٨٥- أخبرني أبي الحسن ابن أَبِي بَكْر، أَخْبَرَنَا أَبُو الفضل عيسى بن موسى ابن أبي محمد ابن المتوكل عَلَى اللَّه، أخبرني مُحَمَّد بْن خلف بْن المرزبان، قَالَ: رَوَى الْعَبَّاس بْن هِشَام، عَن أخيه أنيف بْن هِشَام، عَن أَبِيهِ، عَن بَعْض المدنيين، قَالُوا: مر عَبْد اللَّهِ بْن جَعْفَر ومعه عدة من أَصْحَابه بمنزل رجل قَدْ أعرس، وإذا مغنية تقول:
قل لكرام ببابنا يلجوا مَا فِي التصابي عَلَى الفتى حرج
فَقَالَ عَبْد اللَّهِ لأَصْحَابه: لجوا، فَقَدْ أذن لنا الْقَوْم؛ فنزل ونزلوا، فدخلوا، فلما رآه صاحب المنزل تلقاه وأجلسه عَلَى الفرش، فَقَالَ للرجل: كم أنفقت عَلَى وليمتك؟ قَالَ: مئتي دِينَار. قَالَ: فكم مهر امرأتك؟ قَالَ: كذا وكذا؛ فأمر له بمئتي دينار ومهر امرأته، وبمئة دِينَار بَعْد ذَلِكَ معونة، واعتذر إِلَيْهِ، وانصرف.
[ ٨٣ ]
٨٦- أَخْبَرَنَا الْحَسَن بْن الْحُسَيْن بْن الْعَبَّاس النعالي، أَخْبَرَنَا أَبُو الفرج عَلِي بْن الْحُسَيْن الأَصْبَهَانِي، أخبرني أَحْمَد بْن عَبْد الْعَزِيز، حَدَّثَنِي الْحَسَن بْن عَلِي، أَخْبَرَنَا عَلِي بْن سَعِيد الكندي، قَالَ: سمعت أبا بكر ابن عياش يَقُول: حَدَّثَنِي من رأى ذا الرمة طفيليا يَأْتِي العرسات.
٨٧-أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ الصيرفي، قَالَ: سمعت أبا الْعَبَّاس مُحَمَّد بْن يعقوب الأصم، يَقُول: سمعت الْعَبَّاس بْن مُحَمَّد الدوري يَقُول: سمعت يَحْيَى بْن معين يَقُول: زَكَرِيَّا بْن منظور كَانَ طفيليا.
٨٨-أَخْبَرَنَا عَلِي بْن المحسن التنوخي، قَالَ: وجدت فِي كتاب جدي: أخبرنا حرمي ابن أَبِي العلاء، أَخْبَرَنَا إِسْحَاق بْن مُحَمَّد بْن أبان النخعي، حَدَّثَنِي القحذفي، قَالَ: كَانَ رقبة يقعد فِي الْمَسْجِد، فَإِذَا أمسى بعث جلساءه من جيران الْمَسْجِد، فيأتي كُل رجل مِنْهُم من منزله بطرفه، فيأكل، ثُمَّ يَقُول: ليت الليل كَانَ سرمدًا إِلَى يَوْم الْقِيَامَة.
[ ٨٤ ]
٨٩- أَخْبَرَنَا أَبُو طَالِب مُحَمَّد بْن الْحُسَيْن بْن أَحْمَد بْن عَبْد الله بن بكير، أخبرنا أَبُو حامد أَحْمَد بْن الْحُسَيْن بْن عَلِي الهمذاني، أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن الْحَارِث بْن مُحَمَّد بْن عَبْد الكريم، أَخْبَرَنَا جدي مُحَمَّد بْن عَبْد الكريم العبدي، أَخْبَرَنَا الهيثم بْن عدي، قَالَ: أتى رقبة بْن مصقلة العبدي مسعر بْن كدام، فاستلقى عَلَى ظهره، فقال: مالك يا أبا عَبْد اللَّهِ؟ قَالَ: صريع الفالوذج، كُنَّا فِي دار رجل قضى بَيْنَ النَّاس فِي الْجَمَاعَة وحكم بينهم فِي الفرقة، دعانا الوليد بن رحب بْن الْحَارِث بْن أَبِي موسى الأشعري إِلَى وليمة، فأتانا بخوان كجوبة من الأَرْض، ثُمَّ أتانا بخبز رقاق كآذان الفيلة، ثُمَّ أتانا
[ ٨٥ ]
بجرجير كآذان المعز، ثم أتانا بثريدة ملساء، ثُمَّ أتانا بساكنة الماء كأن ظهرها ظهر طير قيراطي، ثُمَّ أتينا بفالوذج يقرأ نقش الدرهم من تحته؛ فوضع عَلَى رأس حب، فنحن عَلَى لذة من هَذَا وعلى يقين من ذاك. فَقَالَ له مسعر- وكان يكنى أباسلمة -: يا أبا عَبْد اللَّهِ! أراك طفيليا؟ فَقَالَ: يابا- وكانت كلمتهم- كلهم طفيليون، ولكنهم يتكاتمون.
