عَبْدِ اللَّهِ! أَيْشٍ عِنْدَكَ فِي طَعَامِ الْفَجْأَةِ؟ فَقَالَ: كَانَ يَنْبَغِي أَنَ يَكُونَ سُؤَالُكَ هَذَا وَالتَّمْرُ فِي مَوْضِعِهِ.
قَالَ الخطيب: إِذَا كَانَ لرجل صديق قَدْ تأكدت حرمته بِهِ، وثبتت مخالصته لَهُ؛ فقد رخص له في إيتان طعامه من غَيْر أَن يدعوه إِلَيْهِ، إِذَا علم أَنَّهُ يؤثر ذَلِكَ ويشتهيه ولا يكرهه؛ بَل يرغب فِيهِ.
وَالأَصْلُ فِي ذَلِكَ: مَا أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ الدَّلالُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُكْرَمٍ الطَّسْتِيُّ إِمْلاءً، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ النَّرْسِيُّ، أَخْبَرَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا شَيْبَانُ، عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي سَاعَةٍ لا يَخْرُجُ فِيهَا وَلا يَلْقَاهُ فِيهَا أَحَدٌ، فَأَتَاهُ أَبُو بَكْرٍ، فَقَالَ: "مَا أَخْرَجَكَ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ "قَالَ خَرَجْتُ لِلِقَاءِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالنَّظَرِ فِي وَجْهِهِ وَالسَّلامِ عَلَيْهِ؛ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ جَاءَ عُمَرُ فَقَالَ: "مَا أَخْرَجَكَ يَا عُمَرُ؟ "قَالَ: الْجُوعُ، قَالَ: "وَأَنَا قَدْ وَجَدْتُ مِثْلَ هَذَا الَّذِي تَجِدُ؛ انْطَلِقُوا بِنَا إِلَى بَيْتِ أَبِي الهيثم ابن التَّيِّهَانِ الأَنْصَارِيِّ"، وَقَدْ كَانَ رَجُلا كَثِيرَ النَّخْلِ وَالشَّاءِ، وَلَمْ يَكُنْ له خادم. وساق بقيمة الحديث (راجع مجمع الزوائد) ١٠٣١٩) .
فالتغليط الوارد فِي الْحَدِيث إِنَّمَا هُوَ محمول على إيتان طَعَام غَيْر الصديق، وصاحبه كاره لِذَلِكَ.
[ ٦٥ ]
أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أحمد رزق البزاز، أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَن المظفر بْن يَحْيَى الشرابي، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاس أَحْمَد بْن مُحَمَّد بْن عَبْد اللَّهِ المرثدي، عَن أَبِي إِسْحَاق الطلحي، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد، حَدَّثَنِي ابْن أَبِي الجارود مؤدب كَانَ لَهُ، قَالَ: قال رجل من الحكماء لبينه: اجتنبوا ثماني خصال، فمن تعاطى منكم شَيْئًا منهن فأهين فلا يؤمن إلا نَفْسه: المحدث لمن لا ينصت لَهُ، والمداخل نَفْسه فِي سر بَيْنَ اثنين لَمْ يدخلاه فِيهِ، والجالس المجلس لا يستحقه، وآتي الدعوة لَمْ يدع إِلَيْهَا، والملتمس الفضل من أيدي اللئام، والمعترض للخير من يد عدوه، والمتكلف ما لا يعينه، والمتحمق فِي الدالة.
أَخْبَرَنَا أَبُو محمد بْن عَلِي الجوهري، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن عمران بْن موسى، أَخْبَرَنَا أحمد بن محمد عيسى الْمَكِّي، أَخْبَرَنَا أَبُو العيناء مُحَمَّد بْن الْقَاسِمِ، قَالَ: قَالَ مُحَمَّد بْن حرب الهلالي: إِن بَعْض الحكماء قَالَ لابنه: من تعرض لخصال تقصر بِهِ فلا يلومن إلا نَفْسه: من حدث من لا يستمع لحَدِيثه، ومن دَخَلَ بَيْنَ اثنين لَمْ يدخلاه، ومن أتى الدعوة وَلَمْ يدع إِلَيْهَا، والجالس مجلسًا لا يستحقه، والطالب الفضل من اللئام، والمعترض للخير من عدوه، والمتحمق بالدالة، والمتكلف ما لا يعينه.
