«٢٣٠» - وقد ندب الله ﷿ إليه رسوله ﷺ في قوله (فاصفح الصّفح الجميل) (الحجر: ٨٥) . وقال رسول الله ﷺ: ما أعزّ الله بجهل قط [٢]، ولا أذلّ بحلم قط.
٢٣١- وفي حديث آخر: ما عفا رجل عن مظلمة قطّ إلا زاده الله بها عزّا.
٢٣٢- قال عمر بن الخطاب ﵁: ثلاث [٣] خصال من لم
_________________
(١) ع م: وداهرا.
(٢) قط: سقطت من ر.
(٣) ثلاث: سقطت من ر.
[ ٢ / ١١٩ ]
يكنّ فيه لم ينفعه الإيمان، حلم يردّ به جهل الجاهل، وورع يحجزه عن المحارم، وخلق يداري به الناس.
«٢٣٣» - ومرّ عيسى ﵇ ببعض الخلق فشتموه، ثم مر بآخرين فشتموه فكلما قالوا شرا قال خيرا، فقال له رجل من الحواريين: كلما زادوك شرا زدتهم خيرا كأنك إنما تغريهم بنفسك وتحثهم على شتمك، فقال: كلّ إنسان يعطي مما عنده.
وهذا وإن كان مخرجه مخرج الحلم فهو منه ﷺ احتساب وتأديب.
«٢٣٤» - وشتم رجل الشعبيّ فقال: إن كنت صادقا فغفر الله لي، وإن كنت كاذبا فغفر الله لك.
«٢٣٥» - وقيل للحسن بن عليّ ﵉: إنّ فلانا يقع فيك، فقال: ألقيتني في تعب، الآن أستغفر الله لي وله.
«٢٣٦» - وقال علي ﵇: أوّل عوض الحليم من حلمه أنّ الناس أنصار له على الجاهل.
«٢٣٧» - وقال: إن لم تكن حليما فتحلّم، فإنه قلّ من تشبّه بقوم إلا
[ ٢ / ١٢٠ ]
أوشك أن يكون منهم.
«٢٣٨» - وقال ﵇: الحلم فدام السفيه.
«٢٣٩» - وقال: الحلم والأناة توأمان ينتجهما علوّ الهمة.
«٢٤٠» - قيل: اجعل الحلم عدّة للسفيه، وجنّة من ابتهاج الحاسد، فإنك لم تقابل سفيها بالاعراض عنه والاستخفاف بعقله إلا أذللته في نفسه، وسلّطت عليه الانتصار من غيرك، وإذا كافأته بمثل ما أتى وزنت قدرك بقدره ولم تنصر عليه.
«٢٤١» - وقال المنتصر: لذة العفو أطيب من لذّة التشفي لأنّ لذة العفو يلحقها حمد العاقبة، وإن لذة التشفي يلحقها ذمّ الندم.
«٢٤٢» - وقال ابن المعتز: لا تشن وجه العفو بالتقريع.
٢٤»
- وقيل: ما عفا عن الذنب من قرّع عليه.
«٢٤٤» - قال كثير: [من الطويل]
حليم إذا ما نال عاقب مجملا أشدّ العقاب أو عفا لم يثرّب
[ ٢ / ١٢١ ]
فعفوا أمير المؤمنين وحسبة فما تحتسب من صالح لك يكتب
أساءوا فإن تغفر فإنك أهله وأفضل حلم حسبة حلم مغضب
«٢٤٥» - وقال زهير بن أبي سلمى: [من الطويل]
وذي نعمة تمّمتها وشكرتها وخصم يكاد يغلب الحقّ باطله
دفعت بمعروف عن القول صائب إذا ما أضلّ القائلين مفاصله
وذي خطل في القول تحسب أنه مصيب فما يلمم به فهو قائله
عبأت له حلمي وأكرمت غيره وأعرضت عنه وهو باد مقاتله
«٢٤٦» - وقال المرار بن سعيد: [من الطويل]
إذا شئت يوما أن تسود عشيرة فبالحلم سد لا بالتسرّع والشّتم
وللحلم خير فاعلمنّ مغبة من الجهل إلا أن تشمّس من ظلم
«٢٤٧» - وقف رجل عليه مقطّعات على الأحنف بن قيس يسبّه، وكان عمرو بن الأهتم جعل له ألف درهم على أن يسفّه الأحنف، وجعل لا يألو أن يسبّه سبّا يغضب، والأحنف مطرق صامت لا يكلمه. فلما رآه لا يكلّمه أقبل الرجل يعضّ إبهامه ويقول: يا سوأتاه والله ما يمنعه من جوابي إلّا هواني عليه.
«٢٤٨» - وقال رجل لرجل من آل الزبير كلاما أقذع فيه، فأعرض
[ ٢ / ١٢٢ ]
الزبيري عنه، ثم دار كلام فسب الزبيريّ عليّ بن الحسين فلم يجبه، فقال له الزبيري: ما يمنعك من جوابي؟ فقال علي: ما منعك من جواب الرجل.
«٢٤٩» - وقال رجل لرجل سبّه فلم يلتفت إليه: إيّاك أعني، فقال له الرجل: وعنك أعرض.
«٢٥٠» - وقال آخر: لو قلت واحدة لسمعت عشرا، فقال له الآخر:
ولكنك لو قلت عشرا لما سمعت واحدة.
«٢٥١» - وقال الشاعر في نحو ذلك: [من الكامل]
ولقد أمرّ على اللئيم يسبّني فأجوز ثم أقول لا يعنيني
«٢٥٢» - قال الأحنف: ما آذاني أحد إلا أخذت في أمره باحدى ثلاث: إن كان فوقي عرفت له فضله، وإن كان مثلي تفضلت عليه، وإن كان دوني أكرمت نفسي عنه.
