هو محمد بن الحسن بن محمد بن علي بن حمدون المكنى بأبي المعالي؛ ويبدو أن لا علاقة له ولأسرته بأسرة حمدون النديم الذي كان هو وأبناؤه ندماء لعدد من خلفاء بني العباس «٢»؛ واشتهر من هذه الأسرة الثانية حمدون نفسه واسمه ابراهيم بن اسماعيل وكان نديما للمتوكل، وابنه أحمد أبو عبد الله وكان نديما للمتوكل ومن بعده من الخلفاء وله عدد من المؤلفات، وأبو محمد ابن حمدون الذي نادم المعتمد وتوفي سنة ٣٠٩، وأبو العنبس بن أحمد وابنه ابراهيم وكانا مشهورين بجودة الغناء. وقد أنكر هذه العلاقة بين الأسرتين ابن صاحب التذكرة حين سأله ياقوت قائلا: حمدون الذي تنسبون إليه: أهو حمدون نديم المتوكل ومن بعده من الخلفاء؟ فقال: لا، نحن من آل سيف الدولة بن حمدان بن حمدون من بني تغلب «٣»، وسواء أصحّ هذا الذي يقوله ابن صاحب التذكرة من حيث الصلة بالحمدانيين أم لم يصح فليس في سلسلة نسب صاحب التذكرة ما يصله بأسرة بني حمدون الندماء.
[ ١ / ٥ ]
وقد اتفقت المصادر على أن أسرة صاحب التذكرة كانت مشهورة بالرياسة والفضل «١»؛ وتفرد المنذري بقوله: «بالرياسة والرواية والكتابة» «٢» ويبدو أن الفضل في تأثيل الرياسة لهذه الأسرة لا يعود إلى أبعد من والد صاحب التذكرة أعني الحسن بن محمد بن علي، إذ لا تذكر المصادر شيئا عن الجدّ؛ وإنما تعزو إلى الحسن المكنى بأبي سعد بداية تلك السيادة حين تتحدث كيف أنه كان من شيوخ الكتاب والعارفين بقواعد التصرّف والحساب، وأنه ألّف كتابا في معرفة (أو تصريف) الأعمال، مما يدلّ على رسوخ قدم في شؤون الدواوين، ويوم توفي أبو سعد في جمادى الأولى سنة ٥٤٦، أي في خلافة المقتفي لأمر الله (٥٣٠- ٥٥٥) كان طاعنا في السن «٣» .
وقد عرّفتنا المصادر بثلاثة من أبناء أبي سعد أكبرهم يسمى أيضا محمدا ويفترق عن أخيه بكنيته ولقبه؛ فهو أبو نصر غرس الدولة، ولد سنة ٤٨٨ «وكان من العمّال» وكتاب الدواوين، كتب في الديوان من سنة ٥١٣- ٥٤٥ ولم يثبت كثيرا من رسائله لأنه كان يمليها ارتجالا، وعرف بتقريبه ومصاحبته لأهل الصلاح والخير، وكانت وفاته سنة ٥٤٥ أي قبل وفاة أبيه بنحو خمسة أشهر، وله من المؤلفات كتاب رسائل، وتاريخ الحوادث «٤»؛ وأوسط الإخوة- فيما أقدّر- هو أبو المظفر، ولعله كان يسمى محمدا أيضا، ولكن المصادر لا تتحدث عنه بشيء؛ وثالث الإخوة هو محمد أبو المعالي الذي شهر بكتاب «التذكرة» .
ولد محمد أبو المعالي في رجب سنة ٤٩٥ أي في خلافة المستظهر بالله (٤٨٧- ٥١٢) وكان في حوالي الثامنة عشرة من عمره يوم توفي هذا الخليفة،
[ ١ / ٦ ]
وعاصر خلافة المسترشد (٥١٢- ٥٢٩) والراشد (٥٢٩- ٥٣٠) والمقتفي (٥٣٠- ٥٥٥) وجانبا من خلافة المستنجد (٥٥٥- ٥٦٦) .