وَقَدْ رَوَى نَحْوَ هَذَا الْقَوْلِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁. أَخْبَرَنِيهِ أَبُو الْقَاسِمِ الأَزْهَرِيُّ، أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الْحَافِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ الْخَضِرِ الأَسْيُوطِيُّ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ
[ ٦٦ ]
إِبْرَاهِيمَ بْنِ يُونُسَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بن عمرو ابن تَمَّامٍ، حَدَّثَنِي أَبُو عَمْرِو بْنُ تَمَّامٍ الْكَلْبِيُّ، حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبَانٍ الأَنْصَارِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ: ثَمَانِيَةُ رَهْطٍ إِنْ أُهِينُوا فَلا يَلُومُنَّ إِلا أَنْفُسَهُمْ: الآتِي مَائِدَةً لَمْ يدع إليها، والمعترض لِفَضْلِ اللَّئِيمِ، وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ.
كتب إِلَى عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عُثْمَان الدمشقي، وحدثني عَبْد الْعَزِيز ابْن أَبِي طاهر الصوفي عَنْهُ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ حبيب الفقيه، أَخْبَرَنَا أَبُو أمية الطرسوسي.
وأخبرنا الأزهري، أَخْبَرَنَا عَبْد الرَّحْمَنِ بْن عُمَر أَن مُحَمَّد بْن جَعْفَر المطيري أخبرهم، أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن إِسْحَاق أَبُو بَكْر الصغاني.
قَالا: أَخْبَرَنَا وضاح بْن حسان، أخبرنا أبو الهلال الراسبي، عَن غالب الْقَطَّان، عَن بَكْر بْن عَبْد اللَّهِ، قَالَ: إِن أحق النَّاس بلطمة من أتى طعامًا لَمْ يدع إِلَيْهِ، وإن أحق النَّاس بلطمتين من يَقُول لَهُ صاحب المنزل: اجلس ههنا، فَيَقُول: لا! بَل أجلس ههنا؛ وإن أحق النَّاس بثلاث لطمات من دعي إِلَى طَعَام، فَقَالَ لصاحب الْبَيْت: أدع ربة الْبَيْت تأكل معنا.
لَفْظُ الأَزْهَرِيِّ: أخبرناه أحمد ابن أَبِي جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْكَاتِبُ بِمِصْرَ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ دُرَيْدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْن أَخِي الأصمعي، عَن عمه الأصمعي، عن أبي عمرو ابن الْعَلاءِ، قَالَ: قَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
[ ٦٧ ]
الْمُزَنِيُّ: أَحَقُّ النَّاسِ بِلَطْمَةٍ مَنْ إِذَا دُعِيَ إِلَى طَعَامٍ يَذْهَبُ مَعَهُ بِآخَرَ؛ وَأَحَقُّ النَّاسِ بِلَطْمَتَيْنِ رَجُلٌ دَخَلَ عَلَى قَوْمٍ، فَقَالُوا: اجْلِسْ هَهُنَا، قَالَ: لا، بَلْ هَهُنَا؛ وَأَحَقُّ النَّاسِ بِثَلاثِ لَطَمَاتٍ رَجُلٌ دَخَلَ عَلَى قَوْمٍ فَقَدَّمُوا لَهُ طَعَامًا، فَقَالَ لِرَبِّ الْبَيْتِ: اجْلِسْ كُلْ مَعَنَا.
والضيف إِذَا أطال المثوى عِنْدَ مضيفه حَتَّى يخرجه ويشق عَلَيْهِ، كَانَ بمنزلة المتطفل، وقد ورد الأثر بالنهي عَن ذَلِكَ.
