«٣٩» - قال عمر بن الخطاب ﵁: لا تصغرنّ هممكم فإني لم
[ ٢ / ٢٨ ]
أر شيئا أقعد بالرجل من سقوط همته.
٤٠- وقال معاوية: تهامموا فإني هممت بالخلافة فنلتها. (يعني مع بعده عن رتبتها ووجود أعيان الصحابة الألى [١] هم أحقّ منه بها، كما يقال: قلّ من طلب إلا وجد أو كاد) .
«٤١» - وقال عمر بن عبد العزيز ﵁: إن لي نفسا تتوق إلى معالي الأمور، تاقت إلى الخلافة فلما نلتها تاقت إلى الجنة.
«٤٢» - وقيل للعتابي: إنّ فلانا بعيد الهمة، فقال: إذن لا يقنع بدون الجنة.
وإذا أردنا حقيقة علوّ الهمة، فطلب الجنة [٢]، وإذا أردنا الرياسة التي لا يفسدها الزمان فرياسة الدين والعلم، وإنما نذكر رياسة الدنيا والراغبين فيها مجازا ولذاك يقع بالأمر غير مستحقه، وينال الدنيا وشرفها ويدرك غاياتها من لا فضيلة عنده، فيهلك [٣] صاحبها المحروم أسفا وكمدا، ويتقطع قلبه لهفا وحسدا.
ونعود إلى ما قصدنا له:
«٤٣» - نازع عبد الملك بن مروان وهو حدث عبد الرحمن بن خالد بن الوليد فأربى عليه عبد الرحمن، فقيل له لو شكوت ما صنع بك إلى عمه لا نتقم لك منه، فقال: اني لا أرى انتقام غيري لي انتقاما؛ فلما استخلف
_________________
(١) م: اللائي.
(٢) م: الآخرة.
(٣) م: فهلك.
[ ٢ / ٢٩ ]
أذكر بذلك فقال: حقد السلطان عجز.
«٤٤» - وخاض جلساؤه يوما في مقتل عثمان فقال رجل: يا أمير المؤمنين في أيّ سنّك كنت يومئذ؟ قال: كنت دون المحتلم، فقال فما بلغ من حزنك عليه؟ قال: شغلني الغضب له عن الحزن عليه.
«٤٥» - قال يزيد بن المهلب: ما يسرّني أني كفيت أمر الدنيا كله، قيل: ولم أيها الأمير؟ قال: أكره عادة العجز.
«٤٦» - ومن الهمّة البعيدة ما فعله بنو العبّاس: خرجوا في أربعة عشر راكبا يطلبون الخلافة، وأعداؤهم في أيديهم الأموال والبلاد، والجيوش منقادة لهم حتى قال بعضهم وهو داود بن عليّ، وقد لقيهم ولم يعلم أين يريدون: ما قصتكم وأين تريدون؟ فقصّ عليه أبو العبّاس القصة، وأنهم يريدون الكوفة ليظهر أمرهم بها، فقال له داود: يا أبا العبّاس تأتي الكوفة وشيخ بني مروان بحرّان، وهو مطلّ على العراق في أهل الشام، يعني مروان بن محمد، وشيخ العرب في العراق في حلبة العرب، يعني يزيد بن عمر بن هبيرة؟! فقال أبو العبّاس: من أحبّ الحياة ذلّ، ثم تمثل قول الأعشى: [من الطويل]
فما ميتة إن متّها غير عاجز بعار إذا ما غالت النفس غولها
فالتفت داود إلى ابنه موسى فقال: صدق والله ابن عمك، ارجع بنا معه نعش أعزاء أو نموت كراما، فرجعوا معه.
[ ٢ / ٣٠ ]
والركب الأربعة عشر هم: أبو العبّاس عبد الله بن محمد بن علي بن عبد الله بن العبّاس وهو [أبو] العبّاس [١] السفاح، وأخوه أبو جعفر عبد الله المنصور، وعمومتهما عبد الله وصالح وعبد الصمد وإسماعيل وداود وعيسى بنو علي بن عبد الله بن عبّاس، ويحيى بن محمد بن علي، وعبد الوهّاب ومحمد ابنا إبراهيم بن محمد بن علي، وعيسى بن موسى بن علي، وموسى بن داود بن علي ويحيى بن جعفر بن تمام بن العبّاس.
وكان عيسى بن موسى إذا ذكر خروجهم من الحميمة يريدون الكوفة يقول: إن ركبا أربعة عشر خرجوا من دارهم وأهليهم يطلبون ما طلبنا لعظيمة هممهم، كبيرة نفوسهم، شديدة قلوبهم.
«٤٧» - وممن علت به همّته ورفعته من أوضع منزلة إلى أعلى درجة أبو مسلم صاحب الدولة، وهو عبد اشتراه إبراهيم الامام وأعتقه، وذلك بعد تعرضه للدعوة، وقد ذكرنا مبدأ أمره في موضعه من هذا الكتاب. قيل له في أيّام شبيبته وعصر حداثته: إنا نراك تأرق كثيرا ولا تنام كأنك موكّل برعي الكواكب أو متوقع للوحي من السماء. قال: والله ما هو ذاك، ولكن لي رأي جوال، وغريزة تامة، وذهن صاف، وهمّة بعيدة، ونفس تتوق إلى معالي الأمور، مع عيش كعيش الهمج والرعاع، وحال متناهية في الخساسة والاتضاع [٢]، وإني لأرى بعض هذا مصيبة لا تجبر بسهر ولا تتلافى برفق.
فقيل له: ما الذي يبرد غليلك، ويشفي أحاح صدرك، ويطفىء أوار نارك؟
قال: الظفر بالملك. قيل له: فاطلب، قال: إن الملك لا يطلب إلا بركوب
_________________
(١) أبو العبّاس: سقطت من ر.
(٢) نثر الدر: متناهية في الاتضاع.
[ ٢ / ٣١ ]
الأهوال، قيل: فاركب الأهوال، قال: هيهات، العقل مانع من ركوب الأهوال، قيل: فما تصنع وأنت تبلى حسرة وتذوب كمدا؟ قال: سأجعل من عقلي بعضه جهلا وأحاول به خطرا لأنال بالجهل ما لا ينال إلا به، وأدبّر بالعقل ما لا يحفظ إلا بقوّته، وأعيش عيشا يبين [١] مكان حياتي فيه من مكان موتي عليه فإن الخمول أخو العدم، والشهرة أبو الكون.
«٤٨» - وكان للفاذوسبان [٢]، وهو من كبار أهل نيسابور، يد عند أبي مسلم في اجتيازه إلى خراسان، فكان يرعى له ذلك، فقال له يوما الفاذوسبان: أيها السلار، وبذاك كان يخاطب قبل قتل [ابن] الكرماني، مال قلبك إلى أحد بخراسان؟ فقال: كنت في ضيافة رجل يقال له فلان السمرقندي، فقامت بين يديّ جارية له توضيني فاستحليتها، قال فأنفذ الفاذوسبان إلى سمرقند واحتال في تحصيل الجارية، ثم أضاف أبا مسلم وأمرها أن [٣] توضيه، فلما نظر إليها عرفها، فوهبها له الفاذوسبان، وكان لا يحجب عن أبي مسلم في أي وقت جاءه، فدخل إليه يوما فوجده نائما في فراشه فانصرف، وأمر أبو مسلم برده فجاء حتى وقف عليه فرآه مضاجعا تلك الجارية، وهما في ثيابهما [٤]، وبينهما سيف مسلول، فقال: يا فاذوسبان، إنما أحببت أن تقف على صورتي في منامي لتعلم أنّ من قام بمثل ما قمت به لا يتفرغ إلى مباشرة النساء، وأنشد [٥]: [من البسيط]
_________________
(١) ر: يدين.
(٢) م: لفاذوسان.
(٣) ر ونثر الدر: بأن.
(٤) م: شأنهما.
(٥) م: ثم انشد في ذلك.
[ ٢ / ٣٢ ]
قوم إذا حاربوا شدّوا مآزرهم دون النساء ولو باتت بأطهار
«٤٩» - وكتب عبد الحميد كتابا إلى أبي مسلم وقال لمروان: إني قد كتبت كتابا إن نجع فذاك وإلا فالهلاك، وكان من كبر حجمه يحمل على جمل، وكان عبد الحميد قال: أنا ضامن أنه متى قرأ الرسول على المستكفين حول أبي مسلم ذلك بمشهد منه أنهم يختلفون، وإذا اختلفوا كلّ حدّهم وذلّ جهدهم، فلما ورد الكتاب على أبي مسلم دعا بنار فطرحه فيها إلا قدر ذراع فإنه كتب عليه: [من الطويل]
محا السيف أسطار البلاغة وانتحى عليك ليوث الغاب من كلّ جانب
فإن تقدموا نعمل سيوفا شحيذة يهون عليها العتب من كل عاتب
وردّه، فحينئذ وقع اليأس من معالجته.
«٥٠» - وتزعم [١] الفرس انّ كابي كان حدادا بخراسان وقيل [٢] بأصفهان في ملك بيوراسب، وأن بيوراسب قتل ابنين له، فسمت همّته إلى أن أخذ النطع [٣] الذي يتوقى به من النار فجعله علما، ودعا الناس إلى مجاهدة [٤] بيوراسب، فأجابه خلق كثير لما كان عليه بيوراسب من الجور [٥]، وهزم بيوراسب وقتل، وسألوا كابي أن يلي عليهم الملك فأبى حتى ملكوا غيره،
_________________
(١) ر: ويزعم.
(٢) بخراسان وقيل: زيادة من م.
(٣) م: إلى أخذ النطع.
(٤) م: مجاهرة.
(٥) فأجابه الجور: سقط من م.
[ ٢ / ٣٣ ]
وعظموا ذلك النطع ورصعوه بالجوهر وصار علم ملوكهم الأكبر الذي يتبركون به في حروبهم ويسمونه درفش كابيان.
«٥١» - ويقال [١] لا ينبغي للرجل ذي المروءة الفاضلة أن يرى إلا في موضعين ولا يليق به غيرهما: إما مع الملوك مكرما، وإما مع النساك متبتلا.
«٥٢» - وممن حركته همته حتى نال أمنيته على بعد منالها المختار بن أبي عبيد الثقفي، قال بن العرق [٢]: رأيت المختار مشتور العين، قلت: من فعل بك هذا، قطع الله يده؟ فقال: ابن الفاعلة عبيد الله بن زياد، والله لأقطعنّ أنامله وأباجله، ولأقتلن بالحسين عدد من قتل بيحيى بن زكريا ﵉. وحبس في فتنة يزيد فلما هلك اجتمعت الشيعة لإخراجه، فاستأناهم حتى أخرجه عبد الله بن يزيد وإبراهيم بن محمد بن طلحة وهما على الكوفة من قبل عبد الله بن الزبير وكفلاه وحلّفاه ألا يخرج ما دام لهما سلطان، فإن فعل فعليه ألف بدنة ينحرها لدى رتاج الكعبة، ومماليكه ذكرهم وأنثاهم [٣] أحرار، فلما عزلا عن الكوفة وبعث ابن الزبير عليها عبد الله بن مطيع أظهر أمره حينئذ، وبلغ من الثأر ما هو مشهور. وكان يقول: قاتلهم الله ما أحمقهم حين يرون أني أفي لهم باليمين، أما يميني بالله فانه ينبغي لي إذا حلفت على يمين ثم رأيت ما هو خير منها أن أدع ما حلفت عليه وآتي الذي هو خير وأكفّر عن يميني، وأما
_________________
(١) م: وقال.
(٢) م: قال ابن العريق وقيل ابن العرق.
(٣) م: ذكورهم وإناثهم.
[ ٢ / ٣٤ ]
هدي البدن فأهون عليّ من بصقة، وما ثمن ألف بدنة مما يهولني! وأما عتق مواليّ فو الله لوددت أنه قد استتب لي أمري ولم أملك مملوكا أبدا.
«٥٣» - ولما حارب المختار مصعبا فلّ جيش مصعب، وقتل محمد بن الأشعث، وأوغل أصحاب المختار في أصحاب مصعب فظن أنهم انهزموا، فانصرف منهزما إلى القصر بالكوفة، وعاد أصحاب المختار من حملتهم فلم يجدوه، فتبعوه إلى القصر بعد أن تفرّق شطرهم وظنّوا أنه قد قتل، واجتمعوا في القصر ثمانية آلاف، وحصرهم مصعب فقال لهم: اخرجوا إلى القوم فما بكم من قلّة، فجبنوا عن ذلك وضعفوا، فخرج المختار إليهم في تسعة عشر رجلا فقاتلهم حتى قتل ولم يسلم نفسه لهم.
«٥٤» - خرج معاوية متنزها فمرّ بحواء [١] ضخم فقصد لبيت منه، فإذا بفنائه امرأة برزة، فقال لها: هل من غداء؟ قالت: نعم حاضر، قال: وما غداؤك؟ قالت خبز خمير، وماء نمير، وحيس فطير، ولبن هجير [٢]، فثنى وركه ونزل، فلما تغدّى قال: هل لك من حاجة؟ فذكرت حاجة أهل الحواء، قال: هاتي حاجتك في خاصّة نفسك، قالت: يا أمير المؤمنين إني أكره أن تنزل واديا فيرفّ أوله ويقفّ آخره.
«٥٥» - قال ابن عامر لامرأته أمامة بنت الحكم الخزاعية: إن ولدت
_________________
(١) الحواء: بيوت مجتمعة متقاربة.
(٢) الهجير: الفائق الفاضل.
[ ٢ / ٣٥ ]
غلاما فلك حكمك، فلما ولدت قالت: حكمي أن تطعم سبعة أيّام، كلّ يوم ألف خوان من فالوذج، وأن تعقّ بألف شاة، ففعل.
