[ ٩ ]
ومنَ التشبيهات في الطرد والظفر قول أبي نواس في الكلب
كأنَّ لحييهِ لدى افترارِهِ سكُّ مساميرٍ على طوارِهِ
كأنَّ خلفَ ملتقَى أشفارِهِ جمرَ غضًى ذرَّ منِ استعارهِ
فانصاعَ كالكوكبِ في انحدارهِ لفتَ المشيرِ موهنًا بنارهِ
وقال ذو الرمة في سرعة العدوِ
كأنهُ كوكبٌ في إثرِ عفريةٍ مسومٌ في سوادِ الليلِ منقضبُ
وأخذ ذلك ابن الرومي فقال في آخر قصيدة له هجا بها رجلًا
خذها تبوعًا لمنْ ولَّى مسومةً كأنها كوكبٌ في إثرِ عفريتِ
وقال ابن المعتز في كلبةٍ
وكلبةٍ زهراء كالشهابِ تحسبها في سرعةِ انسيابِ
نجمًا منيرًا لاحَ في انصبابِ خفيفةُ الوطئِ على الترابِ
وقال خلف الأحمر في ثور
كالكوكبِ الدري مبتذلًا شدًا يفوتُ الطرفَ أسرعهُ
وكأنما جهدتْ أليتهُ ألا تمسَّ الأرضَ أربعهُ
وقال أبو نواس يصف الكلبَ
أرسلهُ كالسهمِ إذ غالى بهِ يسبقُ طرفَ العينِ في إلهابهِ
يكادُ أنْ ينسلَّ منْ إهابهِ كلمعانِ البرقِ في سحابهِ
وقال ابن المعتز
وكلبةٍ لم ترَ وقتَ شدِّها قطُّ إذا ما أطلقتْ من قدها
خضتُ بها ليلًا يرى كجلدها كأنهُ استعارَ لونَ بردِها
فأبصرتْ عشرًا أتتْ من بعدها وأطلقتْ فانطلقتْ من عقدها
كالسهم لا تحسنُ غيرَ جدها أفقدني الرحمن يومَ فقدها
وقال أبو نواس في الكلب
كأنَّ متنيهِ لدى انسلابهِ متنا شجاعٍ لج في انسيابهِ
كأنما الأظفورُ في قنابهِ موسَى صناعٍ ردَّ في نصابهِ
تراهُ في الحضرِ إذا هاها بهِ يكادُ أن يخرجَ من إهابهِ
وقال ابن المعتز
وكلبةٍ تاهتْ على الكلابِ بجلدةٍ صفراءَ كالزريابِ
تنسابُ مثلَ الحيةِ المنسابِ
ومعنى قول بي نواس: يكاد أن يخرج من إهابه: لذي الرمة يصف ثورين ندَّا
لا يذخرانِ من الإيغالِ باقيةً حتى تكادُ تقرَّى عنهما الأهبُ
وقال كثير في فرس
إذا جرى معتمدًا لأمهِ يكادُ يفرِي جلدهُ عن لحمهِ
وقال ابن الرقاع في ثورين يعدوان
يتعاورانِ من الغبارِ ملاءةً بيضاءَ محكمةً هما نسجاها
تطوَى إذا وردا مكانًا جاسيًا وإذا السنابكُ أسهلتْ نشراها
وقال الطرماح في ثور
يبدو وتضمرهُ البلاد كأنهُ سيفٌ على شرفٍ يسل! ُ ويغمدُ
وقال ابن المعتز في الكلاب
تخالها في حلقِ الأطواقِ ضواحكًا من سعةِ الأشداقِ
وقال أبو نواس فيه
ترى إذا عارضتهُ مفرورا خناجرًا قدْ نبتتْ سطورا
يعطيك أقصى حضرهِ الموفروا شدًا ترى من همزهِ الأظفورا
منشطًا من أذنهِ سيورا