«٢٥٣» - وشتمه رجل فأمسك عنه، وأكثر الرجل إلى أن أراد الأحنف
[ ٢ / ١٢٣ ]
القيام للغداء، فأقبل على الرجل فقال: يا هذا إنّ غداءنا قد حضر فانهض بنا إليه إن شئت فإنك منذ اليوم تحدو بجمل ثفال.
«٢٥٤» - وروي عن رجل من أهل الشام قال: دخلت المدينة فرأيت راكبا على بغلة لم أر أحسن وجها ولا سمتا ولا ثوبا ولا دابة منه، فمال قلبي إليه، فسألت عنه فقيل: هذا الحسن بن علي بن أبي طالب فامتلأ قلبي له بغضا وحسدت عليا أن يكون له ابن مثله، فصرت إليه فقلت له: أنت ابن أبي طالب؟ فقال: أنا ابن ابنه. قلت: فبك وبأبيك، أسبّهما، فلما انقضى كلامي قال: أحسبك غريبا، قلت: أجل، قال: فمل بنا، فإن احتجت إلى منزل أنزلناك، أو إلى مال واسيناك، أو إلى حاجة عاوناك، قال:
فانصرفت عنه وما على الأرض أحد أحبّ إليّ منه.
«٢٥٥» - وقال معاوية: ما وجدت لذّة شيء ألذّ عندي غبّا من غيظ أتجرّعه، ومن سفه بالحلم أقمعه.
«٢٥٦» - وقال له رجل: ما أشبه استك باست أمك، قال: ذاك الذي كان يعجب أبا سفيان منها.
«٢٥٧» - وأغلظ له رجل فاحتمله، وأفرط عليه فحلم عنه، فقيل له في
[ ٢ / ١٢٤ ]
ذلك فقال: إنا لا نحول بين الناس وبين ألسنتهم ما لم يحولوا بيننا وبين ملكنا؛ وإلى هذا المعنى أشار أبو تمام بقوله: [من الطويل]
جهول إذا أزرى التحلّم بالفتى حليم إذا أزرى بذي الحسب الجهل
وكأنه ألمّ بقول سالم بن وابصة: [من البسيط]
إنّ من الحلم ذلا أنت عارفه والحلم عن قدرة فضل من الكرم
وقول الآخر: [من الطويل]
قليل الأذى إلّا على القرن في الوغى كثير الأيادي واسع الذرع بالفضل
ويحلم ما لم يجلب الحلم ذلّة ويجهل ما شدّت قوى الحلم بالجهل
«٢٥٨» - وقال عامر بن مالك ملاعب الأسنة: [من الطويل]
دفعتكم عنّي وما دفع راحة بشيء إذا لم يستعن بالأنامل
تضعّفني حلمي وكثرة جهلكم عليّ وأني لا أصول بجاهل
«٢٥٩» - وقال يزيد بن الحكم الكلابي: [من الطويل]
دفعناكم بالقول حتى بطرتم وبالراح حتى كان دفع الأصابع
فلما رأينا جهلكم غير منته وما غاب من أحلامكم غير راجع
مسسنا من الآباء شيئا وكلنا إلى حسب في قومه غير واضع
فلما بلغنا الأمهات وجدتم بني عمكم كانوا كرام المضاجع
[ ٢ / ١٢٥ ]
«٢٦٠» - وكان معاوية مذكورا بالحلم، وأخباره فيه كثيرة، وقد دفعه قوم عن ذلك؛ ذكر عند ابن عبّاس ﵁ بالحلم فقال: وهل أغمد سيفه وفي قلبه على أحد إحنة؟! وقال شريك بن عبد الله: لو كان معاوية حليما ما سفه الحق ولا قاتل عليا. وقال: لو كان حليما لما حمل أبناء العبيد على حرمه ولما أنكح إلا الأكفاء.
وقال الآخر: كان معاوية يتعرّض، ويحلم إذا أسمع، ومن تعرّض للسفيه فهو سفيه.
وقال آخر: كان يحبّ أن يظهر حلمه، وقد كان طار اسمه بذلك فأحبّ أن يزداد فيه.
«٢٦١» - وكان معاوية يقول: إني لا أحمل السيف على من لا سيف له، وإن لم يكن إلا كلمة يشتفي بها مشتف جعلتها تحت قدمي ودبر أذني.
«٢٦٢» - وشهد أعرابيّ عند معاوية بشهادة، فقال له معاوية:
كذبت، فقال له الأعرابيّ: الكاذب والله متزمّل في ثيابك، فقال معاوية:
هذا جزاء من عجل.
٢٦٣- كتب عمرو بن العاص إلى معاوية يعاتبه في التأني، فكتب إليه
[ ٢ / ١٢٦ ]
معاوية: أما بعد، فإن التفهم في الخير زيادة ورشد، وان المتثبت مصيب والعجل مخطىء، وإن لم ينفعه الرفق ضرّه الخرق، ومن لم تعظه التجارب لم يدرك المعالي، ولا يبلغ الرجل أعلى المبالغ حتى يغلب حلمه جهله، والعاقل سليم من الزلل بالتثبت والأناة وترك العجلة، ولا يزال العجل يجتني ثمرة الندم.
«٢٦٤» - وقال معاوية يوما: ما ولدت قرشية خيرا لقريش مني، فقال ابن زرارة: بل ما ولدت شرا لهم منك، فقال: كيف؟ قال لأنك عوّدتهم عادة يطلبونها ممن بعدك فلا يجيبونهم إليها، فيحملون عليهم كحملهم عليك فلا يحتملون، وكأني بهم كالزقاق المنفوخة على طرقات المدينة.