أَخْبَرَنَا مُحَمَّد بْن أَحْمَد ابْن رزق، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ إِسْمَاعِيلُ بْنُ محمد الصفار.
وَأَخْبَرَنَا الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَرَشِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الأَصَمُّ.
قَالا: أَخْبَرَنَا أَبُو يحيى بْنُ يَحْيَى الْمَرْوَزِيُّ، أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرٍو، سَمِعَ نَافِعَ بْنَ جُبَيْرٍ يُخْبِرُ عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِيِّ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ، قَالَ: "مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخَرِ فَلْيُحْسِنْ إِلَى جَارِهِ، مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخَرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخَرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَسْكُتْ "
[ ٦٨ ]
قَالَ سُفْيَان: وزاد ابْن عجلان: عن سعيد ابن أَبِي سَعِيد، عَن أَبِيهِ، عَن أَبِي شريح الخزاعي، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ: "من كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخَرِ فليكرم ضيفه، وجائزته يومه وليلته، والضيافة ثَلاث، ولا يحل لَهُ أَن يثوى عنده حَتَّى يحرجه، فَمَا أنفق عَلَيْهِ بَعْد ذَلِكَ - وَقَالَ الصفار: "ثَلاث"- فَهُوَ صدقة". (البخاري، رقم: ٦١٣٥؛ ومسلم، رقم:٤٨) .
أَخْبَرَنَا أَبُو يعلى أَحْمَد بْن عَبْد الْوَاحِد بْن مُحَمَّد الوكيل، أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيل بْن سَعِيد المعدل، أَخْبَرَنَا الْحُسَيْن بْن الْقَاسِمِ الكوكبي، قَالَ: قَالَ لنا أَبُو الْعَبَّاس - يَعْنِي المبرد-: ضاف رجل قومًا، فكرهوه، فَقَالَ الرجل لامرأته: كَيْفَ لنا بعلم مقدار مقامه؟ قَالَتْ: ألق بيننا شرًا حَتَّى نتحاكم إِلَيْهِ، ففعلًا، فَقَالَتْ للضيف: بالذي يبارك لَك فِي غدوك، أينا أظلم؟ فَقَالَ الضيف: والذي يبارك لي فِي مقامي عندكم شهرًا، مَا أعلم.
أخبرني أَحْمَد بْن عَلِي بْن مُحَمَّد المحتسب، أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّهِ بْن مُحَمَّد بْن أَحْمَد المقرئ، أَخْبَرَنَا جَعْفَر بْن بْن الْقَاسِمِ، أَخْبَرَنَا أَحْمَد بْن مُحَمَّد الطوسي، أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيم بْن الجنيد، أَخْبَرَنَا الزُّبَيْر بْن بكار، حَدَّثَنِي عمي مُصْعَب، قَالَ: نزل بَعْض أهل البصرة عَلَى مديني، وَكَانَ صديقًا لَهُ، فألح عَلَى المديني بطول المقام، فَقَالَ المديني لامرأته: إِذَا كَانَ غدًا، فإني أقول لضيفنا: كم ذراعًا تقفز؟ فأقفز أنا من العتبة إِلَى الدار، فَإِذَا قفز الضيف أغلقي الباب خلفه، فلما كَانَ من الغد، قَالَ لَهُ المديني: كَيْفَ قفزك يا أبا فُلان؟
[ ٦٩ ]
قَالَ: جيد، قَالَ: فوثب المديني من داخل منزله إِلَى خارج الدار أذرعا، فقال له: فوثب إِلَى داخل الدار ذراعين، فَقَالَ لَهُ: أنا وثبت إِلَى خارج الدار أذرعًا، وأنت وثبت إِلَى داخل الباب ذراعين؟ قَالَ: ذراعين إلى الداخل من أربعة إِلَى برًا.
[ ٧٠ ]