ومما يتصل بهذا الباب في حسن التشبيه في السراب قول مسلم في هذه الكلمة
وقاعةٍ رجلَ السبيلِ مخوفةٍ كأنّ على أرجائها حدَّ مبردِ
مؤزرةٍ بالآلِ فيها كأنها رجالٌ قعودٌ في ملاءٌ معمدِ
وقال آخر
أخوفُ بالحجاجِ حتى كأنما يحركُ عظمٌ في الفؤادِ مهيضُ
ودونَ يدِ الحجاجِ من أن تنالَني بساطٌ لأيدِي الناعجاتِ عريضُ
مهامهُ أشباهٌ كانَّ سرابها ملاءٌ بأيْدي الغاسلاتِ رحيضُ
وقال ابن المعز
والآلُ قد رقصتْ فيه الإكامُ كما لحبتْ حواملُ ولدانٍ بتنقيزِ
كأنه حللٌ بينَ الصوَى نشرتْ فهنَّ من بينِ مكسوٍّ ومبروزِ
[ ١٥ ]
وقال ابن الرومي يصف أينقًا قطعت به أرضًا
تطوي الفلا وكأنّ الآل أرديةٌ دثارةٌ وكأنّ الليلَ سيجانُ
ثم شبهَ الليل والآل بالبحر فقال
كأنها في ضحاضيح الضحى سفنٌ وفي الغمارِ من الظلماء حيتانُ
والساج الطيلسان الأسود وقد اختلفَ في تشبيه الليل به فقيل لسواده وقيل شبهَ به لأنه لا أقطارَ له وقال ابن المعز
الآلُ تنزو بالصوى أمواجهُ نزوَ القطا الكدريِّ في الأشراكِ
والظلُّ مقرونٌ بكلِّ مطيةٍ مشَى المهارَى الدهمِ بينَ رماكِ
ونحوه قول الآخر
وقد أنعلتها الشمسُ ظلًا كأنه قلوصُ نعامٍ زفها قد تمورا
وقال مسعود أخو ذي الرمة
ومهمهٍ فيه السرابُ يلمحُ دليلهُ بجوةٍ مطوحُ
يدأبُ فيه القومُ حتى يطلحوا ثم يظلونَ كأنْ لم يبرحوا
كأنما أمسوا بحيثُ أصبحوا
وقال المأمون المنسرح
تفتحُ بالوعدِ بابَ نائلها حتى ترى الوصلَ ثم ينطبقُ
وعدٌ كلمعِ السرابِ تحسبهُ منك قريبًا ودونه شفقُ
وتبعه آخر فقال
ما احتيالي لحبيبٍ وعدهُ لمعُ السرابِ
يعد الوصلَ ولكن دونه مسُّ السحابِ
أحمدُ اللهَ على ما بي وإنْ كنتُ لما بي
وكتب أبو عثمان الناجم إلى ابن الرومي يلومه على طلبه سمكًا من ابن بشر المرثدي المتقارب
أبا حسنٍ أنتَ منْ لا نزا لُ نحمدُ في الفحصِ رجحانهُ
فلم تحسنُ الظنَّ بالمرثديّ وقد قللَ الله إحسانهُ
وبحرُ السرابِ يفوتُ الطلوبَ فقلْ في طلابكَ حيتانهُ
وقد تكررت في كتابنا تشبيهات للمحدثين مثل أبي نواس وبشار ومسلم والطائي والبحتري وابن الرومي وابن المعتز وأضرابهم لأنا اعتمدنا على إثبات عيون التشبيهات المختارة والمعاني الغريبة البعيدة دون المتداولة المخلقة والمتقدمون وإنْ كانوا افتتحوا القول وفتحوا للمحدثين البابَ ونهجوا لهم الطريق فكان لهم فضل السبق واستئناف المعاني وصعوبة الابتداء، فإن هؤلاء قد أحسنوا التأمل وأصابوا التشبيه وولدوا المعاني وزادوا على ما نقلوا وأغربوا في ما أبدعوا ولو أثبتنا تشبيهاتهم القديمة كتشبيههم الناقة في الضخم بالقصر والقنطرة وفي الصلابة بالعلاة والصخرة وفي السرعة بالجندلة والأثفية وسرعة الفرس بنجاء الظبي وتشبيه الجواد بالبحر والسيد بالقرم وهو فحل الإبل والوجه الحسن بالقمر والشمس وأحداج النساء بالنخل والسفن والنجوم بالمصابيح والنساء ببيض النعام لطالَ بذلك الكتابُ وآل أكثره إلى معنى واحد وكان المحكي منه معروفًا غير مستغرب لزال حسن الاختيار وتنقي الألفاظ واستغراب المعاني وطلابنا الجيد حيث وجد وقصدنا الغض والنادر لمن كان وبالله الحول والقوة.