٩٠- أَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو الْحُسَيْن مُحَمَّد بْن مُحَمَّد الهاشمي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن الْحَسَن بْن الْمَأْمُون، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْر مُحَمَّد بْن الْقَاسِمِ بْن الأنباري، حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن المرزبان، حَدَّثَنِي سَعِيد بْن عُثْمَان، قَالَ: كَانَ قوم جلوسًا عَلَى شراب الهم، فدخل عَلَيْهِم داخل، فاستقبلوه، فَقَالَ بَعْضهم:
أيها الداخل الثقيل عَلَيْنَا حِينَ لذ الْحَدِيث لي ولصحبي
خف عنا فأنت أثقل والل هـ عَلَيْنَا من فرسخي دير كعب
قَالَ: فأجابه الرجل، فَقَالَ:
لست بالبارح العشية والل هـ لشتم ولا لشدة ضرب
أَوْ تديرون بالكبير ثلاثًا وتعلون بعدهن بقعب
[ ٨٦ ]
٩١- قرأت فِي كتاب صاحبنا مُحَمَّد بْن مُحَمَّد بْن زَيْد العلوي لبعضهم:
إن من كان عارفًا بالجميل لا يلوم الفتى عَلَى التطفيل
أنا فِي منزلي وحيد وأنتم قَدْ خلوتم بمسمع وشمول
هذه رقعتي وهذا رسولي أنا فِي إثرها وإثر الرسول
٩٢- أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن عَلِي بْن الْحُسَيْن التوزي، أَخْبَرَنَا عبيد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد المقرئ، أَخْبَرَنَا جَعْفَر بْن الْقَاسِمِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد الطوسي، أَخْبَرَنَا ابْن أَبِي سَعْد، حَدَّثَنِي عُمَر بْن إِسْمَاعِيل بْن عَبْد الْعَزِيز بْن عُمَر بْن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عوف، حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن شفنه الغفاري، قَالَ: خرج حكم الوادي المغني من الوادي
[ ٨٧ ]
مغاضبًا لأبيه حَتَّى ورد الْمَدِينَة، فصحب قومًا من الجمالين إِلَى الكوفة يعاونهم، ويركب معهم العقبة حَتَّى دَخَلَ الكوفة،فسأل: من أسرى من بالكوفة مِمَّن يشرب النبيذ وأسراه أَصْحَابًا؟ فقيل: فُلان التاجر البزاز، وَلَهُ ندماء من البزازين. وَكَانَ التجار يصيرون إِلَى منزل كل واحد كل يَوْم، فَإِذَا كَانَ يَوْم الجمعة صاروا إِلَى منزله، فخرج فجلس فِي حلقتهم، كُل واحد مِنْهُم يظن أَنَّهُ جاء مَعَ بَعْضهم يتحدثون ويتحدث معهم حَتَّى انصرفوا، فصاروا إِلَى منزل الرجل وَهُوَ معهم، فلما أخذوا مجالسهم جاءت جارية أخذت مِنْهُم أرديتهم وطوتها، وأوتوا بالطعام، ثُمَّ أوتوا بالنبيذ، فشربوا وكلهم يظن بالوادي ذاك الظن، حَتَّى إِذَا طابت أنفسهم ومر النبيذ في رؤوسهم قام الوادي إِلَى المتوضإ، فأقبل بَعْضهم عَلَى بَعْض، فَقَالُوا: مَعَ من جاء هَذَا!؟ فكلهم يَقُول: والله ما أعرفه! فقالوا: بعض، فَقَالُوا: طفيلي. فَقَالَ صاحب المنزل: فلا تكلموه بشيء، فَإِنَّهُ سري هني عاقل؛ وسمع الْكَلام، فلما خرج حيا الْقَوْم، ثُمَّ قَالَ لصاحب الْبَيْت: هل ها هنا دف مربع؟ قَالَ: لا والله! ولكن نطلبه لَك؛ فأرسل، فاشتري من السوق، وعلموا أَنَّهُ مغن، فلما وقع الدف فِي يده، فلما حركه كاد أَن يتكلم، فكادوا أَن يطيروا من الطرب من نقره بالدفء؛ ثم غنى بحق لَمْ يسمعوا بمثله؛ فلما سكت، قَالُوا: بأبي أَنْتَ يا سيدنا! مَا كَانَ ينبغي أَن يَكُون إلا هكذا. فَقَالَ: قَدْ سمعت كلامكم وَمَا ذكرتم من تطفيلي، وأي شَيْء كَانَ عليكم من رجل دَخَلَ فيما بَيْنَ أضعافكم؟ فَقَالُوا: مَا كَانَ عَلَيْنَا من ذَلِكَ من شَيْء؛ فأقام معهم يومًا، ثُمَّ قَالُوا لَهُ: أين تريد؟ قَالَ: بَاب أمِير الْمُؤْمِنيِنَ؛ فَقَالُوا: وكم أملك؟ قَالَ: ألف دِينَار. قَالُوا: فإنا نعطي اللَّه عهدا إن أراك أمِير الْمُؤْمِنيِنَ فِي سفرك هَذَا ولا عاينك ولا عاينت
[ ٨٨ ]
بلادًا سِوَى الكوفة وَهِيَ عَلَيْنَا، فأخرجوا مَا بينهم ألف دِينَار فأخرجوا مَا بينهم ألف دِينَار وأخرجوا كسوة لَهُ ولعياله ولأبيه وهدايا من العراق، وأقام عندهم حَتَّى اشتاق إِلَى أهله، فحملوه ورجع إِلَى أهله.
