ومن حسن التشبيه في طروق الخيل قول البحتري
أجدك ما ينفك يسري لزينبا خيالٌ إذا آبَ الظلامُ تأوبا
سرى من أعالي الشأمِ يجلبهُ الكرى هبوبَ نسيم الروضِ تجلبه الصبا
وقال أيضًا
ألمتْ بنا بعدَ الهدوء فسامحتْ بوصلٍ متى تطلبهُ في الجد تمنعِ
وولتْ كأنَّ البينَ يخلجُ شخصها أوانَ تولتْ من حشايَ وأضلُعي
وأصل هذا المعنى لقيس بن الخطيم ومنه أخذ البحتري وغيره وهو قوله
أني سريت وكنت غير سروب وتقربُ الأحلامُ غير قريب
وما تمنعى يقظى فقد تؤتينهُ في النوم غير مصردٍ محسوبِ
وعلى ذلك قول المؤمل
أتاني الكرى ليلًا بشخصٍ أحبهُ أضاءتْ له الآفاقُ والليلُ مظلمُ
وكلمني في النوم غير مغاضبٍ وعهدي به يقظانَ لا يتكلمُ
وذكر العباس بن الأحنف العلة في طروق الخيال فقال
خيالكِ حينَ أرقدُ نصبَ عيني إلى وقتِ انتباهي لا يزولُ
وليس يزورني صلةً ولكن حديثُ النفسِ عنكِ به الوصولُ
وتبعه الطائي فقال
زار الخيالُ لها لا بل أزاركهُ فكرٌ إذا نامَ فكرُ الخلقِ لم ينمِ
ظبيٌ تقنصتهُ لما نصبتُ له في آخر الليلِ أشراكًا من اللحمِ
وله أيضًا
زاركَ الزورُ ليلةَ من رم لةَ بين الحمى وبين المطالي
[ ١٦ ]
نمْ فما زاركَ الخيالُ ولكن ك بالفكرِ زرت طيفَ الخيالِ
وقال عبد الصمد بن المعذل
لم أنلهُ فنلتهُ بالأماني في منامي سرًا من الهجرانِ
واصل الحلمُ بيننا بعدَ هجرٍ والتقينا ونحن مفترقان
وقال البحتري
أراني لا أنفكُّ في كلِ ليلةٍ تعاودُ فيها المالكية مضجعي
أسرُّ بقربٍ من ملمٍ مسامرٍ وأشجى ببينٍ من حبيبٍ مودعِ
فكائنْ لنا بعد النوى من تفرقٍ تزجيه أحلامُ الكرى وتجمعِ
وقال الطائي
استزارتهُ فكرتي في المنامِ فأتاها في خفيةٍ واكتتامِ
الليالي أحفَى بقلبي إذا ما جرحتهُ النوى من الأيامِ
يا لها ليلةً تزاورتِ الارْ واحُ فيها سرًا من الأجسامِ
مجلسٌ لم يكن لنا فيه عيبٌ غيرَ أنا في دعوةٍ الأحلامِ
ومن حسن التشبيه في هذا المعنى قول البحتري
حبيبٌ أتى في خفيةٍ وعلى ذعرِ يجوبُ الدجى حتى التقينا على قدرِ
تشككتُ فيه من سرورٍ وخلتهُ خيالاُ أتى في النومِ من طيفهِ يسرِي
وقال أيضًا
خطرتْ في النوم منها خطرةٌ خطرةَ البرقِ ابتدَى ثم اضمحلْ
أيُّ زورٍ لك لو قصدا سرى وملمٍ بك لو حقًا فعلْ
يتراءى والكرى في مقلتي فإذا فارقها النومُ بطلْ
وقال علي بن يحيى نحو ذلك المديد
بأبي واللهِ منْ طرقا كابتسامِ البرقِ إذْ خفقا
زارني طيفُ الحبيبِ فما زادَ أنْ أغرَى بيَ الأرقا
ومثله قول أحمد بن يوسف
في سبيل الله ودٌّ حسنٌ دامَ من قلبي لوجهٍ حسنِ
وهوًى ضيعتهُ في سكنٍ ليسَ حظي منه غير الحزنِ
يرقدُ الليل ويستعذبهُ فإن استعذبتُ طيبَ الوسنِ
زارني منه خيالٌ ما له أربٌ في غير أنْ يوقظني
وقال البحرتي وهو أحد المحسنين في ذكر طروق الخيال
وأرى خيالك لا يزال مع الكرى متعرضًا ألقاهُ أو يلقاني
يدني إليَّ من الوصالِ شبيهَ ما يبديهِ لي أبدًا من الهجرانِ
وله أيضًا
وليلةَ هومنا على العيسِ أرسلتْ بطيفِ خيالٍ يشبهُ الحقَّ باطلهْ
فلولا بياضُ الصبحِ طالَ تشبثي بعطفيْ غزالٍ بتُّ وهنًا أغازلهْ
وقال التمار
لو زارني طيفكَ يا سيدي لقلتُ لا واللهِ لا نفترقْ
وقلبَ هذا المعنى فقال
آنسني طيفكَ حتى إذا همَّ بأن يمضي تعلقتُ بهِ
وقال البحتري المنسرح
وزائرٍ زار من أعفتهِ يخلطُ وزنًا بأنسهِ ذعرهُ
كأنه جاء منجزًا عدةً وبتُّ في الراقبينَ أنظرهْ
لم أنسهُ موشكًا على عجلٍ مدامجًا في الحديثِ يختصرهْ
كأنما الكاشحون قد حضروا مكانهُ أو أتاهمُ خبرهْ