قال أبو العباس: وقصدنا في وقتنا هذا لذكر مراث من أشعار المحدثين لننزل بها من خشونة أشعار القدماء إلى لطف المولدين لمشاكلة الدهر وملاحة القول لنمضي من ذلك شيئًا ثم نعود إلى أمرنا الأول إن شاء الله تعالى من أشعار قديمة ومواعظ حكيمة. وبالله الحول والقوة.
قال مسلم بن الوليد يرثي الفضل بن سهل ذا الرئاستين: الطويل
وهلت فلم أمتع عليك بعبرةٍ وأكبرت أن ألقى بيومك ناعيا
فلمّا رأيت أنّه لاعج الأسى وأن ليس إلاّ الدّمع للحزن شافيا
بعثت لك الأنواح فارتجّ بينها نوائح يندبن العلى والمساعيا
أللبأس أم للجود أم لمقاومٍ من الملك يزحمن الجبال الرّواسيا
فلم أر إلاّ قبل يومك ضاحكًا ولم أر إلاّ بعد يومك باكيا
وقال إبراهيم بن المهدي يرثي ابنًا له أصيب به بالبصرة وهو واليها. وكان فيما يؤثر عنه يستحق أن يرثي وأن يوصف، وشعره هذا يستحق أن يبكي القلوب،
[ ١٧١ ]
ويستنزل الدموع لحسن لفظه، وصحة معناه، وشرف قائله، وأنه إذا سمع علم أنه عن نية صادقة. قال: الطويل
نأى آخر الأيّام عنك حبيب فللعين سحٌّ دائمٌ وغروب
دعته نوىً لا يرتجى أوبةٌ لها فقلبك مسلوبٌ وأنت كئيب
يؤوب إلى أوطانه كلّ غائبٍ وأحمد في الغيّاب ليس يؤوب
تبدّل دارًا غير داري وجيرةً سواي وأحداث الزّمان تنوب
أقام بها مستوطنًا غير أنّه على طول أيّام المقام غريب
تولّى وأبقى بيننا طيب ذكره كباقي ضياء الشّمس حين تغيب
خلا أنّ ذا يفنى ويبلى وذكره بقلبي على طول الزّمان قشيب
كأن لم يكن كالدّرّ يلمع نوره بأصدافه لمّا تشنه ثقوب
كأن لم يكن كالغصن في ميعة الضّحى سقاه النّدى فاهتزّ وهو رطيب
كأن لم يكن زين الفناء ومعقل النّس اء إذا يومٌ يكون عصيب
وريحان قلبي كان حين أشمّه ومؤنس قصري كان حين أغيب
قليلًا من الأيّام لم يرو ناظري بها منه حتّى أعلقته شعوب
كظلّ سحابٍ لم يقم غير ساعةٍ إلى أن أطاحته فطاح جنوب
أو الشّمس لمّا عن غمامٍ تحسّرت مساءً وقد ولّت وحان غروب
كأنّي به إذ كنت في النّوم حالمٌ نفى لذّة الأحلام عنه هبوب
فلست خطوب الدّهر أحفل بعده ولو كان ما منه الوليد يشيب
ولا لي شيءٌ عنه ما عشت لذّةٌ ولو نلت ما هبّت عليه هبوب
وكان نصيب العين من كلّ لذّةٍ فأضحى وما للعين منه نصيب
وكان وقد آزى الرجال بعقله فإن قال قولًا قال وهو مصيب
بما تتهاداه الرّكاب لحسنه ويفحم منه الكهل وهو أريب
[ ١٧٢ ]
وكانت يدي ملأى به ثمّ أصبحت بعدل إلهي وهي منه سليب
وكنت به في النّائبات إذا عرت وظهري ممتدّ القناة صليب
بحال الّذي يجتاحه السّيل بغتةً فيفتقد الأدنين وهو حريب
جمعت أطبّاء العراق فلم يصب دواءك منهم في البلاد طبيب
ولم يملك الآسون دفعًا لمهجةٍ عليها لأشراك المنون رقيب
سأبكيك ما أبقت دموعي والبكا بعينيّ ماءً يا بنيّ يجيب
وما لاح نجمٌ أو تغنّت حمامةٌ أو اخضرّ في فرع الأراك قضيب
وأضمر إن أنفدت دمعي لوعةً عليك لها تحت الضّلوع وجيب
