قال مسكين الدارمي:
ومطوي أثناء اللسان بعثته يخالُ النعاس في مفاصله خمرا
بأرضٍ كساها الليلُ ثوبًا كأنَّما كساها مُسوحًا أو طيالسةً خضرا
وقال محمد بن علي الفهمي:
والليل في ثوبٍ كأنَّ أديمه نفضتْ عليه سوادهنَّ جفونُ
مسودّة أقطاره فكأنَّه مطل تلاه نائل ممنونُ
والأرض شوهاء العراص كأنَّها صدٌّ إلى يوم النَّوى مقرونُ
والليلُ مكبوب عليه مطرقٌ ما يستفيقُ كأنَّه محزونُ
وقال علي بن الجهم:
كمْ قد تجهَّمني السُّرى وأزالني ليلٌ ينوءُ بصدرهِ متطاولُ
وهززتُ أعناقَ المطيَّ أسومها قصدًا ويحجبُها السوادُ الشاملُ
حتّى تولَّى الليلُ ثانيَ عطفه وكأنَّ آخره خضابٌ ناصلُ
[ ٩١ ]
وخرجتُ من أعجازه فكأنَّما يهتزُّ في بُرديَّ رمحٌ ذابلُ
ورأيتُ أغباشَ الدجى فكأنَّما حزقُ النَّعامِ ذُعرن فهي جوافلُ
الغبش: البقية من الليل، وقيل: ظلمة آخره، والحزق: الجماعات.
وحميتُ أصحابي الكرى وكأنَّهم فوقَ القلاصِ اليعملاتِ أجادلُ
وقال آخر:
ربَّ ليلٍ كالبحر هولًا وكالده ر امتدادًا وكالمداد سوادا
خضته والنجوم يوقدن حتّى أطفأ الفجرُ ذلك الإيقادا
قال أحمد بن محمد المصيصي:
كأنَّ بينَ هزيعيهِ نوًى قذفًا وبُعد ما بين قلب الصبِّ والجلدِ
كأنَّما فرقداه في ائتلافهما ياقوتتا ملكٍ أو ناظرا أسدِ
حتّى تنبَّه فجرٌ من خلال دجَى كأنَّه مقلةٌ زرقاء في رمدِ
البحتري:
ولقد بعثنا اليعملاتِ قواصدًا لفنائكَ المأنوسِ قصدَ الأسهمِ
تطوي الفيافي والنجومُ كأنَّها خلل الحنادسِ شعلةٌ في أدهمِ
وقال أبو فراس الحارث بن سعيد وأجاد:
لبسنا رداءَ الليلِ والليلُ راضعٌ إلى أنْ تردَّى رأسهُ بمشيبِ
وبتنا كغُصني بانةٍ عانقتهُما مع الصبحِ ريحًا شمألٍ وجنوبِ
إلى أن بدا ضوء الصباح كأنه مبادي نصولٍ في عذارِ
فيا ليلُ قد فارقتَ غيرَ مذمَّمٍ ويا صبحُ قد أقبلتَ غيرَ حبيبِ
وقال آخر:
زارني والدجى أحمّ الحواشي والثريا في الغرب كالعنقودِ
وكأنَّ الهلال طوق عروسٍ حلّ منها على غلائل سودِ
ليلةَ الوصل ساعدينا بطولٍ طوَّل اللهُ فيك غيظ الحسودِ
ومن أحسن ما قيل في استتار النجوم بالغيم قول أبي المعتصم:
وليلٍ كأنَّ نجوم السماء به أعينٌ رُنِّقت للهجوعِ
ترى الغيم من دونها حاجبًا كما احتجبت مقل بالدموعِ
وأحسن ما قيل في الهلال قول ابن المعتز:
وجاءني في قميصِ الليلِ مستترًا يستعجل الخطو من خوفٍ ومن حذرِ
ولاحَ ضوءُ هلالٍ كادَ يفضحهُ مثل القُلامةِ إذ قُصَّت من الظفرِ
وقال آخر:
وكأنَّ الهلال شطر سوارٍ والثريا كفّ تشير إليه
وقد أحسن أبو عبد الله بن الحجاج ما شاء في قوله:
يا صاحبيّ تنبّها من رقدةٍ تُزري على عقلِ اللبيبِ الأكيسِ
هذي المجرَّة في السماءِ كأنَّها نهرٌ تدفَّق في حديقةِ نرجسِ
وقال أبو هلال العسكري:
ليل كما نفضَ الغرابُ جناحَه متلونُ الأعلى بهيمُ الأسفلِ
تبدو الكواكبُ في المجرَّة سُرّعًا مثل الظباءِ كوارعًا في منهلِ
وقال أيضًا:
قم بنا نذعر الهموم بكأسٍ والثريا لفرقِ الليلِ تاجُ
وقد انجرَّت المجرّة فيها كسبيب يمدُّه نسّاجُ
وقال آخر:
يا ليلةً طلعت بأيمن طائر تاهت على ضوءِ النهارِ الناصعِ
بمحاسنٍ مقرونةٍ بمحاسنٍ وبدائعٍ موصولةٍ ببدائعِ
ضوءُ العُقار وضوءُ وجهك مازجَا ضوءَ الهلال وضوءَ برقٍ لامعِ
وقال أبو بكر الضبي:
وليلةٍ كالرفرف المعلم محفوفة الحندس بالأنجمِ
تعلَّق الصبح بأعجازها تعلُّقَ الأشقر بالأدهمِ
وقال ابن طباطبا:
يا ليلة حليت بزهر نجومها وسهرتها حتّى بدت لي عاطلا
لم يرضَ ليلي إذ تجلَّى بدرهُ حتّى أراني فيه منك مخائلا
فطفقت أرمق منه بدرًا طالعًا وطفقت اذكر منك بدرًا آفلا
ابن المعتز:
في ليلةٍ أكلَ المحاقُ هلالها حتّى تبدَّى مثلَ وقفِ العاجِ
والصبح يتلو المشتري فكأنَّه عريانُ يمشي في الدجى بسراجِ
وقال أيضًا:
يا ليلة ما كانَ أطي بها سوى ليلِ البقاءِ
أحييتُها وأمتُّها وطويتُها طيَّ الرداءِ
حتّى رأيتُ الشمس تتل والبدرَ في أفقِ السماءِ
فكأنَّها وكأنَّه قدحانِ من خمرٍ وماءِ
وقال:
كأنَّ سماءنا لمَّا تجلَّت خلالَ نجومِها غبَّ الصباحِ
رياضُ بنفسجٍ خضلٍ نداهُ تفتَّح بينها نورُ الأقاحِ
محمد بن الآمدي:
[ ٩٢ ]
ورثّ قميص الليل حتّى كأنَّه سليبٌ بأنفاسِ الصبا متوشحُ
ولاحت بطيَّات النجوم كأنَّها على كبدِ الخفراءِ نورٌ مفتّحُ
وقال ابن الزمكدم وأجاد ما شاء، وهي بباب الهجاء أنسب، ولكنها تضمنت تشبيه الليل والصبح فذكرتها هنا:
وليلٍ كوجه البرقعيدي ظلمةً وبرد أغانيه وطول قرونهِ
سريت ونومي فيه نومٌ مشرّدٌ كعقلِ سليمان بن فهد ودينهِ
على أولقِ فيه اختباط كأنَّه أبو جابر في خبطهِ وجنونهِ
إلى أن بدا ضوء الصباح كأنَّه سنا وجهِ قرواش وضوء جبينهِ
أبو هلال:
وكأنَّ الهلالَ مرآةُ تبرٍ تنجلي كلَّ ليلةٍ إصبعينِ
آخر:
والجوُّ صافٍ والهلال مشنّفٌ بالزهرة البيضاء نحو المغربِ
كصفيحةٍ زرقاءَ فيها نقطةٌ من فضةٍ من تحت نون مُذهبِ
فيه أنه جعل النقطة تحت النون وهذا غير معروف.
