«١٩٥» - جلس الاسكندر يوما فلم يسأله أحد حاجة فقال لجلسائه: إني لا أعدّ هذا اليوم من ملكي.
[ ٢ / ٩٧ ]
«١٩٦» - وقال أسماء بن خارجة: لا أشاتم رجلا ولا أردّ سائلا، فإنما هو كريم أسدّ خلّته، أو لئيم أشتري عرضي منه. (ولما جعل فعله وقاية لعرضه لم يكن جودا بل دل على طلب الرياسة ببذل ماله) .
«١٩٧» - ومثل هذا المعنى لبعض الأعراب: [من الطويل]
سأمنح مالي كلّ من جاء طالبا وأجعله وقفا على النّفل والفرض
فإما كريم صنت بالمال عرضه وإما لئيم صنت عن لؤمه عرضي
«١٩٨» - باع حكيم بن حزام داره من معاوية بستين ألف دينار فقيل له: غبنك معاوية، فقال: والله ما أخذتها في الجاهلية إلا بزقّ خمر، أشهدكم أنّها في سبيل الله، فانظروا أينا المغبون.
«١٩٩» - وقال حسان بن ثابت: [من البسيط]
أصون عرضي بمالي لا أدنّسه لا بارك الله بعد العرض في المال
أحتال للمال إن أودى فأكسبه ولست للعرض إن أودى بمحتال
٢٠٠- اشترى عبيد الله بن معمر وعبد الله بن عامر بن كريز من عمر بن الخطاب ﵁ رقيقا من سبي ففضل عليهما ثمانون ألف درهم، فأمر
[ ٢ / ٩٨ ]
بهما أن يلازما، فمرّ عليهما طلحة بن عبيد الله وهو يريد الصلاة في مسجد رسول الله ﷺ، فقال: ما لابن معمر ملازم؟ فأخبر بخبره، فأمر له بالأربعين الألف الدرهم التي عليه فقضى عنه، فقال ابن معمر لابن عامر: انها إن قضيت عني بقيت ملازما، وإن قضيت عنك لم يتركني طلحة حتى تنقضي عني، فدفع إليه الأربعين الألف فقضاها ابن عامر عن نفسه وخلّيت سبيله، فمرّ طلحة منصرفا من الصلاة فوجد ابن معمر ملازما فقال ما لابن معمر، ألم آمر بالقضاء عنه؟ فأخبر بما صنع، فقال: أمّا ابن معمر فإنه علم أنّ له ابن عمّ لا يسلمه، احملوا عنه أربعين ألف درهم فاقضوها عنه، ففعلوا وخلّي سبيله.
٢٠١- سأل رجل ابن شبرمة القاضي أن يكلّم له رجلا في صلة يصله بها، ولازمه، فأعطاه ابن شبرمة من ماله وقال: [من الوافر]
وما شيء بأثقل وهو خفّ على الأعناق من منن الرجال
فلا تفرح بمال تشتريه بوجهك إنه بالوجه غال
«٢٠٢» - زعم الأصمعي أنّ حربا كانت بالبادية ثم اتصلت بالبصرة فتفاقم الأمر فيها، ثم مشي بين الناس بالصلح، فاجتمعوا في المسجد الجامع قال: فبعثت وأنا غلام إلى عبد الله بن عبد الرحمن من بني دارم، فاستأذنت عليه، فأذن لي فدخلت، فإذا به في شملة يخلط بزرا لعنز له حلوب، فخبّرته بمجتمع القوم، فأمهل حتى أكلت العنز ثم غسل الصحفة وصاح: يا جارية
_________________
(١) سقط من م.
[ ٢ / ٩٩ ]
غدّينا، قال: فأتته بزيت وتمر، قال: فدعاني فقذرته أن آكل معه، حتى إذا قضى من أكله وطرا وثب إلى طين ملقى في الدار فغسل به يده ثم صاح [١]: يا جارية اسقيني ماء، فأتته بماء فشربه، ومسح فضله على وجهه ثم قال: الحمد لله، ماء الفرات بتمر البصرة بزيت الشام، متى نؤدي شكر هذه النعم [٢]؟ ثم قال: [يا جارية] عليّ بردائي، فأتته برداء عدنيّ فارتدى به على تلك الشملة، قال الأصمعيّ: فتجافيت عنه استقباحا لزيه، فلما دخل المسجد صلّى ركعتين ثم مضى إلى القوم فلم تبق حبوة إلّا حلّت إعظاما له، ثم جلس فتحمل جميع ما كان بين الأحياء من ماله ثم انصرف.
«٢٠٣» - قال أبو عبيدة: لما أتى زياد بن عمرو المعنيّ المربد في عقب قتل مسعود بن عمرو العتكي جعل في الميمنة بكر بن وائل، وفي الميسرة عبد القيس، وهم لكيز بن أفصى بن دعميّ بن جديلة بن أسد بن ربيعة، وكان زياد بن عمرو في القلب، فبلغ ذلك الأحنف فقال: هذا غلام حدث شأنه الشهرة، وليس يبالي أين قذف بنفسه، فندب أصحابه فجاءه حارثة بن بدر الغداني [٣] فجعله في بني حنظلة بحذاء بكر بن وائل، وجعل سعدا والرباب في القلب، ورئيسهم عبس ابن طلق الطعان المعروف بأخي كهمس وهو أحد بني صريم بن يربوع بحذاء الأزد، وجعل عمرو بن تميم بحذاء عبد القيس، فلما تواقفوا بعث إليهم الأحنف: يا معشر الأزد وربيعة من أهل البصرة، أنتم والله أحبّ إلينا من تميم الكوفة، جيراننا في الدار، ويدنا على عدونا، وأنتم بدأتمونا
_________________
(١) سقط من م.
(٢) م: النعمة.
(٣) م: العدواني.