«٢٦٥» - والأحنف بن قيس السعدي ثم أحد بني منقر قد اشتهر عند الناس بالحلم، وبذاك ساد عشيرته، وكان يقول: لست بحليم ولكني أتحالم، قلة رضى عن نفسه بما استكثره الناس منه، وهو اقتفى بقيس بن عاصم المنقريّ، وقال: كنا نختلف إليه في الحلم كما نختلف إلى الفقهاء في الفقه.
«٢٦٦» - وقال الأحنف: حضرت قيس بن عاصم وقد أتوه بابن أخ له قتل ابنه، فجاءوه به مكتوفا يقاد إليه، فقال: ذعرتم الفتى، ثم أقبل عليه فقال: يا بنيّ نقصت عددك، وأوهنت ركنك، وفتتّ في عضدك، وأشمتّ عدوك، وأسأت بقومك، خلّوا سبيله واحملوا إلى أمّ المقتول ديته، فانصرف القاتل وما حلّ قيس حبوته ولا تغيّر وجهه.
[ ٢ / ١٢٧ ]
«٢٦٧» - وقال الأحنف: وجدت الحلم أنصر لي من الرجال.
«٢٦٨» - وقاتل بصفين فاشتدّ، فقيل له: أين الحلم يا أبا بحر؟ قال ذاك عند عقد الحبا.
«٢٦٩» - وجلس على باب زياد فمرت به ساقية فوضعت قربتها وقالت:
يا شيخ احفظ قربتي حتى أعود، ومضت، وأتاه الآذن فقال: انهض، قال: لا فان معي وديعة.
«٢٧٠» - وقال: من لم يصبر على كلمة سمع كلمات، وربّ غيظ قد تجرعته مخافة ما هو أشدّ منه.
«٢٧١» - وأسمعه رجل وأكثر فقال: يا هذا ما ستر الله أكثر.
«٢٧٢» - ركب عمرو بن العاص يوما بغلة له شهباء، ومضى على قوم جلوس، فقال بعضهم: من يقوم إلى الأمير فيسأله عن أمه وله عشرة آلاف؟
فقال واحد منهم: أنا، فقام إليه فأخذ بعنانه وقال: أصلح الله الأمير، أنت أكرم الناس خيلا فلم تركب دابّة قد شاب وجهها؟ فقال: اني لا أملّ دابتي
[ ٢ / ١٢٨ ]
حتى تملّني، ولا أملّ رفيقي حتى يملّني، إنّ الملالة من كدر الأخلاق، فقال:
أصلح الله الأمير، أما العاص بن وائل فقد عرفنا شرفه ونسبه ومنصبه، فمن أمّ الأمير أصلحه الله؟ قال: على الخبير وقعت، أمي النابغة بنت حرملة من عنزة ثم من بني جلّان، سبتها رماح العرب فأتي بها سوق عكاظ فبيعت فاشتراها عبد الله بن جدعان ووهبها للعاص بن وائل فولدت فأنجبت، فإن كان جعل لك جعل فامض فخذه، خلّ عنان الدابة.
وقد قيل إنها كانت بغيّا عند عبد الله بن جدعان، فوطئها في طهر واحد أبو لهب وأميّة بن خلف وهشام بن المغيرة وأبو سفيان بن حرب والعاص بن وائل، فولدت عمرا فادعاه كلهم، فحكّمت فيه أمّه فقالت: هو للعاص، لأن العاص كان ينفق عليها، وقالوا: كان أشبه بأبي سفيان.
«٢٧٣» - ودخل عمرو مكة فرأى قوما من قريش قد جلسوا حلقة، فلما رأوه رموه بأبصارهم، فعدل إليهم وقال: أحسبكم كنتم في شيء من ذكري، قالوا: أجل، كنا نميّل بينك وبين أخيك هشام أيكما أفضل، فقال عمرو: إنّ لهشام عليّ أربعة: أمه ابنة هشام بن المغيرة وأمي من قد عرفتم، وكان أحبّ إلى أبي مني وقد عرفتم الوالد بالولد، وأسلم قبلي واستشهد وبقيت.
٢٧٤- كان داود بن علي بن عبد الله بن العبّاس أديبا عاقلا جميلا جوادا فقيها عالما، وكان بينه وبين رجل من آل أبي معيط كلام في دولة بني أمية، فقدم داود العراق على خالد بن عبد الله القسري، فلقيه المعيطي في بعض الطرق فأخذ بلجام بغلته ثم أسمعه ما يكره، وداود منصت حتى قضى كلامه، فقال
[ ٢ / ١٢٩ ]
له داود: فرغت من كلامك؟ قال: نعم، قال: أما لو كان خيرا ما سبقتني إليه.
«٢٧٥» - وكان أبو جعفر المنصور شديد السطوة سريع الانتقام، وعدّت له فعلة كريمة في العفو، روي أنه خطب فقال: الحمد لله أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكّل عليه، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، واعترضه معترض عن يمينه فقال: أيها الإنسان، أذكّرك من ذكّرت به، فقطع الخطبة وقال:
سمعا سمعا لمن حفظ الله وذكّر به، وأعوذ بالله أن أكون جبّارا عنيدا، وأن تأخذني العزة بالاثم، قد ضللت إذا وما أنا من المهتدين؛ وأنت أيها القائل فو الله ما الله أردت بها، ولكنك حاولت أن يقال: قام فقال فعوقب فصبر، وأهون بها ويلك لو هممت، وأهيب لها إذ عفوت، وإياكم معشر الناس مثلها، فإن الحكمة علينا نزلت، ومن عندنا فصلت، فردّوا الأمر إلى أهله يوردوه موارده ويصدروه مصادره، ثم عاد في خطبته كأنما يقرأها من كفّه:
وأشهد أن محمدا عبده ورسوله.