وقد أحسن ابن النبيه في قوله:
والليلُ تبدو الدَّراري في مجرَّته كالماءِ تطفو على روضٍ أزاهرهُ
وكوكبُ الصبح نجّابٌ على يده مخلّقٌ تملأُ الدنيا بشائرهُ
وقال ابن الحنفي:
لله زورته وقد حلَّى الدجى جيد السماء بكلّ نجم زاهرِ
وغدت نجوم الأفق ليلة زارني كالبدر بين مراقبٍ ومسامرِ
فالقلب منها مثل قلبي خافق والطرفُ منها مثل طرفي الساهر
وقال أيضًا:
وكأنَّ النجومَ نورُ رياضٍ وكأنَّ المريخَ شعلةُ نارِ
ابن طباطبا:
والصبح في صفو الهواء مورّدٌ مثل المدامة في الزجاج تشعشع
وقال أيضًا:
وليل نصرت الغيّ فيه على الرشدِ وأعديتُ فيه الهزل منِّي على الجدِّ
إلى أن تجلَّى الصبح من خلل الدجى كما انخرط السيفُ اليمانيّ من غمدِ
ابن المعتز:
تظلُّ الشمسُ ترمقُنا بلحظٍ خفيٍّ مدنفٍ من تحتِ سترِ
تحاولُ فتقَ غيمٍ وهو يأبى كعِنِّينٍ يرومُ نكاحَ بكرِ
أبو هلال:
ملأ العيون غضارةً ونضارةً صحوٌ يطالعنا بوجه مونقِ
والشمس واضحة الجبين كأنَّها وجهُ المليحة في الرداءِ الأزرقِ
وكأنَّها عندَ انبساطِ شعاعها تبرٌ يذوبُ على فروعِ المشرقِ
وأحسن ما قيل في غروب الشمس:
إذ رنَّقت شمسُ الأصيلِ ونفّضتْ على الأفقِ الغربيِ ورسًا مزعزعا
ولاحظتِ النوّار وهي مريضةٌ وقد وضعتْ خدًّا إلى الأرضِ أضرعا
كما لا حظت عواده عين مدنفٍ توجع من أوصا به ما توجعا
وظلّت عيونُ النورِ تخضلُّ بالندى كما اغرورقتْ عينُ الشجيَّ لتدمعا
وقال المجد بن الظهير الإربلي من قصيدة يمدح بها السعيد تاج الدين رحمه الله تعالى:
وفلاةٍ فليتها بأمونٍ هلَّت البيدُ وخدها والذّميلا
الأمون: الناقة الشديدة التي أُمن عثارها.
مثل ظهر المجنّ لا يجد الخرّي ت فيها إلى سبيل سبيلا
تجد الآل خافقًا قلبه في ها إذا أمّت الوجوه المقيلا
جبتُها والظلام راهب ليلٍ جاعلٌ كلّ كوكبٍ قنديلا
أو عظيم للزنج يقدم حبشًا قد أعدُّوا أسنّةً ونصولا
وكأنَّ السماءَ روض أريض نوره بات بالندى مطلولا
وكأنَّ النجوم درّ عقودٍ عاد عقدُ سلكها محلولا
ليلة كالغداف لو لم يرعها باز فجر ما أوشكت أن تزولا
رقّ جلبابُ جنحِها وبدا شفًا كما شارف الخضاب النصولا
وتولَّت وأشهب الصبح يتلو أدهم الليل وانيًا مشكولا
وكأنَّ الصباحَ ميلُ لجينٍ كاحل للظلام طرفًا كحيلا
ما انتهت والسهاد حتّى انتهى الصبر ورحنا من حمرة السهد ميلا
وثنى النجم عن سراهُ عِنانًا مطلقًا وانبرى النسيم عليلا
واجتلينا النهار فيه كوجه ال صاحب الصدر مجتدًى مأمولا
وقلت من أبيات:
وليلٍ غُدافيّ الإهابِ ارتديته وصحبي نشاوى من نعاس ومن لغبِ
كأنَّ السماء اللازوردي مطرفٌ وأنجمه فيه دنانير من ذهبْ
قد اطَّردت فيه المجرَّة جدولًا فلاح عليها من كواكبها جنبْ
[ ٩٣ ]
كأنَّ سوادَ الليلِ زنجٌ بدا لهم من الصبح ترك فاستكانوا إلى الهربْ
كأنَّ ضياء الشمس وجه محمد إذا أمَّه الراجي فأعطاه ما طلبْ