«٥٦» - قال بعضهم: رحت عشية من طريق مكة مع عبد الله بن الحسن بن الحسن، فضمّنا المسير وداود وعبد الله وعيسى بني علي بن عبد الله ابن العبّاس، فسار عيسى وعبد الله أمام القوم، فقال داود لعبد الله بن الحسن: لم لا يظهر محمد، يعني ابنه؟ فقال عبد الله: لم يأت الوقت الذي يظهر فيه محمد بعد، ولسنا بالذين نظهر عليهم، وليقتلنّهم الذي يظهر عليهم قتلا ذريعا، قال: فسمع عبد الله بن علي الحديث فالتفت إلى عبد الله بن الحسن وقال: يا أبا محمد [من الوافر]
سيكفيك الجعالة مستميت خفيف الحاذ من فتيان جرم [١]
أنا والله أظهر عليهم وأقتلهم وأنتزع ملكهم، فكان كما قال.
«٥٧» - قال أبو هريرة رأيت هندا يعني بنت عتبة بمكة جالسة وكأنّ وجهها فلقة قمر، وخلفها من عجيزتها مثل الرجل الجالس، ومعها صبيّ يلعب، فمرّ رجل فنظر إليه وقال: إني لأرى غلاما إن عاش ليسودنّ قومه، فقالت هند: إن لم يسد إلا قومه فلا جبره الله.
_________________
(١) الجعالة: ما يجعل للغازي وذلك إذا وجب على الإنسان غزو فجعل مكانه رجلا آخر يجعل يشترطه؛ خفيف الحاذ: خفيف الظهر.
[ ٢ / ٣٦ ]
«٥٨» - وقال عتبة بن ربيعة لابنته هند: قد خطبك إليّ رجلان «السم ناقعا» يعني سهيل بن عمرو، و«الأسد عاديا» يعني أبا سفيان، فأيهما أحبّ إليك أن أزوّجك؟ قالت: الذي يأكل أحبّ إلي من الذي يؤكل؛ فزوّجها أبا سفيان.
٥٩- لما قتل حاجب بن زرارة قراد بن حنيفة قالت قبائل بني دارم لحاجب: إمّا أن تقيد من نفسك، وإما أن تدفع إلينا رجلا من رهطك، فأمر فتى من بني زرارة بن عدس أن يذهب إليهم حتى يقاد، فمرّوا بالفتى على أمه فحسبوها [١] تجزع فيدفع إليهم حاجب غيره، فقالت: إنّ حيضة وقت حاجبا الموت [٢] لعظيمة البركة.
«٦٠» - قيل إن الحارث بن عوف بن أبي حارثة المرّي قال لخارجة بن سنان المريّ: أتراني أخطب إلى أحد فيردني؟ قال: نعم، قال: ومن ذاك؟
قال: أوس بن حارثة بن لام الطائي، فقال الحارث لغلامه: ارحل بنا، فركبا حتى انتهيا إلى أوس بن حارثة في بلاده، فوجداه في ثني [٣] منزله، فلما رآه قال: مرحبا بك يا حار، ما جاء بك؟ قال: جئتك خاطبا، قال: لست هناك، فانصرف ولم يكلّمه؛ ودخل أوس على امرأته مغضبا، وكانت من بني عبس فقالت: من رجل وقف عليك فلم يطل ولم تكلّمه؟ قال: ذاك سيد
_________________
(١) م ر: وحسبوها.
(٢) م: وقت لنا حاجبا من الموت.
(٣) ثني: سقطت من الأغاني.
[ ٢ / ٣٧ ]
العرب الحارث بن عوف، قالت: فما لك لم تستنزله [١]؟ قال: إنه استحمق، جاءني خاطبا، قالت: أفتريد أن تزوّج بناتك؟ قال: نعم، قالت: فإذا لم تزوّج سيد العرب فمن؟ قال: قد كان ذلك، قالت: فتدارك ما كان منك، قال: بماذا؟ قالت: أن تلحقه فتردّه. قال: وكيف وقد فرط إليه مني ما فرط؟ قالت: تقول: إنك لقيتني وأنا مغضب بأمر لم تقدّم فيه قولا، فلم يكن عندي من الجواب إلا ما سمعت، فانصرف ولك عندي كلّ ما أحببت، فركب في أثرهما؛ قال خارجة بن سنان: فو الله إنا نسير [٢] إذ حانت مني التفاتة فرأيته، فأقبلت على الحارث وما يكلمني غمّا، فقلت له: هذا أوس بن حارثة في أثرنا، قال: وما نصنع به؟ امض، فلما رآنا لا نقف عليه صاح:
يا حار اربع [٣] عليّ، فوقفنا له وكلّمه بذلك الكلام، فرجع مسرورا، فبلغني أن أوسا لما دخل منزله [٤] دعا ابنته الكبرى وأعلمها خطبة الحارث بن عوف فقالت: لا تفعل. قال: ولم؟ قالت: لأنّ في وجهي ردّة وفي خلقي بعض العربدة [٥]، ولست بابنة عمه فيرعى حقي [٦]، وليس بجارك فيستحي منك، ولا آمن أن يرى منّي ما يكره فيطلقني، فيكون عليّ في ذلك ما تعلم؛ قال:
قومي بارك الله عليك، ثم دعا بابنته الوسطى وقال لها كمقالته للكبرى، فقالت له: أنا خرقاء، وأجابته بنحو جواب أختها. فقال: ادعوا لي بهيسة، يعني الصغرى [٧]، فقال لها كمقالته لأختيها، فقالت: أنت وذاك. فقال لها: إنّي عرضت ذلك على أختيك فأبتاه، فقالت: لكني والله الجميلة وجها، الصّناع
_________________
(١) م: فما رأيتك تستقر له.
(٢) الأغاني: إني لأسير؛ انا لنسير.
(٣) ع ر م: ارجع.
(٤) م: إلى منزله.
(٥) م ر والأغاني: العهدة (والعهدة: الضعف) .
(٦) الأغاني: رحمي.
(٧) م: يعني الطفلة وهي الصغرى.
[ ٢ / ٣٨ ]
يدا، الرقيقة خلقا، الحسيبة أبا، فإن طلّقني فلا أخلف الله عليه بخير.
قال، فخرج إلينا وقال: قد زوجتك يا حار بهيسة بنت أوس، قال:
قد قبلت؛ فأمر أمّها أن تهيّئها وتصلح من شأنها، ثم أمر ببيت فضرب له وأنزله إيّاه، ثم خرج إليّ فقلت: أفرغت من شأنك؟ فقال:
لا، قلت: وكيف؟ قال: لما مددت يدي إليها قالت: مه أعند أهلي [١] وإخوتي؟! هذا والله ما لا يكون، قال: فأمر بالرحلة فارتحلنا بها معنا، فسرنا ما شاء الله ثم قال لي: تقدّم فتقدّمت، وعدل بها عن الطريق، فما لبث أن لحقني فقلت: أفرغت؟ قال: لا والله قلت:
ولم؟ قال: قالت لي: أكما يفعل بالأمة الجليبة والسبيّة الأخيذة؟ لا والله حتى تنحر وتذبح [٢] وتدعو العرب وتعمل ما يعمل لمثلي، قال: قلت والله إني لأرى همّة وأرى عقلا وإني لأرجو أن تكون المرأة النجيبة. فرحلنا حتى جئنا بلادنا فأحضر الإبل والغنم ودخل عليها ثم خرج فقلت: أفرغت؟ قال: لا والله، قلت: ولم؟ قال: دخلت عليها أريدها، وقلت لها: قد أحضرنا من المال ما تريدين [٣] . فقالت: والله لقد ذكرت لي من الشرف بما لا أراه فيك، قلت: وكيف؟ قالت: أتتفرغ لنكاح النساء والعرب يأكل بعضها بعضا؟! وذلك في أيام حرب عبس وذبيان. قلت: فتقولين ماذا؟ فقالت: اخرج إلى هؤلاء القوم فأصلح بينهم ثم ارجع إلى أهلك فلن يفوتوك، فقلت: والله إني لأرى همة وعقلا ولقد قالت قولا. قال: فاخرج بنا، فخرجنا حتى أتينا القوم فمشينا بينهم بالصلح، فاصطلحوا على أن يحسبوا [٤] القتلى ثم يؤخذ الفضل ممن هو عليه، فحملنا عنهم الديات فكانت ثلاثة آلاف بعير في ثلاث سنين،
_________________
(١) الأغاني: أبي.
(٢) الأغاني: حتى تنحر الجزر وتذبح الغنم.
(٣) الأغاني: ما قد ترين.
(٤) الأغاني: يحتسبوا.
[ ٢ / ٣٩ ]
فانصرفنا بأجمل الذكر.
«٦١» - لما احتضر ذو الاصبع العدوانيّ دعا ابنه أسيدا فقال: يا بنيّ إن أباك قد فني وهو حيّ، وعاش حتى سئم العيش، وإني موصيك ما إن حفظته بلغت في قومك ما بلغته فاحفظ عني: ألن جانبك لقومك يحبّوك، وتواضع لهم [١] يرفعوك، وابسط لهم وجهك يطيعوك، ولا تستأثر عنهم حتى يسوّدوك، وأكرم صغارهم كما تكرم كبارهم يكبر على مودّتك صغارهم، واسمح بمالك واحم حريمك، وأعزز جارك، وأعن من استعان بك، وأكرم ضيفك، وأسرع النهضة في الصريخ فان لك أجلا لا يعدوك، وصن وجهك عن مسألة أحد شيئا يتمّ سؤددك.
«٦٢» - لما أمعن داود بن علي في قتل بني أمية بالحجاز قال له عبد الله بن الحسن بن الحسن: يا ابن عمّ، إذ أفرطت في قتل أكفائك فمن تباهي بسلطانك؟ أو ما يكفيك منهم أن يروك رائحا وغاديا فيما يسرّك ويسوءهم؟
«٦٣» - كان عثمان بن حيان [٢] المرّي على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك، فأساء بعبد الله والحسن ابني الحسن إساءة عظيمة وقصدهما، فلما عزل أتياه فقالا: لا تنظر إلى ما كان بيننا فان العزل قد محاه، وكلّفنا أمرك كله. فلجأ إليهما فبلّغاه كلّ ما أراد، فجعل عثمان يقول: الله أعلم حيث يجعل رسالاته.
_________________
(١) بعد هذا سقط من ع مقدار كراسة، وما أثبته فهو من ر م.
(٢) نثر: عثمان بن خالد.
[ ٢ / ٤٠ ]
«٦٤» - كان محمد بن سليمان بن علي من رجال بني هاشم وذوي هممهم، وكان له خمسون ألف مولى أعتق منهم عشرين ألفا، وخرج يوما إلى باب داره بالمربد في عشية من عشايا الصيف فرأى الحرّ شديدا فقال: رشّوا هذا الموضع، فخرج من داره خمسمائة عبد بخمسائة قربة ماء [١]، فرشوا الشارع حتى أقاموا الماء فيه، وكانت غلّته كلّ يوم مائة ألف درهم، وسمع دعاؤه في السحر: اللهمّ أوسع عليّ فإنه لا يسعني إلا الكثير.
«٦٥» - ولما أراد أن يدخل بالعبّاسة بنت المهدي شاور كاتبه حمادا في اللباس الذي يلبسه، فأشار عليه بأن لا يتصنّع، ويقتصر على ما كان يلبسه في كلّ يوم، فلم يقبل منه، وعمد إلى ثياب دبيقية كأنها غرقيء البيض فلبسها، فرأتها عليه، فلما كان الغد دخل عليها، وإذا هي في دار قد فرشت بالدبيقي الذي يشابه ما لبس أو يزيد عليه، فعلم أنّ كاتبه قد نصحه، وتمثّل يقول [٢]:
[من الطويل]
أمرتهم أمري بمنعرج اللّوى فلم يستبينوا النّصح إلّا ضحى الغد
«٦٦» - وكان يتصدّق في كل سنة بخمسمائة ألف درهم، ويوم الفطر بمائة ألف درهم وفي كل يوم بكرّين من الدقيق. [٣]
«٦٧» - وقدم المهديّ البصرة فنزل دار محمد بن سليمان، وترك محمد
_________________
(١) نثر: قربة مملوءة ماء.
(٢) يقول: زيادة من م.
(٣) م: بكر بن دقيق.
[ ٢ / ٤١ ]
المحدثة، فقام محمد بنزل المهديّ وأصحابه، فقال المهديّ ذات يوم لأصحابه: لنفضحنّ محمدا اليوم، فصلّى الفجر وركب هو وأصحابه ومحمد معه، فمضى نحو الجعفريّة والنحيت، ثم قال لمحمد: يا أبا عبد الله، امض بنا نتغدّى في المحدثة، فساعة جلس المهديّ قال لمحمد: إنه خطر ببالي لبأ الظباء مع أزاذ [١] فأحضره له من ساعته؛ وكان عند محمد ألف ظبية بالنحيت يتوالدن، ثم جاءوه بالطعام فأكل فقال: يا أبا عبد الله قد خطر ببالي مخ السوق معقود [٢] بسكر طبرزذ، فأحضره، فقال يا أبا عبد الله أردنا أن نفضحك فغمرتنا، فأكثر الله في عمومتنا وبني عمنا مثلك.
٦٨- ومن ذوي الهمم سعيد بن العاص، وكان أيضا من أجواد قريش، وأخباره في الجود ترد في موطنها. خطب سعيد أمّ كلثوم بنت عليّ ﵇، وبعث إليها مائة ألف درهم وشاور الحسن بن علي في ذلك، فقال: أنا أزوّجك، واتعدوا ولم يحضر الحسين معهم، فقال سعيد: أين أبو عبد الله؟ فقال الحسن: لم يحضر وأنا أكفيك، فقال: لعلّه كره شيئا مما نحن فيه، قالوا: نعم، فقال سعيد: لم أكن لأدخل في شيء كرهه أبو عبد الله، فتفرقوا [٣] عن غير تزويج، وردّت المال فلم يقبله سعيد.