«٢٧٦» - جرى بين أبي مسلم صاحب الدعوة وبين شهرام المروزي كلام، فسبّه شهرام، فحلم عنه أبو مسلم وقال: لسان سبق ووهم أخطأ، والغضب غول الحلم، وأنا قسيمك في الذنب حين جرّأتك بالحلم والاحتمال، فأشفق شهرام فاعتذر وأطنب، فقال أبو مسلم: قد صفحت عنك فليفرخ روعك، فقال شهرام: إن ذنبي يأبى أن يقارّ قلبي السكون، فقال أبو مسلم: إن العجب أن تسيء وأحسن، ثم تحسن وأسيء، فقال: الآن وثقت بعفوك.
[ ٢ / ١٣٠ ]
«٢٧٧» - قالت خالدة بنت هاشم بن عبد مناف لأخ لها، وقد سمعته يتجهم [١] صديقا له: أي أخي، لا تطلع من الكلام إلا ما قد روّيت [٢] فيه قبل ذلك ومن أجبته بالحلم وداويته بالرفق فإن ذلك أشبه بك، فسمعها أبوها هاشم فقام إليها فاعتنقها وقبلها وقال: واها لك يا قبّة الديباج، فلقبت بذلك.
«٢٧٨» - وممن أوتي الحلم طبعا لا تحلّما، ومنح كرم الأخلاق لا تكرما المأمون، كان يقول: لقد حبّب إليّ العفو حتى أظنّ أني لا أثاب عليه. عفا عمن نازعه رداء الملك، كما عفا عمن نازعه درة الكأس، فعفوه عن إبراهيم ابن المهدي بعد أن بويع بالخلافة مشهور، وكذاك عفا عن الفضل بن الربيع وهو الذي جلب الحرب بينه وبين أخيه الأمين، وعفا عن الحسين بن الضحاك وقد أمعن في هجائه ممايلة لأخيه، وبالغ في الإشادة بتقبيح ذكره.
«٢٧٩» - قال عمرو بن بانة: كنت عند صالح بن الرشيد، فقال لي:
لست تطرح على جواريّ وغلماني من الغناء ما أستجيده، فبعثت إلى منزلي فجئته بدفاتر الغناء ليختار منها ما يرضيه، فأخذ دفترا منها فتصفحه فمرّ به شعر للحسين ابن الضحاك يرثي الأمين ويهجو المأمون وهو: [من الطويل]
أطل جزعا وابك الامام محمدا بحزن وإن خفت الحسام المهندا
فلا تمّت الأشياء بعد محمد ولا زال شمل الملك عنه مبدّدا
ولا فرح المأمون بالملك بعده ولا زال في الدنيا طريدا مشردا
_________________
(١) م: يتهجم.
(٢) م ر: روأت.
[ ٢ / ١٣١ ]
فقال لي صالح: أنت تعلم أنّ المأمون يجيء إليّ في كلّ ساعة، فإذا قرأ هذا ما تراه يكون فاعلا؟ فدعا بسكين وجعل يحكه، وصعد المأمون من الدرجة، فرمى صالح بالدفتر، فقال المأمون: يا غلام الدفتر، فأتي به فنظر فيه ووقف على الحكّ وقال: إن قلت لكم ما كنتم فيه تصدقوني؟ قلنا: نعم.
قال: ينبغي أن يكون أخي قال لك: ابعث بدفاترك ليتخيّر ما يطرحه على الجواري، فوقف على هذا الشعر فكره أن أراه فأمر بحكه، قلنا: كذا كان، قال: غنّه يا عمرو، فقلت: يا أمير المؤمنين: الشعر للحسين بن الضحاك والغناء لسعيد بن جابر، فقال: وما يكون؟ غنّه، فغنيته، فقال اردده، فرددته ثلاث مرات، فأمر لي بثلاثين ألف درهم وقال: حتى تعلم أنه لم يضرّك عندي.
٢٨٠- قال ابن أبي داود: سمعت المأمون يقول لرجل: إنما هو عذر أو يمين، وقد وهبتهما لك، فلا تزال تسيء وأحسن، وتذنب وأعفو، حتى يكون العفو هو الذي يصلحك.
«٢٨١» - قال حمدون بن إسماعيل: ما كان في الخلفاء أحلم من الواثق ولا أصبر على أذى وخلاف، وكان يعجبه غناء أبي حشيشة الطنبوري، فوجد المسدود الطنبوري من ذلك، فكان يبلغه عنه ما يكره فيتجاوز، وكان المسدود قد هجاه ببيتين كانا معه في رقعته، وفي رقعة أخرى حاجة له يريد أن يرفعها إليه، فناوله رقعة الشعر وهو يرى أنها رقعة الحاجة، فقرأها الواثق فإذا فيها: [من الهزج]
من المسدود في الأنف إلى المسدود في العين
أنا طبل له شقّ فّيا طبلا بشقين
[ ٢ / ١٣٢ ]
وكانت في عين الواثق نكتة، فلما قرأ الرقعة علم أنها فيه، فقال للمسدود: غلطت بين الرقعتين فاحذر أن يقع مثل هذا عليك، فما زاده على هذا القول شيئا ولا تغيّر له عما كان عليه.
وكان الواثق يتشبه بالمأمون في أخلاقه وحلمه، ويسمّى المأمون الصغير، وهو رباه دون أبيه وخرّجه فتقيّل أفعاله وكاد ولم يبلغ.
