وكانت العرب ترى ذلك دينا تدعو إليه، وحقا واجبا تحافظ عليه.
_________________
(١) ر: تطرف.
[ ٢ / ١٤٥ ]
«٣٢٠» - كان أبو سفيان بن حرب إذا نزل بن جار قال: يا هذا إنك اخترتني جارا، واخترت داري دارا، فجناية يدك عليّ دونك، وإن جنت عليك يد فاحتكم حكم الصبيّ على أهله.
«٣٢١» - وذكر أبو عبيدة أن رجلا من السواقط من بني أبي بكر بن كلاب- والسواقط من قدم اليمامة ووردها من غير أهلها- قدم اليمامة ومعه أخ له، فكتب له عمير بن سلميّ أنه جار له، وكان أخو هذا الكلابي جميلا، فقال له قرين أخو عمير: لا تردنّ أبياتنا هذه بأخيك هذا؛ فرآه بعد بين أبياتهم فقتله، قال أبو عبيدة: وأما المولى فذكر أن قرينا أخا عمير كان يتحدّث إلى امرأة أخي الكلابيّ، فغيّر ذلك عليه زوجها فخافه قرين فقتله، وكان عمير غائبا، فأتى الكلابيّ قبر سلميّ أبي عمير وقرين فاستجار به وقال:
[من الكامل]
وإذا استجرت من اليمامة فاستجر زيد بن يربوع وآل مجمّع
وأتيت سلميّا فعذت بقبره وأخو الزمانة عائذ بالأمنع
أقرين إنّك لو رأيت فوارسي بعمايتين إلى جوانب ضلفع [١]
حدّثت نفسك بالوفاء ولم تكن للغدر خائنة مغلّ الإصبع
(الإصبع موضعها ها هنا موضع اليد، يقال: لفلان عليك يد، وله عليك إصبع، والمراد النعمة، والعرب تقول: هو مغلّ الإصبع من أغل إذا خان وهو الذي يخدّ بإصبعه حتى يستسيل الودك) [٢] .
_________________
(١) عمايتان وضلفع أسماء أمكنة.
(٢) الاصبع الودك: سقط من ر.
[ ٢ / ١٤٦ ]
فلجأ قرين إلى قتادة بن مسلمة بن عبيد بن يربوع بن ثعلبة بن الدؤل بن حنيفة، فحمل قتادة إلى الكلابيّ ديات مضاعفة، وفعلت وجوه بني حنيفة مثل ذلك، فأبى الكلابيّ أن يقبل؛ فلما قدم عمير قالت له أمه، وهي أم قرين: لا تقتل أخاك، وسق إلى الكلابيّ جميع ماله، فأبى الكلابيّ أن يقبل وقد لجأ قرين إلى خاله السمين بن عبد الله، فلم يمنع عميرا منه، فأخذه عمير فمضى به حتى قطع الوادي فربطه إلى نخلة وقال للكلابيّ: أما إذ أبيت إلا قتله فأمهل حتى أقطع الوادي، وارتحل عن جواري فلا خير لك فيه، فقتله الكلابيّ، ففي ذلك يقول عمير: [من الطويل]
قتلنا أخانا بالوفاء لجارنا وكان أبونا قد تجير مقابره
وقالت أم عمير: [من الوافر]
تعدّ معاذرا لا عذر فيها ومن يقتل أخاه فقد ألاما
«٣٢٢» - جاور عروة بن مرّة أخو أبي خراش الهذلي ثمالة من الأزد، فجلس يوما بفناء بيته آمنا لا يخاف شيئا، فاستقبله رجل منهم بسهم فقصم صلبه، ففي ذلك يقول أبو خراش: [من الكامل]
لعن الإله وجوه قوم رضّع غدروا بعروة من بني بلّال
وأسر خراش بن أبي خراش، أسرته ثمالة، فكان فيهم مقيما، فدعا آسره رجلا منهم يوما للمنادمة، فرأى ابن ابي خراش موثقا في القدّ، فأمهل حتى قام الآسر لحاجة، فقال المدعوّ لابن أبي خراش: من أنت؟ فقال:
ابن أبي خراش فقال: كيف دلّيلاك؟ فقال: قطاة، قال: فقم فاجلس
[ ٢ / ١٤٧ ]
ورائي، وألقى عليه رداءه، ورجع صاحبه، فلما رأى ذلك أصلت له بالسيف وقال له: أسيري، فنثل المجير كنانته وقال: والله لأرمينّك إن رميته، فإني قد أجرته، فخلّى عنه؛ فنجا إلى أبيه فقال له: من أجارك؟ قال: والله ما أعرفه، فقال أبو خراش: [من الطويل]
حمدت الهي بعد عروة إذ نجا خراش وبعض الشرّ أهون من بعض
يقول فيها:
ولم أدر من ألقى عليه رداءه سوى أنه قد سلّ عن ماجد محض