[ ٢ / ١٠٠ ]
بالأمس ووطئتم حرمنا، حرّقتم علينا، فدفعنا عن أنفسنا ولا حاجة لنا في الشرّ ما أصبنا في الخير مسلكا، فتيمموا بنا طريقة قاصدة. فوجّه إليه زياد بن عمرو: تحيّر [١] خلّة من ثلاث: إن شئت فانزل أنت وقومك على حكمنا، وإن شئت فخلّ لنا عن البصرة وارحل أنت وقومك إلى حيث شئتم، وإلا فدوا قتلانا واهدروا دماءكم وليؤدّ مسعود دية المشعرة. (قوله: دية المشعرة يريد أمر [الملوك في] الجاهلية، وكان الرجل إذا قتل وهو من أهل بيت المملكة ودي عشر ديات) . فبعث إليه الأحنف: سنختار، فانصرفوا في يومكم، فهزّ القوم راياتهم وانصرفوا، فلما كان من الغد بعث إليهم: إنكم خيرتمونا خلالا ليس فيها خيار، أمّا النزول على حكمكم فكيف يكون والكلم يقطر [دما] [٢]، وأما ترك ديارنا فهو أخو القتل، قال الله ﷿: وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيارِكُمْ
(النساء: ٦٦) ولكن الثالثة إنما هي حمل على المال، فنحن نبطل دماءنا وندي قتلاكم، وإنما مسعود رجل من المسلمين، وقد أذهب الله ﷿ أمر الجاهليّة. فاجتمع القوم على أن يقضوا [٣] أمر مسعود، ويغمد السيف، ويودى سائر القتلى من الأزد وربيعة، فتضمن ذلك الأحنف ودفع إياس بن قتادة المجاشعي رهينة حتى يؤدّى هذا المال، فرضي به القوم، ففخر بذلك الفرزدق فقال: [من الطويل]
ومنا الذي أعطى يديه رهينة لغاري معد يوم ضرب الجماجم
عشية سال المربدان كلاهما عجاجة موت بالسيوف الصوارم
هنالك لو تبغي كليبا وجدتها أذلّ من القردان تحت المناسم
ويقال إن تميما في ذلك الوقت اجتمعت مع باديتها وحلفائها من الأساورة والزطّ والسيابجة وغيرهم فكانوا زهاء سبعين ألفا. قال الأحنف: فكثرت
_________________
(١) م: يخيره.
(٢) م: والكلام تقطر.
(٣) م والكامل: يقفوا.
[ ٢ / ١٠١ ]
الديات عليّ فلم أجدها في حاضرة تميم، فخرجت نحو يبرين فسألت عن المقصود هناك فأرشدت إلى قبة، فإذا شيخ جالس بفنائها مؤتزر بشملة محتب بحبل، فسلمت عليه وانتسبت له فقال: ما فعل رسول الله ﷺ؟ فقلت توفي صلوات الله عليه. قال: فما فعل عمر بن الخطاب ﵀ الذي كان يحفظ العرب ويحوطها؟ قلت: مات ﵀، قال: فأيّ خير في حاضرتكم بعدهما؟ قال: فذكرت له الديات التي لزمتنا للأزد وربيعة قال، فقال:
أقم، فإذا راع قد أراح عليه ألف بعير فقال: خذها، ثم أراح عليه آخر مثلها فقال: خذها، فقلت لا أحتاج إليها، قال: فانصرفت بالألف من عنده ولا أدري من هو إلى الساعة.
«٢٠٤» - كان المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام في جيش مسلمة بن عبد الملك حين غزا الروم في خلافة عمر بن عبد العزيز التي بلغ فيها القسطنطينيّة فشتا بها، فسامه مسلمة بماله الذي يعرف بالعرصة، فأبى المغيرة أن يبيعه، ثم أصاب أهل تلك الغزاة مجاعة، فباعها إياه بخمسة عشر ألف دينار، فنقده مسلمة الثمن، فبعث المغيرة بذلك المال مع من اشترى له إبلا من كلب، واشترى له دقيقا وزيتا وقباطيّ، وحمل ذلك على الابل، وكانوا لا يقدرون على الحطب، فأمر بالقباطيّ فأدرجت في الزيت وأوقدها ونحر الإبل واطّبخ [١] واختبز وأطعم الناس، وكان في تلك الغزاة أخوه أبو بكر بن عبد الرحمن فقيل له: نرى نارا في العسكر، فقال: لا تجدونها إلا في رحل
_________________
(١) م: وطبخ.
[ ٢ / ١٠٢ ]
المغيرة، فقولوا له يبعث إلينا من طعامه، فبعث إليه، فلما قفل الناس من غزاتهم تلك وبلغ هذا الخبر عمر بن عبد العزيز قال لمسلمة: أنت كنت أقوى وأولى باطعام الناس من المغيرة، وذلك لك ألزم، لأنك إنما كنت تطعمهم من بعض مالك وهو يطعمهم عظم ماله، فأقله البيع فإنه بيع ضغطة لا يجوز، فعرض ذلك مسلمة على المغيرة فأبى وقال: قد أنفذت البيع، فأمر عمر بن عبد العزيز بتلك الضّيعة فردّت على المغيرة، وأمر بالمال فدفع إلى مسلمة من بيت المال، فتصدق المغيرة بالعرصة، وأمر أن يطعم الحاجّ منها يوم عرفة وثلاث منى، فهو السويق والسمن والتمر الذي يطعم بمنى من صدقة المغيرة.
«٢٠٥» - كان قيس بن سعد بن عبادة الأنصاري سيدا شجاعا جوادا، وكان سعد أبوه حيث توجه إلى حوران قسم ماله بين ولده، وكان له حمل لم يشعر به، فلما ولد له مشى أبو بكر وعمر ﵄ إلى قيس بن سعد يسألانه في أمر هذا المولود فقال: نصيبي له ولا أغير ما فعل سعد.