ولا نسمع بشيء عنه قبل خلافة المقتفي، ولكنا لا نستطيع أن نقدر أنه ظلّ حتى بداية عهد المقتفي، وسنّه يومئذ تناهز السادسة والثلاثين، عاطلا عن العمل وقد كان أبوه وأخواه قد مهّدوا له الطريق إلى وظائف الدولة؛ ولا بد من أن تكون وظيفة «عارض الجيش» التي تولاها في عهد المقتفي «١» درجة من درجات الترقي في وظائف الدولة. وفي سنة ٥٥٨ وفي خلافة المستنجد خلت وظيفة صاحب ديوان الزمام بعد عزل أبي المظفر محمد بن عبد الله، فخلفه عليها أبو المعالي «٢»، ولعله لم يدم فيها أكثر من ثلاث سنوات، فقد تغيرت نفس الخليفة عليه، وكان كتابه التذكرة، فيما يقال، سببا في ذلك. وكل ما يقوله العماد الأصفهاني في هذا الصدد- وعنه ينقل سائر المصادر- أن الإمام المستنجد وقف في الكتاب «على حكايات ذكرها نقلا عن التواريخ توهم في الدولة غضاضة، ويعتقد للتعرض فيها عراضة، فأخذ من دست منصبه وحبس، ولم يزل في نصبه إلى أن رمس» «٣» . وليس في مقدورنا اليوم أن نحدّد- على وجه الدقة- طبيعة التهمة الموجهة إلى ابن حمدون، ولا تعيين النصوص التي ظنها المستنجد غمزا وتعريضا، وربما لم نستطع ذلك حتى بعد رؤية جميع أجزاء التذكرة محققة والقيام بدراسة محتوياتها ودلالاتها، فقد كانت هذه الأسرة تعيش في كنف العباسيين، وتنعم بعطفهم، وإن أظهر الجزء الأول من التذكرة بعض ميل إلى العلويين؛ فأكبر الظنّ أن هذا الميل كان معروفا لدى الخلفاء الذين عمل لهم بنو حمدون، وهو شيء موروث من بني حمدان إن صحت النسبة إليهم، وذلك لم يكن أمرا يحاسب
[ ١ / ٧ ]
عليه أصحابه، ويودعون في غياهب السجون؛ وربما افترضنا أنّ الخليفة المستنجد الذي جعل لابن حمدون مكانة خاصة وكفل له تقدما في حضرته واختصاصا بخدمته «١» أخذ عليه بعض التقصير في شؤون العمل أو الاستخفاف ببعض الآيين، فأخرج غضبه في صورة أخرى، حرّضه عليها بعض الحاسدين، حين نبهه إلى أن ذلك «الموظف» غير المخلص يغمز من الدولة التي يعمل في ظلها، فيما جمعه من أخبار وقصص في كتابه، فأمر بحبسه؛ أما مدة ذلك الحبس فلا تتحدث عنها المصادر، ولعلها صادفت لديه مرضا وقهرا نفسيا فقضى نحبه في أوائل سنة ٥٦٢ (حسب قول العماد وابن خلكان) أو في الحادي عشر من ذي القعدة سنة ٥٦٢ (حسب قول ابن الدبيثي)، ودفن في مقابر قريش «٢»؛ وفي ظلّ خدمته للدولة كان يلقب بكافي الكفاة أو كافي الدولة كما كان يلقب ببهاء الدين «٣» .