«٣٢٣» - وكان الفرزدق شريفا، وكان يجير من عاذ بقبر أبيه غالب بن صعصعة، فممن استجار بقبره فأجاره امرأة من بني جعفر بن كلاب خافت لما هجا الفرزدق بني جعفر أن يسمّيها ويسبّها، فعاذت بقبر أبيه، فلم يذكر لها اسما ولا نسبا، ولكن قال في كلمته التي يهجو فيها بني جعفر بن كلاب:
[من الطويل]
عجوز تصلّي الخمس عاذت بغالب فلا والذي عاذت به لا أضيرها
«٣٢٤» - ومن ذلك أنّ الحجاج لما ولّى تميم بن زيد القيني السنّد، دخل البصرة فجعل يخرج من أهلها من شاء، فجاءت عجوز إلى الفرزدق فقالت:
إني استجرت بقبر أبيك، وأتت منه بحصيّات، فقال: ما شأنك؟ قالت:
إن تميم بن زيد خرج بابن لي معه، ولا قرّة لعيني ولا كاسب عليّ غيره، فقال لها: وما اسم ابنك؟ قالت: حبيش، فكتب إلى تميم مع بعض من
[ ٢ / ١٤٨ ]
شخص: [من الطويل]
تميم بن زيد لا تكوننّ حاجتي بظهر ولا يعيا عليّ جوابها
وهب لي حبيشا واحتسب منه منّة لعبرة أمّ ما يسوغ شرابها
أتتني فعاذت يا تميم بغالب وبالحفرة السافي عليها ترابها
وقد علم الأقوام أنك ماجد وليت إذا ما الحرب شبّ شهابها
فلما ورد الكتاب على تميم تشكّك في الاسم فقال: أحبيش أم خنيس؟
فقال: انظروا من له مثل هذا الاسم في عسكرنا، فأصيب ستة ما بين حبيش وخنيس، فوجّه بهم إليه.
«٣٢٥» - ومنهم مكاتب لبني منقر، ظلع بمكاتبته فأتى قبر غالب فاستجار به، وأخذ منه حصيّات فشدّهنّ في عمامته، ثم أتى الفرزدق فأخبره خبره وقال: إني قد قلت شعرا، فقال: هاته، فقال: [من الطويل]
بقبر ابن ليلى غالب عذت بعدما خشيت الردى أو أن أردّ على قسر
بقبر امرىء تقري المجير [١] عظامه ولم يك إلا غالبا ميّت يقري
فقال لي استقدم أمامك إنما فكاكك أن تلقى الفرزدق بالمصر
فقال له الفرزدق ما اسمك؟ قال: لهذم، قال: يا لهذم، حكمك مشتطا [٢]، قال: ناقة كوماء سوداء الحدقة [٣]، قال: يا جارية اطرحي إلينا حبلا، ثم قال: يا لهذم اخرج بنا إلى المربد فألقه في عنق ما شئت، فتخيّر العبد على عينه، ثم رمى بالحبل في عنق ناقة، وجاء صاحبها فقال له
_________________
(١) م والكامل: المئين.
(٢) الكامل: مسمطا.
(٣) م: سوداء الحدقة كوماء.
[ ٢ / ١٤٩ ]
الفرزدق: اغد عليّ [في] ثمنها، قال: فجعل لهذم يقودها والفرزدق يسوقها حتى إذا نفذ بها من البيوت إلى الصحراء صاح به الفرزدق: يا لهذم قبّح الله أخسرنا.
«٣٢٦» - كان أحمد بن أبي داود من المتقدمين في علوّ الهمة وحفظ الجوار، قال أبو العيناء: كان سبب اتصالي بأحمد بن أبي داود أن قوما من أهل البصرة عادوني وادّعوا عليّ دعاوى كثيرة، منها أنني رافضي، فاحتجت إلى أن خرجت عن البصرة إلى سرّ من رأى، وألقيت نفسي على ابن أبي داود وكنت نازلا في داره أجالسه في كلّ يوم، وبلغ القوم خبري فشخصوا نحوي إلى سرّ من رأى، فقلت له: إنّ القوم قد قدموا من البصرة يدا عليّ، فقال: يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ
(الفتح: ١٠) فقلت: إن لهم مكرا، فقال: وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ
(الأنفال: ٣٠) فقلت هم كثيرون، فقال: كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ
(البقرة:
٢٤٩) فقلت: لله درك أيها الأمير فأنت والله كما قال الصّموت الكلابيّ:
[من الكامل]
لله درّك أي جنّة خائف ومتاع دنيا أنت للحدثان
متخمّط يطأ الرجال غلبّة وطء العتيق دوارج [١] القردان
ويكبّهم حتى كأنّ رؤوسهم مأمومة [٢] تنحطّ للغربان
ويفرّج الباب الشديد رتاجه حتى يصير كأنه بابان
فقال لابنه الوليد: اكتب هذه الأبيات، فكتبها بين يديه.
