ومن حسن التشبيه في ذكر الشعر قول حبيب بن أوس الطائي
ووالله لا أنفكُّ أهدِي شواردًا إليك يحملنَ الثناءَ المنخلا
تخال بها بردًا عليك محبرًا وتحسبها عقدًا عليك مفصلا
ألذَّ من السلوى وأطيبَ نفحةً من المسكِ مفتوقًا وأيسرَ محملا
أخفَّ على روحٍ وأثقلَ قيمةً وأقصرَ في سمعِ الجليسِ وأطولا
ويزهى بها قومٌ ولم يمدحوا بها إذا مثلَ الراوي بها أو تمثلا
وقال عديّ بن الرقاع
وقصيدةٍ قد بتُّ أجمعُ بينها حتى أقومَ ميلها وسنادها
[ ٤٨ ]
نظرَ المثقفِ في كعوبِ قناتهِ حتى يقيم ثقافهُ منادَها
والشاعر يجوز له أن يقرظ شعره كما يجوز له تسمية أولاد الخلفاء والرؤساء وقال ابن الرومي في قصيدة له في أبي محمد عبيد الله بن سليمان بن وهب
هاكها والهًا إليكَ عروبا تتثنَّى رشاقةً ودلالا
لم أقلْ هاكها لشيءٍ سوى العا دةِ والشعرُ يركبُ الأهوالا
منطقٌ يطرحُ الكنى ويسمى منْ يكنَّ ولا يبالي مبالا
جاهليٌّ كما علمتَ ولكنْ لا تراهُ يعاملُ الجهالا
وفي ما ذكرنا مما يجوز لهم قول البحتري
تطوعُ القوافي فيكم فكأنما يسيلُ إليكم من عدوٍ قصيدها
فكم ليَ من محبوكةِ الوشي فيكم إذا أنشدتْ قامَ امرءٌ يستعيدها
وقال الطائي يمدح دينار بن عبد الله
وقد علمَ القرمُ المساميكَ أنه سيغرقُ في البحرِ الذي أنتَ خائضُ
كما علمَ المستشعرونَ بأنهم بطاءٌ عن الشعرِ الذي أنا قارضُ
كأني دينارٌ ينادي ألا امرءًا يبارزُ إذ ناديتُ من ذا يقارضُ
وقال آخر
وإنّي لمهدٍ من ثنائي قصيدةً ترى لابنِ عمِ الصدقِ قيسِ بنِ مالكِ
أهزُّ بها في ندوةِ الحيِّ عطفهُ كما هزَّ عطفى بالهجانِ الأوارِكِ
وقال الطائي
إنّ القوافي والمساعيَ لم تزلْ مثل النظامِ إذا أصابَ فريدا
هي جوهرٌ نثرٌ فإنْ ألفتهُ بالشعرِ كان قلائدًا وعقودا
من أجلِ ذلك كانت العربُ الألى يدعونَ هذا سوددًا محمودا
وتندُّ عندهمُ العلى إلا عُلًى جعلتْ لها مررُ القصيدِ قيودا
وقال علي بن الجهم
ولكنَّ إحسانَ الخليفةِ جعفرٍ دعاني إلى ما قلتُ فيه من الشعرِ
فسارَ مسيرَ الشمسِ في كلِ بلدةٍ وهبَّ هبوبَ الريحِ في البرِّ والبحرِ
وقال أشجع السلمي
ذهبتْ مكارمُ جعفرٍ وفعالهُ في الناسِ مثلَ مذاهبِ الشمسِ
وقال البحتري
وقد أتتكَ القوافي غبَّ فائدةٍ كما تفتحُ غبَّ الوابلِ الزهرُ
ومنْ يكنْ فاخرًا بالشعرِ يمدحُ في أضعافهِ فبكَ الأشعارُ تفتخرُ
وقال أيضًا
وكنتُ إذا استبطأتُ ودكَ زرتهُ بتفويفِ شعرٍ كالرداءِ المحبرِ
عتابٌ بأطرافِ القوافي كأنهُ طعانٌ بأطرافِ القنى المتكسرِ
فأجلو به وجهَ الإخاء وأجتلي حياءَ كصبغِ الأرجوان المعصفرِ
وقال ابن الرومي
فدونكها من شاعرٍ لك شاكرٍ وإنْ حركَ الخيمُ الكرامَ وحرضا