حياتي ما كانت حياتي فإن أمت ثويت وفي قلبي عليك ندوب
يعزّ عليّ أن تنالك ذرّةٌ يمسّك منها في الممرّ دبيب
وما زال إشفاقي عليك عشيّةً حواك بها بعد النّعيم قليب
وما زال إشفاقي عليك عشيةً وسادك فيها جندلٌ وجبوب
فما لي إلاّ الموت بعدك راحةٌ وليس لنا في العيش بعدك طيب
قصمت جناحي بعدما هدّ منكبي أخوك، ورأسي قد علاه مشيب
فأصبحت في الهلاّك إلاّ حشاشةً تذاب بنار الشّوق فهي تذوب
تولّيتما في حجّةٍ فتركتما صدىً يتولّى تارةً ويثوب
ولا رزء إلاّ دون رزئك رزؤه ولو فتّتت حزنًا عليك قلوب
وإنّي وإن قدّمت قبلي لعالمٌ بأني وإن أبطأت منك قريب
وإنّ صباحًا نلتقي في مسائه صباحٌ إلى قلبي الغداة حبيب
[ ١٧٣ ]
وقال إسماعيل بن القاسم، أبو العتاهية يرثي أخًا له، يقال له علي بن ثابت وكان علي ناسكًا فاضلًا أديبًا شاعرًا: الوافر
ألا من لي بأنسك أي أخيّا ومن لي أن أبثّك ما لديّا
طوتك خطوب دهرك بعد نشرٍ كذاك خطوبه نشرًا وطيّا
ولو نشرت قواك لي المنايا شكوت إليك ما صنعت إليّا
بكيتك أي أخيّ بدرّ عيني فلم يغن البكاء عليك شيّا
وكانت في حياتك لي عظاتٌ وأنت اليوم أو عظ منك حيّا
قال: أخذ هذا المعنى مما يؤثر عن بعض ملوك العجم أنه احتضر فحضره من يحضر الملوك من الحكماء حتى قضى. فقال ذلك الحكيم: كان الملك أمس أنطق منه اليوم، وهو اليوم أوعظ منه أمس.
وقال أبو العتاهية أيضًا: الخفيف
يا عليّ بن ثابتٍ أين أنتا أنت بين القبور حيث دفنتا
يا عليّ بن ثابتٍ بان منّي صاحبٌ جلّ فقده يوم بنتا
قد لعمري حكيت لي غصص المو ت وحرّكتني لها وسكنتا
أخذ هذا المعنى من قول بعض الحكماء وحضر ميتًا، فارتفع البكاء عيه حين قضى، فقال الحكيم: حركنا بسكونه.
[ ١٧٤ ]
وقال فيه أيضًا: مجزوء الخفيف
صاحبٌ كان لي هلك والسّبيل الّذي سلك
يا عليّ بن ثابتٍ غفر الله لي ولك
كلّ حيٍّ مملّكٍ سوف يفنى وما ملك
قال أبو العباس: وأنشدني أبو محمد التوزي لرجل من قيس يرثي ابنه: الطويل
أجارتنا لا تجزعي وأنيبي أتاني من الموت المطلّ نصيبي
بنيّ على عيني وقلبي مكانه ثوى بين أحجارٍ وبطن جبوب
عجبت لإسراع المنيّة نحوه وما كان لو ملّيته بعجيب
وما هدّ ركني أن سلبت جماله على أنّني أرثي لكلّ سليب
صبرت على خير الفتوّ رزئته ولولا اتّقاء الله طال نحيبي
وما جزعي من نازلٍ عمّ فجعه ومن ورد آباري وقصد شعيبي
لعمري لقد دافعت موت محمّدٍ لو أنّ المنايا ترعوي لطبيب
وكان كريحان العروس بقاؤه ذوى بعد إشراق الغصون وطيب
فيا حزنًا نغّصت قرب محمّدٍ وأيّ فتى نغّصت يوم ركوبي
أغرّ طويل السّاعدين مشيّعٌ كسيف المحامي هزّ غير كذوب
دعته المنايا فاستجاب لصوتها فلله من داعٍ دعا ومجيب
فأصبحت أبدي للعدوّ جلادةً ويا لك من قلبٍ هناك كئيب
يذكّرني نوح الحمام فراقه وإرنان أبكار النّساء وثيب
ولي كلّ يومٍ عبرةٌ لا أفيضها لأحظى بصبرٍ أو بحطّ ذنوب