«٢٠٦» - استعمل الوليد بن عبد الملك ابن هبيرة على البحرين، فلما قام سليمان أخذ ابن هبيرة بألف ألف، ففزع إلى يزيد بن المهلب، فأتاه في جماعة من قومه فقال له: زاد الله في توفيقك وسرورك، أخذت بما لا يسعه مالي، ولا يحتمله عيالي، فقلت: ما لها إلّا سيد أهل العراق ووزير الخليفة وصاحب المشرق، فقال آخر من أصحاب ابن هبيرة: أيها الأمير ما خصّ هذا عمّنا، وقد أتيناك فيما شكا فإن تستقلّه فقد ترجّى لأكثر منه، وإن تستكثره فقد تضطلع بدونه، ووالله ما الدخان بأدلّ آية على النار ولا العجاج على الريح من ظاهر أمرك على باطنه. وقال آخر: عظم أمرك أن يستعان عليك إلا بك،
[ ٢ / ١٠٣ ]
فلست تأتي شيئا من المعروف إلا صغر عنك وكبرت عنه، ولا غاية بلغتها إلا وحظّك منها مقدّم وحقك فيها معظّم، ولا نقيسك بأحد من الملوك إلا عظمت عنه، ولا نزنك بأحد منهم إلا رجحت به، ووالله ما العجب أن تفعل ولكن العجب أن لا تفعل. فقال يزيد: مرحبا بكم وأهلا، إنّ خير المال ما قضي به الحقّ، وإنما لي من مالي ما فضل عن الناس، وايم الله لو أعلم أن أحدا أملأ بحاجتكم مني لأرشدتكم إليه، فاحكموا واشتطوا. قال ابن هبيرة:
النصف أصلحك الله، قال: اغد على مالك فاقبضه، فدعوا له وانصرفوا، فمضوا غير بعيد وتثاقلوا في مشيهم، فقال لهم ابن هبيرة: ويحكم والله ما يفرق يزيد بن النصف والكلّ، وما لما بقي غيره؛ فهم يفكرون في الرجوع فظنّ ذلك يزيد بهم فأمر بردّهم وقال: إن ندمتم أقلناكم، وإن ازددتم زدناكم، قالوا: أقلنا وزدنا قال: قد حملتها كلّها؛ ثم كلّم يزيد سليمان وأخبره فقال:
احملها إلى بيت المال، ثم سوّغه إياها.
«٢٠٧» - ومن أحسن الأفعال وأشرفها في احتمال المغارم ما فعله صعصعة ابن ناجية المجاشعيّ جدّ الفرزدق في افتداء الموؤدات، حتى جاء الإسلام وقد فدى ثلاثمائة وستين موؤدة، وخبره في ذلك يرد في باب أخبار العرب وعجائبهم.
«٢٠٨» - قال ابن عياش: كان حوشب بن يزيد بن الحارث بن رويم الشيباني وعكرمة بن ربعي البكري يتنازعان الشرف، ويتبازيان في إطعام الطعام ونحر الجزر في عسكر مصعب، وكان حوشب يغلب عكرمة بسعة يده، قال: وقدم عبد العزيز بن يسار مولى بحتر [١]- قال: وهو زوج أمّ شعبة
_________________
(١) الأغاني: بخنر (وبحير في نسخة أخرى) .
[ ٢ / ١٠٤ ]
الفقيه- بسفائن دقيق، فأتاه عكرمة فقال له: الله الله فيّ قد كاد حوشب يغلبني ويستعليني [١] بماله، فبعني هذا الدقيق بتأخير ولك فيه مثل ثمنه ربحا، فقال: خذه، فدفعه إلى قومه وفرقه فيهم فعجنوه كلّه، ثم جاء بالعجين كله فجمعه في هوّة عظيمة وأمر به فغطّي بالحشيش، وجاءوا برمكة فقربوها إلى فرس حوشب حتى [طلبها وأفلت ثم ركضوها بين يديه وهو يتبعها حتى] [٢] ألقوها في ذلك العجين ومعها الفرس، فتورطا في ذلك العجين وبقيا فيه جميعا، وخرج قوم عكرمة يصيحون في العسكر: يا معشر المسلمين أدركوا فرس حوشب فقد غرق في خميرة عكرمة، فخرج الناس تعجبا من ذلك أن تكون خميرة يغرق فيها فرس، فلم يبق في العسكر أحد إلا ركب ينظر، وجاءوا إلى الفرس وهو غريق في العجين ما يبين منه إلا رأسه وعنقه، فما أخرج إلّا بالعمد والحبال وغلب عليه عكرمة.
٢٠٩- كان للحسن بن سهل غريم له عليه مال كثير، فعلق به وصار به إلى ابن أبي داود فلم يقدر أن يمتنع عليه، وكان ابن أبي داود يريد أن يضع من الحسن، فصادفه قد ركب يريد دار الواثق فقال: انتظرا عودي، وتباطأ عن العود ليزيد في إذلال الحسن، فجاء وكيل الحسن فدخل عليه، فقال له الحسن: بعت الضيعة؟ قال: نعم، قال: زن لهذا الغريم ماله، وسأل جماعة من حضر مجلس الحكم ممن عليه دين وهو ملازم به عمّا عليهم، فتقدم إلى وكيله بأن يزن عنهم جميع ما عليهم لغرمائهم، ففعل، وعاد ابن أبي داود فلم يجد الحسن ولا أحدا ممن كان عنده ملازما عنده بدين، فسأل عن الخبر فأخبر به، فانكسر وخجل، وصار بعد ذلك يصف الحسن بالجلالة والنبل.
_________________
(١) م: ويستغلبني.
(٢) زيادة من الأغاني.
