وقد شبهت الشعراء المصلوب فأكثروا فمن أحسن ما قيل في ذلك ما أنشدناه من قول أبي كبر محمد بن عبد الله الأخيطل الواسطي المعروف ببرقوقاء في وصفه يوم الفراق
كأنه عاشقٌ قد مد بسطته يوم الوداعِ إلى توديعِ مرتحلِ
أو قائمٌ من نعاسٍ فيه لوثتهُ مداومٌ لتمطيه من الكسل
وقال الطائي في بابك
أهدى لمتنِ الجذعِ متنيهِ كذا منْ عافَ متنَ الأسمرِ العسالِ
سامٍ كأنَّ الجذعَ يجذبُ ضبعهُ وسموهُ من ذلةٍ وسفالِ
لا كعبَ أسفلُ موضعًا منْ كعبهِ مع أنهُ عن كلِ كعبٍ عالِ
وقال ابنُ الرومي
كنَّ لهُ في الوِ حبلًا يبوعهُ إذا ما انقضى حبلٌ أتيحَ له حبلُ
يعانقُ أنفاسَ الرياحِ بسحرةٍ وداعَ رحيلٍ ما يخطُّ لهُ رحلُ
وقال الطائي
ولقدْ شفَى الأحشاءَ من برحائِها أنْ صارَ بابكُ جارَ مازيارِ
وفي المفتاحِ بعد قوله: ولقد شفى:
ثانيهِ في كبدِ السماءِ ولمْ يكنْ كاثنينِ ثانٍ إذْ هما في الغارِ
سودُ اللباسِ كأنما نسجتْ لهمْ أيدِي السمومِ مدارعًا من قارِ
[ ٥ ]
بكروا وأسروا في متونِ صوافنٍ قيدتْ لهم من مربطِ النجارِ
لا يبرحونَ ومنْ رآهمْ خالهمْ أبدًا على سفرٍ من الأسفارِ
ومما يتبعُ هذا في الاستعارة قول مسلم
ورأس مهرانَ قد ركبتَ قلتهُ لدنًا كفاهُ مكانَ الليتِ والجيدِ
ما زالَ يعنفُ بالنعمى ويغمطُها حتى استقلَّ بهِ عودٌ على عودِ
وضعتهُ حيثُ ترتابُ الريحُ به وتحسدُ الطيرَ فيه أضبعُ البيدِ
تغدو السباعُ فترميهِ بأعينها تستنشقُ الجو أنفاسًا بتصعيدِ
وقال الخزيمي
وعصبةٍ أصبحوا ركبًا على خشبٍ منصوبة قد رسا في الأرضِ راسيها
مجردينَ سوى ما كانَ منْ أزرٍ ما يرتجى خلفٌ يومًا لمبليها
وقال الآخرُ في
قائمٌ قاعدٌ بفيهِ شريطْ كالحُ الوجهِ ظاهرُ الأضراسِ
باسطٌ باعهُ بغيرِ عناقٍ مائلٌ رأسهُ بغيرِ نعاسِ
وقال ابن الرومي
كمْ بأرضِ الشآمِ غادرتَ منهمْ غابرًا موفيًا على أرضِ نجدِ
يلعبُ الدستبندَ فردًا وإنْ كا نَ بهِ شاغلٌ عنِ الدستبندِ
وأنشد المبردُ له
قام ولما يستعنْ بساقهِ آلفَ مثواهُ على فراقهِ
كأنهُ في الشبحِ منْ وثاقهِ رأى حبيبًا همَّ باعتناقهِ
كأنه يضحكُ من أشداقهِ
وقال ابنُ المعتز
أرانيكَ الإلهُ قرينَ جذعٍ يضمكَ غيرَ ضمِ الالتزامِ
كلوطيٍّ لهُ أيرٌ طويلٌ يفخذُ للمؤاجرِ من قيامِ
وقال إبراهيمُ بن المهدي
كأنهُ شلوُ كبشٍ والهواءُ لهُ تنورُ شاويةٍ والجذعُ سفودُ
وقال دعبلٌ
لمْ ترعيني مثلَ صفِّ الزطِّ خمسينَ منهمْ صلبوا في خطِ
كأنما غمستهمْ في نفطِ
وأفرد واحدًا فقال:
كأنهُ في جذعهِ المشتطِّ
أخو نعاسٍ جدَّ في التمطي قدْ خامرَ النومَ ولمْ يغطِّ
وأحسن ما قيل في ذلك قول بعض الأعراب
وكأنهُ رأسٌ برأسِ تنوفةٍ ناطتْ عصاهُ يداهُ بالأكتافِ