قال الصولي: حفظي عن أبي العيناء الصموت الكلابيّ على أنه رجل،
_________________
(١) زهر: مدارج.
(٢) مأمومة: مشجوجة.
[ ٢ / ١٥٠ ]
وقال لي وكيع: حفظي أنها الصموت الكلابيّة، على أنها امرأة.
«٣٢٧» - والعرب تضرب المثل بجار أبي داود، وهو أبو داود الإيادي، حلّ جارا للحارث بن همّام بن مرّة بن ذهل بن شيبان فأعطاه عطايا كثيرة، ثم مات ابن أبي داود وهو في جواره فوداه، فمدحه أبو داود، فحلف الحارث أنّه لا يموت له ولد إلا وداه، ولا يذهب له مال إلا أخلفه، فذلك قول قيس ابن زهير: [من الوافر]
أطوّف ما أطوّف ثم آوي إلى جار كجار أبي داود
«٣٢٨» - تزوج مروان بن الحكم أمّ خالد بن يزيد بن معاوية، فقال مروان لخالد يوما، وأراد أن يصغّر به: يا ابن الرطبة، فقال له خالد: الأمير مخبر وأنت أعلم بهذا، ثم أتى أمّه فأخبرها وقال: أنت صنعت بي هذا، فقالت: دعه فإنه لا يقولها لك بعد اليوم، فدخل عليها مروان فقال لها: هل أخبرك خالد بشيء، فقالت: يا أمير المؤمنين خالد أشدّ تعظيما لك من أن يذكر لي شيئا جرى بينك وبينه. فلما أمسى وضعت مرفقة على وجهه، وقعدت هي وجواريها عليها حتى مات، فأراد عبد الملك قتلها، وبلغها ذلك فقالت:
أما إنه أشدّ عليك أن يعلم الناس أن أباك قتلته امرأة، فكفّ عنها. فهذه امرأة حميت أن سبّها ذو أمرها حتى انتصرت وكشفت العار عن ولدها.
«٣٢٩» - قال العتبي: حمل زياد من البصرة مالا إلى معاوية، ففزعت
[ ٢ / ١٥١ ]
بنو تميم والأزد إلى مالك بن مسمع، وكانت ربيعة مجتمعة عليه كاجتماعها على كليب في حياته، واستغاثوا به وقالوا: يحمل المال ونبقى بلا عطاء، فركب مالك في ربيعة، واجتمع إليه الناس، فلحق بالمال فردّه وضرب الفسطاط بالمربد، وأنفق المال في الناس حتى وفّاهم عطاءهم وقال: إن شئتم الآن أن تحملوا فاحملوا، فما راجعه زياد في ذلك بحرف.
«٣٣٠» - ولما ولي حمزة بن عبد الله بن الزبير البصرة جمع مالا ليحمله إلى أبيه، فاجتمع الناس إلى مالك واستغاثوا به، ففعل مثل فعله بزياد، فقال العديل بن الفرخ العجلي في ذلك: [من الطويل]
إذا ما خشينا من أمير ظلامة دعونا أبا غسان يوما فعسكرا
ترى الناس أفواجا إلى باب داره إذا شاء جاءوا دارعين وحسّرا
«٣٣١» - ومن أنواعه ما فعله هاشم بن عبد مناف في اعتقاد قريش (واعتفادها أن أهل البيت منهم كانوا إذا سافت [١] أموالهم خرجوا إلى براز من الأرض، وضربوا على أنفسهم الأخبية، ثم تتاموا [٢] فيها حتى يموتوا من قبل أن يعلم بخلّتهم، حتى نشأ هاشم وعظم قدره في قومه) فقال: يا معشر قريش، إنّ العز مع كثرة العدد، وقد أصبحتم أكثر العرب أموالا وأعزّهم نفرا، وإن هذا الاعتقاد قد أتى على كثير منكم، وقد رأيت رأيا؛ قالوا:
رأيك رشد [٣] فمرنا نأتمر؛ قال رأيت أن أخلط فقراءكم بأغنيائكم، فأعمد إلى رجل
_________________
(١) سافت: هلكت.