[ ٢ / ١٠٥ ]
٢١٠- ولما أوقع الواثق بأحمد بن الخصيب وسليمان بن وهب جعل سليمان في يد عمر بن فرج الرخّجي، ثم وجّه إليه يوما: طالب سليمان بمائة ألف دينار يؤديها بعد الذي أخذ منه، فإن أذعن بها وإلا فجرّده واضربه مائة سوط، ولا تتوقف عن هذا لحظة واحدة، ففعل عمر ما أمره به، فهو في ذلك إذ طلع عليه [١] محمد بن عبد الملك الزيات، وهو الوزير حينئذ وأبوه الوزير، وكانا عدوّيه، فلما رآهما سليمان أيقن بالهلاك، وعلم أنّ الجلّادين سيجوّدون [٢] ضربه لما يعرفون من عداوتهما له، فلما دنا منه محمد بن عبد الملك الزيات قال له: يا أبا أيوب ليس إلا؟ قال له سليمان: ليس إلا، فقال للجلادين حطّوه، ففعلوا، فقال: بكم تطالب؟ قال: بمائة ألف دينار وما أملك زكاتها، فقال له: اكتب خطّك بها، فقال: أكتب وليس معي ما أؤديه؟ فقال له: إنّ عمالك ما أدّوا شيئا ونحن نقسّط عليهم خمسين ألف دينار، ونلزم في أموالنا خمسين ألف دينار؛ ثم التفت إلى عمر فقال: ابعث من يقبض المال، ثم قالا [٣]: يا أبا أيوب إنا على جملتنا في عداوتك، وإنما فعلنا هذا للحرية، وأن تكون وأنت حرّ على مثل هذه الصورة فلا نتخلّصك، فلا تعتقد غير هذا.
٢١١- ويشبه هذا ما ذكر أنّ أحمد بن المدبر لما اجتمع الكتّاب عليه وخانوه حتى نفي إلى أنطاكية وخرج إلى مضربه بظاهر سرّ من رأى أتاه المعلّى ابن أيوب وكان من أعدى الناس له، فقال له: قد عرفت حالك وشغل قلبك بمخلّفيك وضيعتك، فلا تهتمّ بشيء من ذلكم ولا تفكّر فيه، فإنني النائب عنك في جميعه حتى لا تبالي ألا تكون حضرته، وهذه سبعة آلاف دينار
_________________
(١) عليه: سقطت من ر م.
(٢) م: سيجيدون.
(٣) م: قال.
[ ٢ / ١٠٦ ]
استعن بها في طريقك، فشكره ابن المدبر غاية الشكر وسرّ بعود مودته وصفائه، فقال له المعلّى: لا تظنّ ذلك فما كنت قطّ أشدّ عداوة مني الساعة، ولكنّ عداوتي لك ما دمت مقيما معنا في بلدنا، فإذا خرجت وكفينا شرّك فنحن لك على ما ترى من المودّة، ومتى عدت إلى الحضرة عدنا إلى ما عرفت من العداوة.
«٢١٢» - كان على بني تميم حمالات فاجتمعوا فيها إلى الأحنف، فقال الأحنف: لا تعجلوا حتى يحضر سيدكم، قالوا: ومن سيدنا غيرك؟ قال:
حارثة بن بدر، وكان حارثة قد قدم قبل [١] ذاك بمال عظيم من الأهواز، فبلغه ما قال الأحنف فقال: أغرمنيها ابن الزافريّة، ثم أتاهم كأنه لم يعلم فيم اجتمعوا فأخبروه، فقال: لا تلقوا فيها أحدا، هي علي، ثم أتى منزله فقال: [من الكامل]
خلت البلاد فسدت غير مسوّد ومن العناء تفرّدي بالسؤدد
«٢١٣» - جاء الإسلام ودار الندوة بيد حكيم بن حزام، فباعها من معاوية بمائة ألف درهم، فقال له عبد الله بن الزبير: بعت مكرمة قريش، فقال: ذهبت المكارم إلا من التقوى يا ابن أخي، إني اشتريت بها دارا في الجنة، أشهدك أني جعلت ثمنها في سبيل الله (وقد ورد هذا الخبر بغير هذه
_________________
(١) م: قبيل.
[ ٢ / ١٠٧ ]
الألفاظ وفيه زيادة ونقصان) [١] .
«٢١٤» - حجّة جميلة بنت ناصر الدولة أبي محمد بن حمدان أخت أبي تغلب صارت تاريخا مذكورا، حجت سنة ست وثمانين وثلاثمائة [٢] فسقت أهل الموسم كلّهم السويق بالطبرزد والثلج، واستصحبت البقول المزروعة في المراكن على الجمال، وأعدّت خمسمائة راحلة للمنقطعين، ونثرت على الكعبة عشرة آلاف دينار، ولم يستصبح عندها وفيها الا بشموع العنبر، وأعتقت ثلاثمائة عبد ومائتي جارية وأغنت الفقراء والمجاورين.
«٢١٥» - جاء الإسلام وإنّ جفنة العبّاس لتدور على فقراء بني هاشم، وإن درته لمعلقة لسفهائهم، وكان يقال: هذا السؤدد، يشبع جائعهم ويؤدب سفيههم.
«٢١٦» - قال بعضهم: قدمت على سليمان بن عبد الملك، فبينا أنا عنده إذ نظرت إلى رجل حسن الوجه يقول: يا أمير المؤمنين والله لحمدها خير منها ولذكرها أحسن من جمعها، ويدي موصولة بيدك فابسطها لسؤالها خيرا؛ فسألت عنه فقيل: يزيد بن المهلب يتكلّم في حمالات حملها.
٢١٧- وفد دهقان أصفهان على معاوية فلم يجد من يكلّمه في حاجته، فقيل له: ليس لها إلا عبد الله [٣] بن جعفر، فكلّمه الدهقان وبذل له ألف ألف
_________________
(١) وقد ورد ونقصان: سقط من ر.
(٢) يبدو أن التاريخ خطأ (انظر التعليق: ٢١٤) .
(٣) م: عبد الرحمن.
[ ٢ / ١٠٨ ]
درهم، فكلم معاوية فقال: قد أردنا أن نصلك بألف ألف درهم فربحناها، فقال عبد الله: قد ربحت وربحنا شكر الدهقان. فلما قضى حاجته أكبّ عليه الدهقان يقبّل أطرافه ويقول: أنت قضيتها لا أمير المؤمنين، وحمل إليه المال فقال: ما كنت لآخذ على معروفي أجرا، وبلغ الخبر معاوية فبعث إليه ألف ألف درهم فلم يقبلها وقال: لا أقبل ما هو عوض عما تركت، فقال معاوية:
لوددت أنه من بني أمية وأنّي مخزوم ببرة.
