ومن جيد التشبيه في البكاء قول الشاعر
نظرتُ كأنّي من وراءِ زجاجةٍ إلى الدار من ماء الصبابة أنظرُ
فعينايَ طورًا تغرقانِ من البكا فأعشَى وطورًا تحسراِ فأبصرُ
فلا مقلتي من غامرِ الماء تنجلي ولا دمعتي من شدةِ الوجد تقطرُ
وليس الذي يجري من العينِ ماءها ولكنما نفسي تذوب فتقطرُ
وقال البحتري
وقفنا والعيونُ مثقلاتٌ يغالبُ دمعها نظرٌ كليلُ
نهتهُ رقبةُ الواشين حتى تعلقَ لا يغيضُ ولا يسيلُ
وقال آخر
غلبتْ عيني الدموعُ فإنسا ني غريقٌ يبدو مرارًا ويخفَى
فكأني أراكَ من دون سترٍ هزتِ الريحُ متنهُ فتكفَّى
وقال آخر
لعلَّ جفونًا فرقَ الدهرُ بينها تلاءَمُ أو تحلَى بطعمِ رقادِ
ويحسرُ دمعٌ لا يزالُ كأنه على الخدِ منهلًا تدافعُ وادِ
كأنّ السواري والغوادي تكلفتْ له بسواري أدمعٍ وغوادي
وقال ابن هرمة
كأنّ عينيَّ إذا ولتْ حمولهمُ مني جناحًا حمامٍ صادفا مطرًا
أو لؤلؤْ سلسٌ في عقدِ جاريةٍ ورهاء نازعها الولدانُ فانتثرا
وقال ذو الرمة
ما بالُ عينكَ منها الماءُ ينسكبُ كأنه من كلًى مفريةٍ سربُ
ومثله قوله
[ ١٧ ]
وما شنتا خرقاءَ واهيتا الكُلّى سقى فيهما ساقٍ ولما تبللا
بأضيعَ من عينيكَ للماءِ كلما توسمتَ برقًا أو توهمتَ منزلا
وقال امرؤ القيس
عيناكِ دمعهما سجالُ كأنّ شأنيهما أوشالُ
أو جدولْ في ظلالِ نخلٍ للماءِ من تحتهِ مجالُ
وقال جران العودِ
أمستْ كأنّ العينَ أفنانُ سدرةٍ عليها سقيط من ندى الليلِ ينطفُ
وقال آخر
عشىَّ وداعٍ قبحتْ من عشيةٍ ولكنها لا قبحتْ من مودعِ
كأنّ انحدارَ الدمعِ منها تعدهُ لنا ذاتُ عدٍ قليلَ عدي وأسرعي
وقال ذو الرمة
قفِ العيسَ في أطلالِ ميةً واسلِ رسومًا كأخلاقِ الرداءِ المسلسلِ
أظنُّ الذي يجدي عليك سؤالها دموعًا كتبذير الجمانِ المفصلِ
ومثل هذا التشبيه كثير مخلق والشرط في الاختيار أملك وقال الطائي
نثرتُ فريدَ مدامعٍ لم تنظمِ والدمعُ يحملُ بعض ثقلِ المغرمِ
وصلتْ نجيًا بالدموعِ فخدها في مثلِ حاشيةِ الرداء المعلمِ
ومثله قول الآخر
فواهَ من الأحزانِ إنْ أسفر الضحى وفي كبدي من حرهنَّ حريقُ
مزجنا دمًا بالدمعِ حتى كأنما يذابُ بعيني لؤلؤٌ وعقيقُ
وقال الطائي
سرتْ تستجيرُ الدمعَ خوفَ نوى غدٍ وعادَ قتادًا عندها كلُّ مرقدِ
فأذرى لها الإشفاقُ دمعًا موردًا من الجفنِ يجري فوق خدٍ موردِ
وأحسن ابن يوسف في قوله
عذبَ الفراقُ لنا قبيلَ وداعنا ثم اجترعناهُ كسمٍ ناقعِ
وكأنما أثرُ الدموعِ بخدها طلُّ سقيط فوق وردٍ يانعِ
وقال آخر في مثله
كأن سقوطَ الدمعِ في حر وجهها سقوطُ الندى أوفى على ورقِ الوردِ
