الشباب باكورة الحياة وإبان صفو العيش ووقت التمكن من الأغراض وزمن الطرب والغزل وفيه استقامة القوى الطبيعية وجريها على أحسن حالة وأتم انتظام والتصرف في ملاذ النفس واقتضاء الجوارح للحركات والنشاط على التمام وفيه تقوى خيالات الهوى وتنبسط الروح وتنبعث الهمم والمزاج الطبيعي فيه الحر واليبس.
وقد اختلف الأطباء في حرارة الصبيان والشباب وأيهما أشد، واستدل كل قوم على نصر مذهبهم بأمور قد بسطوا القول فيها لا يتعلق غرضنا بذكرها. وجالينوس يقول: إنها متساوية في الفريقين وإنما هي متعلقة في الشباب بموضوع يابس وفي الصبيان بموضوع رطب، قال: ولو فرضنا نارًا متساوية أوقدت على حجر وماء زمانًا واحدًا وجدنا في الحجر ممانعة لا نجد مثلها في الماء ليبس موضوعها.
وقد ذكر الشعراء الشباب وطولوا في أوصافه ونعتوه فأحسنوا نعته وبكوا عليه فأكثروا البكاء إلاّ أنهم قل أن يذكروه إلاّ عند فقده أو يبكوا عليه إلاّ بعد فراقه ووقت التظلم من الشيب، والأصل في جميع ذلك حب الحياة والرغبة في السلامة وقد ذُم الشباب أيضًا وذكرت معايبه وهذا عائد إلى العياء.
وها أنا أذكر ما يخطر من ذلك وبالله التوفيق.
أنشد المبرد قال: أنشدنا أبو عثمان المازني لأبي حية النميري:
زمان الصبا ليتَ أيامنا رجعنَ لنا الصالحاتِ القصارا
زمانٌ عليَّ غرابٌ غدافٌ فطيّرهُ الدهرُ عني فطارا
فلا يُبعد اللهُ ذاك الغرابَ وإن هو لم يبقَ إلاّ ادِّكارا
كأنَّ الشابَ ولذاتهِ وريقَ الصبا كانَ ثوبًا مُعارا
ريق الصبا وريّقه ورونقه أوّله.
وهازئةٍ إذْ رأت لمّتي تلفعَ شيبٌ بها فاستدارا
وقلدني منه بعد الخطام عذارًا فما أسطيعُ عنه اعتذارا
أجارتنا إنَّ ريبَ الزما ن قبليَ غالَ الرجالَ الخيارا
فأما تريْ لمَّتي هكذا فأسرعتِ منها لشيبي النفارا
فقد أرتدي طلةً وحفةً وقد أُبرزُ الفتياتِ الخفارا
الطلة: اللذيذة، وشعرٌ وحفٌ: أي كثير حسن أسود، ووحفٌ، بالتحريك، والخفر شدة الحياء، وامرأة خفرة، ويقال: خفِرة بالكسر، يقول: ارتديت شيبةً طلةً، أي لذيذة. قوله: وكان عليَّ غراب غداف: أراد به الشباب ويشبه أن يكون مثل قول الأعشى:
وما طلابكَ شيئًا لستَ مدركهُ إنْ كانَ عنكَ غرابُ الجهل قد وقعا
ومنه أخذ القائل، أظن الأبيات للإمام الشافعي:
أيا بومةً قد عشعشتْ فوقَ هامتي على الرغمِ مني حينَ طارَ غرابُها
علمتِ خرابَ العمرِ مني فزرتني ومأواك من كلِّ الديارِ خرابُها
ومنه أخذ الفلنك الموصلي، من شعراء العصر، كان وتوفي، وكان لا يعرف الكتابة والأدب، وله مع هذا أشعار رائقة:
سهرت لياليه وفيها مسامري أغنّ من الأتراك نامتْ وشاتهُ
فآهًا على مخضلّ عيش به انقضى وما طيَّرتْ غربانَ فودي بزاتُهُ
وقال أبو حية النميري:
لعمرُ أبي الشبابُ لقد تولَّى حميدًا لا يرادُ به بديلُ
إذِ الأيامُ مقبلةٌ علينا وظلُ أراكةِ الدنيا ظليلُ
[ ٦ ]
فرحّلَ بالشبابِ الشيبُ عنَّا فليتَ الشيبَ كانَ به الرحيلُ
وقد كانَ الشبابُ لنا خليلًا فقد قضَّى مآربهُ الخليلُ
وقال أبو نواس:
كانَ الشبابُ مطيَّةَ الجهلِ ومحسّنَ الضحكاتِ والهزلِ
كانَ الشفيعَ إلى مآربهِ عندَ الفتاةِ ومدركَ التبلِ
التبل: الترة والذَّحل، يقال: أصبت بتبل أي بذحل، والجمع تبول، ويقال: تبلهم الدهر وأتبلهم: أفناهم.