٩٣- حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن عَلِي بْن عَبْد اللَّهِ الصوري، أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عُمَر التجيبي بمصر، أَخْبَرَنَا أَبُو هُرَيْرَة أَحْمَد بْن عَبْد اللَّهِ بن الْحَسَن ابْن أَبِي العصام العدوي، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاس عيسى بْن عَبْد الرحيم، حَدَّثَنِي عَلِي بْن محمد هو ابن حيون، حَدَّثَنِي مُحَمَّد بْن أَحْمَد الكوفي، حَدَّثَنِي الْحُسَيْن بْن عَبْد الرَّحْمَنِ الحلبي، عَن أَبِيهِ، قَالَ: أمر الْمَأْمُون أَن يحمل إِلَيْهِ عشرة من الزنادقة سموا لَهُ من أهل البصرة، فجمعوا، وأبصرهم طفيلي، فَقَالَ: مَا اجتمع هَؤُلاءِ إلا لصنيع؛ فانسل، فدخل وسطهم، ومضى بِهِمُ الموكلون حَتَّى انتهوا بِهِمْ إِلَى زورق قَدْ أعد لَهُمْ، فدخلوا الزورق: فَقَالَ الطفيلي: هِيَ نزهة؛ فدخل معهم الزورق، فلم يك بأسرع بأن قيد الْقَوْم وقيد معهم الطفيلي، فَقَالَ الطفيلي: بلغ تطفيلي إِلَى القيود! ثُمَّ سير بِهِمْ إِلَى بغداد، فدخلوا إلى المأمون، فجعل يدعو بأسماعهم رجلًا رجلًا، فيأمر بضرب رقابهم؛ حَتَّى وصل إِلَى الطفيلي وَقَدِ استوفي عدة الْقَوْم، فَقَالَ للموكلين بِهِمْ: مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: والله مَا ندري! غَيْر أنا وجدناه مَعَ الْقَوْم، فجئنا بِهِ؛ فَقَالَ الْمَأْمُون: مَا قصتك ويلك؟ فَقَالَ: يا أمِير الْمُؤْمِنيِنَ! امرأته طالق إِن كَانَ يعرف من أقوالهم شيئًا، ولا يعرف إلا اللَّه ومحمدًا النَّبِي ﷺ، وإنما أنا رجل رأيتهم مجتمعين، فظننت صنيعًا يغدون إِلَيْهِ. فضحك الْمَأْمُون، وَقَالَ: يؤدب. وَكَانَ إِبْرَاهِيم بْن الْمَهْدِي قائمًا عَلَى رأس الْمَأْمُون، فَقَالَ: يا أمِير الْمُؤْمِنيِنَ هب لي أدبه أحدثك بحَدِيث عجيب عَن نفسي؛ فَقَالَ: قل يا إِبْرَاهِيم. قَالَ: يا أمِير
[ ٨٩ ]
الْمُؤْمِنيِنَ! خرجت من عندك يومًا فِي سكك بغداد متطربًا حَتَّى انتهيت إِلَى موضع سماه، فشممت يا أمِير الْمُؤْمِنيِنَ من جناح أبازير قدور قَدْ فاح طيبها، فتاقت نفسي إِلَيْهَا وإلى طيب ريحها، فوقفت عَلَى خياط، وقلت له: لمن هذه الدار؟ قَالَ: فُلان بْن فُلان. (فرميت بطرفي إِلَى الجناح، فَإِذَا فِي بعضه شباك، فنظرت إِلَى كف قَدْ خرجت من الشباك قابضة عَلَى عضد ومعصم، فشغلني يا أمِير الْمُؤْمِنيِنَ حسن الكف والمعصم عَن رائحة القدور، وبقيت باهتا ساعة، ثُمَّ أدركني ذهني، فَقُلْتُ للخياط: هل) هُوَ مِمَّن يشرب النبيذ؟ قَالَ: نَعَم، وأحسب عنده اليوم دعوة، وليس ينادم إلا تجارًا مثله مستورين. فإني لكذلك إذ أقبل رجلان نبيلان راكبان من رأس الدرب، فَقَالَ الخياط: هؤلاء منادموه؛ فقلت: ما أسماؤهم ومت كناهما؟ فقال: فلان فلان؛ وأخبرني بكناهما. فحركت دابتي وداخلتهما، وقلت: جعلت فداكما! قَدِ استبطأكما أَبُو فُلان أعزه اللَّه؛ وسايرتهما حَتَّى أتينا إِلَى الباب، فأجلاني وقدماني، فدخلت ودخلا، فلما رآني معهما صاحب المنزل لَمْ يشك أني منهما بسبيل، أَوْ قادم قدمت عليهما من موضع، فرحب وأجلسني فِي أفضل المواضع، فجيء يا أمِير الْمُؤْمِنيِنَ بالمائدة وعليها خبز نظيف، وأتينا بتلك الألوان، فكان طعمها أطيب من ريحها، (فَقُلْتُ فِي نفسي: هذه الألوان قَدْ أكلتها؛ وبقيت الكف، كَيْفَ أصل إِلَى صاحبها) ثُمَّ رفع الطعام، وجيء بالوضوء، ثُمَّ صرنا إِلَى منزل
[ ٩٠ ]
المنادمة، فَإِذَا أشكل منزل يا أمِير الْمُؤْمِنيِنَ، وجعل صاحب المنزل يلاطفني ويقبل علي بالحديث، وجعل صاحب المنزل يلاطفني ويقبل عَلِي بالحَدِيث، وجعلوا لا يشكون أَن ذَلِكَ منه لي عَن معرفة متقدمة، وإنما ذَلِكَ الفعل كَانَ منه لما ظن أني منهما بسبيل.
(حَتَّى إِذَا شربنا أقداحا، خرجت عَلَيْنَا جارية- يا أمِير الْمُؤْمِنيِنَ- كَأَنَّهَا غصن بان تثنى؛ فأقبلت تمشي، فسلمت غَيْر خجلة، وثنيت لَهَا وسادة، فجلست، وأتى بعود، فوضع فِي حجرها، فحبسته، فاستنبت في جسها حذقها؛ ثن اندفعت تغني:
توهمها طرفي فأصبح خدها وفيها مكان الوهم من نظري أثر
وصافحها قلبي فآلم كفها فمن مس قلبي فِي أناملها عقر
فهيجت- يا أمير المؤمنين- بلابلي، وطربت بحسن شعرها وحذقها، ثُمَّ اندفعت تغني:
أشرت إِلَيْهَا هل عرفت مودتي فردت بطرف العين إني عَلَى العهد
فحدت عَنِ الإظهار عمدا لسرها وحادت عَنِ الإظهار أيضًا عَلَى عمد
فصحت: السَّلام- يا أمِير الْمُؤْمِنيِنَ- وجاءني من الطرب مَا لَمْ أملك نفسي، ثُمَّ اندفعت تغني الصوت الثالث:
أليس عجيبًا أَن بيتا يضمني وإياك لا تخلو ولا نتكلم
سِوَى أعين تشكو الهوى بجفونها وتقطيع أنفاس عَلَى النأي تضرم
إشارة أفواه وغمز حواجب وتكسير أجفان وكف تسلم.