«٦٩» - دخل المسور على معاوية فقال له: كيف تركت سعيدا؟
_________________
(١) الأزاذ: نوع جيد من التمر؟؟؟.
(٢) معقود: سقطت من م.
(٣) ر: يتقرقرا.
[ ٢ / ٤٢ ]
فقال عليلا، قال: لليدين والفم: [من الطويل]
به لا بظبي بالصريمة أعفرا
قال: وعمرو بن سعيد صبيّ يسمع قوله من ورائه، فقال: إذن والله لا يسدّ حفرتك [١]، ولا يزيد [٢] في رزقك، ولا يدفع حتفا عليك، بل يفتّ في عضدك، ويهيض ظهرك، وينشر أمرك، فتدعو فلا تجاب، وتتوعّد فلا تهاب؛ فقال معاوية: أبا أمية أراك هاهنا، إنّ أباك جارانا إلى غاية الشرف [٣] فلم نعلق بآثاره، ولم نقم لمحضاره، ولم نلحق بمضماره، ولم ندن من غباره، هذا مع قوة إمكان، وعزة سلطان، وإنّ أثقل قومنا علينا من سبقنا إلى غاية شرف.
«٧٠» - وكان معاوية يعاقب بين سعيد وبين مروان في ولاية المدينة، وكان يغري بينهما، فكتب إلى سعيد وهو وال عليها أن أهدم دار مروان فلم يهدمها، وأعاد عليه الكتاب بهدمها فلم يفعل، فعزله وولّى مروان، وكتب إليه أن أهدم دار سعيد، فأرسل الفعلة وركب ليهدمها، فقال له سعيد: يا أبا عبد الملك، أتهدم داري؟ قال: نعم، كتب إليّ أمير المؤمنين ولو كتب إليك في هدم داري لفعلت، فقال: ما كنت لأفعل، قال: بلى والله ولو كتب إليك لهدمتها، قال: كلا يا أبا عبد الملك، وقال لغلامه: انطلق فجئني
_________________
(١) ر: يسر حقرتك.
(٢) ر: زيد.
(٣) م: الغاية الشرف.
[ ٢ / ٤٣ ]
بكتب معاوية فجاءه بها، فقال مروان: كتب إليك يا أبا عثمان في هدم داري فلم تهدمها ولم تعلمني؟ قال: ما كنت لأهدم دارك ولا أمنّ عليك، وإنما أراد معاوية أن يحرّض بيننا، فقال مروان: فداك أبي وأمي، أنت والله أكرمنا ريشا وعقبا، ورجع فلم يهدم دار سعيد.
«٧١» - وقدم سعيد على معاوية فقال له: يا أبا عثمان كيف تركت أبا عبد الملك؟ قال: تركته ضابطا لعملك، منفذا لأمرك، قال: إنه كصاحب الخبزة كفي نضجها [١] فأكلها، قال: كلا والله يا أمير المؤمنين، إنه لمع قوم ما يجمل بهم السوط ولا يحلّ لهم السيف، يتهادون [فيما بينهم كلاما] كوقع النبل:
سهم لك وسهم عليك، قال: ما باعد بينك وبينه؟ قال: خافني [٢] على شرفه وخفته [٣] على شرفي، قال: فما له عندك؟ قال: أسرّه غائبا وأسوءه شاهدا، قال: تركتنا يا أبا عثمان في هذه الهنات [٤]، قال: نعم يا أمير المؤمنين فتحملت الثقل، وكفيت الغرم [٥] وكنت قريبا: لو دعوت أجبت، ولو وهنت وقعت [٦] .
«٧٢» - وكان [٧] ابن ظبيان نذر أن يقتل من قريش مائة بأخيه النابي، فقتل منهم ثمانين ثم قتل مصعبا وقال: [من الطويل]
_________________
(١) البيان: إنضاجها.
(٢) ر: حاقني.
(٣) ر: وحقيه.
(٤) البيان: الحروب.
(٥) البيان: الحزم.
(٦) البيان: ولو أمرت لأطعت.
(٧) تأخرت هذه الفقرة في م عن الفقرتين ٧٣، ٧٤.
[ ٢ / ٤٤ ]
يرى مصعب أني تناسيت نابيا وليس لعمر الله ما ظنّ مصعب
فو الله ما أنساه ما ذرّ شارق وما لاح في داج من الليل كوكب
وثبت عليه ظالما فقتلته فقصرك منه يوم شرّ عصبصب
قتلت به من حيّ فهر بن مالك ثمانين منهم ناشئون وأشيب
وكفّي لهم رهن بعشرين أو يرى عليّ مع الإصباح نوح مسلّب
أأرفع رأسي وسط بكر بن وائل ولم أرو سيفي من دم يتصبّب
«٧٣» - دخل عبيد الله بن زياد بن ظبيان على أبيه وهو يكيد بنفسه فقال: ألا أوصي بك الأمير زيادا؟ قال: لا، قال: ولم ذلك؟ قال: إذا لم يكن للحيّ إلا وصية الميت فالحيّ هو الميت.
«٧٤» - وعبيد الله هذا هو قاتل مصعب بن الزبير، ولما أتي عبد الملك برأسه خرّ عبد الملك ساجدا، قال عبيد الله: فهممت أن أقتله فأكون أفتك العرب، قتلت ملكين في يوم واحد. وأمر له عبد الملك بألف دينار فأبى أن يأخذها وقال: إنما قتلته على وتر لي عنده، وكان مصعب قتل أخاه النابي بن ظبيان.
«٧٥» - لما أخذ عبد الحميد بن ربعيّ وأتي به المنصور ومثل بين يديه قال: لا عذر فأعتذر، وقد أحاط بي الذنب، وأنت أولى بما ترى، قال المنصور: إني لست أقتل أحدا من آل قحطبة، أهب مسيئهم لمحسنهم، قال: يا أمير المؤمنين إن لم يكن فيّ مصطنع فلا حاجة بي إلى الحياة، لست
[ ٢ / ٤٥ ]
أرضى أن أكون طليق شفيع وعتيق ابن عمّ.
٧٦- ويناسب هذه القصة ما فعله بابويه، أحد الشطّار، وكان محبوسا بعدة دماء، فلما نقب حمير بن مالك السجن وقام على باب النقب يسرّب الناس ويحميهم ليستتم المكرمة جاء رسوله إلى بابويه فقال: أبو نعمانة ينتظرك، وليس له همّ سواك، وما بردت [١] مسمارا ولا فككت حلقة وأنت قاعد غير مكترث ولا محتفل، وقد خرج الناس حتى الضعفاء، فقال بابويه:
ليس مثلي يخرج في الغمار ويدفع عنه الرجال، لم أشاور ولم أؤامر [٢]، ثم يقال لي الآن: كن كالظعينة والأمة والشيخ الفاني؟! والله لا أكون في شيء تابعا ذليلا، فلم يبرح وخرج سائر الناس، وأجرامه وحده كأجرام الجميع، فلما جاء الأمير ودخل السجن فلم ير فيه غيره قال للحرس: ما بال هذا؟ فقصّوا عليه القصّة فضحك وقال: خذ أيّ طريق شئت، فقال بابويه: هذا عاقبة الصبر.
«٧٧» - لما عزل الحجاج أمية بن عبيد الله عن خراسان أمر رجلا من بني تميم فعابه بخراسان وشنّع عليه، فلما قفل لقيه التميميّ فقال: أصلح الله الأمير، أقلني فإني كنت مأمورا، فقال: يا أخا بني تميم، وحدّثتك نفسك أني وجدت عليك؟ قال: قد ظننت ذاك، قال: إنّ لنفسك عندك قدرا.
«٧٨» - دخل عمارة بن حمزة على المنصور فقعد في مجلسه، وقام رجل
_________________
(١) ر: يردق.
(٢) ر: أذامر.
[ ٢ / ٤٦ ]
فقال: مظلوم يا أمير المؤمنين، قال: ومن ظلمك؟ قال: عمارة غضبني ضيعتي، فقال المنصور: يا عمارة قم فاقعد مع خصمك، فقال: ما هو لي بخصم، إن كانت الضيعة له فلست أنازعه، وإن كانت لي فهي له، ولا أقوم من مجلس قد شرّفني أمير المؤمنين بالرفعة إليه لأقعد في أدنى منه بسبب ضيعة.
«٧٩» - وجرى بين الرشيد وزبيدة (وقيل: بل كان بين أبي العبّاس السفّاح وأمّ سلمة، وهو الأشبه) نزاهة نفس عمارة وكبره، فقالت له: ادع به وهب له سبحتي هذه، فإنّ شراءها خمسون ألف دينار، فإن ردّها علمنا نزاهته، فوجّه إليه فحضر، فحادثه ساعة ورمى إليه بالسبحة وقال: هي طرفة [١] وهي لك، فجعلها عمارة بين يديه، فلما قام تركها، فقالت: أنسيها، فأتبعوه خادما بالسبحة، فقال للخادم: هي لك، فرجع وقال: وهبها لي عمارة، فأعطت المرأة بها الخادم ألف دينار وأخذتها منه.
«٨٠» - دخل الطرماح بن حكيم الطائيّ على خالد بن عبد الله القسري فقال له: أنشدني بعض شعرك فأنشده: [من الطويل]
وشيّبني ألّا أزال مناهضا بغير غنى أسموا به وأبوع [٢]
وإنّ رجال المال أضحوا، ومالهم لهم عند أبواب الملوك شفيع
_________________
(١) م ر: طريقة.
(٢) أبوع: أبسط باعي بالمال.
[ ٢ / ٤٧ ]
فقال له خالد: لو كان لك مال ما كنت به صانعا؟ قال: أسود به قومي، وأصون به عرضي، فأمر له بعشرين ألفا.
«٨١» - كان المعتصم ينفق أمواله في جمع الرجال وابتياع الغلمان، وكان العبّاس بن المأمون مشغولا باتخاذ الضّياع، فكان المأمون كلّما نظر إلى المعتصم تمثل ببيتي أبي عبد الرحمن الأعمى الذي كان مع الحسن بن الحسين بن مصعب [١]: [من الكامل]
يبني الرجال وغيره يبني القرى شتان بين مزارع ورجال
قلق بكثرة ماله وسلاحه حتى يفرّقه على الأبطال
«٨٢» - قيل: ما رئيت بنت عبد الله بن جعفر ضاحكة بعد أن تزوجها الحجاج، فقيل لها: لو تسليت فإنه أمر قد وقع، فقالت: كيف وبم [٢]؟
فوالله لقد ألبست قومي عارا لا يغسل درنه بغسل. ولما مات أبوها لم تبك عليه، فقيل لها: ألا تبكين على أبيك؟ قالت: والله إنّ الحزن ليبعثني وإنّ الغيظ ليصمتني. ولما أهديت إلى الحجاج نظر إليها في تلك الليلة وعبرتها تجول في خدّها فقال: ممّ تبكين؟ بأبي أنت؟ قالت: من شرف أتضع، ومن ضعة شرفت. ولما كتب عبد الملك إلى الحجاج بطلاقها قال لها: إن أمير المؤمنين أمرني بطلاقك، قالت: هو أبرّ بي ممّن زوّجك.
_________________
(١) بن مصعب: سقطت من م.
(٢) وبم: سقطت من م.
[ ٢ / ٤٨ ]
«٨٣» - قيل ليزيد بن المهلب: ألا تبني دارا؟ فقال: منزلي دار الامارة.
«٨٤» - وقيل للحسين بن حمدان في منزل بناه أخوه إبراهيم وأكثر من الإنفاق عليه، فقال: إنّا لا ننزل إلا دار الإمارة والقبر، فأخذ المعنى أبو فراس الحارث بن سعيد بن حمدان فقال، وهو في الأسر: [من الكامل المجزوء]
من كان مثلي لم يبت إلا أميرا أو أسيرا
ليست تحلّ سراتنا إلا القبور أو القصورا
٨٥- قام رجل إلى الرشيد ويحيى بن خالد يسايره فقال: يا أمير المؤمنين أنا رجل من المرابطة، وقد عطبت دابتي، فقال: يعطى ثمن دابة خمسمائة درهم، فغمزه يحيى، فلما نزل قال: يا أبة أومأت إليّ بشي لم أفهمه، فقال: يا أمير المؤمنين مثلك لا يجري هذا المقدار على لسانه، إنما يذكر مثلك خمسة آلاف ألف إلى مائة ألف قال: فإذا سئلت مثل هذا كيف أقول؟ قال: تقول يشترى له دابة، يفعل به ما يفعل بأمثاله.
«٨٦» - أهدى عبيد الله بن السري إلى عبد الله بن طاهر لما ولي مصر مائة وصيف مع كلّ وصيف ألف دينار، ووجّه بذلك ليلا، فردّه وكتب إليه: لو
[ ٢ / ٤٩ ]
قبلت هديتك ليلا لقبلتها نهارا فَما آتانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ
(النمل: ٣٦) . وكان المأمون قال لطاهر: أشر عليّ بإنسان يكفيني أمر مصر والشام، فقال له طاهر: قد أصبته، فقال: من هو؟ قال: ابني عبد الله خادمك وعبدك، قال: كيف شجاعته؟ قال: معه ما هو خير من ذلك، قال المأمون: وما هو؟ قال: الحزم، قال: فكيف سخاؤه؟ قال:
معه ما هو خير من ذلك، قال: وما هو؟ قال: التنزه وظلف النفس، فولّاه فعفّ عن إصابة خمسة آلاف ألف دينار.