٢٨٢- قال يحيى بن الربيع: رأيت قوما يسألون يحيى بن خالد بن برمك حاجة فقال: ما يمكنني، فقالوا: نسألك بحق الله، قال: وحقّ الله لا يمكنني، قالوا: فنسألك بحق ماني، فتغير وجهه، وساءني ذلك وهممت والله بهم، فكفّني عنهم وقال: لا تفعل، ولم يقل لهم شيئا ولا ردّ عليهم جوابا، فحدثت بهذا الفضل بن الربيع فقال: قاتله الله ما أشدّ استدامته للنعم.
٢٨٣- وقال الشعبي: أول إشارات [١] العفو التّثبت.
٢٨٤- وقال أبو حازم: التأني في العقوبة طرف من العفو.
«٢٨٥» - دخلت ابنة مروان بن محمد على عبد الله بن علي فقالت:
السلام عليك يا أمير المؤمنين ورحمة الله وبركاته، فقال: لست به، قالت:
السلام عليك أيها الأمير، قال: وعليك السلام، فقالت: ليسعنا عدلك، قال: إذن لا نبقي على الأرض منكم أحدا لأنكم حاربتم عليّ بن أبي طالب ودفعتم حقّه، وسممتم الحسن ونقضتم شرطه، وقتلتم الحسين وسيّرتم رأسه، وقتلتم زيدا وصلبتم جسده، وقتلتم يحيى بن زيد ومثّلتم به، ولعنتم عليّ بن أبي طالب على منابركم، وضربتم علي بن عبد الله ظلما بسياطكم، وحبستم
_________________
(١) ر م: بشارات.
[ ٢ / ١٣٣ ]
الامام في حبسكم، فعدلنا ألا نبقي منكم أحدا، قالت: فليسعنا عفوك، قال: أما هذا فنعم، وأمر بردّ أموالها عليها، ثم قال: [من الطويل]
سننتم علينا القتل، لا تنكرونه فذوقوا كما ذقنا على سالف الدهر
«٢٨٦» - لما قال عبد الله بن طاهر قصيدته التي يفخر فيها بمآثر أبيه وقومه [١] وقتلهم المخلوع، عارضه محمد بن يزيد الأموي الحصنيّ، وهو من ولد مسلمة ابن عبد الملك، فأفرط في السبّ وتجاوز الحدّ في قبح الردّ، وتوسط بين القوم [٢] وبين بني هاشم فأربى في التوسط والتعصّب، فكان فيما قال: [من المديد]
يا ابن بيت النار موقدها ما لحاذيه سراويل
من حسين من أبوك ومن مصعب غالتهم غول
نسب عمرك [٣] مؤتشب وأبوّات أراذيل [٤]
قاتل المخلوع مقتول ودم المقتول مطلول
وهي قصيدة طويلة. فلما ولي عبد الله مصر وردّ إليه تدبير الشام [٥]، علم الحصنيّ أنه لا يفلت منه إن هرب، ولا ينجو من يده حيث حلّ، فثبت في موضعه، وأحرز حرمه، وترك أمواله ودوابّه وكلّ ما يملكه في موضعه، وفتح باب حصنه وجلس عليه، وتوقع الناس من عبد الله بن طاهر أن يوقع به. قال محمد بن الفضل الخراساني: فلما شارفنا بلده وكنّا على أن نصبّحه دعاني عبد الله
_________________
(١) م والأغاني: وأهله.
(٢) بين القوم و: سقطت من ر.
(٣) الأغاني: نسب في الفخر.
(٤) ر: أواذيل.
(٥) الأغاني: تدبير أمر الشام.
[ ٢ / ١٣٤ ]
في الليل فقال لي: بت عندي [١] وليكن فرسك معدّا عندك لا يرد. فلما كان في السحر أمر أصحابه وغلمانه ألا يرحلوا حتى تطلع الشمس، وركب في السحر وأنا وخمسة من خواصّ غلمانه معه، فسار حتى صبّح الحصن [٢]، فرأى بابه مفتوحا ورآه جالسا مسترسلا، فقصده وسلّم عليه ونزل عنده وقال له: ما أجلسك ها هنا وحملك على أن فتحت بابك ولم تتحصّن من هذا الجيش المقبل، ولم تتنحّ عن عبد الله بن طاهر مع ما في نفسه عليك، ومع ما بلغه عنك؟ فقال له: إنّ ما قلت لم يذهب عليّ، ولكن تأمّلت أمري، وعلمت أني قد أخطأت خطيئة حملني عليها نزق الشباب وغرّة الحداثة، وأني إن هربت منه لم أفته، فباعدت البنات والحرم [٣]، واستسلمت بنفسي وكلّ ما أملك، فإنا أهل بيت قد أسرع القتل فينا، ولي بمن مضى أسوة، فإني أثق بأنّ الرجل إذا قتلني وأخذ مالي شفى غيظه ولم يتجاوز ذلك إلى الحرم ولا له فيهنّ أرب، ولا يوجب جرمي إليه أكثر مما بذلته له؛ قال: فوالله ما اتقاه عبد الله إلا بدموعه تجري على لحيته ثم قال له: أتعرفني؟ قال: لا والله، قال: أنا عبد الله بن طاهر وقد أمّن الله روعك [٤]، وحقن دمك، وصان حرمك، وحرس نعمتك، وعفا عن ذنبك، وما تعجّلت إليك وحدي إلا لتأمن قبل هجوم الجيش، ولئلا يخالط عفوي عنك روعة تلحقك؛ فبكى الحصنيّ وقام فقبّل رأسه، وضمّه عبد الله إليه وأدناه، ثم قال له: إما لا فلا بدّ من عتاب يا أخي، جعلني الله فداك، قلت شعرا في قومي أفخر بهم لم أطعن فيه على حسبك، ولا أدّعيت فضلا عليك، وفخرت بقتل رجل هو وإن كان من قومك فهم القوم الذين ثارك عندهم، وقد كان يسعك السكوت أو إن لم
_________________
(١) زاد في الأغاني: الليلة.