أظلّ لأحداث المنون مفزّعًا كأنّ فؤادي في جناح طلوب
[ ١٧٥ ]
إذا شئت راعتني مقيمًا وظاعنًا مصارع شبّانٍ لديّ وشيب
غدا سلفٌ منّا وهجّر رائحٌ على أثر الغادين قود جنيب
وما نحن إلاّ كالخليط الّذي مضى فرائس دهرٍ مخطيءٍ ومصيب
نؤمّل عيشًا في حياةٍ ذميمةٍ أضرّت بأبدانٍ لنا وقلوب
وما خير عيشٍ لا يزال مفزّعًا بفوت نعيمٍ أو بموت حبيب
قال أبو العباس: حدثنا المغيرة بن محمد المهلبي عن الزبير بن بكار الزبيري عن سليمان بن العباس السعدي قال: جاء عبد الله بن عمر العبلي إلى سويقة وهو طريد بني العباس وكان ذلك بزمان خروج ملك بني أمية وانتقاله إلى بني العباس، قاصدًا لعبد الله وحسن، ابني حسن، فاستنشده عبد الله من شعره فأنشدهم فقالوا: نريد من شعرك ما رثيت به قومك، وما كان من أمركم وأمر القوم فأنشدهم قوله: المتقارب
تقول أمامة لمّا رأت نشوزي عن المنزل المنفس
وقلّة نومي على مضجعي لدى هجعة الأعين النّعّس:
أبي، ما عراك؟ فقلت: الهمو م عرين أباك فلا تبلسي
عرين أباك فحبّسنه من الطّرد في شرّ ما محبس
لفقد العشيرة إذ نالها سهامٌ من الحدث الموئس
رمتها المنون بلا نصّلٍ ولا طائشاتٍ ولا نكّس
بأسهمها الخالسات النّفوس متى ما تصب مهجةً تخلس
[ ١٧٦ ]
فصرعاهم في نواحي البلا د ملقىً بأرضٍ ولم يرسس
تقيّ أصيب وأثوابه من العار والعيب لم تدنس
وآخر قد رسّ في حفرةٍ وآخر طار فلم يحسس
فكم من كوابٍ بواكي العيو ن حزنًا ومن صبيةٍ بؤّس
إذا ما ذكرنهم لم تنم صباح الوجوه ولم تجلس
يرجّعن مثل بكاء الحما م في مأتمٍ قلق المجلس
فذاك الّذي غالني فاصمتي ولا تسأليني وتستنحسي
وفي ذاك أشياء قد ضفنني ولست لهنّ بمستحلس
أفاض المدامع قتلى كدىً وقتلى بكثوة لم ترمس
وبالزّابيين نفوسٌ ثوت وقتلى بنهر أبي فطرس
أولئك قومٌ أذاعت بهم حوادث من زمنٍ متعس
فذلّت قناتي لمن رامها وأنزلت الرّغم بالمعطس
قال: فلما أتى عليها استبكى محمد بن عبد الله بن حسن، فنظر عبد الله إلى أخيه حسن فقال: مالك تنظر إلي! أما والله، لو كان ابنك على غير ما ترى لكان خيرًا لنا ولك. فأقبل محمد على عمه بإظهار الشفقة على بن العباس ويقول إنهم ليسوا كبني أمية لقرب بني العباس من رسول الله ﷺ، وقام الحسن إلى منزله فبعث إلى العبلي بخمسين دينارًا، وأمر له عبد الله، ومحمد وإبراهيم ابناه، كل واحد بخمسين دينارًا. وكانت هند بنت أبي عبيدة بن عبد الله بن زمعة مقتفية بالعبلي. وهند المذكورة هي امرأة عبد الله بن حسن، ومحمد وإبراهيم ولداها. فقال العبلي: الوافر
أقام ثويّ بنت أبي عبيدٍ بخير منازل الجيران جارا
أتاهم خائفًا وجلًا طريدًا فصادف خير دور النّاس دارا
إذا ذمّ الجوار نزيل قومٍ شكرتهم ولم أذمم جوارا
[ ١٧٧ ]
فقالت هند لعبد الله وابنيها محمد وإبراهيم: والله ما مدحكم بأفضل مما مدحني به فلتعطنه عني مثل ما أعطاه أحدكم. فأعطوه عنها خمسين دينارًا.