«٢١٨» - أصاب الناس بالبصرة مجاعة [١]، فكان ابن عامر يغدّي عشرة آلاف ويعشّي مثلهم حتى تجلّت الأزمة فكتب إليه عثمان يجزّيه خيرا، وأمر له بأربعمائة ألف معونة على نوائبه، وكتب إليه: لقد رفعك السؤدد إلى موضع لا يناله إلا الشمس والقمر، فتوخّ أن يكون ما أعطيت لله فإنه لا شرف إلا ما كان فيه وله.
«٢١٩» قدم سليمان بن عبد الملك المدينة فأهدى له خارجة بن زيد بن ثابت ألف عذق موز، وألف قرعة عسل أبيض، وألف شاة، وألف دجاجة، ومائة إوزة، ومائة جزور، فقال سليمان: أجحفت بنفسك يا خارجة، قال: يا أمير المؤمنين قدمت بلد رسول الله ﷺ ونزلت في أهل بيتي مالك بن النجار، وأنت ضيف، وإنما هذا قرى، فقال: هذا وأبيكم السؤدد. ثم سأل عن دينه فقيل خمسة وعشرون ألف دينار، فقضاها عنه وأعطاه عشرة آلاف دينار.
«٢٢٠» - حرم الحجاج الشعراء في أوّل مقدمه العراق، فكتب إليه عبد
_________________
(١) م: مجاعة بالبصرة.
[ ٢ / ١٠٩ ]
الملك أجز الشعراء فإنهم يحبّون مكارم الأخلاق ويحرّضون على البرّ والسخاء، نظر إلى هذا المعنى أبو تمام فقال: [من الطويل]
ولولا خلال سنّها الشعر ما درت بغاة العلى من أين تؤتى المكارم
وقال ابن الرومي: [من الطويل]
وما المجد لولا الشعر إلا معاهد وما الناس إلا أعظم نخرات
«٢٢١» قيل لبزرجمهر: أيّ شيء نلته أنت به أشدّ سرورا؟ قال: قوّتي على مكافأة من أحسن إليّ.
«٢٢٢» - وسئل الإسكندر عن أفضل ما سرّه من مملكته فقال: اقتداري على أن أكثر الإحسان إلى من سبقت منه حسنة إليّ.
«٢٢٣» - حبس داود كاتب أمّ جعفر وكيلا لها عليه في حسابه مائتا ألف درهم، فكتب الوكيل إلى عيسى [بن داود] وسهل بن صباح [١] وكانا صديقيه يسألهما الركوب إلى داود في أمره، فركبا إليه، فلقيهما الفيض بن أبي صالح فسألهما عن قصدهما فأخبراه، فقال: أتحبّان أن أكون معكما؟ قالا: نعم، فصاروا إلى داود فكلّموه في إطلاق الرجل، فطالع أمّ جعفر بحضورهم وسؤالهم، فوقّعت في الرقعة تعرّفهم ما وجب لها من المال وتعلمهم أنّه لا سبيل إلى إطلاقه دون أداء المال، قال: فاقرأهم التوقيع واعتذر، فقال عيسى وسهل: قد قضينا حقّ الرجل، وقد أبت أمّ جعفر أن تطلقه إلا بالمال،
_________________
(١) م: الصباح.
[ ٢ / ١١٠ ]
فقوموا بنا ننصرف، فقال لهما الفيض: كأننا إنما جئنا لنؤكد حبس الرجل، قالا له: فما نصنع؟ قال: نؤدي المال عنه؛ ثم أخذ الدواة وكتب إلى وكيله في حمل المال عن الرجل ودفع الكتاب إلى داود وقال: قد أزحنا علّتك في المال فادفع إلينا صاحبنا، قال: لا سبيل إلى ذلك حتى أعرّفها الخبر، فكتب إليها فوقعت في رقعته: أنا أولى بهذه المكرمة من الفيض، فاردد عليه كتابه بالمال، وادفع إليه الرجل، وقل له: لا يعاود مثل ما كان منه. قال: ولم يكن الفيض يعرف الرجل وإنما أراد مساعدة صاحبيه في حقّه.
«٢٢٤» - وحكي أنّ الفيض بن أبي صالح وأحمد بن الجنيد وجماعة من العمال والكتّاب خرجوا من دار الخليفة منصرفين إلى منازلهم في يوم وحل، فتقدم الفيض وتلاه أحمد فنضح دابة الفيض على ثياب أحمد من الوحل، فقال أحمد للفيض: هذه والله مسايرة بغيضة، لا أدري بأي حقّ وجب لك التقدم علينا، فلم يجبه الفيض عن ذلك بشيء ووجه إليه عند منصرفه إلى منزله بمائة تخت في كلّ تخت قميص ومبطّنة وسراويل وطيلسان ومع كلّ واحد عمامة أو شاشية، وقال لرسوله: قل له أوجب التقدم لنا عليك أنّ لنا مثل هذا نوجّه به إليك عوضا مما أفسدناه من ثيابك، فإن كان لك مثله فلك التقدم علينا، وإلا فنحن أحقّ بالتقدم منك.
٢٢٥- حدث أبو الهيثم الرحبي من حمير قال: كان رجل من ذي مناخ، وهم بطن من ذي كلاع، يقال له جميم [١] بن معدي كرب، جوادا فأشفى جوده على ماله، فتدارأت بطون من ذي الكلاع في أمواه لهم، وكانت بينهم دماء، ثم تداعوا إلى الصلح وتعاقل الدماء وأن يبيئوا الدم بالدم، ويؤدّوا ما فضل، ففضلت إحدى الطائفتين بسبع ديات فحملها جميم، فسعى في
_________________
(١) م: حميم.