(٢) م والأغاني: الحصني.
(٣) م: الثبات والحزم.
(٤) الأغاني: روعتك.
[ ٢ / ١٣٥ ]
تسكت ألا تغرق وتسرف، فقال: أيها الأمير قد عفوت، فاجعله العفو الذي لا يخلطه تثريب، ولا يكدّر صفوه تأنيب، قال: قد فعلت، فقم بنا ندخل إلى منزلك حتى نوجب عليك حقا بالضيافة، فقام مسرورا فأدخلنا منزله فأتى بالطعام كأنه قد أعده، فأكلنا وجلسنا نشرب في مستشرف له، وأقبل الجيش فأمرني عبد الله أن أتلقاهم فأرحّلهم، ولا ينزل منهم أحد إلا في المنزل، وهو على ثلاثة فراسخ، فنزلت فرحلتهم، وأقام عنده إلى العصر، ثم دعا بدواة فكتب له بتسويغه خراجه ثلاث سنين، وقال له: إن نشطت لنا فالحق بنا وإلا فأقم بمكانك، فقال: أنا أتجهز والحق بالأمير، ففعل ولحق بنا مصر فلم يزل مع عبد الله لا يفارقه حتى رحل إلى العراق، فودّعه وأقام ببلده.
«٢٨٧» - كان عبد الله بن الزبير قد هجا آل الزّبير، وأفرط في العصبية لآل مروان فمن قوله: [من الطويل]
ففي رجب أو غرّة الشهر بعده تزوركم [١] حمر المنايا وسودها
ثمانون ألفا دين عثمان دينهم [٢] كتائب فيها جبرئيل يقودها
فمن عاش منكم عاش عبدا ومن يمت ففي النار سقياه هناك صديدها
فلما ولي مصعب العراق أدخل إليه عبد الله بن الزّبير، فقال له: إيه يا ابن الزّبير أنت القائل: إلى رجب السبعين أو ذلك قبله، وذلك الشعر، فقال: نعم أنا القائل ذلك [٣]، وإنّ الحقين ليأبى العذرة، ولو قدرت على
_________________
(١) الأغاني: إلى رجب السبعين أو ذاك قبله تصبحكم.
(٢) الأغاني: ثمانون ألفا نصر مروان دينهم.
(٣) م: لذلك.
[ ٢ / ١٣٦ ]
جحده لجحدته، فاصنع ما أنت صانع، قال: أما إني لا أصنع إلا خيرا، أحسن قوم إليك فأحببتهم وواليتهم فمدحتهم، وأمر له بجائزة وكسوة وردّه إلى منزله مكرّما، فكان ابن الزّبير بعد ذلك يمدحه ويشيد بذكره.
«٢٨٨» - قال أبو الفضل العباس بن أحمد بن ثوابة: قدم البحتريّ النيل على أحمد بن عليّ الاسكافي مادحا له، فلم يثبه ثوابا يرضاه بعد أن طالت مدته عنده، فهجاه بقصيدته التي يقول فيها: [من الخفيف]
ما كسبنا من أحمد [١] بن عليّ ومن النيل غير حمّى النيل
وهجاه بقصيدة أخرى أولها: [من الخفيف]
قصة النيل فاسمعوها عجابه
فجمع إلى هجائه إياه هجاء لبني ثوابة، وبلغ ذلك أبي فبعث إليه بألف [٢] درهم وثيابا ودابة بسرجه ولجامه، فردّه وقال: قد أسلفتكم إساءة لا يجوز معها قبول صلتكم، فكتب إليه أبي: أما الإساءة فمغفورة، وأما المعذرة فمشكورة، والحسنات يذهبن السيئات، وما يأسو جراحك مثل يدك، فقد رددت إليك ما رددته عليّ وأضعفته، فإن تلافيت ما فرط منك أثبنا وشكرنا، وإن لم تفعل احتملنا وصبرنا. فقبل ما بعث به وكتب إليه: كلامك
_________________
(١) م: لأحمد.
(٢) م: ألف.
[ ٢ / ١٣٧ ]
والله أحسن من شعري، وقد أسلفتني ما أخجلني، وحمّلتني ما أثقلني، وسيأتيك ثنائي، ثم غدا عليه بقصيدة أولها: [من الطويل]
ضلال لها ماذا أرادت من الصدّ
وقال فيه بعد ذلك: [من المنسرح]
برق أضاء العقيق من ضرمه
وأيضا: [من الخفيف]
أن دعاه داعي الصّبا فأجابه
قال: ولم يزل أبي بعد ذلك يصله ويتابع برّه لديه حتى افترقا.
٢٨٩- غضب كعب الأحبار على غلامه فحذفه بالدواة فشجه، فقيل له: أنت في حلمك تغضب؟ قال: قد غضب خالق الحلم.
٢٩٠- قال معاوية لابنه، وقد رآه ضرب غلاما له: إياك يا بني والتشفي ممن لا يمتنع منك، فو الله لقد حالت القدرة بين أبيك وبين ذوي تراته، ولهذا قيل: القدرة تذهب الحفيظة.