«٨٧» - وكان الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد من أصحاب الهمم والنبل والرياسة، قال: أنفذ إليّ أبو العبّاس تاش الحاجب رقعة في السرّ بخطّ صاحبه نوح بن منصور صاحب خراسان، يريدني فيها على الانحياز إلى حضرته ليلقي إليّ مقاليد ملكه، ويعتمدني لوزارته، ويحكّمني في ثمرات بلاده، فكان فيما اعتذرت به من تركي امتثال أمره والصّدر عن رأيه ذكر طول ذيلي، وكثرة حاشيتي، وحاجتي لنقل كتبي خاصة إلى أربعمائة جمل، فما الظنّ بما يليق بها من تجمّل؟
وكان يفطر عنده في شهر رمضان كل ليلة ألف نفس، قال عون بن الحسين الهمذاني التميمي: كنت يوما في خزانة الخلع للصاحب فرأيت في ثبت حسبانات كاتبه [١] مبلغ عمائم الخز التي صارت تلك الشتوة في خلع العلويّة والفقهاء والشعراء، سوى ما صار منها في خلع الخدم والحاشية، ثمانمائة وعشرين.
_________________
(١) اليتيمة: كاتبها (يعني الخزانة) .
[ ٢ / ٥٠ ]
«٨٨» - قيل: أوّل يوم عرف فيه الحجاج أنه كان في الشرط مع عبد الملك بن مروان، فبعث إلى زفر بن الحارث عشرة هو أحدهم، فكلّموه وأبلغوه رسالة عبد الملك، فقال: لا سبيل إلى ما تريدون، فقال له أحدهم: أراه والله سيأتيك ما لا قبل لك به، ثم لا يغني عنك فسّاقك هؤلاء شيئا، فأطعني واخرج، قال: وحضرت الصلاة فقال: نصلّي ثم نتكلم، فأقام الصلاة وهم في بيته، فتقدّم زفر وصلّى بهم، وتأخر الحجاج فلم يصلّ، فقيل له: ما منعك من الصلاة؟ قال: أنا لا أصلّي خلف مخالف للجماعة مشاقّ للخلافة، لا والله لا يكون ذلك أبدا، فبلغت عبد الملك فقال: إنّ شرطيّكم هذا لجلد، فكان هذا مبدأ ظهور همته. ثم إن عبد الملك خطب بالكوفة بعد قتل مصعب، وندب الناس إلى قتال عبد الله بن الزبير فلم يقم أحد، فقام الحجاج فأقعده، ثم قام فقال: يا أمير المؤمنين إني رأيت في المنام كأني قتلته وسلخته، فلم يكن ليفعل به ذلك غيري فقال: أنت له، وولّاه حربه.
«٨٩» - قال الجاحظ حدثني إبراهيم بن السنديّ قال: سمعت عبد الملك ابن صالح يقول، بعد إخراج المخلوع له من حبس الرشيد، وذكر ظلم الرشيد له وإقدامه عليه، وكان يأنس به ويثق بمودته وعقله: والله إن الملك لشيء ما نويته ولا تمنيته، ولا تصدّيت إليه ولا تبغيته [١]، ولو أردته لكان أسرع إليّ من السيل إلى الحدور، ومن النار في يابس العرفج، وإني لمأخوذ بما لم أجن،
_________________
(١) نثر: تبعته، م: تتبعته.
[ ٢ / ٥١ ]
ومسؤول عمّا لا أعرف، ولكنه حين رآني للملك أهلا، ورأى للخلافة خطرا وثمنا، ورأى أنّ لي يدا تنالها إذا مدّت، وتبلغها إذا بسطت، ونفسا تكمل لها بخصالها، وتستحقها بخلالها، وإن كنت لم أختر تلك الخصال، ولا اصطنعت تلك الخلال، ولم أترشح [١] لها في سرّ، ولا أشرت إليها في جهر، ورآها تحنّ إليّ حنين الواله، وتميل نحوي ميل الهلوك، وخاف أن ترغب إلى خير مرغب وتنزع إلى أخصّ [٢] منزع، عاقبني عقاب من قد سهر في طلبها، ونصب في التماسها، وتعذّر [٣] لها بجهده، وتهيأ لها بكلّ حيلة. فإن كان إنما حبسني على أني أصلح لها وتصلح لي، وأليق بها وتليق بي، فليس ذلك بذنب فأتوب منه، ولا تطاولت له فأحطّ نفسي عنه. وإن زعم أنه لا صرف لعقابه، ولا نجاة من إعطابه، إلّا بأن أخرج له من الحلم والعلم، ومن الحزم والعزم، فكما لا يستطيع المضياع أن يكون حافظا، كذلك العاقل لا يستطيع أن يكون جاهلا، وسواء عاقبني على عقلي وعلمي أم على نسبي وسببي، وسواء عاقبني على خلالي أو على طاعة الناس لي، ولو أردتها لأعجلته عن التفكير، ولشغلته عن التدبير، ولما كان فيه من الخطار إلا اليسير، ومن بذل الجهد إلا القليل.
«٩٠» - كان سبب فتح المتعصم لعمورية أنّ امرأة من الثغر سبيت فصاحت: وا محمداه وامعتصماه، فبلغه الخبر، فركب لوقته وتبعه الجيش، فلما فتحها قال: لبيك.
«٩١» - ولما أسر المعتضد وصيفا عاد إلى إنطاكية وعليه قباء أصفر،
_________________
(١) نثر: أرشح.
(٢) نثر: أحص؛ م: أحصن.
(٣) م ونثر: وتقدر.
[ ٢ / ٥٢ ]
فعجب الناس من تركه السواد، فقيل: إنه لما جاءه خبر وصيف وعصيانه كان ذلك القباء عليه، فركب وسار إلى طرسوس فأوقع به وأسره ولم ينزع قباءه.
«٩٢» - قال عبد العزيز بن زرارة: [من البسيط]
لا يملأ الأمر صدري قبل موقعه [١] ولا يضيق به صدري [٢] إذا وقعا
كلّا لبست [٣] فلا النعماء تبطرني ولا تخشعت من لأوائها [٤] جزعا
«٩٣» - وقال الآخر: [من الكامل]
راع المهيرة في الظلام تأوّهي واستنبأت نبأي فقلت لها صه
غضّي وأرعي مقلتيك حمى الكرى للخفض نمت وللعلاء تنبّهي
أذر الزّلال إذا أردت وروده وأبلّ ريقي بالصّرى المتسنّه
إن قلّ مالي لم تشنّي فاقة وإذا سعيت إلى الغنى لم أشره
«٩٤» - وقال الشنفرى: [من الطويل]
وفي الأرض منأى للكريم عن الأذى وفيها لمن خاف القلى متحوّل
_________________
(١) الفرج: لا يملأ الهول صدري قبل وقعته.
(٢) الفرج: ولا أضيق به ذرعا.
(٣) البصرية: بلوت.
(٤) البصرية: مكروهها.
[ ٢ / ٥٣ ]
وإني كفاني فقد من ليس جازيا بخير ولا في قربه متعلّل
ثلاثة أصحاب: فؤاد مشيّع وأبيض إصليت وصفراء عيطل [١]
أديم مطال الجوع حتى أميته وأضرب عنه الذكر صفحا فأذهل
وأستفّ ترب الأرض كيلا يرى له عليّ من الحق امرؤ متطوّل
ولولا اجتناب الذمّ لم يلف مشرب يعاش به إلا لديّ ومأكل
ولكنّ نفسا حرّة لا تقيم بي على الضيم إلا ريثما أتحوّل
فاما تريني كابنة الرمل ضاحيا على قنّة أحفى ولا أتسر بل
فإني لمولى الصبر أجتاب بزّه على مثل قلب الليث والحزم أفعل
«٩٥» - لما بلغ يزيد ومروان ابنا عبد الملك من عاتكة بنت يزيد بن معاوية قال لها عبد الملك: قد صار ابناك رجلين، فلو جعلت لهما من مالك ما يكون لهما فضيلة على إخوتهما، قالت: اجمع لي أهل معدلة من مواليّ ومواليك، فجمعهم وبعث معهم روح بن زنباع الجذامي، وكان [يدخل] على نسائهم، مدخل كهولتهم وجلّتهم، وقال له: أخبرها برضاي عنها، وحسّن لها ما صنعت، فلما دخلوا عليها اجتهد [٢] روح في ذلك، فقالت: يا روح، أتراني أخشى على ابنيّ العيلة وهما ابنا أمير المؤمنين؟ أشهدكم أني قد تصدقت بمالي وضياعي على فقراء آل أبي سفيان، فقام روح ومن معه، فلما نظر إليه عبد الملك مقبلا قال: أشهد بالله لقد أقبلت بغير الوجه الذي أدبرت به، قال أجل، تركت معاوية في الإيوان آنفا، وخبّره بما كان، فغضب،
_________________
(١) المشيع: الشجاع؛ الاصليت: الماضي؛ الصفراء العيطل: القوس الملساء الناعمة.
(٢) ر: احتد.
[ ٢ / ٥٤ ]
فقال [روح]: مه يا أمير المؤمنين، هذا العقل [١] منها في ابنيك خير لهما ممّا أردت.
«٩٦» ابن المعتز فيما [٢] يدل على الهمّة: [من الوافر]
وبكر قلت موتي قبل بعل وإن أثرى وعدّ من الصميم
أأمزج باللئام دمي ولحمي فما عذري إلى النّسب الكريم
«٩٧» - آخر: [من الطويل]
ومن يخش أطراف المنايا فاننا لبسنا لهنّ السّابغات من الصبر
وإنّ كريه الموت مرّ مذاقه إذا ما مزجناه بطيب من الذكر
وما رزق الإنسان مثل منيّة أراحت من الدنيا ولم يجز في القبر
«٩٨» - كان إبراهيم الموصلي المغني ذا همة ونبل، فحدث مخارق أنه أتى محمد بن يحيى بن خالد في يوم مهرجان، فسأله محمد أن يقيم عنده، فقال:
ليس يمكنني لأنّ رسول أمير المؤمنين قد أتاني، قال: فتمرّ بنا إذا انصرفت ولك عندي كلّ ما يهدى إليّ اليوم، قال: نعم، وترك في المجلس صديقا له يحصي ما يبعث به إليه، قال: فجاءت هدايا عجيبة من كلّ صنف، قال: وأهدي إليه تمثال فيل من ذهب عيناه ياقوتتان، فقال محمد للرجل: لا تخبره بهذا حتى نبعث به إلى فلانة، ففعل، وانصرف إبراهيم إليه
_________________
(١) م وبلاغات: الفعل.
(٢) م: مما.
[ ٢ / ٥٥ ]
فقال: أحضرني ما أهدي لك، فأحضره ذلك كله إلا التمثال، وقال له: لا بدّ من صدقك، كان الأمر كذا وكذا، قال: لا إلّا على الشريطة وكما ضمنت لي، فجيء بالتمثال، فقال إبراهيم: أليس الهديّة لي وأعمل بها ما أريد؟ قال: بلى، قال: فردّ التمثال على الجارية، وجعل يفرّق الهدايا على جلساء محمد شيئا شيئا وعلى جميع من حضر من إخوانه وغلمانه وعلى من في دور الحرم [١] من جواريه حتى لم يبق منها شيئا، ثم أخذ من المجلس تفاحتين لما أراد الانصراف، قال: هذا لي، وانصرف، فجعل محمد يعجب من كبر نفسه ونبله.
«٩٩» - قطع عبد الملك بن مروان عن آل أبي سفيان أشياء كان يجريها عليهم لمباعدة بينه [٢] وبين خالد بن يزيد بن معاوية، فدخل عليه عمرو بن عتبة ابن أبي سفيان فقال: يا أمير المؤمنين أدنى حقّك متعب وتقصّيه فادح، ولنا مع حقّك علينا حق عليك، لقرابتنا منك وإكرام سلفنا لك، فانظر إلينا بالعين التي نظروا بها إليك، وضعنا بحيث وضعتنا الرحم [٣] منك، وزدنا بحسب [٤] ما زادك الله، فقال عبد الملك: أفعل، وإنما يستحقّ عطيّتي من استعطاها، أمّا من ظنّ أنه يستغني بنفسه فسنكله إلى ذلك- يعرّض بخالد بن يزيد- ثم أقطع عمرا هزاردر [٥]، فبلغ ذلك خالدا فقال: أبا لحرمان يتهدّدني؟
يد الله فوق يده مانعة، وعطاؤه دونه مبذول، فأما عمرو فقد أعطى من نفسه أكثر مما أخذ.
_________________
(١) م: الخدم.
(٢) عيون: لتباعد كان بينه.
(٣) ر: الرحمة.
(٤) عيون: بقدر.
(٥) ر: هزادر؛ م: هزاد.
[ ٢ / ٥٦ ]
«١٠٠» - وتشبه همة خالد في هذه القصة وضراعة عمرو، قول الكثيريّ: [من الكامل]
الموت أجمل بالفتى من خطة في الناس خوف شنارها يتقنّع
شتّان من أعطى الرجال ظلامة حذر البلاء وآخر لا يخضع
ليس الجزوع بمفلت من يومه والحرّ يصبر والأنوف تجدّع
لعن الإله عداوة لا تتّقى وقرابة يدلى بها لا تنفع
«١٠١» - وكان سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاص ذا نخوة وهمة، قيل له عند الموت إن المريض ليستريح إلى الأنين، وإلى أن يصف ما به للطبيب، فقال: أما الأنين فو الله إنه لجزع وعار، ووالله لا سمع الله منّي أنينا فأكون عنده جزوعا، وأما صفة ما بي للطبيب فو الله لا يحكم غير الله في نفسي، فإن شاء قبضها وإن شاء وهبها ومنّ بها وقال: [من الطويل]
أجاليد من ريب المنون فلا ترى على هالك عينا لنا الدهر تدمع
«١٠٢» - قال عليّ ﵇: كفارات الذنوب العظام إغاثة الملهوف، والتنفيس عن المكروب.