فقال الزبير: إنما ينسب عبليًا من كان من ولد أمية الأصغر، وليس عبد الله هذا من ولده، إنما أمية عمه.
يقال: فلان يقتفي بفلان إذا كان يؤثره، والقفية: الطعام يؤثر به الرجل واحدًا يقدمه. ويقال للرجل يختار ويقصد بالبر: ألقيت قفيتي عليك.
وقال أحد الأعراب الفصحاء: الطويل
لعمري لقد نادى بأرفع صوته نعيّ حييٍّ أنّ سيّدكم هوى
أجل صادقًا والقائل الفاعل الّذي إذا قال قولًا أنبط الماء في الثّرى
فتىً قبلٌ لم تعنس ألسّنّ وجهه سوى شهبٍ في الرّأس كالفجر في الدّجى
أشارت له الحرب العوان فجاءها يقعقع بالأقراب أوّل من أتى
ولم يجنها لكن جناها وليّه فأدى وآساه فكان كمن جنى
وقال أيضًا يرثيه: الوافر
ألا لهف الأرامل واليتامى ولهف الباكيات على حييّ
لعمرك ما خشيت على حييّ متالف بين حجر والسّليّ
ولكنّي خشيت على حييّ جريرة رمحه في كلّ حيّ
[ ١٧٨ ]
وقال امرأة من كندة ترثي إخوتها: الطويل
أبوا أن يفرّوا والقنا في نحورهم فماتوا وأطراف القنا تقطر الدّما
ولو أنّهم فرّوا لكانوا أعزّةً ولكن رأوا صبرًا على الموت أكرما
هوت أمّهم ماذا بهم يوم صرّعوا بجيشان من أسباب مجدٍ تصرّما
وقال رجل من الخوارج يرثي عددًا منهم: الوافر
ألا في الله لا في النّاس سالت بداوودٍ وإخوته الجذوع
مضوا قتلًا وتشريدًا وصلبًا تحوم عليهم طيرٌ وقوع
إذا ما اللّيل أظلم كابدوه فيسفر عنهم وهم ركوع
أطار الخوف نومهم فقاموا وأهل الأمن في الدّنيا هجوع
وقالت الكندية: البسيط
لا تخبروا النّاس إلاّ أنّ سيّدكم أسلمتموه ولو قاتلتم امتنعا
أعني فتىً لم تهبّ الرّيح رائحةً يومًا من الدّهر إلاّ ضرّ أو نفعا
الواهب الألف لا يبغي لها ثمنًا إلاّ من الله والحمد الّذي صنعا
وقال أبو عبد الرحمن العتبي: البسيط
قد كنت أبكي على من فات من سلفي وأهل ودّي جميعٌ غير أشتات
والآن إذ فرّقت بيني وبينهم نوىً بكيت على أهل المودّات
وما بقاء امريءٍ كانت مدامعه مقسومةً بين أحياءٍ وأموات
وكان أبو عبد الرحمن وسيطًا في قريش، من ولد عتبة بن أبي سفيان. وكان معدنًا من معادن العلم بالأخبار جاهليتها وإسلاميتها وكان بالإسلامي أخبر. وتوالى له بنون موتًا. ورثاهم مراثي كثيرة نذكر بعضها مع ما في غيرهم من المراثي إن شاء الله.
