ومن التشبيهات في أواني الخمر قول علقمة بن عبدة
كأنَّ إبريقهمْ ظبْي على شرفٍ مفدمٌ بسبا الكتانِ ملثومُ
الفدام واللثام واحد وهو ما شددته على فم الإبريق أو فم الإنسان ومن ذلك قيل رجلٌ فدمٌ كأن على فمه غطاءً وملثوم بلثام وكانت أباريقهم قديمًا بأرجلٍ فلذلك شبهوها بالظباء لطول أعناقها وقوائمها وقال آخر
يا ربَّ مجلسِ فتيةٍ نادمتهمْ منْ عبدِ شمسٍ في ذرى العلياء
وكأنما إبريقهم من حسنه ظبيٌ على شرفٍ أمام ظباءِ
وقال أبو الهندي في الأواني
مفدمةٌ قزًا كأنّ رقابها رقابُ بناتِ الماء أفزعها الرعدُ
وقال ابن المعتز
وكأنَّ إبريقَ المدامةِ بينهمْ ظبيٌ على شرفٍ أنافَ مدلها
لما استحثتهُ السقاةُ جثى لها فبكى على قدحِ النديمِ وقهقها
وقال اسحق الموصلي
كأن أباريقَ المدامةِ بينهْم ظباءٌ بأعلى الرقمتين قيامُ
[ ٤٠ ]
وقد شربوا حتى كأنّ رقابهم من اللينِ لم تخلق لهن عظامُ
وقال أبو نواس نحو ذلك
ركبٍ تساقوا على الأكوارِ بينهمُ كأسَ الكرى وانتشى المسقيُّ والساقي
كأنَّ أرؤسهمْ والنومُ واضعها على المناكبِ لم تعدلْ بأعناقِ
ومما يدخلُ في هذا الباب من حسن التشبيه قول ابن الرومي يصف قدحًا أهداه إلى علي بن يحيى في أبياتٍ بعضها متعلق ببعض
وبديعٍ من البدائعِ يسبي كلَّ عقلٍ ويطبي كل طرف
دقَّ في الحسنِ والملاحةِ حتى ما يوفيه واصفٌ حقَّ وصفِ
كهواءٍ بلا هباءٍ مشوبٍ بضياءُ أرققْ بذاك وأصفِ
وسطُ القدرِ لم يكبرْ لجرعٍ متوالٍ ولم يصغرْ لرشفِ
لا عجولٌ على العقولِ جهول بل حليمٌ عنهنَّ من غير ضعفِ
ما رأى الناظرونَ قدًا وشكلًا فارسًا مثلهُ على ظهرِ كفِ
فيه لونٌ معقربٌ عطفتهُ حكماءُ القيونِ أحسنَ عطفِ
مثلَ عطفِ الأصداغ في وجناتٍ من غزالٍ زهى بثغرٍ وطرفِ
وقال في قدح رأى فيه نبيذًا أسود
علني أحمدٌ من الدوشابِ شربةٌ نغصتْ سوادَ الشبابِ
لا تراني وفي يدي قدحُ الدو شابِ أبصرتَ بازيًا وغرابِ
وقال البحتري نحو ذلك المتقارب
فجاء نبيذٌ له حامضٌ يشقُّ على الكبدِ المقفره
إذا صبَّ مسودهُ في الإناءِ فكأسُ النديمِ به محبره
وقال ابن المعتز
أخي ردِ كأسَ الخمرِ عني فلا خمرا تبدلتَ منها أسودًا حالكًا مرا
كأنَّ بأيدي شاربيها إذا انتشوا محابرَ وراقينَ قد ملئتْ حبرا
ومن التشبيه الحسن قول البحتري في إناءٍ أرق
قد أتتنا تلك الهدية والصهباءُ من خيرِ ما تبرعتَ تهدى
لبست زرقةَ الزجاجِ فجاءتْ ذهبًا يستبينُ في اللازوردي
وقال ابن المعتز
غدا بها صفراءَ كرخيةً كأنها في كأسها تتقدْ
فتحسبُ الماء زجاجًا جرى وتحسبُ الأقداحَ ماءً جمدْ
وقال الطائي
وكأن بهجتها وبهجة كأسها نارٌ ونورٌ قيدا بوعاءِ
أو درةٌ بيضاءُ بكرٌ أطبقتْ جبلًا على ياقوتةٍ حمراء
وقال ابن المعتز
منْ لي على رغمِ الحسودِ بقهوةٍ بكرٍ ربيبةِ خانةٍ عذراء
موجٍ من الذهبِ المذابِ تضمهُ كأسٌ كقشرِ الدرةِ البيضاءِ
وهذا قول أبي نواس
فالخمرُ ياقوتةٌ والكأسُ لؤلؤةٌ من كفِ جاريةٍ ممشوقةِ القدِ