لا ريب في أن جامع هذا الكتاب هو أبو المعالي محمد بن الحسن، وإن وهم في ذلك أبو شامة فنسب جمعه إلى ابنه «٣» وكذلك فعل الذهبي «٤»، وهو كتاب ضخم ذكر الصفدي (وعنه الكتبي) أنه في اثني عشر مجلدا «٥»، وقد ذكر العماد أنه كتاب كبير «جمع فيه الغث والسمين والمعرفة والنكرة»، كما ذكر المنذري أنه مشهور وأنه أجاد فيه وأحسن، وقال الدبيثي يحتوي على فنون أجاد فيه وأحسن في جمعه، وقال ابن خلكان: «من أحسن المجاميع يشتمل على التاريخ والأدب والنوادر والأشعار لم يجمع أحد من المتأخرين مثله وهو مشهور بأيدي الناس كثير الوجود، وهو من الكتب الممتعة» . وليس بين هذه الأقوال فروق، فهي تترادف أو يكمّل بعضها بعضا، وقد يكون قول العماد «جمع فيه
[ ١ / ١٠ ]
الغث والسمين والمعرفة والنكرة» موهما بمناقضته لقول غيره: أحسن فيه أو أجاد فيه، ولكن لا تناقض هنالك، والأمر في ذلك نسبي، بحسب الزاوية التي ينظر الناظر منها إلى ذلك الكتاب؛ وابن حمدون لم يزعم أنه يجمع- في كل الأحوال- أجود المختارات من الشعر والنثر، وإنما كان يقيد ما يظنه متصل المعنى بالباب الذي يعقده، وإن قال في مقدمته: «ونظمت فيه فريد النثر ودرره، وضمنته مختار النظم ومحبره، وأودعته غرر البلاغة وعيونها، وأبكار القرائح وعونها، وبدائع الحكم وفنونها، وغرائب الأحاديث وشجونها»، فهذا يعني أن الكتاب يحتوي من ذلك الكثير، ولكنه لا ينفي أن المخشلبة قد تقع أحيانا إلى جانب الدرة لتظهر الأولى مدى تفرد الثانية.
وربما لمس المرء في مقدمة التذكرة أن ابن حمدون كان يعاني نوعا من العزلة حين أخذ في جمع مادتها، مؤثرا عشرة الكتب على عشرة الآدميين، فهو يقول إنه أخذ في وضع كتابه حين «فسد الزمان وخان الاخوان، وأوحش الأنيس، وخيف الجليس، وصار مكروه العزلة مندوبا، ومأثور الخلطة محذورا»، وكانت غايته من وراء ذلك- بعد التسلية الذاتية- أن يقدم للناس أمثالا وحكما وحكايات وأخبارا ونوادر، لعلهم يجدون في كل ذلك الترويح والمتعة والعبرة والتأدب والتثقف.
ولفظة «التذكرة» أقرب إلى أن تدل على مقيدات مرسلة لا يضبطها ضابط، تقف فيها الموعظة إلى جانب النادرة، إلى جانب الفائدة العلمية، إلى جانب التجربة الذاتية، ولكن ابن حمدون شاء لتذكرته التبويب، فقسمها في خمسين بابا وجعل كلّ باب يحتوي على فصول، فاخضاع التذكرة لهذا التنظيم الواعي قد جعل لها منهجا ومخططا شأنها شأن معظم كتب «الأدب» من أمثال عيون الأخبار والعقد الفريد ونثر الدرّ وبهجة المجالس ولباب الآداب ومحاضرات الراغب وربيع الأبرار والمستطرف؛ فكلها قائم على التقسيم إلى فصول، ولكنها تتفاوت فيما بينها في شيئين: في طبيعة ما تركّز عليه من توجّه، كالتوجّه الأخلاقي أو الأدبي مثلا، وفي طبيعة ما تنفرد به رجاء الخروج من دائرة النقل
[ ١ / ١١ ]
المستمرّ عن عدد محدد من المصادر السابقة. ويكاد كتاب البصائر والذخائر لأبي حيان- من دون غيره من كتب الأدب- أن يستحق اسم التذكرة لأنه لا يخضع لأي تبويب منظم أو خطة تصنيفية؛ ولكن دين تذكرة ابن حمدون للبصائر ولنثر الدرّ واضح تماما، فعن الأول أخذ ناحية البدء بالأدعية في مطلع كل باب، ولكن شتان ما بين تلك الأدعية الأدبية الجميلة التي يصدر بها أبو حيان كل جزء من البصائر وبين الأدعية العادية التي يجعلها ابن حمدون دلالة على محتوى الباب؛ هذا عدا عما استمده ابن حمدون من نقول عن البصائر، وربما كانت نقوله عن نثر الدر (وهو مدين للبصائر بالكثير) أكثر من نقله عن البصائر، ولكن اتفاق المؤلفين الآبي وابن حمدون في الميل الشيعي جعلهما يتحدان في طبيعة الترتيب للأبواب الأولى. فبعد البدء بالقرآن والحديث النبوي عند كليهما نجد المؤلفين يقدمان كلام علي والعترة النبوية على كلام سائر الصحابة والتابعين، ثم يفترقان بعد ذلك في طبيعة الترتيب العام، فبينا يعمد الآبي إلى قسمة كل كتاب من كتبه السبعة «١» إلى جزءين متوازيين من الجد والهزل؛ نجد الهزل يأتي في ذيل كل باب من الأبواب الخمسين عند ابن حمدون، (ما عدا الباب الثامن والأربعين فهو في النوادر والمجون)؛ وبما أن عدد الأبواب أكثر فإن كمية الهزل في التذكرة قد توازي كمية الهزل عند الآبي، ولكنها لا تستطيع أن ترجح بكمية الجد نفسه في التذكرة، ولهذا سبب واضح هو أنّ ابن حمدون يستغل الشعر في مؤلفه بقدر ما يستغل النثر أو أكثر، بينما لم يحفل الآبي بإيراد الأشعار.