«١٠٣» - ومن كلامه ﵇: أكرم نفسك عن كلّ دنيّة، وإن ساقتك إلى الرغائب، فإنك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضا، ولا تكن
[ ٢ / ٥٧ ]
عبد غيرك وقد جعلك الله حرّا.
«١٠٤» - قال رجل لسعيد بن العاص وهو أمير الكوفة: يدي عندك بيضاء، قال: وما هي؟ قال: كبت بك فرسك، فتقدّمت إليك غلمانك [١]، فرفعت بضبعك، وهززتك ثم سقيتك ماء، ثم أخذت ركابك حتى ركبت، قال: فأين كنت؟ قال: حجبت عنك، قال: أمرنا لك بمائتي ألف درهم وبما يملكه الحاجب تأديبا [٢] له أن يحجب مثلك، وهذه وسيلتك.
«١٠٥» - المتنبي [٣]: [من الطويل]
أهمّ بشيء والليالي كأنها تطاردني عن فعله وأطارد
وحيدا من الخلّان في كلّ منزل إذا عظم المطلوب قلّ المساعد
(٢) وله: [من الخفيف]
وإذا كانت النفوس كبارا تعبت في مرادها الأجسام
(٣) وقال: [من الطويل]
وإنّا لنلقى الحادثات بأنفس كثير الرزايا عندهنّ قليل
_________________
(١) البصائر: وقد تقدمت غلمانك.
(٢) ر: بأذننا.
(٣) م: والمتنبي الذي يقول.
[ ٢ / ٥٨ ]
يهون علينا أن تصاب جسومنا وتسلم أعراض لنا وعقول
«١٠٥» .- (٤) وقال: [من الطويل]
تريدين لقيان المعالي رخيصة ولا بدّ دون الشّهد من إبر النحل
«١٠٦» - قال رجل لقتيبة بن مسلم: أتيناك لا نرزأك ولا نبكأك، وإنما نسألك جاهك، فقال: سألتم أثقل الأمور عليّ، والله إنا لنعطي أموالنا وقاية لوجوهنا.
«١٠٧» - قيل لأبي مسلم: بم أصبت ما أصبت؟ قال: ارتديت بالصبر، وائتزرت بالكتمان، وحالفت الحزم، ولم أجعل العدوّ صديقا ولا الصديق عدوا.
«١٠٨» ومن كبر النفس ما روي عن قيس بن زهير العبسي أنه لما تنقّل في العرب احتاج، فكان يأكل الحنظل حتى قتله ولم يخبر أحدا بحاجته.
«١٠٩» - قال المفضل بن المهلب: [من الطويل]
هل الجود إلا أن تجود بأنفس على كلّ ماضي الشفرتين قضيب
ومن هزّ أطراف القنا خشية الردى فليس لحمد صالح بكسوب
وما هي إلا رقدة تورث العلى لرهطك ما حنّت روائم نيب
[ ٢ / ٥٩ ]
«١١٠» - دخل النخّار العذريّ على معاوية في عباءة، فاحتقره معاوية، فرأى ذلك النخار في وجهه فقال: يا أمير المؤمنين ليست العباءة تكلّمك، إنما يكلمك من فيها، ثم تكلم فملأ سمعه ولم يسأله، فقال معاوية: ما رأيت رجلا أحقر أوّلا ولا أجلّ آخرا منه.
«١١١» - قال شاعر: [من الطويل]
كفى حزنا أنّ الغنى متعذّر عليّ وأني بالمكارم مغرم
فو الله ما قصّرت في طلب العلى ولكنني أسعى إليها فأحرم
«١١٢» - ومن المستحسن في ظلف النفس وبعد شأوها ما روي عن أمّ سليمان بن علي، وهي أمة من الصغد، قال جعفر بن عيسى الهاشمي: حضر علي بن عبد الله بن العبّاس عند عبد الملك بن مروان [١] وقد أهدي له من خراسان جارية وفص وسيف فقال: يا أبا محمد إن حاضر الهديّة شريك فيها، فاختر من الثلاثة واحدا، فاختار الجارية، وكانت تسمّى سعدى، وهي من سبي الصغد من رهط عجيف بن عنبسة، فأولدها سليمان بن علي، فلما أولدها اجتنبت فراشه، فمرض سليمان من جدريّ خرج عليه، فانصرف عليّ
_________________
(١) ر: عبد الله بن مروان.
[ ٢ / ٦٠ ]
من مصلّاه فإذا بها على فراشه، فقال: مرحبا بك يا أمّ سليمان، فوقع بها فأولدها صالحا، فاجتنبته بعد، فسألها عن ذلك فقالت: خفت أن يموت سليمان فينقطع السبب [١] بيني وبين رسول الله ﵌، فالآن إذ ولدت صالحا فبالحرى إن ذهب أحدهما أن يبقى الآخر، وليس مثلي وطئه الرجال، وكانت فيها رتّة، وهي الآن معروفة في ولد سليمان وولد صالح.
«١١٣» - وكان علي يقول: أكره أن أوصي إلى محمد، وكان سيّد ولده، خوفا من أن أشينه بالوصيّة، فأوصى إلى سليمان، فلما دفن علي جاء محمد إلى سعدى هذه ليلا فقال: أخرجي إليّ وصيّة أبي، قالت: إنّ أباك أجلّ من أن تخرج وصيته ليلا، ولكنها تأتيك غدا، فلما أصبح غدا عليه بها سليمان فقال: يا أبي ويا أخي، هذه وصية أبيك، قال: جزاك الله من ابن وأخ خيرا، ما كنت لأثّرب على أبي بعد موته كما لم أثّرب عليه في حياته.
١١٣ ب- الرتّة كالرتج تمنّع أول الكلام، فإذا جاء منه شيء اتصل؛ والتمتمة الترديد في التاء، والفأفأة الترديد في الفاء، والعقلة التواء اللسان عند إرادة الكلام، والحبسة تعذّر الكلام عند إرادته، واللّفف إدخال حرف في حرف، والغمغمة أن تسمع الصوت ولا يبين لك تقطيع الحروف، والطمطمة أن يكون الكلام مشبها لكلام العجم، واللكنة أن تعترض على الكلام اللغة الأعجمية، واللثغة أن يعدل بحرف إلى حرف، والغنّة أن يشوب الحرف صوت الخيشوم، والخنّة أشدّ منها، والترخيم حذف الكلام. ويقال رجل
_________________
(١) م: النسب.
[ ٢ / ٦١ ]
فأفاء، تقديره فاعال، ونظيره من الكلام ساباط وخاتام؛ والحكلة نقصان آلة النطق حتى لا تعرف معانيه إلا بالاستدلال؛ فأما الرتّة فانها تكون غريزية، قال الراجز:
يا أيها المخلّط الأرتّ
ويقال إنها كثيرة في الاشراف. وأما المغمغة فقد تكون من الكلام وغيره لأنه [١] صوت لا يفهم تقطيع حروفه.
«١١٤» - وكان فيروز حصين شريف الأفعال بعيد الهمة، وهو من أهل بيت في العجم، فلما أسلم [٢] والى حصين بن عبد الله العنبريّ من ولد طريف بن تميم، وكان فيروز شجاعا جوادا نبيل الصورة جهير الصوت. ويروى أن رجلا من العرب كانت أمه فتاة فقاول بني عمّ له فسبّوه بالهجنة، ومرّ فيروز حصين فقال: هذا خالي فمن منكم له خال مثله؟ وظنّ أن فيروز لم يسمعها، وسمعها فيروز، فلما صار إلى منزله بعث إلى الفتى فاشترى له جارية ومنزلا ووهب له عشرة آلاف درهم.
«١١٥» - ومن مآثره أنّ الحجاج لما واقف ابن الأشعث نادى منادي الحجاج من أتاني برأس فيروز حصين فله عشرة آلاف درهم، ففصل فيروز من الصفّ فصاح بالناس وقال: من عرفني فقد عرفني وقد اكتفى، ومن لم يعرفني فأنا فيروز حصين، وقد عرفتم مالي ووفائي فمن أتاني برأس الحجاج فله مائة ألف
_________________
(١) م: فانها.
(٢) م: أسلموا.
[ ٢ / ٦٢ ]
درهم، قال الحجاج: تركني أكثر التلفت وإني لبين خاصتي. فأتي به الحجاج فقال: أنت الجاعل في رأس أميرك مائة ألف درهم؟ قال: قد فعلت، فقال: ولا والله لأمهدنك ثم لأحملنّك على مركب صعب، ثم قال: أين المال؟ قال: عندي فهل إلى الحياة من سبيل؟ قال: لا، قال: فأخرجني إلى الناس حتى أجمع لك المال فلعل قلبك يرقّ عليّ، ففعل الحجاج، فخرج فيروز فأحلّ الناس من ودائعه وأعتق رقيقه وتصدّق بماله، ثم ردّ إلى الحجاج فقال: شأنك الآن فاصنع ما شئت، فشّدّ في القصب الفارسيّ ثم سلّ حتى شرّح ثم نضح بالخلّ والملح فما تأوه حتى مات.
«١١٦» - كان أوس بن حارثة بن لام الطائي سيدا شريفا، فوفد هو وحاتم بن عبد الله الطائي على عمرو بن هند الملك، وأبوه المنذر بن ماء السماء، فدعا أوسا فقال: أنت أفضل أم حاتم؟ فقال: أبيت اللعن، لو ملكني حاتم وولدي ولحمي [١] لوهبنا في غداة واحدة؛ ثمّ دعا حاتما فقال:
أنت أفضل أم أوس؟ فقال: أبيت اللعن، إنما ذكرت بأوس، ولأحد ولده أفضل مني.
«١١٧» - وكان النعمان بن المنذر دعا بحلّة، وعنده وفود العرب من كلّ حيّ، فقال: احضروا في غداة غد فاني ملبس هذه الحلة أكرمكم، فحضر القوم جميعا إلا أوسا، فقيل له: لم تتخلّف؟ فقال: إن كان المراد غيري فأجمل الأشياء لي أن لا أكون حاضرا، وإن كنت المراد بها فسأطلب ويعرف
_________________
(١) م والكامل: ولحمتي.
[ ٢ / ٦٣ ]
مكاني. فلما جلس النعمان لم ير أوسا فقال: اذهبوا إلى أوس فقولوا له: احضر آمنا مما خفت، فحضر فألبس الحلّة، فحسده قوم من أهله [١] فقالوا للحطيئة:
اهجه ولك ثلاثمائة ناقة، فقال الحطيئة: كيف أهجو رجلا لا أرى في بيتي أثاثا ولا مالا إلا من عنده؟ ثم قال: [من البسيط]
كيف الهجاء وما تنفكّ صالحة من آل لأم بظهر الغيب تأتيني
فقال لهم بشر بن أبي خازم الأسدي: أنا أهجوه لكم، فأخذ الابل وفعل، فأغار عليها أوس فاكتسحها، وطلبه فجعل لا يستجير أحدا إلا قال له: قد أجرتك إلا من أوس، وكان في هجائه قد ذكر أمّه، فأتي به، فدخل أوس الى أمّه فقال: قد أتينا ببشر الهاجي لك ولي، فما ترين فيه؟
فقالت: أو تطيعني؟ قال: نعم، قالت: أرى أن تردّ عليه ماله وتعفو عنه وتحبوه، وأفعل مثل ذلك به، فإنه لا يغسل هجاءه إلا مدحه، فخرج إليه فقال: إنّ أمي سعدى التي كنت تهجوها قد أمرت فيك بكذا وكذا، قال:
لا جرم والله لا مدحت حتى أموت أحدا غيرك.
«١١٨» - وقيل إنّ المخبّل السعديّ مرّ بخليدة بنت بدر أخت الزبرقان بعد ما أسنّ وضعف بصره، وكان من قبل قد أفرط في هجائها، فأنزلته وقرته [٢] وأكرمته ووهبت له وليدة، وقالت له: إني آثرتك بها يا أبا يزيد فاحتفظ بها، فقال لها: ومن أنت حتى أعرفك وأشكرك؟ قالت: لا عليك، قال:
بل، قالت: أنا بعض من هتكت بشعرك ظالما، أنا خليدة بنت بدر، قال: يا سوأتا منك فإني أستغفر الله وأستقيلك وأعتذر إليك، ثم قال: [من الطويل]
_________________
(١) م: فحسده القوم وهم قوم من أهله.
(٢) م: وفدته.
[ ٢ / ٦٤ ]
لقد ضل حلمي في خليدة إنني سأعتب قومي بعدها وأتوب
فأقسم بالرحمن أن قد ظلمتها وجرت عليها والهجاء كذوب
«١١٩» - سأل عبد الله بن عبّاس صعصعة بن صوحان عن السؤدد قال:
إطعام الطعام، ولين الكلام، وبذل النوال، وكفّ المرء نفسه مع الحاجة عن السؤال.
«١٢٠» - قال له: صف لي أخويك بما فيهما لأعرف ميزتك [١] فقال: أما زيد فكما قال أخو غنيّ: [من الطويل]
فتى لا يبالي أن يكون بوجهه إذا نال خلّات الكرام شحوب
(وهي أبيات ذكرت في المديح) ثم قال: كان والله يا ابن عبّاس عظيم المروّة، شريف الأبوّة، جليل الخطر، بعيد الأثر، كميش الغزوة، زين الندوة، سليم جوانح الصدر، قليل وساوس الفكر [٢]، ذاكرا لله طرفي النهار وزلفا من الليل، الجوع والشبع عنده سيّان، لا منافس في الدنيا ولا غافل عن الآخرة، يطيل السكوت ويديم الفكر ويكثر الاعتبار، ويقول الحقّ ويلهج بالذكر، ليس في قلبه عير ربّه، ولا يهمّه غير نفسه، فقال ابن عبّاس: ما ظنّك برجل سبقه عضو منه إلى الجنّة؟ رحم الله زيدا. فأين كان عبد الله منه؟
قال: كان عبد الله سيّدا شجاعا، سخيا مطاعا، خيره وساع، وشرّه دفاع، قلّبيّ النحيزة، أحوذيّ الغريزة، لا ينهنه منهنه عما أراده، ولا يركب إلا ما
_________________
(١) م: وزنكم.