فحسدتها - يا أمِير الْمُؤْمِنيِنَ- عَلَى حذقها، وإصابتها معنى الشعر، وأنها لَمْ تخرج من الفن الَّذِي ابتدأت فِيهِ، فَقُلْتُ: بقي عليك يا جارية؛ فضربت بعودها الأَرْض، وقال: مَتَى كنتم تحضرون مجالسكم البغضاء؟ فندمت عَلَى مَا كَانَ مني، ورأيت الْقَوْم كلهم قَدْ
[ ٩١ ]
تغيروا لي، فَقُلْتُ: لَيْسَ ثُمَّ عود؟ فقالوا: بلى والله ياسيدنا؛ فأتيت بعود، فأصلحت من شأنه مَا أردت، ثُمَّ اندفعت أغني:
مَا للمنازل لا يجبن حزينا أصممن أم قدم المدى فبلينا؟
راحوا العشية روحة مذكورة إِن متن متنا، أَوْ حيين حيينا
فَمَا أتممته- يا أمِير الْمُؤْمِنيِنَ- حَتَّى خرجت الجارية، فأكبت عَلَى رجلي، فقبلتها، وتقول معتذرة: يا سيدي! والله مَا سمعت من مغن هَذَا الصوت مثلك أحدًا؛ وقام مولاها وَجَمِيع من كَانَ حاضرًا، فصنعوا كصنعها، وطرب الْقَوْم، واستحثوا السراب، فشربوا بالكاسات والطاسات، ثُمَّ اندفعت أغني:
أفي اللَّه أَن تمسين لا تذكرينني وَقَدْ سجمت عيناي من ذكرها الدما
إِلَى اللَّه أشكو بخلها وسماحتي لَهَا عسل مني وتبذل علقما
فردي مصاب القلب أَنْتَ قتلته ولا تتركيه ذاهب العقل مضرما
إِلَى اللَّه أشكو أَنَّهَا أجنبية وأني بِهَا بالود مَا عشت مغرما
فجاءنا من طرب الْقَوْم- يا أمِير الْمُؤْمِنيِنَ- شَيْء خشيت أَن يخرجوا من عقولهم، فأمسكت ساعة حَتَّى هدأ مَا كَانُوا فِيهِ من الطرب، ثُمَّ اندفعوا فِي الشرب بالصراحيات صرفًا عَلَى ذَلِكَ الطرب، ثُمَّ اندفعت أغنى بالصوت الثالث:
هَذَا محبك مطوي عَلَى كمده حرى مدامعه تجري عَلَى جسده
لَهُ يد تسأل الرحمن راحته مِمَّا بِهِ ويد أُخْرَى عَلَى كبده
يا من رأى أسفًا مستهترًا دنفًا كانت منيته فِي عينه ويده
فجعلت الجارية تصيح: هَذَا والله الغناء ياسيدي. وسكر الْقَوْم وخرجوا من عقولهم، وَكَانَ صاحب المنزل جيد الشرب، حسن
[ ٩٢ ]
المعرفة، فأمر غلمانه مَعَ غلمانهم لحفظهم وصرفهم إِلَى منازلهم.
وخلوت مَعَهُ، فشربنا أقداحًا، ثُمَّ قَالَ لي: يا سيدي! ذهب كَانَ من أيامي ضياعًا إذ كنت لا أعرفك، فمن أَنْتَ يا مولاي؟ فلم يزل يلح عَلِي حَتَّى أخبرته، فقام، فقبل رأسي، وَقَالَ: يا سيدي! وأنا أعجب أَن يَكُون هَذَا الأدب إلا من مثلك، وإذا أنا مَعَ الخلافة وأنا لا أشعر؟ ثُمَّ سألني عَن قصتي، وكيف حملت نفسي مَا فعلت، فأخبرته خبر الطعام، وخبر الكف والمعصم؛ فَقُلْتُ: أما الطعام فَقَدْ نلت منه حاجتي، فَقَالَ: والكف والمعصم؛ ثُمَّ قَالَ: يا فلانة- لجارية لَهُ- قولي لفلانة تنزل، فجعل ينزل لي واحدة واحدة، فأنظر إِلَى كفها ومعصمها، فأقول: ليست هِيَ. قَالَ: والله مَا بقي غَيْر أختي وأمي، والله لأنزلنهما إليك؛ فعجبت من كرمه وسعة صدره، فَقُلْتُ: جعلت فداك، ابدأ بأختك قبل الأم، فعسى أَن تكون هِيَ؛ فَقَالَ: صدقت؛ فنزلت، فلما رأيت كفها ومعصمها، قُلْت: هِيَ ذه) فأمر غلمانه، فصاروا إِلَى عشرة مشايخ من جلة جيرانه فِي ذَلِكَ الوقت، فأحضروا، ثُمَّ أمر ببدرتين فيهما عشرون ألف درهم، وَقَالَ للمشايخ: هذه أختي فلانة، أشهدكم أني زوجتها من سيدي إِبْرَاهِيم بْن الْمَهْدِي،
[ ٩٣ ]
وأمهرتها عَنْهُ عشرين ألف درهم، فرضيت وقبلت النكاح؛ ودفع إِلَيْهَا البدرة، وفرق البدرة الأخرى عَلَى المشايخ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ: اعذروا، وَهَذَا مَا حضر عَلَى الحال؛ فقبضوها ونهضوا. ثُمَّ قَالَ لي: يا سيدي! أمهد لَك بَعْض البيوت تنام مَعَ أهلك؛ فأحشمني، والله مَا رأيت من سعة صدره وكرم خيمه. فَقُلْتُ: بَل أحضر عمارية، وأحملها إِلَى منزلي؛ فَقَالَتْ: مَا شئت. فأحضرت عمارية، فحملتها، وصرت بِهَا إِلَى منزلي، فوحقك يا أمِير الْمُؤْمِنيِنَ لَقَدْ حمل إلي من الجهاز مَا ضاقت بِهِ بَعْض بيوتنا، فأولدتها هَذَا القائم عَلَى رأس سيدي أمِير الْمُؤْمِنيِنَ؛ فعجب الْمَأْمُون من كرم ذَلِكَ الرجل، وسعة صدره، وقال: الطفيلي، وأجاز بجائزة سنية، وأمر إِبْرَاهِيم بإحضار الرجل، فكان من خواص الْمَأْمُون وأهل محبته.
