ومن التشبيهات الحسان في تكافؤ الأقران في الحرب قول مهلهل بن ربيعة
كأنا غدوةً وبني أبينا بجنبِ عنيزةٍ رحيا مدير
وقال أيضًا نحو هذا
أنبضوا معجس القسيِّ وأوعدْ نا كما توعد الفحولُ الفحولا
وأخذ زهير هذا المعنى فقال
نطعنهمْ ما ارتموا حتى إذا طعنوا ضاربَ حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا
وقال آخر
دنوتُ له بأبيضَ مشرفيٍّ كما يدنو المصافحُ للسلامِ
ومن حسن التشبيه في الإقدام قول أبي العتاهية
كأنك يومَ الطعنِ في الحربِ إنما تفرُّ من السلمِ الذي من ورائكا
كانَّ المنايا ليسَ يجرينَ في الوغى إذا التقتِ الأبطالُ إلا برائكا
وقال قيس بن الخطيم
إذا ما فررنا كان أسوا فرارنا صدودَ الخدودِ وازورارَ المناكب
صدودَ الخدودِ والقنا متشاجرٌ ولا تبرحُ الأقدامُ عندَ التضاربِ
وقال البحتري في أبي سعيد
لقد كان ذاك الجأشُ جأشَ مسالمٍ على أن ذاك الزيَّ زيُّ محاربِ
تسرع حتى قال من شهدَ الوغى لقاءُ أعادٍ أم لقاءُ حبائب
وقال ابن المعتز
كم غمرةٍ للموتِ يخشى خوضها جريتُ فيها جرى سلكٍ في ثقبْ
حتى إذا قيل أتاه أجلٌ نجمتُ منها بحسامٍ مختضبْ
وقال أبو نواس
وكنا إذا ما الحائنُ الجدُّ غرهُ سنى برقِ غادٍ أو ضجيجَ رعادِ
تردى له الفضلُ بن يحيى بن خالدٍ بماضي الظبَى أزهاهُ طولُ نجادِ
أمام خميسٍ أرجوانٍ كأنهُ قميصٌ محوك من قنى وجيادِ
وقل البحتري في كثافة الجيش
للهِ دركَ يومَ بابكَ باسلًا بطلًا لأبوابِ الحتوف قروعا
لما أتاك يقودُ جيشًا أرعنًا يمشي إليه كثافةً وجموعا
وزعتهمْ بينَ الأسنةِ والظبَى حتى أبدتَ جموعهمْ توزيعا
في معركٍ ضنكٍ تخالُ به القنى بينَ الضلوعِ إذا انحنينَ ضلوعا
وقال ابن الرومي يصف كتيبةً
فلوْ حصبتهمْ بالفضاءِ سحابةٌ يظلُّ عليهم حصبُها يتدحرجُ
وقال قيس بن الخطيم نحو ذلك وهو أصله
لو أنكَ تلقى حنظلًا فوق بيضنا تدحرج عن ذي سامهِ المتقارب
السام ههنا خطوط الذهب الذي في البيض والسام في غير هذا الموضع الموت، وقال مسلم بن الوليد
في عسكرٍ تشرق الأرض الفضاء به كالليلِ أنجمه القضبانُ والأسل
[ ٣٢ ]
ومثله ما أنشده ثعلبْ لبشار في تشبيه شيئين في بيتٍ وزعموا أن بشارًا قال لما سمعت قول امرئ القيس
كأن قلوبَ الطيرِ رطبًا ويابسًا لدى وكرها العنابُ والحشفُ البالي
كددتُ فكرتي حتى قلتُ
كأن مثارَ النقعِ فوقَ رؤوسنا وأسيافنا ليلٌ تهادى كواكبهْ
وقال منصورٌ النمري في نحو هذا
ليلٌ من النقعِ لا شمسٌ ولا قمرٌ إلا جبينكِ والمذروبةُ الشرعُ
ولبعضهم
وغادرَ رأسهمْ ضربًا دراكًا وطعنًا غيرَ خوارٍ سؤومِ
كأنّ سنانهُ في منكبيهِ شهابٌ خلفَ شيطانٍ رجيمِ
وقال آخر في خيلٍ
نسجتْ حوافرها سماءً فوقها جعلت أسنتها نجومَ سمائها