كانَ الجميلَ إذا ارتديتُ به ومشيتُ أخطر صيّت النعلِ
والباعثي والناسُ قد رقدوا حتى أكونَ خليفةَ البعلِ
ومنها، وقد أجاد ما شاء:
والآمري حتى إذا عزمتْ نفسي أعانَ يديَّ بالفعلِ
أبو عبادة البحتري:
فأضللت حلمي والتفتُّ إلى الصبا سفاهًا وقد جزتُ الشبابَ مراحلا
فللهِ أيامُ الشبابِ وحسنُ ما فعلنَ بنا لو لم يكنّ قلائلا
ابن نباتة السعدي:
لا يبعدن زمن البطالة والصبا والعيشُ في ظلِّ الزمانِ الناضرِ
أيامَ تُغفرُ للشباب ذنوبهُ والشيبُ ليسَ لذنبهِ من غافرِ
بشار بن برد:
ولقد جريتُ مع الصبا طلقَ الصبا وركضتُ حتى لم أجدْ لي مركضا
وعدمتُ ما علمَ امرؤٌ من دهرهِ فأطعتُ عاذلتي وأعطيتُ الرِّضا
أخذه أبو نواس فقال:
ولقد نهزتُ مع الغواة بدلوهم وأسمتُ سرحَ اللهو حيثُ أساموا
وبلغتُ ما بلغَ امرؤ بشبابهِ فإذا عصارةُ كلِّ ذاكَ أثام
أخذه أمين الدولة بن التلميذ:
كانتْ بلهنيةُ الشبيبةِ سكرةً فصحوتُ واستأنفتُ سيرةَ مجملِ
وقعدت أرتقبُ الفناءَ كراكبٍ عرفَ المحل فباتَ دونَ المنزلِ
ومثله لأحمد بن أبي طاهر طيفور:
كان الشبابُ مطيةً أنضيتُها في اللهو بين محرمٍ ومحللِ
وبلغتُ غايةَ ما يلذّ به الفتى من صبوةٍ وفتوَّةٍ وتغزّلِ
فلهوتُ غيرَ معللِ وفتكتُ غي ر مضللٍ ونسكت غير معذلِ
وأخذته منهم فقلت:
ولقد سكرتُ غداة خمّاري الصبا وصحوتُ إذْ لاحَ المشيبُ بمفرقي
ونزعت عن عيني وقلتُ للائمي ها قد أطعتكَ في مرادك فارفقِ
أبو العلاء أحمد بن سليمان المعري التنوخي:
إذا الفتى ذمّ عيشًا في شبيبتهِ فما يقولُ إذا عصرُ الشبابِ مضى
وقد تعوضتُ عن كلٍّ بمشبههِ فما وجدتُ لأيامِ الصبا عوضا
وقد أحسن مهيار في قوله:
ما أنكرتْ إلاّ المشيبَ فصدتِ وهي التي جنتِ المشيبَ هي التي
وأُلامُ فيكِ وفيكِ شبتُ على الصبا يا جورَ لائمتي عليكِ ولمَّتي
أنشدني كمال الدين بن محمد للسيد ابن طباطبا العلوي:
كان عصر الشباب ظلًا ظليلًا تتفيا بعقوتيه الظباء
العقوة: الساحة وما حول الدار.
كانَ عصر الشباب جنة دنيا أجتني من ثماره ما أشاءُ
لو ثوى نازلًا لما قلتُ فيه ربَّ ثاوٍ يملُّ منه الثواءُ
آخر:
شيآنِ لو بكتِ الدماءُ عليهما عيناي حتى يأذنا بذهابِ
لم يبلغا المعشار من حقيهما شرخ الشباب وفرقة الأحبابِ
شرخ الشباب: أوله، والشارخ: الشباب.
