«١٣» - والعرب تضرب المثل في الوفاء بالسموأل، وهو ابن عريض بن عادياء الأزدي، وقيل هو من ولد الكاهن ابن هارون بن عمران. وكان من خبره أنّ امرأ القيس بن حجر أودعه أدراعا مائة، فأتاه الحارث بن ظالم (ويقال: الحارث بن أبي شمر الغساني) ليأخذها منه، فتحصّن منه السموأل، فأخذ ابنا له غلاما وناداه: إما إن أسلمت إليّ الأدراع وإما إن قتلت ابنك، فأبى السموأل أن يسلم الأدراع إليه، فضرب الحارث وسط الغلام بالسيف فقطعه، فقال السموأل:
[من الوافر]
وفيت بأدرع الكنديّ إني إذا ما ذمّ أقوام وفيت
وأوصى عاديا يوما بأن لا تهدّم يا سموأل ما بنيت
بنى لي عاديا حصنا حصينا وماء كلما شئت استقيت
«١٤» - قال محمد بن السائب الكلبي: هجا الأعشى رجلا من كلب فقال:
[من الوافر]
بنو الشهر الحرام فلست منهم ولست من الكرام بني عبيد
ولا من رهط جبّار بن قرط ولا من رهط حارثة بن زيد
وهؤلاء كلهم من كلب، فقال: لا أبا لك، أشرف من هؤلاء أنا، قال:
[ ٣ / ١٢ ]
فسبّه الناس بعد بهجاء الأعشى. وكان متغيّظا عليه، فأغار على قوم قد بات فيهم الأعشى فأسر منهم نفرا وأسر الأعشى، ولا يعرفه، فجاء حتى نزل بشريح بن السموأل صاحب تيماء بحصنه الذي يقال له الأبلق، فمرّ شريح بالأعشى فنادى به: [من البسيط]
شريح لا تتركنّي بعد ما علقت حبالك اليوم بعد القدّ أظفاري
قد جلت ما بين بانقيا إلى عدن وطال في العجم تكراري وتسياري
فكان أكرمهم عهدا وأوثقهم عقدا أبوك بعرف غير إنكار
كالغيث ما استمطروه جاد وابله وفي الشدائد كالمستأسد الضاري
كن كالسموأل إذ طاف الهمام به في جحفل كسواد الليل جرّار
إذ سامه خطّتي خسف فقال له قل ما تشاء فإني سامع حار
بالأبلق الفرد من تيماء منزله حصن حصين وجار غير غدّار
فقال غدر وثكل أنت بينهما فاختر وما فيهما حظّ لمختار
فشكّ غير طويل ثم قال له اقتل أسيرك إني مانع جاري
وسوف يعقبنيه إن ظفرت به ربّ كريم وبيض ذات أطهار
لا سرّهنّ لدينا ذاهب هدرا وحافظات إذا استودعن أسراري
فاختار أدرعه كي لا يسبّ بها ولم يكن وعده فيها بختّار
قال: فجاء شريح الكلبيّ فقال: هب لي هذا الأسير المضرور، فقال: هو لك. فأطلقه، وقال له: أقم عندي حتى أكرمك وأحبوك، فقال الأعشى: من تمام صنيعتك إليّ أن تعطيني ناقة ناجية وتخلّيني الساعة، قال: فأعطاه ناقة فركبها ومضى من ساعته. وبلغ الكلبيّ أنّ الذي وهب لشريح هو الأعشى، فأرسل إلى شريح: ابعث إليّ بالأسير الذي وهبت لك حتى أحبوه وأعطيه، قال:
قد مضى، فأرسل الكلبيّ في طلبه فلم يلحقه.
[ ٣ / ١٣ ]
«١٥» - قال الأثرم: حجّ وفاء بن زهير المازنيّ في الجاهليّة، فرأى في منامه كأنه حاض، فغمّه ذلك، وقصّ رؤياه على قسّ بن ساعدة الإياديّ، فقال له:
أغدرت بمن أعطيته ذماما؟ قال: لا. قال: فهل غدر أحد من أهلك بجار لك؟
قال: لا علم لي؛ وقدم على أهله فوجد أخاه قد غدر بجار له فقتله، فانتضى سيفه، وناشده أخوه الله والرّحم، وخرجت أمّه كاشفة شعرها قد أظهرت ثدييها تناشده الله في قتل أخيه، فقال لها: علام سمّيتني وفاء إذا كنت أريد أن أغدر؟ ثم ضرب أخاه بسيفه حتى قتله وقال: [من الطويل]
يناشدني قيس قرابة بيننا وسيفي بكفّي وهو منجرد يسعى
غدرت وما بيني وبينك ذمّة تجيرك من سيفي ولا رحم ترعى
سأرحض عنّي ما فعلت بضربة عقيم البديّ لا تكرّ ولا تثنى
«١٦» - قال صعصعة بن ناجية المجاشعي للنبي صلّى الله عليه وعلى آله: إني حملت حمالات في الجاهلية، فجاء الإسلام وعليّ منها ألف بعير، فأدّيت من ذلك سبعمائة، فقال له: إنّ الإسلام أمر بالوفاء ونهى عن الغدر، فقال: حسبي حسبي، فوفى بها.