وقال ابن المعتز
وعمَّ السماء النقعُ حتى كأنه دخانٌ وأطرافُ الرماحِ شرارُ
وقال مسلم بن الوليد
سلَّ الخليفةَ سيفًا من بني مطرٍ يمضي فيخترقُ الأجسادَ والهاما
كالدهرِ لا ينثني عما يهمُّ به قد أوسعَ الناسَ إرغامًا وإنعاما
يمضي المنايا كما يمضي أسنتهُ كأن في سرجه بدرًا وضرغاما
وقال أعرابي
نقاذفُ بالغاراتِ عبساُ وطيئًا وقد هربتْ منا تميمٌ ومذحجُ
بغزوٍ كولغِ الذئبِ غادٍ ورائحٍ وسيرٍ كصدرِ السيفِ لا يتعوجُ
وقال البحتري في أبي سعيد
طليعتهم إن وجهَ الجيشُ غازيًا وساقتهمْ إن وجهَ الجيشُ قافلا
ملوكٌ يعدونَ الرماحَ مخاصرًا إذا زعزعوها والدروعَ غلائلا
وقال ابن المعتز
قومٌ إذا غضبوا على أعدائهمْ جروا الحديدَ أزجةً ودروعا
وكأنَّ أيدينا تنفرُ عنهمُ طيرًا على الأبدانِ كنَّ وقوعا
وقال مسلم بن الوليد
موفٍ على مهجٍ في يومِ ذي رهجٍ كأنه أجلٌ يسعى إلى أملِ
ينالُ بالرفقِ ما يعيا الرجالُ بهِ كالموتِ مستعجلًا يأتي على مهلِ
وقال ابن الرومي يمدح صاعدًا ويذكر أمر العلوي
حصرتَ عميدَ الزنجِ حتى تخاذلتْ قواهُ وأودَى زادهُ المتزودُ
وكانت نواحيهِ كثافًا فلم تزلْ تحيفها سحتًا كأنك مبردُ
تفرقُ عنهُ بالمكايد جندهُ وتزدادهمْ جندًا وجيشكَ محصدُ
ولابسُ سيفِ القرنِ بعدَ استلابهِ أضرُّ له من كاسريهِ وأكيدُ
سكنتَ سكونًا كان رهنًا بعدوةٍ عماسٍ كذاك الليثُ للوثبِ يلبدُ
وهذا المعنى مأخوذ من قول النابغة الذبياني
إني نهيتُ بني ذبيانَ عن أقرٍ وعن تربعهم في كل أصفارِ
وقلتُ يا قومِ إن الليثَ منقبض على براثنهِ لعدوةِ الضارِ
وقال الطائي في سعيد وأمر مدينة أبك
إلا تكن حصرت فقد أضحى لها من خوفِ قارعةِ الحصارِ حصارُ
خشعوا لصولتك التي هي عندهم كالموتِ يأتي ليسَ فيه عارُ
ونحو ذلك قول القائل
فإنَّ أميرَ المؤمنين وفعلهُ لكالدهرِ لا عارٌ بما فعل الدهرُ
وقال الطائي في فتح الأفشين
لو لم يزاحفهمْ لزاحفهمْ له ما في صدورهم من الأوجالِ
فكأنما احتلتْ عليه نفسهُ إذا لم تنلهُ حيلةُ المحتالِ
وقال ابن الرومي في صاعد
تراهُ عن الحربِ العوانِ بمعزلٍ وآثارهُ فيها وإنْ غابَ شهدُ
كما احتجبَ المقدارُ والحكمُ حكمهُ عن الناسِ طرًا ليسَ عنه معردُ
وقال أبو الهول في أخذ يزيد بن مزيد الوليد بن طريف
قلْ للقوافلِ والجنودِ وغيرهمْ سيروا فقد قتلَ الوليدَ يزيدُ
لاذا يَنِي طلبًا ولا ذا يأتلي هربًا فذا نصبٌ وذا مجهودُ
كالليلِ يطلبهُ النهارُ بضؤهِ فظلامُ ذاك بنورِ ذا مطرودُ
ومثل ذلك قول النابغة للنعمان
فإنك كالليلِ الذي هو مدركي وإنْ خلتُ أنَّ المنتأى عنك واسعُ
وقال أحد المدلهين بالاقتدار
عشيةَ كنا بالخيار عليهم أننقصُ من أعمارهمْ أم نزيدُها