(٢) م: قليل الوساوس في الفكر.
[ ٢ / ٦٥ ]
اعتاده، سمام العدى، فيّاض الندى، صعب المقادة، جزل الوفادة، أخا إخوان، وفتى فتيان (وذكر أبياتا للبرجمي غير مختارة، في خبر طويل) .
«١٢١» - وروي أن رجلا قال لمعن بن زائدة في مرضه: لولا ما منّ الله به من بقائك لكنا كما قال لبيد: [من الكامل]
ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب
فقال له معن: إنما تذكر أني سدت حين ذهب الناس، فهلّا قلت كما قال نهار ابن توسعة: [من الخفيف]
قلّدته عرى الأمور نزار قبل أن تهلك السراة البحور
«١٢٢» - ومن صفات السيّد قول الخنساء في صخر: [من المتقارب]
طويل النجاد رفيع العماد ساد عشيرته أمردا
إذا القوم مدّوا بأيديهم إلى المجد مدّ إليه يدا
فنال الذي فوق أيديهم من المجد ثم مضى مصعدا
يكلّفه القوم ما عالهم وإن كان أصغرهم مولدا
ترى الحمد يهوي إلى بيته يرى أفضل الكسب أن يحمدا
«١٢٣» - وقول جرير: [من الطويل]
وإني لأستحيي أخي أن يرى له عليّ من الحقّ الذي لا أرى ليا
[ ٢ / ٦٦ ]
«١٢٤» - قال معاوية: اجعلوا الشعر أكبر همكم وأكثر آدابكم، فإنّ فيه مآثر أسلافكم، ومواضع إرشادكم، فلقد رأيتني يوم الهرير وقد عزمت على الفرار فما ردّني إلا قول ابن الاطنابة: [من الوافر]
أبت لي عفّتي وأبى بلائي وأخذي الحمد بالثمن الربيح
وإجشامي على المكروه نفسي وضربي هامة البطل المشيح
وقولي كلّما جشأت وجاشت مكانك تحمدي أو تستريحي
«١٢٥» - قال عامر بن الطفيل [١]: [من الطويل]
إني وإن كنت ابن سيّد عامر وفي السرّ منها والصريح المهذّب
فما سودتني عامر عن وراثة أبي الله أن أسموا بأمّ ولا أب
ولكنني أحمي حماها وأتّقي أذاها وأرمي من رماها بمقنب
«١٢٦» - وإلى هذا المعنى نظر المتوكّل الليثي في شعره السائر وهو: [من الكامل]
_________________
(١) م: عامر بن الطفيل الذي يقول.
[ ٢ / ٦٧ ]
لسنا وإن أحسابنا كرمت يوما على الأحساب نتّكل
نبني كما كانت أوائلنا تبني ونفعل مثل ما فعلوا
١٢٧- وقول الآخر، وقد أجاد القول فيه [١]: [من الكامل]
لسنا إذا ذكر الفعال كمعشر أزرى بفعل أبيهم الأبناء
«١٢٨» - وقال عوف [٢] بن الأحوص: [من الطويل]
وإني لترّاك الضغينة قد أرى ثراها من المولى فلا أستثيرها
إذا قيلت العوراء ولّيت [٣] سمعها سواي ولم أسأل بها ما دبيرها
لعمري لقد أشرفت يوم عنيزة على طمع لو شدّ نفسي مريرها
ولكنّ هلك الأمر ألّا تمرّه ولا خير في ذي مرّة لا يغيرها
«١٢٩» - وقال ابن هرمة وقد أجاد فيه [٤]: [من الطويل]
وإني وإن كانت مراضا صدوركم لملتمس البقيا سليم لكم صدري
وان ابن عمّ المرء من شدّ أزره وأصبح يحمي غيبه وهو لا يدري
وانّ الكريم من يكرّم معشرا على ما اعتراه لا يكرّم ذا يسر
وما غيّرتني ضجرة عن تكرّمي ولا عاب أضيافي غناي ولا فقري
_________________
(١) وقد أجاد القول فيه: زيادة من م.
(٢) م: العوف.
(٣) م: أوليت.
(٤) وقد أجاد فيه: زيادة من م.
[ ٢ / ٦٨ ]
«١٣٠» - وقال الحضين بن المنذر وأحسن وأجاد [١]: [من الكامل]
إنّ المكارم ليس يدركها امرؤ ورث المكارم عن أب فأضاعها
أمرته نفس بالدناءة والخنا ونهته عن طلب العلى فأطاعها
وإذا أصاب من الأمور كريمة يبني الكريم بها المكارم باعها
«١٣١» - وقال آخر [٢]: [من الطويل]
وإني لأستحيي صحابي أن يروا مكان يدي من جانب الزاد أقرعا
أكفّ يدي عن أن [٣] تنال أكفّهم إذا نحن أهوينا إلى زادنا معا [٤]
أبيت خميص البطن مضطمر الحشا حياء وأخشى الذمّ [٥] أن أتضلّعا
فإنك إن أعطيت بطنك سؤله وفرجك نالا منتهى الذمّ أجمعا
«١٣٢» - وقال رافع بن حميضة [٦]: [من الطويل]
_________________
(١) وأحسن واجاد: زيادة من م.
(٢) م: وقال حاتم بن عدي الطائي.
(٣) الديوان: أقصر كفي أن.
(٤) الديوان: وحاجاتنا معا.
(٥) الديوان: أخاف الذم.
(٦) زاد في م: وقد جود فيه.
[ ٢ / ٦٩ ]
وإنّي لعفّ عن زيارة جارتي وإنّي لمشنوء إليّ اغتيابها
إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها زؤورا ولم تأنس إليّ كلابها
وما أنا بالداري خبيئة سرها [١] ولا عالما من أيّ حوك [٢] ثيابها
وإن قراب البطن يكفيك ملؤه ويكفيك سوءات الأمور اجتنابها [٣]
«١٣٣» - وقال حسّان بن حنظلة: [من الكامل]
تلك ابنة العدويّ قالت باطلا أزرى بقومك قلّة الأموال
إنا لعمر أبيك يحمد ضيفنا ويسود مقترنا على الإقلال
أحلامنا تزن الجبال رزانة ويزيد جاهلنا على الجهال
«١٣٤» - قدم عقيل بن علّفة على عبد الملك فقال له: ما أحسن أموالكم عندكم؟ قال: ما ناله أحدنا عن أخيه تفضلا، قال: ثم أيها؟
قال: مواريثنا، قال: فأيها أسرى؟ قال: ما استنقذناه بوقعة خوّلت نعما، قال: فما مبلغ عزكم؟ قال: لم يطمع فينا ولم نؤمن قال: فما مبلغ جودكم؟
قال: ما عقد مننا وأبقى ذكرا، قال: فكيف خفارتكم؟ قال: يدفع الرجل منا عن المستجير به كما يدفع عن نفسه، قال: مثلك فليصف قومه.
«١٣٥» - قال أبو خراش الهذليّ: [من الطويل]
_________________
(١) بهجة والشجري: ولم اك طلابا أحاديث سرها.
(٢) بهجة: جنس.
(٣) بعد هذا الموضع ينتهي السقط في ع.
[ ٢ / ٧٠ ]
وإني لأثوي الجوع حتى يملّني فيذهب لم تدنس ثيابي ولا جرمي
وأغتبق الماء القراح فأنتهي إذا الزاد أمسى للمزلّج ذا طعم [١]
أردّ شجاع البطن لو تعلمينه وأوثر غيري من عيالك بالطّعم
مخافة أن أحيا برغم وذلّة وللموت خير من حياة على رغم
«١٣٦» - قال المأمون: الرتبة نسب تجمع أهلها، فشريف العرب أولى بشريف العجم من شريف العرب بوضيع العرب، وشريف العجم أولى بشريف العرب من شريف العجم بوضيع العجم، فأشراف الناس طبقة كما أن أوضاعهم طبقة.
«١٣٧» - وقال مرة: أهل السوق سفل، والصنّاع أنذال، والتجار بخلاء، والكتاب ملوك على النّاس.
«١٣٨» - قال عبد الملك بن مروان لأسماء بن خارجة بن حصن، وبلغه أنه أتي في ديات فعجز عنها وضمن منها أشياء يسيرة: يا أسماء بلغني عنك أشياء حسان أحببت أن أسمعها منك. قال: يا أمير المؤمنين هي من غيري أحسن، قال: لتفعلن، قال: يا أمير المؤمنين ما قدّمت ركبتي أمام جليسي مخافة أن يرى ذلك مني استخفافا بمجالسته، ولا صنعت طعاما قطّ فدعوت إليه إنسانا فأجابني إلا كنت له شاكرا حتى ينصرف ورأيت له الفضل إذ رآني للإجابة أهلا، ولا بذل لي رجل وجهه في حاجة فرأيت أنّ شيئا من الدنيا
_________________
(١) المزلج: الذي ليس بمتين من الرجال وغيرهم.
[ ٢ / ٧١ ]
عوض لبذل وجهه. فقال: ما أحقّ من كانت هذه الخصال فيه أن يكون شريفا!! وقد بلغني أنك أتيت في ديات ولم تكن بالضعيف عنها فاحتملت منها القليل، فقال: يا أمير المؤمنين: قد قلت في ذلك ما عذرت به إلا أن يهجّنني مهجّن، قال: وما قلت؟ قال: قلت: [من الطويل]
يرى المرء أحيانا إذا قلّ ماله إلى المجد سورات فلا يستطيعها
وليس به بخل ولكنّ ماله يقصّر عنها والبخيل يضيعها
فقال عبد الملك: هذا النقد الحاضر بالميزان العدل، حركناك فظهر الأحسن.
١٣٩- وقال أعرابي من طيء [١]: [من الطويل]
إذا الريح حلّت بالجهام تلفّه مدى ليله شلّ النعام الطرائد
وأعقب نوء المرزمين بهبوة وغيم قليل الماء بالليل بارد
كفى خلّة الأضياف حتى يزيحها عن الحيّ منا كلّ أروع ماجد
وليس أخونا عند شرّ يخافه ولا عند خير يرتجيه بواحد
إذا قال من للمعضلات أجابه عظام اللهى منّا طوال السواعد
وللموت خير للفتى من حياته إذا لم يطق علياء إلا بقائد
«١٤٠» - دخل مسلمة بن عبد الملك على عمر بن عبد العزيز وعليه ريطة من رياط مصر فقال: بكم أخذت هذه يا أبا سعيد؟ قال: بكذا وكذا.
قال: فلو نقصت من ثمنها شيئا أكان ناقصا من شرفك؟ قال: لا، قال:
فلو زدت في ثمنها شيئا أكان زائدا في شرفك؟ قال: لا، قال: فاعلم يا
_________________
(١) زاد في م: وهو الذي أنشد.
[ ٢ / ٧٢ ]
مسلمة أن أفضل الاقتصاد ما كان بعد الجدة، وأفضل العفو ما كان بعد القدرة، وأفضل اللين ما كان بعد الولاية.
«١٤١» - معد بن الحسين [١] بن خيارة الفارسيّ المغربي: [من البسيط]
تضيق في عيني الدنيا ويعجبني في فسحة الجوّ تصعيدي وتصويبي
كأنني حامل رحلي على فلك تسري به عزماتي وهو يسري بي
«١٤٢» - ابن ميخائيل المغربي: [من الكامل]
ومن العجائب أن ترى مستصغرا لملمّة من لا يرى مستعظما
يقتاده الأمل القريب فينثني عنه إلى الأمل البعيد تقدما
ما بين أفئدة المنون مطنّبا أطنابه وعلى الحتوف مخيّما
وابن المهامة إن أراد يقوده عزم يقود به الجديل وشدقما
يستنّ من مجهولها في هبوة لو شقّها السّمع الأزلّ تندّما
«١٤٣» - ومن الحمية والأنف ما رواه أبو رياش يسنده إلى رجل من كندة كوفي قال: كنت أجالس شريحا وهو قاض لأمير المؤمنين عليّ ﵇، فإني لفي مجلسه ذات يوم إذا أقبل رجل جيدر صعل الرأس ناتىء
_________________
(١) ر: حسن؛ م: حسين.
[ ٢ / ٧٣ ]
الجبهة ثطّ اللحية [١] كأنه محراث، ومعه امرأة كالبكرة العيساء [٢] تدير مقلتين نجلاوين كأن هدبها قوادم خطّاف، ثم أبرزت كفا كبياض الإغريض [٣]، وأنامل كبنات النّقا، فقالت: أيها الحاكم هذا بعلي، فقال شريح للرجل:
أكذاك؟ فكشر بشفتين بثعاوين [٤] عن ثنايا ثعل [٥] كأنها سناسن عير فقال:
نعم، فقال شريح للمرأة: وما قصّتك؟ قالت: إنه ابن عمي، وأنا خولة ابنة مخرمة إحدى نساء بني جرم ابن زبّان، وانه خرج بي وغرّبني عن بلادي وقومي وذوي قرابتي فصرت لا أنظر إلا إليه ولا أعوّل إلا عليه، وهو نهم إذا أكل، فلحس [٦] إذا سأل، حريص مقفل اليدين بالبخل، مطلق اللسان بالخطل، يأكل وحده، ويخلف وعده، ويمنع رفده، ويضرب عبده، فحّاش نجّاش [٧]، إن سانيت قطّب، وإن راشيت غضب [٨]، يصون ماله، ويهين عياله، فقال شريح: تالله ما رأيت كاليوم ذمّا أشنع، أحسني ملأ [٩] أيتها الحرة، فإنه بعلك وابن عمك، فجثا الرجل على ركبتيه ثم قال: يا للأفيكة أيها الحاكم: [من البسيط]
سائل سراة بني جرم فانهم قد ينبئونك بالجالي من الخبر
هل أترك البكرة الكوماء كائسة [١٠] إذا تلاعبت النكباء بالخطر
للجار والضيف والمعترّ قد علموا في ليلة تتبع الشفّان بالخصر
_________________
(١) الجيدر: القصير؛ الصعل: الدقيق الصغير؛ ثط: قليل شعر اللحية.