وقلت:
هل معيدٌ عصرَ الشبابِ وعيشًا خلتُ أوقاتَه خيالًا زارا
إذْ مغاني الحمى أواهل تجلو للعيونِ الشموسَ والأقمارا
وقلت:
زمن اللهو والبطالة جادت ك دموعي فصوبهنّ مطيرُ
وسقى عهدنا بمخدعها در شؤبوبها مُلثٌّ غزيرُ
الشؤبوب: الدفعة من الغيث، والجمع: الشآبيب، والملث: الدائم.
دار لهو قضيت فيها شبابي وخلعت العذار وهو طريرُ
يقال: طرَّ النبت يطرُّ، بالضم، طرورًا: نبت، ومنه: طر شارب الغلام.
وإذا ما الشبابُ ولَّى فما أن ت على فعل أهله معذورُ
فاتباعُ الهوى وقد وخطَ الشيبُ وأودى غصنُ التصابي غرورُ
وخطه الشيب: خالطه. وقلت:
ولقد ذكرت وأيّ صبّ شفه بعدٌ وهجران ولم يتذكرِ
أيام لا ظل الصبا بمقلص عنا ولا ورد الهوى بمكدرِ
[ ٧ ]
وقال الشيخ تاج الدين أبو اليمن زيد بن الحسن الكندي، ﵀، أجاز لي جماعة أن أروي عنهم ما تصح روايته من مقول ومنقول، وكان شيخ زمانه غير مدافع، قرأ علي موهوب بن الخضر الجواليقي، رحمهم الله تعالى:
عفا اللهُ عمَّا جرَّه اللهوُ والصبا وما مرَّ من قالِ الشبابِ وقيلهِ
زمانَ صحبناهُ بأرغد عيشةٍ إلى أن مضى مستكرهًا لسبيلهِ
وأعقبنا منْ بعدهِ غير مشتهى مشيبٌ نفى عنَّا الكرى بحلولهِ
لئن عظمت أحزانُنا بنزولهِ لأعظمُ منها خوفنا من رحيلهِ
البيت الأخير مثل قول الأول:
الشيبُ كرهٌ وكرهٌ أنْ يفارقني فاعجبْ لشيءٍ على البغضاءِ مودودُ
وقال آخر:
يا زمانَ الشبابِ ما زلتُ أبكي ك دم المقلتينِ دونَ الدموعِ
أنتَ كنتَ الدنيا فلما تولي ت تولَّت فهل لها من رجوعِ
أبو الحسن الخراساني:
ذريني أواصل لذتي قبل فوتها وشيكًا لتوديع الشباب المفارقِ
فما العيشُ إلاّ صحةٌ وشبيبةٌ وكأسٌ وقربٌ من حبيبٍ موافقِ
ومَنْ عرفَ الأيامَ لم يغتررْ بها وبادرَ باللذاتِ قبلَ العوابقِ
صفي الدين منصور الإربلي: اجتمعتُ به مرارًا، وكان شاعرًا تجيء في أشعاره أشياء جيدة:
أشتاق أيامَ الشبابِ وحسن ما فعلتْ وحقَّ لمثلها يشتاقُ
ردُّوا عليَّ من الشبابِ بقدرِ ما كسدَ المشيبُ فللشبابِ نفاقُ
ومن شعره:
أوانس في ليل الشباب كأنجمٍ ينفّرها عن صبحِ لمتهِ الوخطُ
وقالوا سلا عصرَ الشبابِ كما سلا ال حزينُ وظني أنهُ ما سلا قطُّ
أخذ البيت الأول من أبي العلاء المعري وقصر عنه ما شاء حيث قال:
هي قالت لما رأت شيبَ رأسي وأرادتْ تنفرًا وازورارا
أنا بدرٌ والصبحُ قد لاحَ في رأ سك والصبحُ يطردُ الأقمارا
وقد كرره أبو العلاء، ﵀، وهي غاية في معناها وتروى للمغاربة:
نزل المشيبُ بعارضيه فاعرضوا وتقوَّضتْ خيم الشباب فقوضوا