٩٤- أَخْبَرَنَا علي ابن أَبِي عَلِي البصري، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنِي أَبُو الفرج عَلِي بْن الْحُسَيْن المعروف بالأصبهاني إملاء من حفظه، وكتبته عَنْهُ فِي أصول سماعاتي منه، وَلَمْ يحضرني كتابي فأنقله منه، فأثبته من حفظي، وتوخيت ألفاظه بجهدي؛ أخبرني مُحَمَّد بن فريد ابن أَبِي الأزهر، أَخْبَرَنَا حماد بْن إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الموصلي، حَدَّثَنِي أَبِي، قَالَ: غدوت يومًا وأنا ضجر من ملازمة دار الخلافة والخدمة فِيهَا، فخرجت، وركبت بكرة، وعزمت عَلَى أَن أطوف الصحراء
[ ٩٤ ]
وأتفرج، فَقُلْتُ لغلماني: إِن جاء رسول الخليفة أوغيره، فعرفوه أني بكرت فِي مهم، وأنكم لا تعرفون أين توجهت؛ قَالَ: ومضيت، فطفت مَا بدا لي، وعدت وَقَدْ حمي النهار، فوفقت فِي شارع بالمخرم، بِهِ فناء ثخين الظل، وجناح خارج رحب عَلَى الطريق؛ لأستريح. فلم ألبث أَن جاء خادم يقود حمارًا فارهًا، عَلَيْهِ جارية راكبة، تحتها منديل دابقي، وعليها من اللباس الفاخر مَا لا غاية وراءه، ورأيت لَهَا قوامًا حسنًا، وطرفًا فاترًا، وشمائل ظريفة؛ فحدست أَنَّهَا مغنية، فدخلت الدار الَّتِي كنت واقفًا عَلَيْهَا، وعلقها قلبي فِي الوقت علوقًا شديدًا لَمْ أستطع مَعَهُ البراح، فلم ألبث إلا يسيرًا حَتَّى أقبل رجلان شابان جميلان، لهما هيبة تَدُل عَلَى قدرهما وهما راكبان، فاستأذنا، فأذن لهما، فحملني مَا قَدْ حصل فِي قلبي من حب الجارية وإيثاري عَلَى حالها والتوصل إِلَيْهَا عَلَى أَن نزلت معهما ودخلت، فظنا أَن صاحب الْبَيْت دعاني وظن صاحب الْبَيْت أني معهما، فجلسنا، وأتي بالطعام، فأكلنا، وبالشراب فوضع. وخرجت الجارية وَفِي يدها عود، فرأيت جارية حسناء، وتمكن مَا فِي قلبي، فغنت غناء صالحًا، وشربنا.
وقمت قومه للبول، فسأل صاحب المنزل عني الفتيين، فأخبراه أنهما لا يعرفانني، فَقَالَ: هَذَا طفيلي، ولكنه ظريف، فأجملوا عشرته.
وجئت فجلست، فغنيت الجارية فِي لحن لي:
ذكرتك أَن مرت بنا أم شادن أمام المطايا تشرئب وتسنح.