(٢) ر: تنادموا؛ م: تناوموا؛ السيوطي: تناوبوا.
(٣) السيوطي: راشد.
[ ٢ / ١٥٢ ]
غنيّ فأضمّ إليه فقيرا عياله بعدد عياله، فيكون مؤازره [١] في الرحلتين: رحلة الصيف إلى الشام ورحلة الشتاء إلى اليمن، فما كان في مال الغنيّ من فضل عاش الفقير وعياله في ظله، وكان ذلك قطعا للاعتقاد، قالوا: فإنك نعم ما رأيت. فألّف بين الناس، فلما كان من أمر الفيل وأصحابه ما كان، وأنزل الله بهم ما أنزل، كان ذلك مفتاح النبوّة وأوّل عزّ قريش حتى هابهم الناس كلهم وقالوا: أهل الله والله يمنعهم [٢]، وكان مولد رسول الله ﷺ في ذلك العام، فلما بعث الله رسوله صلّى الله عليه وآله، وكان فيما أنزل عليه وهو يعرّف قومه ما صنع بهم وما نصرهم من الفيل وأهله: أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ
(الفيل: ١) إلى آخر السورة. ثم قال: ولم فعلت ذلك يا محمد بقومك، وهم يوم فعلت ذلك بهم أهل عبادة أوثان لا يعبدونني، ولا يحلّون لي ولا يحرّمون، فنصرتهم كما أنصر أوليائي وأهل طاعتي، ثم أخبره لم فعل ذلك، فقال: لِإِيلافِ قُرَيْشٍ إِيلافِهِمْ
(قريش: ١) إلى آخر السورة أي لتراحمهم وتواصلهم، وإن كانوا على شرك، وكان الذي أمنتهم منه من الخوف خوف الفيل وأصحابه، وإطعامه إياهم من الجوع، من جوع [٣] الاعتقاد.
«٣٣٢» - مروان بن أبي حفصة: [من الطويل]
هم يمنعون الجار حتى كأنّما لجارهم بين السماكين منزل
_________________
(١) ر: والسيوطي: يؤازره.
(٢) السيوطي: معهم.
(٣) من جوع: سقطت من ر.
[ ٢ / ١٥٣ ]
«٣٣٣» - نهشل: [من الطويل]
وجار منعناه من الضّيم والعدى وجيران أقوام بمدرجة النمل
«٣٣٤» - ابن نباتة: [من البسيط]
ولو يكون سواد الشعر في ذممي [١] ما كان للشيب سلطان على القمم
«٣٣٥» - قال علي بن محمد المدائني [٢]: كان رجل من الشيعة يسعى في فساد الدولة، فجعل المهديّ لمن دلّ عليه أو أتى به مائة ألف درهم، فأخذه رجل ببغداد، فأيس من نفسه، فمرّ به معن بن زائدة فقال له: يا أبا الوليد أجرني أجارك الله، فقال معن للرجل: مالك وماله؟ قال هذا طلبة أمير المؤمنين، قال: خلّ سبيله، قال: لا أفعل، فأمر معن غلمانه فأخذوه، وأردفه بعضهم، ومضى الرجل إلى سّلام الأبرش فأخبره بالقصة، وقال له:
إنّ معنا قال له إن طلبه أمير المؤمنين فأعلمه أنه عندي، فلم يضع معن ثيابه حتى أتاه رسول المهديّ، فركب وقال لغلمانه: اذهبوا، ولأهل بيته ومواليه:
كونوا دونه ولا يصل أحد إلى هذا الرجل ومنكم عين تطرف؛ فلما دخل على المهدي قال: يا معن أتجير عليّ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، قتلت في طاعتكم في يوم واحد خمسة آلاف رجل، هذا إلى أيام كثيرة قد تقدّمت فيها طاعتي وسبق فيها بلائي، أفما تروني أهلا أن تجيروا لي رجلا واحدا استجار
_________________
(١) م: لممي.
(٢) م: ابن المدائني.
