فَقَالَ لي: إِن لَمْ أنفعك لَمْ أضرك؛ فعطشت، فَقَالَ لي: ارفع رأسك إِلَى فَوْقَ وتنفس ثلاثًا، فَإِنَّهُ ينزل مَا أكلت.
أنبأنا الرافقي، أَخْبَرَنَا ابْن السري، أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن الْحَسَن، قَالَ: سمعت بنانا يَقُول: نقصان لونين وماء بارد فَهُوَ أحب إلي.
قَالَ أَبُو الْحَسَن بنان: وإذا قمت من المائدة وقد تعذيت فأقعد فِي وسط الدار يضربك الهواء، وادع بالشراب، فَإِن أتوك بنبيذ فَهُوَ أحب إلي رطلًا أَوْ رطلين، ولا تصب فِيهِ ماء، وإن أتوك بفقاع فلا تكثر منه فَإِن كثرته تغثي، وإن حلفوا عليك فأدخلوك الْبَيْت فلا تقعد فِي الصدر؛ فَإِن القعود فِي الصدر قعود مغن أَوْ مخرف، إِن أردت أَن تقضي حاجة أَوْ تبول يصعب عليك القيام، وتستحي مِمَّن فِي المجلس من قيامك وقعودك، قاقعد بجنب الباب؛ وإن كَانَ فِي الْبَيْت فاكهة كثيرة، فاجذب منها إليك ولا تأمن أَن تذهب وتبقى أَنْتَ بلا شَيْء. ولا تكن أَنْتَ الساقي، وكن ذنبًا ولا تكن رأسًا. وإن كَانَ فِي المجلس مغنية وغلام حسن الوجه، فاتق اللَّه فِي نفسك ولا تولع بواحد منهم والزم العافية، وَقَدْ قَالَ اللَّه تَعَالَى فِي كتابه: (وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) (٢٠ سورة طه الآية: ١٣١) . وإذا دار النبيذ فِي الأقداح، فأنظر خير نبيذ يَكُون فِي مجلسك، فخذ قنينة وقدحًا وأشرب وحدك، وإذا رأيتهم يخلطون فِي
[ ١٥٦ ]
حَدِيثهم، وإذا كَانَ فِي المجلس خمر، فاتق اللَّه ولا تشرب منه، ولا تقعد فِي مكان يكون فِي مكان يَكُون فِيهِ؛ وَحَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ سَهْلِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَعَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ الرَّازِيُّ؛ كُلُّهُمْ يرويه عَنْ مُعَاوِيَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فاجلدوه، وإن عاد فاقتلوه" (راجع مسند أحمد) رقم: ١٦٨٦٤)، يا أَخِي! وإياك إياك أَن تسكر، وأن يرى الْقَوْم منك زلة أَوْ كلمة غلط، فيحتكم بِهَا عليك؛ ولعلك مستور فِي جيرانك، فتخرج وَقَدِ انهتك سترك عندهم؛ ولعلك إمام أَوْ مؤذن، فَهُوَ الفضيحة الَّتِي لا تجبرها أبدًا. وعليك بخبر حسن، أَوْ حَدِيث حسن، فإنهم كلهم يميلون إليك وتصير سيدهم. وإن خلطت وولعت ومزحت، فإنما هُوَ صفع كُلهُ وعداوة بَيْنَ جيرانك لا تجبرها أبدًا. وإياك يا أَخِي أن تسكر، فَإِن خشيت من نفسك السكر فقم وأنت صحيح وعقلك معك، ولا تأمن الحدثان، سلمنا اللَّه وإياك يا أَخِي من آفات الدنيا والآخرة. فاقبل وصيتي فإنك ترشد إِن شاء اللَّه.
قَالَ: وكنى بنان آلة الطعام، فَقَالَ: الجفنة: أم كثير، الخوان: أَبُو جامع، الطست والإبريق: بشر وبشير، الطيفورية: أم روح، الغضارة: أم الفرح، منديل الغمر: أَبُو اليسير.
[ ١٥٧ ]
وكنى بنان الخبز الحواري: أَبُو نعيم، والخشكار: أَبُو جَابِر، والسميذ: أَبُو السرور، ويقال: أَبُو الْمَلِك، اللحم: أَبُو عَاصِم، البقل: أَبُو جميل، الخل: أَبُو ثقيف، الحمل: أَبُو حميد، الجدي: أَبُو حبيب، الدجاجة: أم الخير، البطة: أم عَمْرو، الرأس: أَبُو الرجاء، الكارع: أبو الغشا، الجبن: راشد الخانق، الزيتون: خنافس الخوان، الصحناء: أم البلايا، الماحمص: أَبُو حفيص، الماباقلى: أَبُو رياح، الفالوذج: أَبُو العلا، الخبيص: أَبُو رزين، اللوزينج: قبور الأطفال، القطائف: قبور الشهداء، العصيدة: أم سهل، الماء: أَبُو الغيث، النديم: أَبُو الكمال، المجلس: أَبُو محمود، المنارة والسراج: أَبُو صياح، الخلال: كتاب العزل، الأشنان: أَبُو اليأس.