من المؤلفات الرمل أدماء حرة شعاع الضحى فِي متنها يتوضح
فأدته أداء صالحًا، وشربت، ثُمَّ غنت أصواتا فيها صنعتي:
[ ٩٥ ]
الطلول الدوارس فارقتها الأوانس
أوحشت بعد أهلها فهي قفز بسابس
فكان أمرها منه أصلح من الأَوَّل. ثُمَّ غنت أصواتًا من القديم والمحدث، وغنت فِي أضعافها من صنعتي ومن شعري:
قل لمن صد عاتبا ونأى عَنْك جانبا
قَدْ بلغت الَّذِي أرد ت وإن كنت لاعبا
واعترفنا بِمَا ادعي ت وإن كنت كاذبا
فكان أصلح مَا غنته، فاستعدته منها لأصححه، فأقبل عَلِي رجل من الرجلين، فَقَالَ: مَا رأيت طفيليا أصفق منك، لَمْ ترض بالتطفيل حَتَّى أقترحت، وَهَذَا تصديق المثل "طفيلي ويقترح"؛ فأطرقت وَلَمْ أجبه، وجعل صاحبه يكفه عني فلا يكف. ثُمَّ قاموا للصلاة وتأخرت، فأخذت عود الجارية، فشددت طبقته، وأصلحته إصلاحًا محكمًا، وعدت إِلَى موضعي، فصليت، وعادوا، فأخذ ذَلِكَ الرجل فِي عربدته عَلِي وأنا صامت، ثُمَّ أخذت الجارية العود وجسته، فأنكرت حاله، فَقَالَتْ: من مس عودي؟ فَقَالُوا: مَا مسه أحد؛ فَقَالَتْ: بلى! والله قَدْ مسه حاذق متقدم وشد طبقته وأصلحه إصلاح متمكن فِي صناعته؛ فَقُلْتُ لَهَا: أنا أصلحته. قَالَتْ: فبالله عليك خذه وأضرب بِهِ؛ فأخذته منها، فضربت، فبدأ طريق عجيب صعب فِيهِ نقرات محركة، فَمَا بقي أحد مِنْهُم إلا وثب فجلس بين يدي، وَقَالُوا: بالله يا سيدنا! أتغني؟ قُلْت: نَعَم! وأعرفكم نفسي أيضًا، إنا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيم الموصلي، ووالله إني لأتيه عَلَى الخليفة وأنتم تشتمونني منذ اليوم لأنني تملحت معكم بسبب هذه الجارية، ووالله لا نطقت بحرف ولا جلست معكم حَتَّى تخرجوا هَذَا المعربد المقيت الغث؛ ونهضت لأخرج، فعلقوا
[ ٩٦ ]
بي، فلم أعرج، ولحقتني الجارية، فعلقت بي، فَقُلْتُ: لا أجلس إلا أَن يخرجوا هَذَا المعربد البغيض؛ فَقَالَ لَهُ صاحبه: من هذا وشبه حذرت عليك؛ فأخذ يعتذر، فَقُلْتُ: أجلس، ولكن والله لا أنطق بحرف وَهُوَ حاضر؛ فأخذوا بيده فأخرجوه، فغنيت الأصوات الَّتِي غنتها الجارية؛ فأخذوا بيده فأخرجوه، فغنيت الأصوات الَّتِي غنتها الجارية من صنعتي؛ فطرب صاحب الْبَيْت طربًا شديدًا، وَقَالَ: هل لَك فِي أمر أعرضه عليك؟ قُلْت: مَا هُوَ؟ قَالَ تقيم عندي شهرًا والجارية والحمار لَك مَعَ مَا عَلَيْهَا للجارية من كسوة؛ قُلْت: أفعل؛ فأقمت عنده ثلاثين يومًا لا يعرف أحدا أين أنا، والمأمون يطلبني فِي كُل موضع فلا يعرف لي خبرا.
فلما كان ثلاثين يومًا أسلم إلي الجارية والحمار والخادم، فجئت بِذَلِكَ إِلَى منزلي وَهُمْ فِي أقبح صورة لفقدي، وركبت إِلَى الْمَأْمُون من وقتي، فلما رآني، قَالَ: إِسْحَاق! ويحك! أين تكون؟ فأخبرته بخبزي؛ فقال: علي بالرجل الساعة؛ فذللتهم عَلَى بيته، فأحضر، فسأله الْمَأْمُون عَنِ القصة، فاخبره، فَقَالَ: أَنْتَ رجل ذو مروءة، وسبيلك أَن تعاون عَلَيْهَا؛ وأمر بِهِ بمئة ألف درهم، وَقَالَ لَهُ: لا تعاشر ذَلِكَ المعربد النذل؛ فَقَالَ: معاذ اللَّه يا أمِير الْمُؤْمِنيِنَ! وأمر لي بخمسين ألف درهم، وَقَالَ: أحضرني الجارية؛ فأحضرته إياها، فغنته؛ فَقَالَ لي: قَدْ جعلت لَهَا نوبة فِي كُل يَوْم ثلاثاء تغني من وراء الستارة مَعَ الجواري؛ وأمر لَهَا بخمسين ألف درهم، فربحت والله بتلك الركبة وأربحت.
٩٥- أخبرني أَحْمَد بْن عَلِي بْن الْحُسَيْن التوزي، أَخْبَرَنَا عبيد اللَّه بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد بْن المقرئ، أَخْبَرَنَا جَعْفَر بْن الْقَاسِمِ،
[ ٩٧ ]
أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد الطوسي، حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: سمعت مخارقًا المغني يَقُول: طفلت تطفيلة قامت عَلَى أمِير الْمُؤْمِنيِنَ الْمُعْتَصِم بمئة ألف درهم؛ فقيل لَهُ: وكيف ذاك؟ قَالَ: شربت مَعَ الْمُعْتَصِم ليلة إِلَى الصبح، فلما أصبحنا، قُلْت لَهُ: يا سيدي! إِن رأى أمِير الْمُؤْمِنيِنَ أَن يأذن لي فأخرج فأتنسم فِي الرصافة إِلَى وقت انتباه أمِير الْمُؤْمِنيِنَ. قَالَ: نَعَم! فأمر البوابين، فتركوني.