٢٩١- وقال مالك بن أسماء: [من الكامل]
لما أتاني عن عيينة أنه عان عليه تظاهر الأقياد
تركت له نفسي الحفيظة إنه عند التمكن تذهب الأحقاد
«٢٩٢» - قال الربيع: بلغ المنصور قتل عبد الله بن علي من قتل من بني أمية فقال: قاتله الله، ألا تركهم حتى يرغبوا إلينا كما رغبنا إليهم، ويروا من
[ ٢ / ١٣٨ ]
ملكنا ودولتنا مثل الذي رأينا من ملكهم ودولتهم، وكان القتل بعد أقبح من العفو (وهو يشبه كلاما لعبد الله بن الحسن قد تقدم ذكره) .
«٢٩٣» - قال معاوية: ما غضبي على من أملك وما غضبي على من [١] لا أملك.
«٢٩٤» - وأتي عمر بن عبد العزيز برجل كان واجدا عليه فأمر بضربه، ثم قال: لولا أنّي غاضب لضربتك، ثم خلّى سبيله ولم يضربه.
«٢٩٥» - سبّ رجل من قريش في أيام بني أمية بعض أولاد الحسن بن علي ﵉ فأغلظ له وهو ساكت، والناس يعجبون من صبره عليه، فلما أطال أقبل عليه الحسنيّ متمثلا قول ابن ميادة: [من الطويل]
أظنت وذاكم من سفاهة رأيها أن اهجوها كما هجتني محارب
«٢٩٦» - قال رجل لعمر بن عبد العزيز: إنّ فلانا يقع فيك، فقال:
والله إني لأدع الانتصار وأنا أقدر عليه، وأدع الصغيرة مخافة الكبيرة، وإن التقيّ ملجم.
«٢٩٧» - قال أنوشروان: وجدنا للعفو من اللذة ما لم نجده للعقوبة.
_________________
(١) ر: ما؛ م: إلا على ما.
[ ٢ / ١٣٩ ]
«٢٩٨» - وقال النبي ﷺ: عفو الملوك بقاء للملك.
«٢٩٩» - وفي بعض الكتب أن كثرة العفو زيادة في العمر، وأصله قوله تعالى: وَأَمَّا ما يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ
(الرعد: ١٧) .
«٣٠٠» - قال معاوية: إني لآنف أن يكون في الأرض جهل لا يسعه حلمي، وذنب لا يسعه عفوي، وحاجة لا يسعها جودي (وهذه دعوى عالية الرتبة إن قاربت الفعل استحق صاحبها صفة الكمال) .
«٣٠١» - قال عمر بن عبد العزيز: متى أشفي غيظي؟ أحين أقدر فيقال: ألا غفرت، أم حين أعجز فيقال: ألا صبرت؟
«٣٠٢» - وقال إبراهيم بن أدهم: أنا منذ عشرين سنة في طلب أخ إذا غضب لم يقل إلّا الحقّ فما أجده.
«٣٠٣» - أغلظ رجل لعمر بن عبد العزيز فأطرق طويلا ثم قال: أردت أن يستفزني الشيطان بعزّ السلطان فأنال منك ما تناله مني غدا؟!
[ ٢ / ١٤٠ ]
«٣٠٤» - قال الحسن: المؤمن لا يجهل، وان جهل عليه حلم؛ لا يظلم وإن ظلم غفر؛ لا يبخل وإن بخل عليه صبر.
«٣٠٥» - وقال أكثم بن صيفي: الصبر على جرع الحلم أعذب من جني ثمر الندم.
«٣٠٦» - قال الشعبي: لا يكون الرجل سيدا حتى يعمل ببيتي الهذلي:
[من الطويل]
وإنّي للبّاس على المقت والقلى بني العم منهم كاشح وحسود
أذبّ وأرمي بالحصى من ورائهم وأبدأ بالحسنى لهم وأعود
«٣٠٧» - الأحنف: [من الوافر]
وذي ضغن أمتّ القول عنه بحلم فاستمرّ على القتال
ومن يحلم وليس له سفيه يلاق المعضلات من الرجال
«٣٠٨» - معد بن حسين بن خيارة الفارسيّ المغربيّ: [من الطويل]
إذا الحرّ لم يحمل على الصبر نفسه تضعضع وامتدّت إليه يد العبد
«٣٠٩» - وقف أحمد بن عروة بين يدي المأمون لما عزله عن الأهواز،
[ ٢ / ١٤١ ]
فقال له: خرّبت البلاد، وقتلت العباد، والله لأفعلنّ بك ولأفعلنّ، قال:
يا أمير المؤمنين ما تحبّ أن يفعل الله بك إذا وقفت بين يديه وقد قرّعك بذنوبك؟ قال: العفو والصفح، قال: يا أمير المؤمنين، فافعل بعبدك ما تحبّ أن يفعل بك مولاك، قال: قد فعلت، ارجع فوال مستعطف خير من وال مستأنف.
«٣١٠» - قال المأمون للفضل بن الربيع: يا فضل، أكان حقي عليك وحقّ آبائي ونعمهم عند أبيك وعندك أن تثلبني وتشتمني وتحرّض على دمي؟
أتحبّ أن أفعل بك مع القدرة ما أردت أن تفعله بي مع العجز؟ فقال الفضل: يا أمير المؤمنين، إن عذري يحقدك إذا كان واضحا جميلا، فكيف إذا غيّبته العيوب وقبّحته الذنوب؟ فلا يضق عنّي من عفوك ما وسع غيري من حلمك، فانت والله كما قال الشاعر: [من الطويل]
صفوح عن الاجرام حتى كأنه من العفو لم يعرف من الناس مجرما
وليس يبالي أن يكون به الأذى إذا ما الأذى لم يغش بالكره مسلما
«٣١١» - قال يزيد بن مزيد: أرسل إليّ الرشيد ليلا يدعوني، فأوجست منه خيفة فقال: أنت القائل: أنا ركن الدولة والثائر لها، والضارب أعناق بغاتها، لا أم لك، أيّ ركن لك، وأيّ ثائر أنت؟ وهل كان منك فيها إلا نفحة أرنب رعبت قطاة جثمت بمفحصها؟ قلت: يا أمير المؤمنين، ما قلت هذا إنما قلت: أنا عبد الدولة والفائز بها؛ فأطرق وجعل ينحلّ غضبه عن وجهه، ثم ضحك، فقلت: أسرّ من هذا قولي: [من البسيط]
[ ٢ / ١٤٢ ]
خلافة الله في هارون ثابتة وفي بنيه إلى أن ينفخ الصور
إرث النبيّ لكم من دون غيركم حقّ من الله في القرآن مسطور
فقال: يا فضل أعطه مائتي ألف درهم قبل أن يصبح.