[ ١٧٩ ]
فمن ذلك قوله: الكامل
أضحت بخدّي للدّموع رسوم أسفًا عليك وفي الفؤاد كلوم
والصّبر يحمد في المصائب كلّها إلاّ عليك فإنّه مذموم
يا واحدًا من ستّةٍ أسكنتهم حفرًا تقسّم بينهم ورجوم
لولا معالم روسهنّ لما اهتدى لحميمه بين القبور حميم
وقال أيضًا: المنسرح
كلّ لساني عن وصف ما أجد وذقت ثكلًا ما ذاقه أحد
وأوطنت حرقةً حشاي فقد ذاب عليها الفؤاد والكبد
إن أزمعت بالعزاء لجّ بها الشّ وق فنيران حرّها تقد
ما عالج الحزن والحرارة في ال أحشاء من لم يمت له ولد
فجعت بابنين ليس بينهما إلاّ ليالٍ ليست لها عدد
فالنّفس تطوى على أحرّ من ال جمر وأدنى أرجائها الكمد
وكلّ حزنٍ يبلى على قدم الدّ هر وحزني يجدّه الأبد
ويروى عن الحسن البصري أنه قال: قدم علينا بشر بن مروان وهو أشرف الناس، وأجمل الناس، وأشب الناس، ابن خليفة وأخو خليفة، فلبث خمسة وأربعين يومًا ثم طعن في نيطه فمات. فخرج به إلى قبره والناس معه. وجاء سودان ثلاثة يحملون أسود، فدفن هذا وهذا. وخرجت إلى الصحراء ثم رجعت وقد انصرف عنهما، فلم أعرف قبر هذا من قبر هذا.
قال أبو العباس: حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك المعروف بالزيات وحدثني بهذا الحديث الذي أذكره غيره أيضًا أن محمد بن عبد الملك كانت له جارية وكان بها ضنينًا، وكان له منها ابن يقال له عمر وهو باق الآن، فماتت وابنها هذا صغير.
[ ١٨٠ ]
وسمعت أبا أيوب سليمان ابن وهب يتحدث بقطعة من خبر محمد بن عبد الملك في ضنه بابنه هذا. فرثاها ببيتين هما جاريان على ألسن الناس مشهوران: الطويل
يقول لي الخلاّن لو زرت قبرها فقلت: وهل غير الفؤاد لها قبر؟
على حال لم أحدث فأجهل عهدها ولم أبلغ السّنّ الّتي معها الصّبر
ورثاها فقال شعرًا يقرب من القلب، ويضطر إلى تصديقه، ويرتاح لعهد قائله، ويرحم لشكوى بثه وهو: الطويل
ألا من رأى الطّفل المفارق أمّه بعيد الكرى عيناه تنسكبان؟
رأى كلّ أمٍّ وابنها غير أمّه يبيتان تحت اللّيل ينتجيان
يرنّ بصوتٍ فضّ قلبي نشيجه وسحّ دموعٍ ثرّة الهملان
وبات وحيدًا في الفراش تحثّه بلابل قلبٍ دائم الخفقان
ألا إنّ سجلًا واحدًا إن هرقته من الدّمع أو سجلين قد شفياني
فلا تلحياني إن بكيت فإنما أداوي بهذا الدّمع ما تريان
وإنّ مكانًا في الثّرى خطّ لحده لمن كان من قلبي بكلّ مكان
أحقّ مكانٍ بالزّيارة والهوى فهل أنتما إن عجت منتظران؟
فهبني عزمت الصّبر عنها لأنّني جليدٌ، فمن بالصّبر لابن ثمان؟
ضعيف القوى لا يطلب الأجر حسبةً ولا يأتسي بالنّاس في الحدثان
ألا من أمنّيه المنى وأعدّه لعثرة أيّامٍ وصرف زمان؟
ألا من إذا ما جئت أكرم مجلسي وإن غبت عنه حاطني وكفاني؟
فلم أر كالأيّام كيف تصيبني ولا مثل هذا الدّهر كيف رماني
ولا مثل أيّامٍ فجعت بفقدها ولا مثل يومٍ بعد ذاك دهاني
أعينيّ إلاّ تسعدا اليوم عبرتي فبئس إذن ما في غدٍ تعداني