فكأنَّ في الليل البهيم تبسطوا خفرًا وفي الصبح المنير تقبضوا
ولقد رأيت وما سمعت بمثله بينًا غرابُ البينِ فيه أبيضُ
أبو تمام:
شابَ رأسي وما أضنُّ مشيبَ ال رأسِ إلاّ من فضلِ شيبِ الفؤادِ
طالَ إنكاري البياضَ وإنْ عُم رتُ شيئًا أنكرت لونَ السوادِ
وكذاك العيونُ في كلِّ بؤسٍ ونعيمٍ طلائعُ الأكبادِ
ابن التعاويذي البغدادي الشاعر المجيد الحسن الشعر، البديع المقاصد، أوحد زمانه، وشاعر أوانه، الذي يجاري الهواء رقة طبع، ويقول:
لم أقل للشباب في دعة الل هـ ولا حفظه غداة استقلا
زائر زارنا أقام قليلًا سوّد الصحفَ بالذنوبِ وولَّى
وعمل فيه ابن الفقيه المحولي:
يا هاجيًا عصرَ المشي ب ومادحًا عصر التصابي
لو جزت يومًا بالمحو ول ما ذممت سوى الشباب
ابن الرومي:
لا تلحَ منْ يبكي شبيبته إلاّ إذا لم تبكِها بدمِ
لسنا نراها حقَّ رؤيتها إلاّ زمانَ الشيبِ والهرمِ
كالشمسِ لا تبدو فضيلتُها حتى تُغشَّى الأرضُ بالظلمِ
ولربَّ أمرٍ لا يُبيِّنهُ وجدانهُ إلاّ معَ العدمِ
وأنشدني بعض الأصحاب:
قبل الشبابِ شبيبةٌ محمودةٌ والالتحاءُ هو المشيبُ الأولُ
يأتي السوادُ على البياضِ وبعده يأتي البياضُ على السوادِ فيرحلُ
ومما يأخذ بمجامع الإحسان قول البحتري:
أأخيبُ عندكِ والصبا لي شافعٌ وأُردُّ دونكِ والشبابُ رسولي
ابن التعاويذي:
أعائدٌ وأحاديث المنى خدعٌ على الغضى زمنٌ من عيشِنا سلفا
هيهاتَ أن ترجعَ الأيامُ من عمري شبيبةً عندكم أنفقتُها سرفا
وقال أيضًا:
فلربَّ ليلاتٍ سلفنَ لنا بها والقلب بالتفريق غير مروَّعِ
أيام لا ظل الصبا بمقلصٍ عنَّا ولا شمل الهوى بمصدعِ
أيام لهو طالما أنضيتها في مشهد للغانيات مجمعِ
لو كنتَ شاهدنا بها لرأيتَ ما يصيبكَ من مرأى هناك ومسمعِ
[ ٨ ]
فيهدي الصواب إلى كل سمع كأنما نسج على منوال وغذي من لطف المعاني بلبان، وتصرف كما شاء في البيان، ولولا تقدم زمانه على زماني، لأطلقت في نعته لساني، وثنيت في ميدان أوصافه عناني، وذكرت من بدائع مقاصده ما هو علق بالقلوب من نغمات الأغاني، ولكن غرضي مقصور على ذكر أهل عصري وأبناء دهري، إلاّ ما لم أجد لهم فيه مقالًا، ولا نسجوا على منواله مثالًا، لأن المعاصر ما تنوّق تنوق المتقدم، ولهذا قال عنترة:
هل غادرَ الشعراءُ من متردَّمِ
وإن ذكرت من هؤلاء الجماعة أحدًا فلموضع شرف قدرهم، ولئلا أخل بذكرهم، كيف ولم نعترف إلاّ من بحرهم، ولا شنّفنا أسماعنا إلاّ بدُرهم، ولا ارتوينا إلاّ من درهم.