[ ٢ / ١١١ ]
عشيرته فتدافعوه، فأدّى ديتين فاستوعبتا ماله، فخرج ضاربا في الأرض حتى أوغل في مفاوز اليمن. قال أبو الهيثم: فحدثني شيخان منّا ممن أدركه وسمع حديثه من فلق فيه [١]، قال: بينا أنا ذات عشيّة في بعض تلك الأغفال [٢] أوائل الليل إذ حبا لي نشء [٣] فألبس الأفق، فهمهم وتهزّم، وأطلّت أعاليه وتلاحقت تواليه، وبرق فخطف، ورعد فرجف، وأشرفت على الهلاك، وإني مع ذلك لسخيّ بنفسي أودّ لو هلكت لأعذر، والنفس مجبولة على طلب النجاة، فملت لأقرب الجبال مني لأعتصم بلجأ منه، فلما سندت في سفحه عرض لي غار غامض، فأطمأننت إليه، فإذا نار كالمصباح تخبو تارة وتضيء أخرى، واحتفل السحاب وشري [٤] المطر، فاندفعت في الغار فأنخت في أدناه، فإذا نار في لوذ منه، فعقلت مطيتي وأخذت سيفي وولجت، لكني هجمت على شويخ [٥] يوقد نويرة وبين يديه حمار قد قيّده ونبذ له أضغاثا فقلت: عم ظلاما، فقال:
نعم ظلامك، من أنت؟ فقلت: خابط ضلال ومعتسف أغفال، فقال:
أعاف أم باغ [٦]؟ فقلت: بل راكب خطار، وخائض غمار، تؤدي إلى بوار، فقال: إنّك لتنبىء عن شرّ، ليفرخ روعك، اجلس وخفّض عليك وتطامن، فلما اطمأننت قال: قرّب مطيّتك واحطط رحلها، واعضد لها من أغصان السّمر المتهدل على فجوة هذا الغار، ففعلت، ثم أقبلت إليه [٧] فجلست، فاستنبث [٨] رمادا إلى جانب موقده فاختفى [٩] خبزة فلطمها بيده حتى
_________________
(١) فلق: بكسر الفاء وفتحها أي شق فمه.
(٢) الأغفال: الأراضي ليس فيها أعلام.
(٣) حبا: دنا واعترض؛ والنشء: أول ما ينشأ من السحاب.
(٤) شري: عظم واشتد.
(٥) م: شيخ.
(٦) العافي: طالب الرزق؛ والباغي: المتجاوز ما يحق له.
(٧) م: عليه.
(٨) م: واستنبش.
(٩) اختفى: نبش عن الشيء حتى أظهره.
[ ٢ / ١١٢ ]
أبرز عن صميمها، وقرّب صحفة له، فكسر الخبزة فيها واستخرج نحيا [١] من خرج إلى جانبه فنكب [٢] على الخبزة سمنا حتى سغبلها [٣]، ثم قرّبها مني فأكلت وأكل حتى انتهيت وأتى على ما فيها، ثم اضطجع وقال لي: نم آمنا واثقا بأنّك غير موّرّق ولا محقق، فاضطجعت، وطبن من ناره [٤]، واستوثق من عقال حماره وقال لي: أرّب [٥] عقال مطيتك، ففعلت، وبتّ [٦] ناعم البال، وكأن الأين قد وقذني فغلبتني عيناي هزيعا من الليل، ثم أزعج الخوف النوم وأتتني هماهم ولم آمن اغتيال الرجل، ثم ضربت بجروتي [٧] ثم قلت: واثكل أماه، ما هذا الوهل [٨]؟! والله إنه لأعزل وإني لمستلئم [٩]، وإنه لمتسعسع [١٠] وإنّ فيّ لبقية شباب، فلما أحسّ بالصبح استيقظ فأرّث نارا وشبّها وقال:
أنائم أنت؟ فقلت: بل كميع [١١] أرق وضجيع قلق، قال: ولم، وقد تقدم مني ما سمعت وأنا به زعيم [١٢]؟ وفي كلّ ذلك لا يسألني عن نسبي، ثم استخرج مزودا فيه طحن [١٣]، فقمت لأتكلّف ذلك عنه، فقال: اقعد فانك ضيف، وإنه للؤم بالرجل أن يمتهن ضيفه، فاعتجن طحنه [١٤] في جفنته وكفأ
_________________
(١) النحي: السقاء أو الزق.
(٢) نكب: هراق وصبّ.
(٣) سغبلها: روّاها.
(٤) طبن النار: دفنها كي لا تطفأ.
(٥) أرّب: اشدد.
(٦) م: ونمت.
(٧) ضرب بجروته: وطن نفسه وصمم.
(٨) الوهل: الفزع.
(٩) مستلئم: لابس لأمة.
(١٠) متسعسع: هرم مضطرب من الكبر.
(١١) كميع: مضطجع.
(١٢) زعيم: كفيل.
(١٣) م: طحين.
(١٤) م: طحينه.
[ ٢ / ١١٣ ]
عليها صحفته ثم مال إلى جانب من الغار فاحتمل أضغاثا من يبيس فألقاها لحماره، ثم استخرج معضدا من تحت وساده، وخرج إلى فم الغار فخطرف [١] ما استطفّ [٢] له من الشجر والسّلم فألقاه لناقتي، وجلس يحادثني ويفاكهني ويناشدني الأشعار المؤسيّة، ويصف لي صروف الأيّام وتقلّبها بالرجال، فكأنه كان في نفسي أو قد بطن أمري، فلما ظنّ أنّ خبزته قد آنت استخرجها، ثم فعل كفعله أوّل الليل، فلما صددت أتى على باقي الخبزة، ثم قام فخرج من الغار، ثم رجع فقال: قد تقطّع أقران الحفل [٣] وطحرت الريح الجفل [٤]، ووضح الحزن من السّهل فقم فارحل، ثم قذف رحالته على حماره، وقمت فارتحلت، وخرج وخرجت [٥] أتبعه حتى دلكت الشمس أو كربت [٦] ثم أشرفنا على واد عظيم شجير، وإذا نعم ما ظننت أنّ الأرض تحمل مثله، فهبط الوادي وتصايحت الرّعاء وأقبلوا [٧] إليه من كل أوب حتى حفّوا به، وسار في بطن الوادي حتى انتهى إلى قباب متطابنة [٨]، فمال إلى أعظمها فنزل، وتباعد الأعبد فحطّوا رحلي وقادوا مطيتي وألقوا إلي مثالا، وقال: نم ليتسبخ لغوبك [٩] فنمت آمنا مطمئنا حتى تروّيت، ثم هببت وإذا عبد موكّل بيه، فقال لي: انهض إن أردت المذهب [١٠]، فقمت وقام معي بإداوة حتى أولجني خمرا وأدبر عني، فلما أحسّ بفراغي أقبل فحمل الإداوة وردّني إلى مثالي،
_________________
(١) خطرف: ضرب.