(٢) العيساء: البيضاء في شقرة.
(٣) الاغريض: الطلع.
(٤) بثعت الشفة: غلظ لحمها وظهر دمها.
(٥) ثعل: متداخلة، نبت واحدها تحت الآخر.
(٦) الفلحس: الملح في السؤال.
(٧) نجاش: وقاع في الناس.
(٨) سانى: راضى ودارى؛ راشى: لاين.
(٩) الملأ: الخلق والعشرة: وفي م: كلامك.
(١٠) البكرة: الناقة الفتية؛ الكوماء: الضخمة السنام؛ كائسة: عقيرة.
(١١) الشفان: الريح الباردة؛ الخصر: البرد.
[ ٢ / ٧٤ ]
وأترك الخصم مصفرّا أنامله دامي المرادغ منكبّا على العفر [١]
وأنظر الخصم ذا العوصاء حجّته حتى يلجلج بين العيّ والحصر
واسألهم هل رموا بي صدر معضلة فلم أكافح شبا أنيابها البتر
واسألهم كيف ذبّي عن ذمارهم إذا ترامى استعار الحرب بالشّرر
إني لأعظم في صدر الكميّ [٢] على ما كان فيّ من التجدير [٣] والقصر
حتى يصدّ لواذا عن مبادهتي صدّ الهجارس [٤] عن ذي اللبدة الهصر
تالله تجمع شخصينا ملاءمة من بعد ذا اليوم في بدو ولا حضر
فقال شريح: أوضح عن نيتك، عافاك الله. قال: نعم هي طالق ثلاثا وهذا السائب بن عمرو فهو ابن أبي وأمها [٥] يقوم بمؤونتها إلى انقضاء عدتها.
«١٤٤» - المتلمس [٦]: [من الطويل]
فلا تقبلن ضيما مخافة ميتة وموتن بها حرّا وجلدك أملس
فمن حذر الأوتار ما حزّ أنفه قصير وخاض الموت بالسيف بيهس
نعامة لما صرّع القوم حوله تبيّن في أثوابه كيف يلبس
وما الناس إلا ما رأوا وتحدثوا وما العجز إلا أن يضاموا فيجلسوا
_________________
(١) المرادغ: ما بين العنق إلى الترقوة؛ العفر: التراب.
(٢) الكميّ: الفارس.
(٣) ر: التجرير.
(٤) الهجارس: جمع هجرس وهو الثعلب.
(٥) الزجاجي: بن عمرو بن أبي وليها.
(٦) م: والمتلمس في هذا المعنى هو الذي يقول.
[ ٢ / ٧٥ ]
«١٤٥» - وقال بيهس نعامة حيث قتل قتلة إخوته: [من الرجز]
شفيت يا مازن حرّ صدري أدركت ثأري ونقضت وتري
كيف رأيتم طلبي وصبري السيف عزّي والاله ظهري
«١٤٦» - أنشد زيد بن علي وقد نهض من عند هشام بن عبد الملك مغضبا لكلام مما دار بينهما: [من الخفيف]
من أحبّ الحياة أصبح في قي د من الذلّ ضيّق الحلقات
ثم خرج فكان من أمره ما كان.
«١٤٧» وفد يحيى بن عروة بن الزبير على عبد الملك، فذكر حاجبه عبد الله بن الزبير فنال منه، فضرب يحيى وجهه حتى أدمى أنفه، فقال له عبد الملك: من فعل [١] بك؟ قال: يحيى، قال: أدخله، وكان متكئا فجلس وقال: ما حملك على ما صنعت بحاجبي؟ قال: يا أمير المؤمنين عمي عبد الله كان أحسن جوارا لعمتك منك لنا، والله إن كان ليوصي أهل ناحيته أن لا يسمعوها قذعا، وإن كان ليقول لها: من سّب أهلك فسبّي أهله، أنا
_________________
(١) فعل: سقطت من ر.
[ ٢ / ٧٦ ]
والله المعمّ المخول، تفرقت العرب عن عمي وخالي، وكنت كما قال الأوّل: [من الطويل]
يداه أصابت هذه حتف هذه فلم تجد الأخرى عليها مقدما
فرجع عبد الملك إلى متكأه ولم يزل يعرف فيه الإكرام ليحيى، وكانت أمّ يحيى بنت الحكم ابن أبي العاص عمة عبد الملك.
«١٤٨» - ثابت قطنة: [من الوافر]
فما حلموا ولكن قد نهتهم سيوف [١] الأزد والعز القديم
وخيل كالقداح مسوّمات يفيض لما مغابئها حميم
عليها كلّ أبيض دوسريّ أغرّ تزين غرّته الكلوم [٢]
به تستعتب السفهاء حتى ترى السفهاء تدركها الحلوم
١٤٩- قال بزرجمهر لكسرى وعنده أولاده: أيّ أولادك أحبّ إليك؟ فقال: أرغبهم في الأدب، وأجزعهم من العار، وأنظرهم إلى الطبقة التي فوقه.
«١٥٠» - وقال معاوية: طيروا الذمّ في وجوه الصبيان، فإن بدا في وجوههم الحياء وإلا فلا تطمعوا فيهم.
«١٥١» - السريّ الرفاء: [من المنسرح]
_________________
(١) ر: سيود.
(٢) الديوان: عزيز لا يفر ولا يريم.
[ ٢ / ٧٧ ]
لا تعجبوا من علوّ همته وسنّه في أوان منشاها
إن النجوم التي تضيء لنا أصغرها في العيون أعلاها
«١٥٢» بينما عبد الملك بن صالح يسير مع الرشيد في موكبه إذ هتف هاتف: يا أمير المؤمنين طأطىء من إشرافه، وقصّر من عنانه، واشدد من شكاله، فقال الرشيد: ما يقول هذا: فقال عبد الملك: مقال معاند ودسيس حاسد، قال: صدقت، نقص القوم وفضلتهم، وتخلّفوا وسبقتهم، حتى برز شأوك، وقصّر عنك غيرك، ففي صدورهم جمرات التخلّف وحزازات التبلد، فقال عبد الملك: يا أمير المؤمنين فأضرمها عليهم بالمزيد.
«١٥٣» - المتنبي: [من الطويل]
إذا كنت ترضى أن تعيش بذلّة فلا تستعدنّ الحسام اليمانيا
ولا تستطيلنّ الرماح لغارة ولا تستجيدنّ العتاق المذاكيا
فما ينفع الأسد الحياء من الطّوى ولا تتّقى حتى تكون ضواريا
«١٥٤» - النمريّ [١]: [من الطويل]
يقولون في بعض التذلّل عزّة وعادتنا أن ندرك العزّ بالعزّ
أبى الله لي والأكرمون عشيرتي مقامي على دحض ونومي على وخز
_________________
(١) م: والنمري هو الذي أنشد في هذا المعنى وقد أجاد فيه.
[ ٢ / ٧٨ ]
«١٥٥» - قال يحيى بن خالد للعتابي في لباسه، وكان لا يبالي ما لبس، فقال: يا أبا عليّ أخزى الله امرءا رضي أن ترفعه هيئتاه من ماله وجماله، فإنما ذلك حظّ الأدنياء من الرجال والنساء، لا والله حتى يرفعه أكبراه: همّته ونفسه، وأصغراه: قلبه ولسانه.
«١٥٦» قرأ الرشيد، قوله: أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ
(الزخرف:
٥١) فقال لعنه الله، ادّعى الربوبيّة بملك مصر، والله لأولّينّها أخسّ خدمي، فولاها الخصيب، وكان على وضوئه.
«١٥٧» - أبو زبيد الطائي: [من الوافر]
إذا نلت الإمارة فاسم منها إلى العلياء بالسّبب الوثيق
ولا تك عندها حلوا فتحسى ولا مرّا فتنشب في الحلوق
وكل امارة إلا قليلا مغيّرة الصديق على الصديق
«١٥٨» - قال رؤبة: بعث إليّ أبو مسلم لما أفضت الدولة إلى بني
[ ٢ / ٧٩ ]
هاشم، فلما دخلت إليه رأى مني جزعا فقال: اسكن فلا بأس عليك، ما هذا الجزع الذي ظهر منك؟ قلت: أخافك، قال: ولم؟ قلت: لأنّه بلغني أنك تقتل الناس، قال: إنما أقتل من يقاتلني ويريد قتلي، أفأنت منهم؟ قلت:
لا، فأقبل على جلسائه ضاحكا فقال: أما أبو العجاج فقد رخّص لنا، ثم قال: أنشدني قولك [١]: [من الرجز]
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
فقلت: أو أنشدك أصلحك الله أحسن منه؟ قال: هات، فأنشدته: [من الرجز]
قلت ونسجي مستجد حوكا لبّيك إذ دعوتني لبيكا
أحمد ربا ساقني إليكا
قال: هات كلمتك الأولى. قلت: أو أنشدك أحسن منها؟ قال:
هات، فأنشدته: [من الرجز]
ما زال يبني خندقا وتهدمه ويستجيش عسكرا وتهزمه
ومغنما يجمعه وتقسمه مروان لما أن تهاوت أنجمه
وخانه في حكمه منجمه
قال: دع هذا وأنشدني: وقاتم الأعماق. فقلت: أو أحسن منه؟
قال: هات فأنشدته: [من الرجز]
رفعت بيتا وخفصت بيتا وشدت ركن الذين إذ بنيتا
في الأكرمين من قريش بيتا
قال: هات ما سألتك عنه، فأنشدته: [من الرجز]
_________________
(١) قولك: سقطت من ر.
[ ٢ / ٨٠ ]
ما زال يأتي الأمر من أقطاره على اليمين وعلى يساره
مشمرا لا يصطلى بناره حتى أقرّ الملك في قراره
وفرّ مروان على حماره
فقال: ويلك هات ما دعوتك له وأمرتك بانشاده ولا تنشد شيئا غيره فأنشدته: «وقاتم الأعماق» فلما وصلت إلى قولي:
ترمي الجلاميد بجلمود مدقّ
قال: قاتلك الله لشدّ ما استصلبت الحافر، ثم قال: حسبك أنا ذلك الجلمود المدق. قال: وجيء بمنديل فيه مال فوضع بين يديّ، فقال أبو مسلم: يا رؤبة إنك أتيتنا والأموال مشفوفة (يقال: اشتفّ ما في الاناء وشفّه إذا أتى عليه) وإنّ لك إلينا لعودة وعلينا معوّلا والدهر أطرق مستتب، فلا تجعل بيننا وبينك الأسدّة؛ قال رؤبة: فأخذت المنديل منه، وتالله ما رأيت أعجميا أفصح منه، وما ظننت أنّ أحدا يعرف هذا الكلام غيري وغير أبي.
«١٥٩» - قال أبو الفرج الأصفهاني: حضرت أبا عبد الله الباقطائي وهو يتقلّد ديوان المشرق وقد تقلد ابن أبي السلاسل ماسبذان ومهر جانقذق وجاءه ليأخذ كتبه، فجعل يوصيه كما يوصي أصحاب الدواوين والعمال، فقال ابن أبي السلاسل: كأنك قد استكثرت لي هذا العمل؛ أنت أيضا قد كنت
[ ٢ / ٨١ ]
تكتب لأبي العبّاس ابن ثوابة ثم صرت صاحب ديوان. فقال له الباقطائي: يا جاهل يا مجنون لولا أنه قبيح بمثلي مكافأة مثلك لراجعت الوزير- أيده الله- في أمرك حتى أزيل يدك، ومن لي بأن أجد مثل ابن ثوابة في هذا الزمان فأكتب له ولا أريد الرياسة، ثم أقبل علينا يحدثنا فقال: دخلت مع أبي العبّاس ابن ثوابة إلى المهتدي وكان سليمان بن وهب وزيره، وكان يدخل إليه الوزير وأصحاب الدواوين والعمال والكتاب فيعملون بحضرته ويوقّع إليهم في الأمور. فأمر سليمان بأن يكتب عنه عشرة كتب مختلفة إلى جماعة من العمال، فأخذ سليمان بيد أبي العبّاس ابن ثوابة ثم قال له: أنت اليوم أحدّ ذهنا مني فهلمّ نتعاون، ودخلا بيتا ودخلت معهما، وأخذ سليمان خمسة أنصاف وأبو العبّاس خمسة أخر [١]، فكتبا الكتب التي أمر بها، ما احتاج أحدهما إلى نسخة، وقرأ كلّ واحد منهما ما كتب به صاحبه فاستحسنه، ثم وضع سليمان الكتب بين يدي المهتدي فقال له وقد قرأها: أحسنت يا سليمان، نعم الرجل أنت لولا المعجّل والمعدّل- وكان سليمان إذا ولّى عاملا أخذ منه ما لا معجّلا وعدّل له مالا إلى أن يتسلّم عمله [٢]- فقال له: يا أمير المؤمنين هذا قول لا يخلو أن [٣] يكون حقا أو باطلا، فإن كان باطلا فليس مثلك قبله، وإن كان حقا وقد علمت أنّ الأصول محفوظة فما يضرّك من مساهمتي عمالي على بعض ما يصل إليهم من مرفق لا يجحف بالرعية ولا ينقص الأصول؟ فقال له: إذا كان هذا هكذا فلا بأس، ثم قال له: اكتب إلى فلان العامل بقبض ضيعة فلان العامل المصروف المعتقل في يديه بباقي ما عليه من المصادرة، فقال له أبو العبّاس ابن ثوابة: كلنا يا أمير المؤمنين خدمك وأولياؤك، وكلّنا حاطب في حبلك وساع فيما أرضاك وأيّد ملكك، أفنمضي ما تأمر به على ما خيّلت أم
_________________
(١) م: خمسة أنصاف أخر.