مدح الإمام الناصر، ومحاسن شعره فيه له من قصيدة:
سقاكِ سارٍ من الوسميِّ هنانُ ولا رقتْ للغوادي فيكِ أجفانُ
يا دارَ لهوي وأطرابي وملعب أت رابي وللهوِ والأوطارِ أوطانُ
أعائدٌ ليَ ماضٍ من جديدِ هوًى أبليتهُ وشبابٌ فيكِ فينانُ
إذِ الرقيبُ لنا عينٌ مساعدةٌ والكاشحونَ لنا في الحبِّ أعوانُ
ولي إلى البانِ من رملِ الحمى طربٌ فاليومَ لا الرملُ يصيبني ولا البانُ
السيد الشريف الرضي الموسوي:
دعاني أفز باللهو والرأس مظلم فما أبعد الأطرابُ والرأسُ مقمرُ
رأيت شباب المرء ليلًا يجنهُ يغطي على بادي العيوبِ ويسترُ
وشيبُ الفتى صبحٌ يبينُ عوارَه ويرمقُ فيه بالعيونِ فينظرُ
وإنَّ ضلالي في النهارِ لهجنةٌ وإنَّ ضلالي في دجى الليلِ أعذرُ
أنشدني بعض الأصحاب في ذم الشباب واتفق أني ودعت شرف الدولة عبيد الله بن الدوامي، وكان يلقب بالشباب، فأنشدته إياها في سنة خمس وخمسين وستمائة:
والآن فارقتُ الشبابَ وقلتُ ل لعيشِ الذي فارقتُ غير مودعِ
ودعا المشيبُ إلى النهى فأجبتهُ بضميرِ مختارٌ وقلبٌ طيعِ
ورمى العذارَ بنافذٍ من أسهمٍ للصبحِ في ليلِ الشبيبةِ تدعي
وقلت:
ولائم في الهوى أضحى يفندني بلومهِ وعذول لجّ في عذلِ
قالا تسلّ فأيام الصبا سفهٌ وذكرها قلت قد أكثرتما جدلي
وقلت:
لا تسمني صبرًا فقد حرم ال صبر عيونٌ ترمي بسحرٍ حلال
واستعر لي دمع السحاب فقد أف نيت دمعي على الرسوم الخوالي
وأعد لي ذكر العقيقِ وأيا م تقضت لنا به وليالي
فطلابي رجوع ما فات من عص رِ الصبا والشباب عين الضلال
وسؤالي رسمًا محيلًا ونؤيًا عاطلًا من تعللات المحال
فالهُ عني يا عاذلي فغرامي حاكم باستهانة العذالِ
آخر:
وكانَ الشبابُ الغضُّ لي فيه راحةٌ فوقرني فيه المشيبُ وأدبا
فسقيًا ورعيًا للشباب الذي مضى وأهلًا وسهلًا بالمشيب ومرحبًا
محمد بن حازم:
لا حينَ صبرٍ فخلِّ الدمعَ ينهملُ فقدُ الشبابِ بيومِ المرءِ متصلُ
لا تكذبنَّ فما الدنيا بأجمعها من الشبابِ بيومٍ واحدٍ بدلُ
كفاكَ بالشيبِ ذنبًا عند غانيةٍ وبالشبابِ شفيعًا أيها الرجلُ
عبد الله بن حسن بن حسن:
لو أنَّ أسرابَ الدموعِ ثنت شرخَ الشبابِ على امرئ قبلي
لبكيته دهري بأربعة فسفحتها سجلًا على سجلِ
السيد الرضي الموسوي:
فمالي أذمُّ الغادرينَ وإنما شبابيَ أوفى غادرٍ بي وما ذقِ
تعيرني شيبي كأني ابتدعتُهُ ومَنْ لي أنْ يبقى بياضُ المفارقِ
منصور النمري:
لا حسرةٌ تنقضي مني ولا جزعُ إذا ذكرتُ شبابًا ليس يرتجعُ
ما كنتُ أُوفي شبابي كنهَ غرتهِ حتى انقضى فإذا الدنيا له تبعُ
وقد ذكرت ما يتعلق بالشباب حسبما يقتضيه هذا المختصر. ومن هذا الباب ما قيل في الخضاب فإنه شباب مستعار.