أبنأنا الرافقي، أَخْبَرَنَا ابْن السري، أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن الْحَسَن، قَالَ: أتى بَعْض الشعراء بنانًا عِنْدَ موته فقال:
يا أيها الميت الذمي م لدى الأقارب والأباعد
من للهرايس إذ فقد ت وللثرائد والعصائد
[ ١٥٨ ]
وحضور أيام الولا ئم والقعود عَلَى الموائد
والأكل مَا قدرت علي هـ يداك من حار وبارد
قَدْ كنت تلتقم الرؤو س إِذَا خلوت وَفِي الشواهد
وتعيث في مال الصدي ق كوارث فِي مال والد
أظننت أنك سوف تخ لد وابن آدم غَيْر خَالِد
أنشدني رئيس الرؤساء جمال الورى شرف الوزراء أَبُو القاسم عَلِي بْن الْحَسَن بْن أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عُمَر لأبي عَبْد اللَّهِ البناني يرثي بَعْض الطفيليين:
أبكي لفقدك عِنْدَ كُل غداء ولطيب أكلك عِنْدَ كُل عشاء
يا شيخ أهل الأكل غَيْر مدافع لو كنت تسمع أَوْ تجيب ندائي
لو تستطيع لَك الموائد فدية لفدت؛ وكيف ولات حِينَ فداء
من للجواذب والرقاق ومن لأق راص السميذ ومن لخبز الماء
وبوارد برد الغليل يحسنها كالروض أضحكه بكاء سماء
محمرة بالخل فِي جنباتها مخضرة بالبقل والقثاء
أبكيك للحمل السمين وتارة أبكي عليك لدخلة ألياء
وكذاك للجدي الرضيع مبزرًا وصفاير يتبعن جنب شواء
أبكيك للمبسوطة الصفراء تأتي أمام هريسة بيضاء
لهفي عليك إذا العزوف تتابعت لهفا يديم تنفس الصعداء
عمت مصيبتك البسيطة والورى طرًا عموم حنادس الظلماء
من للثريد إِذَا ارتوى من دهنه فِي الصحن ري سحابة وطفاء
[ ١٥٩ ]
وتكللت جنباته بمجزع ذَات السديف بِهِ عَلَى الأرجاء
أمن يفسر كُل مشكل أكلة أعيت عَلَى الندماء والأكلاء
قرحت عيون النرجسية بعده شوقًا إِلَى الكشكية الخضراء
وتبارتا أسفا عليك ولوعة وكذاك شرط تفرق القرناء
زلت بمصرعك الولائم واغتدى الت طفيل رهن كآبة وبكاء
أبقيت فِي قلب القطائف حسرة لا يستقل بِهَا صباح مساء
هيهات أن تنسى اهتشاشك نحوها بطويل باعك واليد الرعشاء
ولرب يَوْم أيوم أفنيت فِي علم الطعام وليلة ليلاء
لطعم الخوان وَقَدْ نعيت تحرقًا واستعبر الطنجير للحلواء
وتجرع الجواذب ثكلك وانثنى يثني بفضلك عَن أَبِي الصهباء
أما وَقَدْ غالتك غائلة الردى فليأمن الحيوان سفك دماء
يا قانص الفروج من سفوده قنصتك كف آذنت بفناء
عفت المطابخ والقدور وأعفيت فِيهَا طهاتك بَعْد طول عناء
وتركت أنضاء المغارف ظلعًا حسرى من الأنفال والإعياء
لا غرو إِن كشف المروس رأسه حزنًا عليك وشق كُل رداء
قَدْ كنت تصفيه المودة والهوى وتخصه بمودة دولاء
إِن كَانَ ضعضعك الزَّمَان فطالما أودى بكل مصمم أباء
لا تبعدان وَقَدْ بعدت وكل ذي قرب رهين تباعد وتنائي
وسقى ثراك مجلجل واهي العرى يحمي عليه يدهن كُل سلاء
وازداد قبرك جونة مشحونة تسعى إليك بِهَا يد الوصفاء
ومؤانساك أوزة وأرزة صينت عن الأدناس والأقذاء
فلقد تركت العرس بعدك مأتما وأقمت سوق الحزن والبرحاء
واها فَإِن مصابنا بك كاف مف تاح الهموم وغاية الضراء
خذها إليك مسيحة سيارة تنبيك عَن عهد وحسن وفاء
[ ١٦٠ ]