أعينيّ إن أنع السّرور وأهله وعهد الصّبا عندي فقد نعياني
أعينيّ إن أبك البشاشة والصّبا فقد آذنا منّي وقد بكياني
ألا إنّ بيتًا لم أزره لشدّ ما تلبّس من قلبي به وعناني
ألا إنّ بيتًا لم أزره لعزّ ما تضمّن منه في الثّرى الكفنان
وقال رجل من الأنصار يذكر امرأة كانت له، وكانت به برة، وله حافظةً إذا غاب، وسارةً إذا حضر، فأصيب بها: الطويل
[ ١٨١ ]
ألا ما لهذا البيت ليس بذي أهل تنكّرت ما قد كنت تألف من قبلي
أيا جارتا لا تبعدي خير جارةٍ لبعلٍ وأحناه على ولدٍ طفل
فلو أنّني كنت العليل لأيقظت بنيها وما نامت ولا فعلت فعلي
وقال رجل من بني شيبان يرثي معن بن زائدة: الطويل
أحين ثوى معنٌ ثوى الجود والنّدى وأصبح عرنين المكارم أجدعا
فيا قبر معنٍ أنت آخر خطّةٍ من الأرض خطّت للمكارم مضجعا
ويا قبر معنٍ كيف واريت جوده وقد كان منه البرّ والبحر مترعا
بلى قد وسعت الجود والجود ميّتٌ ولو كان حيًّا ضقت حتّى تصدّعا
فتىً عيش في معروفه بعد موته كما عاد غيثٌ بعد جدواه مرتعا
وقال عبد الصمد بن المعذل يرثي سعيد بن سلم. وشهرة أفعال سعيد وبعد صيته في عقله وأدبه، وجاهه وقدره، وكثرة معروفه وتمكنه من الخلفاء، تغني عن ذكر شيء من أفعاله: البسيط
ما للسّماء عليه ليس تنفطر وللكواكب لا تهوي فتنتثر؟
وللبلاد ألا تسمو زلازلها والرّاسيات ألا تردى فتنقعر؟
إنّ النّدى وأبا عمروٍ يضمهما قبرٌ ببغداد يستسقى به المطر
لله حزمٌ وجودٌ ضمّه جدثٌ ومكرماتٌ طواها التّرب والمدر
يا طالبًا وزرًا من ريب حادثةٍ أودى سعيدٌ فلا كهفٌ ولا وزر
أبكى عليك عيون الحيّ من يمنٍ ومن ربيعة ما تبكي له مضر
كلّ القبائل قد ردّيت أرديةً من فضل نعماك لا يجزي بها شكر
ما خصّ رزؤك لا قيسًا ولا مضرًا إنّ الرّزيّة معمومٌ بها البشر
لو كان يبكي كتاب الله من أحدٍ لطول إلفٍ بكتك الآي والسّور
[ ١٨٢ ]
أبو الأرامل والأيتام ليس له إلاّ مراعاتهم همٌّ ولا وطر
للهاربين مصادٌ غير مطّلعٍ وللعفاة جنابٌ ممرعٌ خضر
من كلّ أفقٍ إليه العيس معملةٌ وكلّ حيٍّ على أبوابه زمر
المصاد: رأس الجبل يتحصن فيه الخائفون، كما قال أوس بن حجر: الطويل
إذا أبرز الخوف الكعاب فإنّهم مصادٌ لمن يأوي إليهم ومعقل
مشيّعٌ لا يفوت الذّحل صولته وأكرم النّاس عفوًا حين يقتدر
لا يزدهيه لغير الحقّ منطقه ولا تناجيه إلاّ بالتّقى الفكر
ثبتٌ على زلل الأيّام مضطلعٌ بالنّائبات لصعب الدّهر مقتسر
سامي الجفوني يروق الطّرف منظره وأطهر النّاس غيبًا حين يختبر
الحلم يصمته والعلم ينطقه وفي تقى الله ما يأتي وما يذر
لم تسم همّته يومًا إلى شرفٍ إلاّ حباه بما يسمو له الظّفر
يعطيك فوق المنى من فضل نائله وليس يعطيك إلاّ وهو معتذر
يزيد معروفه كبرًا ويرفعه أنّ الجسيم لديه منه محتقر
وليس يسعى لغير الحمد يكسبه وليس إلاّ من المعروف يدّخر
عفّ الضّمير رحيب الباع مضطلعٌ لحرمة الله والإسلام منتصر