وقد اختار ابن حمدون بداية وخاتمة طبيعيتين حين ابتدأ كتابه بالمواعظ والآداب الدينية وختمه بالأدعية، ثم وزع المادة على أبواب معينة، كلها يمكن أن ينتظمها اسم «الأدب» ما عدا الباب التاسع والأربعين المخصص للتاريخ؛ ومن يقرأ أسماء هذه الأبواب الباقية يجدها تقع تحت العنوانات الآتية:
[ ١ / ١٢ ]
١- الأبواب التي تتحدث عن الأخلاق كالسخاء والبخل والشجاعة والجبن والوفاء والغدر والصدق والكذب والتواضع والكبر والقناعة والحرص
الخ (الباب الرابع حتى الباب: ١٦) .
٢- الأبواب ذات النزعة الأدبية الشعرية: كالمدح والتهنئة والرثاء والهجاء والعتاب والوصف والغزل (الباب ١٧- الباب ٢٩) .
٣- الأبواب القائمة على فنون النثر: كالخطابة والكتابة والأمثال والأجوبة المسكتة (الباب ٣٠ حتى الباب ٣٣) .
٤- وبعد ذلك أبواب لا يربطها رابط وكان يمكن أن يدرج بعضها فيما تقدّم كالباب في الخمر (رقم: ٤٤) فإنه كان يمكن أن يلحق بالأبواب ذات النزعة الشعرية.
ومن الواضح أن هذا التنظيم كان شكليا في معظمه وذلك لتباعد الأبواب التي كان من الممكن أن تجيء متعاقبة، ولهذا لم تنج تقسيمات ابن حمدون من التداخل؛ خذ مثالا على ذلك الباب الثاني في الآداب والسياسة الدنيوية ورسوم الملوك، فإن هذا الباب لا يمكن أن ينفصل عن العدل والجور (وهو الباب الثاني عشر) وعن المشورة والرأي (وهو الباب الرابع عشر) وعن الحجاب (وهو الباب الحادي والأربعون) فكل هذه الأبواب تتصل بالسياسة (كما تتصل بغيرها) ولهذا عمد ابن قتيبة في عيون الأخبار إلى إيرادها متتابعة، وحذا حذوه في ذلك ابن عبد ربه في العقد.
ويمكن أن يقال إن التذكرة الحمدونية حيادية لا تنم عن ميل صاحبها، فليس فيها من ذاته إلا الاختيار- وهذا كثيرا ما يحكمه الموضوع- وظهور الميل الشيعي دون إسراف، وبعض الأدعية في فواتح الأبواب وهي من إنشائه؛ ولكن ابن حمدون لا يسجل فيها تجاربه ومشاهداته وقضايا عصره، ومن الجور أن نقرنه هنا بالبصائر الذي جعله أبو حيان معرضا لآراء أهل عصره ومشاكله وخصوماته ونزعاته، ولتجاربه الذاتية وآرائه فضلا عن ذوقه وجميل إنشائه؛ وقد قرأت كثيرا من أبواب التذكرة التي قد تحصلت لديّ مخطوطاتها فلم أجد ابن
[ ١ / ١٣ ]
حمدون يستشهد بشيء من هذه الأمور أو يتوقف كثيرا عندها؛ نعم وجدته يقول في بعض المواطن وهو يتحدث عن السخاء «١»: «وشاهدت اثنين أحدهما من أوساط الناس والآخر من فقرائهم، أما الأول فكان يجوع ويطعم، ويعرى ويكسو، ويتكسب بالتصرف، فيلبس القميص المرقوع، ويركب الدابة الضعيفة، لا زوجة له ولا ولد ولا عبد؛ وأما الثاني فرجل ضعيف يجتدي الناس في الأسواق، ويسألهم، ويجمع ذلك ينفقه على المحبوسين ويطعمهم ويسقيهم ويداوي مرضاهم، ويضع الأجاجين على الطرق يملأها ثريدا ويدعو الفقراء إليها وهو بقميص منخرق مكشوف الرأس، لا يعود على نفسه مما يحصله إلا ببلغته، فهذان يستحقان اسم الكرم»؛ ولكن أشباه هذا النصّ قليلة فيما أعتقد، أستثني من ذلك مؤقتا قسم التاريخ لأني لم أحصل عليه بعد. ولهذا يمكن أن يقال إن التذكرة في معظمها تمثل جهدا في النقل عن مصادر الأدب والتاريخ.