«٣١٢» - مدح شاعر زبيدة فقال: [من الكامل المجزوء]
أزبيدة ابنة جعفر طوبى لزائرك المثاب
تعطين من رجليك ما تعطي الأكفّ من الرغاب
فتبادر العبيد ليوقعوا به، فقالت زبيدة: كفوا عنه فلم يرد إلا خيرا، ومن أراد خيرا فاخطأ خير ممن أراد شرا فأصاب؛ سمع الناس يقولون وجهك أحسن من وجه غيرك، وشمالك أندى من يمنى سواك، وقدّر أن هذا مثل ذاك، أعطوه ما أمّل، وعرّفوه ما جهل.
«٣١٣» - تقلّد فرج الرخجي الأهواز، واتصلت السعايات به، وتظلمت رعيّته منه فصرفه الرشيد بمحمد بن أبان الأنباري؛ قال مطير [١] بن سعيد كاتب فرج: فأحضره الرشيد وحضرنا معه، ولسنا نشك في إيقاعه به وإزالة نعمته، فوقفنا ننتظره يخرج على حال نكرهها، إذ خرج وعليه الخلع، فلما خلا سألته عن خبره فقال لي: دخلت إليه ووجهه في الحائط [٢] وظهره إليّ، فلما أحسّ بي شتمني أقبح شتم، وتوعّدني أشدّ توعّد، ثم قال لي: يا ابن الفاعلة رفعتك فوق قدرك، وائتمنتك فخنتني، وسرقت مالي، وفعلت وصنعت،
_________________
(١) الجهشياري: مظهر.
(٢) الجهشياري: إلى المغرب؛ م: إلى الحائط.
[ ٢ / ١٤٣ ]
لأفعلنّ ولأصنعنّ، فلما سكن قلت له: القول قول سيدي، أمّا ما قال في إنعامه عليّ فهو صحيح وأكثر منه، وحلفت له بأيمان أكدتها [١] لقد نصحت وما سرقت، ووفّرت وما خنت، واستقصيت في طلب حقوقه من غير ظلم، ولكني كنت إذا حضرت أوقات الغلات جمعت التجار وناديت عليها، فإذا تقررت العطايا أنفذت البيع، وجعلت لي مع التجار حصة، فربما ربحت وربما وضعت، إلى أن جمعت [٢] من ذلك وغيره في عدة سنين عشرة آلاف ألف درهم، فاتخذت أزجا كبيرا فأودعته المال وسددته عليه، فخذه وحوّل وجهك إليّ، وكررت القول والحلف على صدقي، فقال لي: بارك الله لك في مالك، فارجع إلى عملك.
«٣١٤» - قال الجاحظ: ليس نفس تصبر على مضض الحقد ومطاولة الأيّام صبر الملوك، أشهد لكنت من الرشيد وهو متعلّق بأستار الكعبة بحيث يمسّ ثوبي ثوبه ويدي يده، وهو يقول في مناجاته: اللهمّ إني أستخيرك في قتل جعفر، ثم قتله بعد ذلك بستّ سنين.
«٣١٥» - قال ابن عبّاس لمعاوية: هل لك في مناظرتي فيما زعمت؟
قال: وما تصنع بذلك؟ فأشغب بك وتشغب بي، فيبقى في قلبك ما لا
_________________
(١) م: بالأيمان وأكدتها.
(٢) م: أجمع.
[ ٢ / ١٤٤ ]
ينفعك، ويبقى في قلبي ما يضرّك.
«٣١٦» - كان ابن عون إذا وجد على إنسان وبلغ منه قال له: بارك الله فيك، وكانت له ناقة كريمة عليه، فضربها الغلام فأندر عينها فقالوا: إن غضب ابن عون فهو يغضب اليوم، فقال للغلام: غفر الله لك.
٣١٧- ويقال: انظروا إلى حلم الرجل عند غضبه، وأمانته عند طمعه، وما علمك بحلمه إذا لم يغضب؟ وما علمك بأمانته إذا لم يطمع؟
«٣١٨» - بينا أبو العبّاس السفّاح يحدّث أبا بكر الهذلي، فعصفت الريح فأذرت طستا من سطح إلى المجلس، فارتاع من حضر ولم يتحوّل الهذليّ ولم تزل عينه مطابقة لعين السفاح، فقال: ما أعجب شأنك يا هذلي!! فقال:
إن الله تعالى يقول: ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ
(الأحزاب:
٤) وإنما لي قلب واحد، فلما غمره السرور بفائدة أمير المؤمنين لم يكن فيه لحادث مجال، فلو انقلبت الخضراء على البيضاء ما أحسست بها ولا وجمت لها، فقال السفاح: لئن بقيت لأرفعنّ منك ضبعا لا تطيف [١] به السّباع ولا تنحطّ عليه العقبان.
«٣١٩» - وقال معاوية، يغلب الملك حتى يركب بالحلم عند سورته والاصغاء إلى حديثه.