قَالَ: فجعلت أمشي فِي الرصافة، فبينا أنا أمشي إذ نظرت إِلَى جارية كأن الشَّمْس تطلع من وجهها، فتبعتها، ومعها زبيل مشاوب، فوقفت عَلَى صاحب فاكهة، فاشترت مكنه سفرجلة بدرهم، ورمانة بدرهم، وكمثرة بدرهم؛ وتبعتها، فالتفتت، فرأتني خلفها أتبعها، فَقَالَتْ لي: يا ابْن الفاعلة! لا تلني، إِلَى أين؟ قُلْت: خلفك يا سيدتي. فَقَالَتْ: ارجع يا ابْن الفاعلة لا يراك أحد فتقتل.
قَالَ: ثُمَّ التفتت بَعْد، فنظرت إلي.
قَالَ: فشتمتني ضعف مَا شتمتني فِي المرة الأولى، ثم جاءت، ثُمَّ جاءت إِلَى بَاب كبير، فدخلت منه. فجلست بحذاء الباب، فَذَهَبَ عقلي، ونزلت الشَّمْس، وَكَانَ يومًا حارًا، فلم ألبث أَن جاء فتيان كأنهما صورتان عَلَى حمارين مصريين، فأذن لهما، فدخلا ودخلت معهما، فظن صاحب المنزل أني جئت مَعَ صديقيه، وظن صديقاه أَن صاحب المنزل دعاني، وجيء بالطعام، فاكلوا وغسلوا أيديهم، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ صاحب المنزل: هل لكم فِي فلانة؟ قَالُوا: إِن تفضلت؟ فخرجت تلك الجارية بعينها وقدامها وصيفة تحمل عودًا لَهَا، فوضعته فِي حجرها، فغنت، فطربوا وشربوا، وَقَالُوا: لمن هَذَا يا ستنا؟ قَالَتْ: لسيدي مخارق؛ ثُمَّ غنت صوتًا آخر فطربوا، وازداد طربهم، فَقَالُوا لَهَا: لمن
[ ٩٨ ]
هَذَا الصوت يا ستنا؟ قَالَتْ: لسيدي مخارق؛ ثُمَّ غنت الثالث، فطربوا وشربوا، وَهِيَ تلاحظني وتشك فِي، فَقَالُوا: لمن هَذَا يا ستنا؟ فَقَالَتْ: لسيدي مخارق.
قَالَ: فلم أصبر، فَقُلْتُ لَهَا: يا جارية! شدي يدك؛ فشدت أوتارها، وخرجت عَن إيقاعها الَّذِي تقول عليه، فدعوت بداوة، وقضيت، فغنيت الصوت الَّذِي غنته أولًا، فقاموا فقبلوا رأسي.
قَالَ أَبِي: وَكَانَ أَحْسَن النَّاس صوتًا، وَكَانَ يوقع بالقضيب.
ثُمَّ غنيت الثَّانِي والثالث، فجنوا، فكادت عقولهم تذهب، فَقَالُوا: من أَنْتَ يا سيدنا؟ قُلْت: أنا مخارق؛ قَالُوا: فَمَا سبب مجيئك؟ فَقُلْتُ: طفيلي أصلحكم اللَّه؛ وخبرتهم خبري، فَقَالَ صاحب الْبَيْت لصديقيه: قَدْ تعلمان أني قَدْ أعطيت بِهَا ثلاثين ألف درهم، فأبيت أَن أبيعها، وأردت الزيادة، وَقَدْ نقصت من ثمنها عشرة آلاف درهم؛ قَالَ صديقاه: عَلَيْنَا عشرون ألف درهم؛ وملكوني الجارية.
وقعد الْمُعْتَصِم، فطلبني فِي منازل أبناء القواد، فلم أصب، وتغيظ عَلِي، وقعدت عندهم إِلَى العصر، وخرجت بِهَا، فكلما مررت بموضع شتمتني فِيهِ، قُلْت لَهَا: يا مولاتي! أعيدي شتمك عليّ؛ فتأبى، فأحلف لتعيدنه، وأخذت بيدها حَتَّى جئت بِهَا إِلَى بَاب أمِير الْمُؤْمِنيِنَ، فدخلت ويدي فِي يدها، فلما رآني الْمُعْتَصِم سبني وشتمني، فَقُلْتُ: يا أمِير الْمُؤْمِنيِنَ! لا تعجل عَلِي؛ وحدثته، فضحك، وَقَالَ لي: نكافيهم عَنْك يا مخارق؛ فأمر لكل رجل مِنْهُم بثلاثين ألف درهم، وأمر لي بعشرة آلاف درهم.
[ ٩٩ ]