وقال ابن المعتز
وكلبةٍ غدا بها فتيانُ أطلقهمْ من يدهِ الزمانُ
كأنها إذا تمطتْ جانُ أو صعدةٌ وخطمها السنانُ
ونجمتْ للحظها غزلانُ فلحقتْ ما لحقَ العنانُ
وقال أبو نواس
ترى له شدقين خطا خطا وملمظًا سهلًا ولحيًا سبطا
ذاك ومتنينِ إذا تمطَّا قلتَ شراكان أجيدا قطا
ترى إذا كان الجراءُ غبطا براثنا سحمَ الأثافي ملطا
ينشطُ أذنيهِ بهن نشطا تخالُ مأزمينِ منه شرطا
ما إنْ يقعنَ الأرضَ إلا فرطا كأنما يعجلنَ شيئًا لُقطا
وقال ابن المعتز في فرس
وأربعٍ كأنها تستلبهْ تخالها تعجلُ شيئًا تحسبهْ
وأنشد الجاحظ
يكادُ عندَ ثملِ المراحِ يطيرُ في الجوِّ بلا جناحِ
وقال آخر وهو ابن المعتز
تحسبهُ يطيرُ وهو يعدُو
وقال آخر
تفوتُ خطاها الطرفَ سبقًا كأنها سهامُ مقالٍ أو رجومُ كواكبِ
كأنَّ بناتِ القفزِ حينَ تفرقَتْ غدونَ عليها بالمنايا الشواعبِ
وقال ابن المعتز
فأبصرتْ سربًا من الظباء فغادرتهنٌ بلا إعياء
شبهها لحظي على تناءِ بمدةٍ من قلمٍ سوداءِ
ترضَى من اللحومِ بالدماءِ
وقال أبو نواس في البازي
[ ١٠ ]
كأنّ عينيه إذا ما أنورا فصانِ قيضا من عقيقٍ أحمرا
في هامةٍ علياءَ تهدى منسرا كعطفةٍ الجيمِ بكفٍّ أعسرا
يقولُ منْ فيها بعقلٍ فكرا لو زادها عينًا إلى فاءٍ ورا
واتصلتْ بالجيم كان جعفرا
وقال ابن المعتز
ونذعرُ الصيدَ ببازٍ أقمرِ كأنهُ في جوشنٍ مزرر
وجوجؤٍ منمنمٍ محبرِ كأنَّه رقٌّ خفيُّ الأسطرِ
وقال أيضًا
غدوتُ في ثوبٍ من الليلِ خلقْ بطارِحِ النظرةِ في كلِّ أفقْ
ومقلةٍ تصدقهُ إذا رمقْ كأنها نرجسةٌ بلا ورقْ
مباركٍ إذا رأى فقد رزقْ
وقال أبو نواس
ألبسهُ التكريرُ من حوكهِ وشيًا على الجؤجؤِ موضونا
له حرابٌ فوقَ قفازهِ يجمعنَ تنييفًا وتسنينا
كلُّ سنانٍ عجَّ منْ متنهِ تخالُ محنَى عطفهِ نونا
ومنسرٌ أكلفُ فيه شغًا كأنه عقدُ ثمانينا
ومقلةٌ أشربَ آماقها تبرًا يروقُ الصيرفيينا
الموضون المصفوف بعضه إلى بعض: ووضنت الخوص صففتهُ: وتنييفًا تعليةً ونيفَ على المائة زاد عليها: والشغا إشراف المنقار الأعلى على الأسفل ومنه قيل للعقاب شغواءُ: وقال أيضًا
يصقلُ حملاقًا شديدَ الطحرِ كأنه مكتحلٌ بتبرِ
في هامةٍ لمتْ كلمِّ الفهرِ وجؤجؤْ كالحجرِ القهقرِ
يقال عين طحراء إذا أخرجت القذى والملموم المستوى التدوير والقهقرُّ الصلب من الحجارة وقال آخر في صفة عقعقٍ المتقارب