وزاد ابن الرومي في هذا فقال المنسرح
ما يومُ بين الحبيبِ بالبعدِ ولا فؤادي عليه بالجلدِ
لو كنتَ يومَ الوداعِ شاهدنا وهنَّ يطفئنَ غلةَ الوجدِ
لم ترَ إلا دموعَ باكيةٍ تسفح من مقلةٍ على خدِ
كأنّ تلك الدموعَ قطرُ ندًى يقطرُ من نرجسٍ على وردِ
وقال الناشي المتقارب
بكتْ للفراقِ وقد راعني بكاءُ الحبيب لبعدِ الديارِ
كأنّ الدموعَ على خدها بقيةُ طلٍ على جلنارِ
وقال البحتري في مقلوب ذلك
شقائقُ يحملنَ الندى فكأنه دموعُ التصابي في خدودِ الخرائدِ
وقال أبو نواس مما يدخل في هذا الباب وإن لم يكن في تشبيه
تقولُ غداةَ البينِ إحدى نسائهم ليَ الكبدُ الحرى فسرْ ولكِ الصبرُ
وقد غلبتها عبرةٌ فدموعها على خدها حمرٌ وفي نحرها صفر
يقول لون خدها أحمر فتشكلت الدمعة به لما وقعت عليه فصارت حمراء ولون نحرها أصفر عاجي فصار لونُ ما وصل إليه من الدمع أصفر وقيل للعباس بن محمد ما لون الماء؟ قال لون إنائه والعرب تنعت اللون الدري مثل قول ذي الرمة
كحلاء في برجٍ صفراءُ في نعجٍ كأنها فضةٌ قد مسها ذهب
البرج سعة العين والنعج شدة البياض وقال المرقش
النشرُ مسك والوجوه دنا نيرٌ وأطراف الأكفِ عنمْ
وقيل لأعرابية كيف لون ابنتك فقالت أحسن من النار الموقدة وقال بشار
وتخالُ ما جمعتْ عليه ثيابها ذهبًا وتبرا
وقال أبو نواس
ظبيٌ كأن الله أل بسهُ قشورَ الدرِ جلد
وترى على وجناتهِ في أيِّ حينٍ شئتَ وردا
وهذا كثير جدًا، ومن حسن الاستعارة في الدمع قول الطائي
مطرٌ من العبراتِ أرض خدهُ حتى الصباح ومقلتاه سماؤه
أحبابه فعلوا بمهحةِ قلبهِ ما ليس يفعلهُ به أعداؤه
ونحوه قول عبيد الله بن عبد الله بن طاهر
ولما رأيتُ البينَ قد جد جدهُ وقد حانَ من نيلِ الفراقِ ركودُ
قعدنا فأمطرنا دموعًا سماؤها جفونُ عيونٍ والبقاعُ خدودُ
والرواةُ تستحسن قول ابن الأحنف المتقارب
بكتْ غيرُ آنسةٍ بالبكاءِ ترى الدمعَ في مقلتيها غريبا
وقال بشار ما زال غلام بني حنيفة يعني عباس بن الأحنف يدخل نفسه فينا ونخرجه حتى قال
نزفَ البكاءُ دموعَ عينكَ فاستعرْ عينًا لغيركَ دمعها مدرارُ
[ ١٨ ]
منْ ذا يعيركَ عينهُ تبكي بها أرأيت عينًا للبكاءِ تعارُ
وقال دعبل بن علي
يا ربعُ أينَ توجهتْ سلمى أمضتْ فمهجةُ نفسهِ أمضا
لا أبتغي سقيا السحابِ لها في مقلتي خلفٌ من السقيا
وقال العباس وشبه أحسن تشبيه ويروى لأبي نواس
لا جزَى اللهُ دمعَ عينيَ خيرًا وجزى الله كلَّ خيرٍ لساني
نمَّ دمعي فليسَ يكتمُ شيئًا ووجدتُ اللسان ذا كتمانِ
كنتُ مثل الكتابِ أخفاهُ طيٌّ فاستدلوا عليه بالعنوانِ