عرف ابن حمدون بالفصاحة «٤» والمعرفة التامة بالكتابة والأدب، كما وصف بأنه كان كريم الأخلاق حسن العشرة وأنه «كلف باقتناء الحمد وابتناء المجد» «٥» ويستفاد من كلمة للعماد أنه كان يقرب أهل الأدب ويشملهم بعطفه «٦»؛ وتدلّ التذكرة على أنه كان شغوفا بالأدب والتاريخ إلى جانب ما يحتاج إليه «الكاتب» من فروع الثقافة الأخرى؛ ولا بدّ لمن يؤلف مثل التذكرة أن يكون شغوفا بجمع الكتب، فالتذكرة إنما هي في نهاية الأمر ثمرة المطالعة والتقييد لما يستحسنه المطالع، وقد نقدر أن هذا النحو من النشاط كان مجالا لارتياح ابن حمدون من أعباء الوظيفة، كلما خلا إلى نفسه، كما أن الحكايات في التذكرة
[ ١ / ٨ ]
كانت زادا له في صحبته للخلفاء وبرهانا على حسن اطلاعه واتساع حدوده.
ولا تذكر المصادر من الشيوخ الذين أخذ عنهم أبو المعالي سوى اسماعيل بن الفضل الجرجاني، وقد أخذ عنه الحديث، وذكر ابن الدبيثي أنه روى عنه بسند ينتهي إلى ابن عباس «أمرنا رسول اللهﷺ- باسباغ الوضوء، ونهانا- ولا أقول نهاكم- أن نأكل الصدقة ولا ننزي حمارا على فرس» «١» . أما الذين سمعوا منه ففيهم: أحمد بن طارق القرشي وأبو المعالي أحمد بن يحيى بن هبة الله وأبو العباس أحمد بن الحسن العاقولي وابن صاحب التذكرة أبو سعد الحسن (الذي حمل اسم جده وكنيته) .
وقد كان أبو المعالي يحاول شيئا من النظم، وأورد له العماد في الخريدة ثلاث مقطعات: احداها في وصف مروحة الخيش (على طريقة اللغز) والثانية في المدح، والثالثة في الهجاء، وهذه المقطوعة الثالثة تدلّ على خفة روح وميل إلى الدعابة، وفيها يقول «٢»: [من الرمل]
يا خفيف الرأس والعقل معا وثقيل الروح أيضا والبدن
تدعي أنك مثلي طيب؟ طيب أنت ولكن بلبن
واعتمدت المصادر على ما أورده العماد فلم يرد فيها شيء من الشعر زيادة عما أورده.
وقد ورث ابنه الحسن أبو سعد المولود في صفر سنة ٥٤٧ «٣»، الشغف بالكتب من أبيه أبي المعالي، يقول فيه ياقوت: «وكان من المحبين للكتب واقتنائها، والمبالغين في تحصيلها وشرائها، وحصل له من أصولها العتيقة وأمهاتها المعينة ما لم يحصل أحد للكثير» «٤» . وبعد أن تولى هذا الابن عدة ولايات مثل
[ ١ / ٩ ]
النظر في البيمارستان العضدي، وكتابة السكة بالديوان العزيز، قعد به الدهر، وأخذ يبيع كتبه لينفق من ثمنها على معيشته، ويصف ياقوت مبلغ حزنه عليها وبكائه لفراقها وصفا مؤثرا؛ وقد كان أبو سعد هذا ذا خط رائق كتب به كثيرا من الكتب الكبار والصغار وصححها على المشايخ الذين لقيهم «١»، وأحدثت له حادثة السجن التي تعرض لها أبوه «عقدة نفسية» فقد صنّف عددا من الكتب لم يجرؤ على إظهارها «خوفا مما طرق أباه» «٢» . وهذا يدل على أن ما رواه العماد عن سبب سجن صاحب التذكرة كان مما اعتقده أهله، وراج بين الناس. وقد توفي أبو سعد تاج الدولة هذا في سنة ٦٠٨ ودفن بمقبرة موسى بن جعفر بباب التبن من بغداد؛ وبه وبأبيه يصحّ القول بأن تلك الأسرة شهرت بالرواية مثلما شهرت بسائر أفرادها بالرياسة وبالكتابة.