ما ازدادَ فضلٌ فيك بالمدحِ شهرةً ولكنهُ كالمسكِ صادفَ مخوضا
وقال البحتري
ألستَ الموالي فيك نظمَ قصائدٍ هي الأنجمُ اقتادتْ مع الليلِ أنجما
ثناءُ كأنَّ الروضَ منه منورًا ضحًى وكأنَّ الوشيَ فيه مسهما
وقال ابن الرومي في قصيدة يهجو فيها
خذْها إليكَ مشيحةً سيارةً في الناسِ من بادٍ ومن متحضرِ
تغدو عليك بحاصبٍ وبتاربٍ وعلى الرواةِ بلؤلؤٍ متخيرِ
وقال الأعشى
فإنْ تتعدني أتعدكَ بمثلها وسوفَ أزيدُ الباقياتِ القوارصا
قوافي أمثالًا يوسعنَ جلدهُ كما زدتَ في عرضِ القميصِ الدخارصا
وقال البحتري
إليكَ القوافي نازعاتٌ قواصدًا يسيرُ ضاحي وشيها وينمنمُ
ومشرقةٌ في النظمِ غرٌ يزيدها بهاءً وحسنًا أنَّها لك تنظمُ
ضوامنُ للحاجاتِ إما شوافعًا مشفعةً أو حاكماتٍ تحكمُ
وكائنْ غدتْ لي وهيَ شعرٌ مسيرٌ وراحتْ عليَّ وهيَ مالٌ مسومُ
وقال الطائي في آخر قصيدة له
حذيتْ حذاءَ الحضرمية أرهفتْ فأجابها التحضيرُ والتلسينُ
إنسيةٌ وحشيةٌ كثرتْ بها حركاتُ أهلِ الأرضِ وهي سكونُ
أما المعاني فهي أبكارٌ إذا نصتْ ولكنَّ القوافيِ عونُ
أحذاكها صنعُ الضميرِ يمدهُ جفرٌ ذا نضبَ الكلامُ معينُ
ويسيءُ بالإحسانِ ظنًا لا كمن يأتيكَ وهو بشعرهِ مفتونُ
وقال البحتري
وما عدلتْ عنكَ القصائدُ معدلًا ولا تركتْ فضلًا لغيركَ يحسبُ
[ ٤٩ ]
تنظمُ منها لؤلؤًا في سلوكهِ ومن عجبٍ تنظيمُ ما لا يثقبُ
وقال الخنساء المتقارب
وقافيةٍ مثلِ حدِّ السنا نِ تبقى ويذهبُ من قالها
نطقتَ ابنَ عمروٍ فسهلتها ولم ينطقِ الناسُ أمثالها
وقال دعبل في هذا المعنى
سأقضي ببيتٍ يعلمُ الناسُ فضلهُ ويكثرُ من أهلِ الروايةِ حاملهْ
يموتُ رديُّ الشعرِ من قبلِ أهلهِ وجيدهُ يبقَى وإنْ ماتَ قائلهْ
وقال ابن هرمة
إنّي امرؤٌ لا أصوغُ الحلىَ تعملهُ كفايَ لكنْ لساني صانعُ الكلمِ
وقال ابن حازمٍ يصف أبياتًا له
فأبعثهنَّ أربعةً وخمسًا بألفاظٍ مثقفةٍ عذابِ
فكنَّ إذا وسمتُ بهنَّ قومًا كأطواقِ الحمائمِ في الرقابِ
وقال ابن هرمة مثله
إني إذا ما امرءٌ خفتْ نعامتهُ في الجهلِ واستحصدتْ منه قوى الوذمِ
عقدتُ في ملتقى أوداجِ لبتهِ طوقَ الحمامةِ لا يبلَى على القدمِ
وهجا رجلٌ من بني حرام الفرزدق فجاء به أهله إليه موثقًا فقال الفرزدق
فمنْ يكُ خائفًا لهناتِ شعري فقد أمنَ الهجاءَ بنو حرامِ
همُ قادوا سفيههمُ وخافوا قصائدَ مثل أطواقِ الحمامِ
وقال ابن الرومي
حباني بما يعيا به كلُّ واهبٍ وحبرتُ ما يعيا به كلُّ حائكِ
فأعدمهُ مدحَ الغثاثِ مدائحي وأعدمني رفدَ الألدِّ المسالكِ
وما لربيعٍ ممطرٍ من مجاودٍ وما لبقيعٍ مزهرٍ من محاوكِ