(٢) استطف: دنا.
(٣) الأقران: الحبال، والحفل: اجتماع الماء؛ والمعنى قد انقطع المطر.
(٤) م: وطرحت، وطحرت: فرّقت. والجفل: السحاب الذي هراق ماءه.
(٥) م: وخرجت معه.
(٦) دلكت الشمس: غربت؛ أو كربت أو كادت.
(٧) م: وأقبلت.
(٨) الطّبن: البيت؛ ولعلّ متطابنة بمعنى متقاربة أو متطامنة.
(٩) م: لتنسخ؛ ويتسبخ: تخف شدته؛ واللغوب: التعب.
(١٠) المذهب: قضاء الحاجة.
[ ٢ / ١١٤ ]
وإذا الشيخ قد أقبل ومعه عبدان يحملان جفّنتين، فقلت: والله ما بي إلى الطعام من حاجة، فقال: لا بدّ منه، فلما فرغنا من غدائنا قال: هات الآن خبرك، فأخبرته، فقال لبعض عبيده: أوف ذلك النّدّ فألمع بنيّ [١]، فكلا ولا ما كان إذا عجاجة مستطيرة وإذا عشرون فارسا تنكدر بهم خيولهم وقفوا عليه، فأمرهم بالنزول فنزلوا واقتصّ عليهم قصتي، وقال: ما عندكم لابن عمكم؟
قالوا: مرنا بأمرك فقال: خمس ديات يؤديها وثنتان شروى ما رزئه، فو الله ما أمسيت حتى أنيخت بفنائه، ورجع بنوه، وبتّ بأنعم مبيت، فلما أصبح قال لعبيده: عليّ عشرة يوردون هذا الابل بلاد هذا الرجل، ثم هم له إن شاء أعتق وإن شاء أرقّ، فانتدب له عشرة كالذئاب فوقفوا بين يديه، فقال لعبد آخر: هلمّ ما قبلك، فما راث أن جاء بمائة كالهضاب قال: وهذه لك من لدنّي، وارحل راشدا إلى أرض قومك، فقلت له: يا ابن عمّ إنه للؤم أن تقلّدني مثل هذه المنّة ولا أعرف لك اسما ولا نسبا قال: أنا محمية ابن الأدرع أحد بني هزّان.
«٢٢٦» - كان يزيد بن مفرغ الحميريّ منفاقا كثير الدين وقدّمه غرماؤه إلى زياد مرات كثيرة فضجر وقال لغرمائه: بيعوه فقد نهيته أن يستدين فأبى، فأقاموه فنادوا عليه، فجعل الرجل يمرّ به فيؤدي عنه الألف والخمسمائة وأكثر وأقلّ، فمر به عبيد الله بن أبي بكرة فقال: مالك؟ فقال: أمر الأمير أن أباع في دين علي، قال: وكم دينك؟ قال: ثمانون ألفا، قال: هي عليّ، فقال يزيد بن مفرغ: [من السريع]
_________________
(١) أوف: إبت، وأشرف على؛ الند: التلّ الذاهب في السماء؛ ألمع: أشر؛ يريده أن يصعد على التلّ ويدعو أبناءه.
[ ٢ / ١١٥ ]
لو شئت لم تشقي ولم تنصبي عشت بأسباب أبي حاتم
عشت بأسباب الجواد الذي لا يختم الأموال بالخاتم
ما دون معروفك قفل ولا أنت لمن يلقاك بالحارم
الواهب الجرد بأرسانها والحامل الثّقل عن الغارم
والطاعن الطعنة يوم الوغى توقظ منها سنة النائم
بكفّ بهلول له نجدة ما إن لمن عاداه من عاصم
فوجه إليه بعشرين ألفا تمام المائة الألف.
«٢٢٧» - أتى الأخطل أسماء بن خارجة في خمس ديات ليحملهنّ فحملهن، ثم قال لبنيه وهم حوله: أقسمت عليكم إلّا حملتم له مثلها، فخرج الأخطل وهو يقول: [من الوافر]
إذا مات ابن [١] خارجة بن حصن فلا مطرت على الأرض السماء
ولا رجع البشير [٢] بخير غنم ولا حملت على الطّهر النساء
فيوم منك خير من رجال يروح عليهم [٣] نعم وشاء
وبورك في أبيك وفي بنيه [٤] إذا ذكروا ونحن لك الفداء
«٢٢٨» - ركب محمد بن إبراهيم الامام دين فركب إلى الفضل بن يحيى
_________________
(١) ع م: اذا ما مات خارجة.
(٢) الأغاني: الوفود.
(٣) الأغاني: كثير حولهم.
(٤) الأغاني: فبورك في بنيك وفي أبيهم.
