أخبرنا بقصتك، فحدثتهم وأريتهم ضرسي المكسورة، فجعلوا يضحكون ويصفقون فقالوا: ويحك من أين وقعت على هذا؟ هذا من أبخل خلق الله وأدناهم نفسا. فحلفت بالطلاق أني لا أدخل المدينة ما دام له بها سلطان، فلم أدخلها حتى عزل.
_________________
(١) ونصب وأكلها: سقط من م ع.
(٢) م ع: فخلصوني.
[ ٢ / ٣٨٥ ]
«٩٩٤» - مرّ الفرزدق بمحمد بن وكيع بن أبي سود وهو على ناقة فقال له: غدّني فقال: ما يحضرني غداء، قال: فاسقني سويقا، قال: ما هو عندي، قال: فاسقني نبيذا، قال: أو صاحب نبيذ عهدتني؟ قال: فما يقعدك في الظل؟ قال: فما أصنع؟ قال: اطل وجهك بدبس ثم تحوّل إلى الشمس فاقعد فيها حتى يشبه لونك لون أبيك الذي تزعمه.
قال أبو عمرو بن الغلاء: فما زال ولد محمد يسبّون بذلك من قول الفرزدق.
«٩٩٥» - قال محمد بن سعد الكراني: كنّا في حلقة التوزي، فلما انفضّت قلنا: انهضوا بنا إلى محمد بن يسير، فصرنا إليه فلم يكن عنده إلا شاة وبقية خبز له أيام، فقدم ذلك لنا فقلنا: هذا جود الأذواء، أي هو من اليمن فقال: [من البسيط]
ماذا عليّ إذا ضيف تأوّبني ما كان عندي إذا أعطيت مجهودي
جهد المقلّ إذا أعطاك مصطبرا ومكثر من غنى سيّان في الجود
لا يعدم السائلون الخير أفعله إما نوال وإما حسن مردود
فقمنا إلى بيته غصبا فأكلنا من جلّة تمر كانت عنده أكثرها وحملنا الباقي، فكتب إلى والي البصرة عمر بن حفص هزار مرد: [من المديد]
يا أبا حفص بحرمتنا غبت عنها [١] حين تنتهك
خذ لنا ثأرا لجلتنا فبك الأوتار تدّرك
لهف نفسي حين تطرحها بين أيدي القوم تفترك
_________________
(١) الأغاني: عن نفسا.
(٢) الأغاني: تبترك.
[ ٢ / ٣٨٦ ]
زارنا زور فلا سلموا وأصيبوا أيّة سلكوا
أكلوا حتى إذا شبعوا أخذوا الفضل الذي تركوا
فأنفذ إلينا فأحضرنا وأغرمنا مائة درهم، وأخذ من كلّ واحد منا جلّة تمر وسلّم ذلك إليه.
٩٩٦- قال بديح، قال لي هشام: أخبرني بأعجب شيء رأيته من ابن جعفر، قال: أتاه فتى فقال له: قد تزوجت وليس عندي من الصداق شيء، قال: كم الصداق؟ قال ثلاثون دينارا قال: يا بديح ادع بالكيس، فأتيته بكيس فيه دنانير فقال: عدّ، فعددت ومددت صوتي وطرّبت، فقال: عدّ فعددت وهو يقول عد حتى عددت [١] خمسين وأربعمائة وفني ما في الكيس، فقال ابن جعفر: ليت دام لنا ما في الكيس ودام لنا صوتك، فقال لي هشام: من الرجل؟ قلت: لا أخبرك فإني أخاف أن تأخذها منه، فقال: ويحك يعطيه ابن جعفر وآخذها أنا منه؟! «٩٩٧» - دخل أبو العيناء على عبد الرحمن بن خاقان في يوم شات فقال له: كيف تجد هذا اليوم؟ قال: تأبى نعماؤك أن أجده.
«٩٩٨» - قال دعبل بن علي الشاعر أتيت سهل بن هارون بن راهبون الكاتب في حاجة فأطلت الجلوس عنده، وأخّر غداءه لقيامي، فجلست على عمد، فلما اضطررته وجاع قال: ويلك يا غلام غدّنا، قال: فجاءت المائدة
_________________
(١) حتى عددت: سقطت من ع م.