قال الشيخ أبو علي الحسن بن أحمد بن عبد الغفار الفارسي، وقيل: إنه لم يعمل غيرها:
خضبتُ الشيبَ لما كانَ عيبًا وخضبُ الشيبِ أولى أن يُعابا
ولم أخضبْ مخافةَ هجرِ خلٍّ ولا عنتًا خشيت ولا عتابا
[ ٩ ]
ولكن المشيب بدا ذميمًا فصيّرتُ الخِضابَ له عقابا
أنشدني بعض الأصحاب:
وهي التي قالت لجارة بيتها قولًا دموعي كنَّ رجعَ جوابهِ
ما كان ينفعه لديّ شبابهُ فعلامَ يُتعبُ نفسهُ بخضابهِ
آخر:
وحقك ما خضبتُ مشيبَ رأسي رجاءً أنْ يدومَ لي الشبابُ
ولكنّي خشيت يراد مني عقول ذوي المشيب فلا يصابُ
أنشدني كمال الدين محمد بن البوازيجي:
إنّ الخضابَ لحيلةٌ في ردِّ أيامِ الشبابِ
ويغضّ من طرف العدو ويستبي قلبَ الكَعابِ
أنشدني آخر:
وقائلة لما رأت شيب لمتي استرهُ عن وجهها بخضابِ
أتسترُ عنّي وجهَ حقٍّ بباطلٍ وتوهمني ماءً بلمعِ سرابِ
فقلت لها كفّي ملامك إنها ملابس أحزاني لفقد شبابي
ابن الرومي:
وقالوا اختضبْ قبلَ المشيبِ فقد بدتْ لأسهُمِهِ في عارضيْكَ نُصولُ
فقلتُ خضابُ الأصل لم يبق لونه فكيفَ خضابٌ يعتريه نصولُ
وله:
إذا خضب الشيخ المشيب فإنه حدادٌ على شرخ الشبيبةِ يلبسُ
وإلا فما يبغي امرؤٌ بخضابهِ أيطمعُ أنْ يخفَى شبابٌ مُدلّسُ
وكيفَ بأنّ يخفى المشيبُ بخاضب وكلُّ ثلاثٍ صُبحهُ يتنفسُ
وهبه يواري شيبهُ أينَ ماؤهُ وأينَ أديمٌ للشبيبةِ أملسُ
وقال:
إذا شَنئتْ عينُ امرئ شيبَ نفسهِ فعينُ سواه بالشناءةِ أجدرُ
ألا أيهذا الشيبُ سمعًا وطاعةً فأنت لَعمريَ ما حييتُ المظفّرُ
إذا كنت تمحو صبغةَ الله قادرًا فأنتَ على ما يصبغُ الناسُ أقدرُ
وقال محمود الوراق:
يا خاضب الشيب الذي في كلِّ ثالثةٍ يعودُ
إن النصول إذا بدا فكأنّهُ شيبٌ جديدُ
ولابن المعتز في نقض هذا:
وقالوا المشيبُ مشيبٌ جديدُ فقلتُ الخضابُ شبابٌ جديدُ
إساءة هذا بإحسانِ ذا فإنْ عادَ هذا فهذا يعودُ
وحكي أن بعض ملوك حمير خرج متصيدًا فرأى شيخًا منفردًا فوقف عليه وإذا به يخضب، فقال: يا شيخ هبك تخضب البياض فكيف تخضب الكبر، وأنشده:
إذا دام للمرء السواد وأخلقتْ محاسنه ظنَّ السوادَ خضابا
فكيف يظنُّ الشيخُ أنَّ خضابهُ يُظنُّ سوادًا أو يخالُ شبابا
أقول: لو أُعطيَ الشيخ نصيبًا من البيان وكانت له قريحة في هذا الشأن لأمكنه أن يجيب الملك مناقضًا وينشده معارضًا:
وحقك لم أخضب رجاءَ شيبةٍ تعاد ولا وصل أخافُ ذهابهُ
ولكن بدا شيبي ذميمًا ورائدًا لموتي فصيرتُ الخضاب عقابهُ
البيت الأول مأخوذ من قول القائل:
وحقك ما خضبت مشيب رأسي رجاء أن يدوم لي الشبابُ
ويزيد عليه:
ولا وصل أخاف ذهابه
والثاني من قول أبي علي الفارسي:
ولكنَّ المشيبَ بدا ذميمًا فصيرتُ الخضاب له عقابا
ويزيد عليه:
ورائدًا لموتي
أنشد كمال الدين بن محمد لنفسه:
لما رأيت الشيب نازل لمتي أعددتُ عندي للقاء خضابا
وعلمتُ أنَّ الشيبَ موتٌ قادمٌ فجعلته دونَ المشيبِ حجابا
علي بن هلال الصابي الكاتب:
خضب الشيبَ إذْ بدا أترابي وتوخوا فيه خلافَ الصوابِ
ولو أنِّي خضبتُ ضاعتْ بقايا من شبابي صحيحة في خضابي
ومضتْ هيبةُ المشيبِ ولم ير جعْ إلى الوجنتين ماءُ الشبابِ
فيضيع الشبابُ مني والشي ب جميعًا إذا حسبتُ حساب
أبو نواس:
تمتع من شباب ليس يبقى وصل بعرى الغبوق عرى الصبوحِ