[ ٢ / ١٥٤ ]
بي؟ فاستحيا المهدي وأطرق طويلا ثم رفع رأسه وقال: قد أجرنا يا أبا الوليد من أجرت، قال: إن رأى أمير المؤمنين أن يحبو جاري فيكون قد أحياه وأغناه، قال: وقد أمرنا له بخمسين ألف درهم، قال: يا أمير المؤمنين ينبغي أن تكون صلات الخلفاء على قدر جنايات الرعية، وإنّ ذنب الرجل عظيم، فإن رأى أمير المؤمنين أن يجزل صلته، قال: قد أمرنا له بمائة ألف درهم، فقال: ان رأى أمير المؤمنين أن يهنّئه بتعجيلها، قال: تحمل بين يديه، فرجع إلى منزله فدعا بالرجل ووعظه وقال: لا تتعرض لمساخط الخلفاء، ودفع إليه المال.
«٣٣٦» - كان جعفر بن أبي طالب يقول لأبيه: يا أبه إني لأستحيي أن أطعم طعاما وجيراني لا يقدرون على مثله، فكان أبوه يقول له: إني لأرجو أن يكون فيك خلف من عبد المطلب.
«٣٣٧» - نزل الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بقوم فقروه، فأغير على بعضهم، فركب في نفير [١] معه فاستنقذهم وقال [٢]: [من البسيط]
ناديتهم حين صمّوا عن مناشدتي صمّ القنا زعزعت أطرافه الخرق
وكم ترى يوم ذاكم من مولولة إنسان مقلتها في دمعها غرق
«٣٣٨» - استنصر سبيع بن الخطيم التيمي زيد الفوارس الضبيّ فنصره
_________________
(١) م: نفر.
(٢) م: ثم أنشد.
[ ٢ / ١٥٥ ]
وقال: [من البسيط]
نبّهت [١] زيدا ولم أفزع إلى وكل رثّ السلاح ولا في الحيّ مغمور [٢]
سالت عليه شعاب الحيّ [٣] حين دعا أنصاره بوجوه كالدنانير
«٣٣٩» - سقط الجراد قريبا من بيت أبي حنبل جارية [٤] بن مرّ، فجاء الحيّ وقالوا: نريد جارك فقال: أما إذ جعلتموه جاري فو الله لا تصلون إليه، فأجاره حتى طار من عنده فقيل له: مجير الجراد، وفي ذلك يقول هلال بن معاوية الثعليّ: [من المتقارب]
وبالجبلين لنا معقل صعدنا إليه بصمّ الصّعاد
ملكناه في أوليات الزمان من قبل نوح ومن قبل عاد
ومنا ابن مرّ أبو حنبل أجار من الناس رجل الجراد
وزيد لنا ولنا حاتم غياث الورى في السّنين الشداد
٣٤٠- كان يقال: من تطاول على جاره، حرم بركة داره.
«٣٤١» - وكان عبيد الله بن أبي بكرة ينفق على من حول داره على أهل أربعين دارا من كل جهة من جهاتها الأربع، وكان يبعث إليهم بالأضاحي
_________________
(١) الوحشيات: ناديت.
(٢) الوحشيات: مكثور.
(٣) الوحشيات: شعاب العزّ.
(٤) م: حارثة.
[ ٢ / ١٥٦ ]
والكسوة، ويقوم لمن تزوج منهم بما يصلحه، ويعتق في كل عيد مائة رقبة سوى ما يعتق في سائر السنة.
«٣٤٢» - قال الحسن: ليس حسن الجوار كفّ الأذى، ولكن حسن الجوار الصبر على الأذى.
«٣٤٣» - وجاءته امرأة محتاجة وقالت: أنا جارتك، قال: كم بيني وبينك؟ قالت: سبع أدؤر، فنظر الحسن فإذا تحت فراشه سبعة دراهم، فأعطاها إياها وقال: كدنا نهلك.
«٣٤٤» - كان كعب بن مامة إذا جاوره رجل قام بما يصلحه وأهله، وحماه ممن يقصده، وإن هلك له شيء أخلفه، وإن مات وداه، فجاوره أبو داود الإيادي، فزاده على عادته. واحتذى أبو داود فعله حتى قال فيه قيس بن زهير: [من الوافر]
أطوّف ما أطوّف ثم آوي إلى جار كجار أبي داود
وصار مثلا في حسن الجوار (وله خبر قد ذكر من قبل) .
«٣٤٥» - (١) الرضيّ أبو الحسن الموسوي: [من الطويل]
وأبيض من عليا معدّ كأنما تلاقى على عرنينه القمران
إذا رمت طعنا بالقريض حميته وإن رام طعنا بالرماح حماني
(٢) وقال أيضا: [من المنسرح]
[ ٢ / ١٥٧ ]
لو أمطرته السماء أنجمها عزا لما قال للسماء قد
لا يسأل الضيف عن منازله ومنزل البدر غير مفتقد