(٢) وكان سليمان عمله: سقط من م.
(٣) م: إما أن.
[ ٢ / ٨٢ ]
نقول الحقّ؟ قال: لا بل قل الحقّ يا أحمد، فقال: يا أمير المؤمنين الملك حقّ والمصادرة شكّ، أفترى أن نزيل اليقين بالشك؟ قال: لا، فقال: قد شهدت للرجل بالملك وصادرته عن شكّ فيما بينك وبينه وهل خانك أم لا، فجعلت المصادرة صلحا، فإذا قبضت ضيعته بها فقد أزلت اليقين بالشكّ، فقال له: صدقت، ولكن كيف الوصول إلى المال؟ فقال له: أنت لا بدّ مولّ عمّالا على أعمالك، وكلّهم يرتزق ويرتفق فيحوز رزقه ورفقه إلى منزله، فاجعله أحد عمالك ليصرف هذين الوجهين إلى ما عليه ويسعفه معاملوه فيخلّص نفسه وضيعته ويعود إليك مالك. فأمر سليمان بن وهب أن يفعل ذلك. فلما خرجنا عن حضرة المهتدي قال له سليمان: عهدي بهذا الرجل عدوّك، وكلّ واحد منكما يسعى على صاحبه، فكيف زال ذاك حتى نبت عنه في هذا الوقت نيابة أحييته بها وتخلّصت نعمته؟ فقال: إنما كنت أعاديه وأسعى عليه وهو يقدر على الانتصاف مني، فأما وهو فقير إليّ فهو مما يحظره الدين والصناعة والمروءة، فقال له سليمان: جزاك الله خيرا، أما والله لأشكرنّ هذه النية لك، ولأعتقدنّك من أجلها أخا وصديقا، ولأجعلنّ هذا الرجل لك عبدا ما بقي؛ ثم قال له الباقطائي: من كان هذا وزنه وفضله يعاب من كان يكتب له؟
«١٦٠» - كليب بن وائل في العزم: [من الرجز]
ليس الكلام مغنيا دون العمل وشرّ ما رام امرؤ ما لم ينل
وكثرة الايغال عجز وفشل
«١٦١» - عمرو بن الحارث [١] الطائي: [من الطويل]
_________________
(١) م: حارثة.
[ ٢ / ٨٣ ]
إذا شئت أن تقتاس أمر قبيلة وأحلامها فانظر إلى من يسودها
«١٦٢» - الرضي أبو الحسن الموسوي: [من الخفيف]
أترى آن للمنى أن تقاضى حاجة طال مطلها في الفؤاد
بين همّ تحت المناسم مطرو ح وعزم على ظهور الجياد
«١٦٣» - (١) وكان الرضيّ بعيد مطمح الهمة يرى نفسه أهلا للخلافة، ويطمع في تقمصها، وكانت حاله كما أنبأ عن نفسه في قوله [من الوافر]
ولي أمل كصدر الرّمح ماض سوى أنّ الليالي من خصومي
(٢) وفي قوله: [من الوافر]
وما يغني مضيّك في صعود إذا ما كان جدّك في صبوب
(٣) فمن شعره في أمله وهمته قوله: [من الوافر]
وما في الأرض أحسن من يسار إذا استولى على أمر مطاع
(٤) وقوله: [من الطويل]
وركب سروا والليل ملق رواقه على كلّ مغبّر المطالع قاتم
حدوا عزمات ضاعت الأرض بينها فصار سراهم في ظهور [١] العزائم
_________________
(١) الديوان: صدور.
[ ٢ / ٨٤ ]
تريهم نجوم الليل ما يبتغونه على عاتق الشعرى وهام النعائم
«١٦٣» . (٥) وقال: [من البسيط]
وغلمة في ظهور العيس أرّقهم همّ شعاع وآمال عباديد
ملثّمين بما راخت عمائمهم وكلّهم طرب للبين غرّيد
لا آخذ المجد [١] إلا عن رماحهم إذا تطاعنت الشمّ المناجيد
(٦) وقال: [من البسيط]
وما أسرّ بمال لا أعزّ به ولا ألذّ برأي فيه تفنيد
ليس الثراء بغير المجد فائدة ولا البقاء بغير العزّ محمود
(٧) وقال: [من الطويل]
ولله قلب لا يبلّ غليله وصال ولا يلهيه من خلّة وعد
يكلّفني أن أطلب العزّ بالمنى وأين العلى إن لم يساعدني الجد
وليس فتى من عاق عن حمل سيفه إسار وحلّاه عن الطلب القدّ
ولا مال إلا ما كسبت بنيله ثناء ولا مال لمن ماله مجد
(٨) وقال: [من الطويل]
ولي أمل لا بدّ أحمل عبئه على الجرد من خيفانة وحصان
فإن أنا لم أركب عظيما فلا مضى حسامي ولا روّى الطعان سناني
_________________
(١) الديوان: الطعن، م: المدح.
[ ٢ / ٨٥ ]
«١٦٣» (٩) وقال: [من المنسرح]
كيف يهاب الحمام منصلت مذ خاف غدر الزمان ما أمنا
لم يلبس الثوب من توقعه للأمر إلا وظنّه الكفنا
أعطشه الدهر من مطالبه فراح يستمطر القنا اللّدنا
(١٠) وقال في تعرضه للخلافة ودعواه استحقاقها: [من الطويل]
يخيفونني بالموت والموت راحة لمن بين غربي قلبه مثل همّتي
فلا صلح حتى يسمعوا [١] من أزيزها صواعق إما صكّت الأذن صمّت [٢]
فخرت بنفسي لا بأهلي موفرا على ناقصي قومي مناقب أسرتي [٣]
أما أنا موزون بكلّ خليفة أرى أنفا من أن يكون خليفتي
ولا بد يوما أن تجيء فجاءة فلا تنظراني عند وقت موقّت
(١١) وقال: [من المنسرح]
فتى رأى الدهر غير مؤتمن فما فشا سرّه إلى أحد
واقتحم الليل [٤] فهو يمتحن ال مهرة قبل الطّراد بالطّرد
في كلّ فج يقود راحلة تجذبها الأرض جذبة المسد
لا يبعد الله غلمة ركبوا أغراضهم واشتفوا من البعد
رموا بعهد النعيم واصطنعوا كلّ شريف [٥] الذباب مطرد
_________________
(١) الديوان: تسمعوا.
(٢) الديوان: صكت.
(٣) وقع البيت بعد التالي له في الديوان وفي ر.
(٤) الديوان: واتهم الليل.
(٥) الديوان: نحيل.
[ ٢ / ٨٦ ]
قلّوا على كثرة العدوّ لهم كم عدد لا يعدّ في العدد
«١٦٣» . (١٢) وقال: [من الكامل]
ما عذر من ضربت به أعراقه حتى بلغن إلى النبيّ محمد
ألّا يمدّ إلى المكارم باعه وينال منقطع العلى والسؤدد
متحلقا حتى تكون ذيوله أبد الزمان عمائما للفرقد
أعن المقادر لا تكن هيّابة وتأزّر اليوم العصبصب وارتد
لا تغبطنّ على البقاء معمّرا يا قرب يوم منية من مولد
«١٦٤» . (١) وقال محمد بن هانىء المغربي: [من الطويل]
ولم أجد الإنسان إلا ابن سعيه فمن كان أسعى كان بالمجد أجدرا
(٢) وقال: [من البسيط]
فلست من سخطه المردي على وجل [١] ما دمت من عفوه المحيي على أمل
لعلّ حلمك أملى للذين هووا في غيهم بين معفور ومنجدل
فما شفا داءهم إلا دواؤهم والسيف نعم دواء الداء والعلل
(٣) وقال أيضا: [من الكامل]
تأتي له خلف الخطوب عزائم تذكى لها خلف الصباح مشاعل
فكأنهن على الغيوب غياهب وكأنهنّ على النفوس حبائل
_________________
(١) الديوان: خطر.
[ ٢ / ٨٧ ]
ملك إذا صدئت عليه دروعه فلها من الهيجاء يوم صاقل
«١٦٤» . (٤) وقال: [من الكامل]
دعني أخاطر بالحياة فإنما طلب الرجال العزّ ضرب قداح
(٥) وقال: [من الوافر]
وما لي من لقاء الموت بدّ فمالي لا أشدّ له حزيمي
«١٦٥» - ومن ارتفاع الهمّة الأبنية المشاهدة في دار الإسلام فمنها:
(١) إيوان كسرى: ويقال إنّ المنصور لما بنى بغداد أحبّ أن ينقضه ويبني بنقضه، فاستشار خالد بن برمك فنهاه وقال: هو آية الإسلام ومن رآه علم أن من هذا بناؤه لا يزيل أمره إلا نبيّ، وهو مصلّى علي بن أبي طالب، والمؤونة في نقضه أكثر من الارتفاق به، فقال: أبيت إلا ميلا للعجم، فهدمت ثلمة فبلغت النفقة عليها مالا كثيرا فأمسك، فقال له خالد: أنا الآن أشير بهدمه لئلا يتحدّث بعجزك عنه، فلم يفعل.
وصفه البحتري فقال: [من الخفيف]
وكأن الإيوان من عجب الصّن عة جوب في جنب أرعن مرس
لم يعبه أن بزّ من ستر الديبا ج واستلّ من ستور الدمقس
[ ٢ / ٨٨ ]
مشمخرا تعلو له شرفات رفعت في رؤوس رضوى وقدس
لست أدري أصنع أنس لجن [سكنوه] أم صنع جنّ لإنس
غير أني أراه يشهد أن لم يك بانيه في الرجال بنكس
«١٦٥» . (٢) ومنها الهرمان بمصر، يقال: ليس في الأرض بناء أرفع منهما وأن ارتفاع كلّ واحد منهما أربعمائة ذراع في عرض أربعمائة، ولا يزالان ينخرطان في الهواء صنوبريا حتى ترجع دورتهما إلى مقدار خمسة أشبار في مثلها مبنيّة بحجار المرمر والرخام وكل حجر عشر أذرع إلى ثمان، وحجارتهما منقولة من مسافة أربعين فرسخا من موضع يعرف بذات الحمام فوق الإسكندريّة، منقولا فيهما بالمسند كل سحر وطب وطلسم، وفيه: إني بنيتهما فمن ادّعى قوة في ملكه فليهدمهما، فإذا خراج الدنيا لا يفي بهدمهما. وقالوا لا يعرف من بناهما، قال المتنبيّ: [من الكامل]
تتخلف الآثار عن أصحابها حينا ويدركها الفناء فتتبع
أين الذي الهرمان من بنيانه ما قومه ما يومه ما المصرع
وأما البحتري فقد سمّى بانيهما وليست تسميته حجّة في صحة الأخبار فقال: [من الطويل]
ولا كسنان بن المشلّل بعد ما بنى هرميها من حجارة لابها
(٣) ومنارة الإسكندريّة مبنيّة على قناطر من زجاج، والقناطر على ظهر
[ ٢ / ٨٩ ]
سرطان من نحاس في بطن أرض البحر، وطولها أربعمائة وخمسون ذراعا، وهي غاية ما يمكن رفعه في الهواء، وفيها ثلاثمائة وخمسون بيتا، وكانت في أعلاها مرآة كبيرة يرى فيها الناظر قسطنطينية وبينهما عرض البحر، وكلما جهّز ملك الروم جيشا أبصر فيها، فوجه ملك الروم إلى بعض الخلفاء أن في الثلث الأعلى كنوزا لذي القرنين فهدموه فلم يجدوا شيئا وعلم أنها حيلة في إبطال الطلسم في المرآة.
«١٦٦» - قال عبد الله بن المقفع: [من البسيط]
إن كنت لا تدّعي مجدا ومكرمة إلا بقصرك لم ينهض بأركان
سام الرجال بما تسمو الرجال به تلك المكارم لا تشييد بنيان
«١٦٧» - أخبرني الشيخ الزاهد أبو عبد الله محمد بن عبد الملك الفارقي قال: كان بميافارقين بائع يعرف بأبي نصر بن جريّ واسع المعيشة، فرفع إلى نصر الدولة بن مروان أنه تحصّل له من دلالة المقايضة في ليلة واحدة عشرون ألف درهم، فأحضره وسأله عما أنهي إليه فقال: كذب الواشي أيها الأمير، إنما كانت عشرين ألف دينار وهي خدمة مني للمولى فضل- يعني ولده- وهو قائم على رأسه، فقال: معاذ الله بل نوفّر عليك، وأحمد الله على أن حصل لتاجر من رعيتي في ليلة واحدة من الدلالة مثل هذا المال. ثم إنّ البائع المذكور قال له: أيها الأمير أنا كثير المال، واسع الحال، وقد جمعت شيئا أعددته لعمل مصلحة إن أعنتني عليها وأذنت لي فيها، قال: وما هي؟ قال أن أسوق
[ ٢ / ٩٠ ]
الماء من الجبل إلى البلد وأنقب له خرقا في السور، قال: وما يصنع بدور الناس ومجازه فيها؟ قال: أشتري كلّ دار تكون مجازا للماء فإن لم يبعنيها صاحبها أجريت له الماء في داره، فأذن له وأخرج مائة ألف دينار عمل بها هذه المصلحة، وأجرى الماء إلى المسجد الجامع والأسواق والآدر.