[ ٢ / ٣٨٧ ]
وعليها قصعة فيها مرق وديك ليس قبلها ولا بعدها غيرها، فاطّلع في القصعة ففقد الرأس، فقال لغلامه: أين الرأس؟ قال: رميت به يا مولاي، قال:
ولم رميت به؟ قال: ظننتك لا تأكله، قال فهلا إذ ظننت أني لا آكله ظننت أن العيال يأكلونه [١]؟ ثم التفت إليّ وقال: لو لم أكره إلا الطيرة مما صنع [٢] لكان حسبي، لأن قولهم الرأس للرئيس وفيه الحواسّ، ومنه يصدح الديك، وفيه فرقه [٣] الذي يتبرّك به، وعينه التي يضرب بصفائها المثل، ودماغه عجب من العجب لوجع الكليتين، وصوته الذي لولاه ما أريد لشيء، ولم أر عظما قطّ أهشّ تحت ضرس من عظم دماغ ديك، ويلك انظر أين رميت به، قال:
لا أدري، قال: لكنّي أدري أين رميت به، في بطنك، والله حسيبك.
«٩٩٩» - أعرابيّ يرقص ولده: [من الرجز]
أحبّه حبّ الشحيح ماله قد ذاق طعم الفقر ثم ناله
إذا أراد بذله بدا له
«١٠٠٠» - قال أعرابيّ لنازل به: نزلت بواد غير ممطور وبرجل غير مسرور، فأقم بعدم، أو ارحل بندم.
«١٠٠١» - لما قال أبو العتاهية: [مجزوء الكامل]
_________________
(١) م: لا يأكلونه.
(٢) م: مما صنع إلا الطيرة.
(٣) م: رفرفه.
[ ٢ / ٣٨٨ ]
سافر بطرفك [١] حيث شء ت فلن ترى إلا بخيلا
قيل له: بخّلت الناس كلّهم، قال: فاكذبوني بواحد.
«١٠٠٢» - قيل لبخيل: من أشجع الناس؟ قال من يسمع وقع أضراس الناس على طعامه فلا تنشقّ مرارته.
«١٠٠٣» - أمر عبد الله بن الزبير لأبي جهم العدويّ بألف درهم، فدعا له وشكره، فقال له: بلغني أنّ معاوية أمر لك بمائة ألف درهم فتسخطتّها وشكوته، وقد شكرتني، فقال أبو جهم: بأبي أنت، أسأل الله أن يديم لنا بقاءك، فاني أخاف إن فقدناك أن يمسخ الناس قردة وخنازير، وكان ذلك من معاوية قليلا، وهذا منك كثير، فأطرق ولم ينطق.
«١٠٠٤» - نزل ابن أحمر الشاعر على عمار بن مسروق، فقيل له: على من نزلت؟ فقال: على أبي الخصيب، والخبز من عندي، قيل: وكيف؟
قال: لأنّ خبزه مكتوب عليه «لا حافظ إلا الله» وهو في ثني الوسادة، وهو عليه متكىء.
«١٠٠٥» - دخل أبو نخيلة على هشام وعليه لحاف سمّور مظهّر بخزّ، فرمقه أبو نخيلة فقال: ما بالك ترمقه ولست من أهله؟ قال: صدقت يا أمير
_________________
(١) ديوان أبي العتاهية: فاضرب بطرفك.
[ ٢ / ٣٨٩ ]
المؤمنين، ولكني من أهل التشرف والافتخار به، فرمى به إليه، ثم دخل عليه وعليه رداء وشي أفواف، فجعل ينكت باصبعه الأرض ويقول: [من الرجز]
كسوتنيها فهي كالتجفاف كأنني فيها وفي اللحاف
من عبد شمس أو بني مناف والخزّ مشتاق إلى الأفواف
فرمى بالرداء إليه.
«١٠٠٦» - كان المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام يطعم الطعام، وكان أعور، فجعل أعرابيّ يديم النظر إليه حابسا نفسه عن طعامه، فقال له: مالك؟ قال: إنه ليعجبني طعامك وتريبني عينك، قال: وما يريبك من عيني؟ قال: أراك أعور وأراك تطعم الطعام، وهذه صفة الدجّال.
وكانت عينه أصيبت في قتال الروم، فقال: إنّ الدجال لا تصاب عينه في سبيل الله [١]