[ ٢ / ١١٦ ]
ومعه حق فيه جوهر وقال له: قصّرت غلاتنا، وأغفل أمرنا خليفتنا، وتزايدت مؤونتنا، ولزمنا دين احتجنا لأدائه إلى ألف ألف درهم، وكرهت بذل وجهي للتجار وإذالة عرضي بينهم، ولك من يعطيك منهم، ومعي رهن ثقة بذاك، فإن رأيت أن تأمر بعضهم بقبضه وحمل المال إلينا، فدعا الفضل بالحق فرأى ما فيه وختمه بخاتم محمد بن إبراهيم ثم قال له: نجح الحاجة أن تقيم في منزلنا [١]، فقال له: إنّ في المقام عليّ مشقّة، قال له: وما يشقّ عليك من ذلك؟ إن رأيت أن تلبس شيئا من ثيابنا دعوت به، وإلا أمرت باحضار ثياب من منزلك، فأقام، ونهض الفضل فدعا بوكيله وأمر بحمل المال وتسليمه إلى خادم محمد بن إبراهيم وتسليم الحقّ الذي فيه الجوهر إليه بخاتمه وأخذ خطّه بقبضها، ففعل الوكيل ذلك، وأقام محمد عنده إلى المغرب وليس عنده شيء من الخبر، ثم انصرف إلى منزله فرأى المال، وأحضره الخادم الحقّ، فغدا على الفضل يشكره فوجده قد سبقه بالركوب إلى دار الرشيد، فوقف منتظرا له، فقيل له قد خرج من الباب الآخر قاصدا منزله، فانصرف عنه فلما وصل إلى منزله وجّه إليه الفضل ألف درهم آخر، فغدا عليه فشكره وأطال، فأخبره بأنه باكر إلى أمير المؤمنين فأعلمه حاله فأمره بالتقدير له ولم يزل يماكسه إلى أن تقرر الأمر معه على ألف ألف درهم، وأنه ذكر أنه لم يصلك بمثلها قطّ ولا زادك على عشرين ألف دينار، فشكرته وسألته أن يصكّ بها صكا بخطه ويجعلني الرسول، فقال له محمد: صدق أمير المؤمنين إنه لم يصلني قط بأكثر من عشرين ألف دينار، وهذا إنما تهيأ بك وعلى يدك، وما أقدر على شيء أقضي به حقّك ولا شكر أوازي به معروفك، غير أنّ علي وعليّ- وحلف أيمانا مؤكدة- إن وقفت بباب أحد سواك أبدا، ولا سألت حاجة أحدا غيرك ولو سففت التراب. فكان لا يركب إلى غير الفضل إلى أن حدث من أمرهم ما
_________________
(١) ع: منزلك: وسقطت من ر.
[ ٢ / ١١٧ ]
حدث، فكان لا يركب إلى غير دار الخليفة ويعود إلى منزله، فعوتب بعد تقضي أيامهم في [ترك] [١] إتيان الفضل بن الربيع فقال: والله لو عمّرت ألف سنة ثم مصصت الثماد؟؟؟ ما وقفت بباب أحد بعد الفضل بن يحيي ولا سألت أحدا بعده حتى ألقى الله ﷿، فلم يزل على ذلك حتى مات.
«٢٢٩» - قال يحيى بن خالد: بلغت العطلة من أبي ومني وتوالت المحن علينا وأخفقنا حتى لم نهتد إلى ما ننفقه، فلبست يوما لأركب وأتنسّم الأخبار واتفرج، فقالت لي أهلي: أراك على [نية] [٢] الركوب؟ قلت: نعم، قالت: فاعلم أنّ هؤلاء الصبيان باتوا البارحة بأسوأ حال، وإني ما زلت أعلّلهم بما لا علالة فيه وما أصبحت ولهم شيء، ولا لدابتك علف، ولا لك ما تأكل، إذا انصرفت فينبغي أن يكون بكورك وطلبك بحسب هذه الحال، فقطعتني عن الحركة ورميت بطرفي فلم أر إلا منديلا طبريا كان أهدي إليّ، فأخرجته مع الغلام [٣] فباعه باثني عشر درهما، فاشترى به ما يحتاج إليه من القوت وعلف الدابة، وركبت لا أدري أين أقصد، فإذا بأبي خالد الأحول وهو خارج من درب ومعه موكب ضخم، وهو يكتب يومئذ لأبي عبيد الله كاتب المهدي، فملت إليه وقلت له: قد تناهت العطلة بأخيك وبي إلى كذا، وشرحت له القصّة وهو مستمع لذاك ماض في سيره، فلما بلغ مقصده عدت ولم يقل لي حرفا، فعدت منكسرا منكرا على نفسي ما كشفت له من أمري، فلما كان اليوم الثاني بعت أحد قميصيّ وتبلّغنا به يومين، ولحقني من الوسواس ما خفت منه على نفسي، فخرجت لأبلي عذرا فلقيني رسول أبي خالد، فلما جئته قال لي:
_________________
(١) زيادة من الجهشياري.
(٢) زيادة من الجهشياري.
(٣) ر: فأخرجه الغلام؛ م: فأخرجه مع الغلام.
[ ٢ / ١١٨ ]
يا ابن أخي شكوت إليّ شكوى لم يكن ينفع في جوابها الا الفعل، ثم أحضر ابن حميد وزاهرا [١]، تاجرين كانا يبيعان الطعام، فقال لهما: قد علمتا أني بايعتكما البارحة ثلاثين ألف كرّ على أنّ ابن أخي هذا شريككما فيها بالسعر، ثم التفت إليّ فقال: لك في هذه الاكرار عشرة آلاف كر، فإن دفعا إليك ثلاثين ألف دينار ربحك، فآثرت أن تخرج إليهما من حصتك فعلت، وإن آثرت أن تقيم على هذا الابتياع فعلت، فانفردا معي وقالا: أنت رجل شريف، وليست التجارة من شأنك، وتحتاج في الابتياع إلى أعوان وكفاة، وبذلا لي ثلاثين ألف دينار ففعلت، واستصوب أبو خالد فعلي، وقلت لأبي: تأمر في المال بأمرك، فقال: أحكم عليك فيه حكم أبي خالد في التاجرين، فأخذ الثلث، واشتريت بالثلث عقدة، وأنفقنا الباقي إلى أن أدّت بنا الحال إلى ما أدّت.