إذا باركَ اللهُ في طائرٍ فلا باركَ اللهُ في العقعقِ
يقلبُ عينينِ في وجههِ كأنهما قطرتا زئبقِ
طويلُ الذنابَى قصيرُ الجناحِ متى ما يجدْ غفلةً يسرقِ
وقال آخر في صفة ناقة
كأنما عينُها من طولِ ما جشمتْ حرَّ الهواجر زيتٌ في قواريرِ
وقال الشمردل اليربوعي في صقرٍ
كأنَّ عينيهِ إذا جلاهما ياقوتتانِ رابحٌ شراهما
وقال ابن المعز في صفة بازٍ
قدْ أغتدي في نفسِ الصباحِ بقرمٍ للصيدِ ذي ارتياحِ
معلقِ الألحاظِ بالأشباحِ يركضُ في الهواءِ بالجناحِ
قمشَ ريشًا حسنَ الأوضاحِ عليهِ منه كحبابِ الراحِ
ذو جلجلٍ كالصرصرِ الصياحِ
وله أيضًا
وفيتانٍ غدوا والليلُ داجٍ وضوءِ الصبحِ متهمُ الطلوعِ
كأنَّ بزاتهمْ أمراءُ جيشٍ على أكتافهم صدأُ الدروعِ
وقال في الزرق
وزرقٍ ريانَ من شبابهِ كأنَّ سلخَ الأيمِ من أثوابهِ
قال الشمردل في الصقر
قد أغتدي والليلُ في جلبابهِ بتوجي صادَ في شبابهِ
فانقضَّ كالجلمودِ إذْ علا بهِ كأنما بالحقِ من خضابهِ
عصفرةُ الصباغِ أو قصابهِ أو عترة المسكِ الذي يطلى بهِ
وقال ابن المعتز
وأجدلٍ يفهمُ نطقَ الناطقِ ململمِ الهامةِ فخمِ العاتقِ
أقنى المخاليبِ طلوبٍ مارقِ كأنَّها نوناتُ كفِّ الماشِقِ
ذي جؤجؤٍ لابسِ وشيٍ رائقِ كمبتدا اللاماتِ في المهارقِ
أو كامتدادِ الكحلِ في الحمالقِ ونجمتْ للحظِ عينِ الرامقِ
عشرٌ من الإوزِ في غلافقِ فمرَّ كالريح بعزمٍ صادقِ
حتى دنا منه دنوَّ السارقِ ثم علاها بجناحٍ خافقِ
فطفقتْ من هالكٍ أو زاهقِ
وله أيضًا
وأجدلٍ لم يخلُ من تأديبِ يرى بعيدَ الشيءِ كالقريبِ
يهوِي هويَّ الدلوِ في القليبِ بناظرٍ مستعجمٍ مقلوبِ
كناظرِ الأقبلِ ذي التقطيبِ رأَى إوزًا في ثرًى رطيبِ
فكان كالمستوهلِ المرعوبِ ينفذُ في الشمالِ والجنوبِ
وقال عبد الصمد بن المعذل في الفهد
كأنها والخزرُ في أحداقِها والخططُ السودُ على أشداقِها
تركٌ جرى الإثمدُ من آماقِها
وقال آخر فيه
وليس للطرادِ إلا فهدُ كأنَّما ألقتْ عليه الكردُ
من خلقها أو ولدتْها الأسدُ
وقال ابن المعتز في الفهد المتقارب
ولا صيدَ إلا بوثابةٍ تسيرُ على أربعٍ كالعذبْ
تضمُّ الطريدَ إلى نحرها كضمِّ المحبةِ منْ لا تحبْ
[ ١١ ]
إذا ما رأى عدوَها خلفهُ تناجتْ ضمائرُهُ بالعطبْ
لها مجلسٌ في مكانِ الرديفِ كتركيةٍ قد سبتْها العربْ
ومقلتُها سائلٌ كحلُها وقد حليتْ سبجًا من ذهبْ