ما انفكّ في كلّ فجٍّ من ندى يده للنّاس جودان: محويٌّ ومنتظر
لو هاب عن عزّةٍ أو نجدةٍ قدرٌ من البريّة خلقًا هابك القدر
ليبك فقدك أطراف البلاد كما لم يخل من نعمةٍ أسديتها قطر
وليبكك المرملون الشّعث ضمّهم من كلّ أوبٍ إلى أبياتك السّفر
وذات هدمين تزجي دردقًا قزمًا مثل الرّئال حباها البؤس والكبر
ويبكك الدّين والدّنيا لرعيهما والبرّ والبحر والإعسار واليسر
كفلت عترة أقوامٍ مهاجرةٍ عثمان جدّهم أو جدّهم عمر
وقد نصرت وقد آويت محتسبًا أبناء قومٍ هم آووا وهم نصروا
[ ١٨٣ ]
يا ربّ أرملةٍ منهم ومكتهلٍ أيتمته وهو مبيضٌّ له الشّعر
لله شمل جميعٍ كان ملتئمًا أضحى ليوم سعيدٍ وهو منتشر
أمسى لفقدك ظهر الأرض مختشعًا بادي الكآبة واختالت بك الحفر
أحياك عمروٌ ولولاه وإخوته عفا النّوال فلم يسمع له خبر
ألهمتهم طوعه فانقاد رشدهم كلٌّ يراه بحيث السّمع والبصر
كأنّهم كنفاه وهو بينهم بدر السّماء حوته الأنجم الزّهر
بنو قتيبة نور الأرض نورهم إذا خبا قمرٌ منهم بدا قمر
إذا تشاكهت الأيّام واشتبهت أبان أيّامك التّحجيل والغرر
إمّا ثويت فما أبقيت مكرمةً إلاّ بكفّيك منها العين والأثر
إنّ اللّيالي والأيّام لو نطقت أثنت بآلائك الآصال والبكر
كان النّدى في شهور الحول مقتسمًا بين البريّة فاغتال النّدى صفر
قال: وكان سعيد عامرًا لطرق الخير، عوادًا على الأيتام والأرامل، وعلى أبناء المهاجرين والأنصار. وكان حسن العزاء، وكان يقدم من بنيه عمرًا وسلمًا فأتاه موت ابن له يقال له العباس في يوم مات سلم بحضرته، وكانت ميتة العباس بكرمان، قتله بها الخوارج، فذكر الحسن بن رجاء أنهم دخلوا عليه مع رجاء بن أبي الضحاك ليعزوه عنهما، فرأوا عنده من العزاء ما لو شهده من لم يعرف القصة لظن أنه المعزي.
وحدثني ابن لموسى بن سعيد بن سلم أن سعيدًا كان عنده قوم على الطعام في عقب موت سلم، فحدثهم حديثًا ثم قال لهم، واللقمة في يده: حدثني بهذا ابني سلم ﵀. ثم وضع اللقمة في فيه.
وقال عبد الصمد فيه: الخفيف
ربّ طفلٍ نعشته بعد يتم وفقيرٍ أغنيته بعد عدم
كلّما عضّت الحوادث نادى رضي الله عن سعيد بن سلم
وقال عبد الصمد يرثي عمرو بن سعيد بن سلم: الطويل
هريقا دمًا إن أنفدت عبرةٌ تجري أبى الصّبر أنّ الرّزء جلّ عن الصّبر
[ ١٨٤ ]
ولا تجمدا عينيّ قد حسّن البكا وفرط الأسى فقد المغيّب في القبر
ليغركما بالبثّ أن لست واقفًا من الصّبر يومًا بعد عمروٍ على عذر
سلامٌ وسقيا من يد الله ثرّةٌ على جسدٍ بالٍ بلمّاعةٍ قفر
جرت فوقه الأرواح أمنًا لجريه وقد كنّ حسرى حين يجري كما تجري
تولّى النّدى والبأس والحلم والتّقى فلم يبق منها بعد عمرٍ وسوى الذّكر
فإن تطوه الأيّام لا تطو بعده صنائع منه لا تبيد على النّشر
متى تلقه لا تلق إلاّ ممنّعًا حماه، مصون العرض مبتذل الوفر
وأيّ محلٍّ لا لكفّيه نعمةٌ على أهله من أرض برٍّ ولا بحر
وما اختلفت حالان إلاّ رأيته ركوب الّتي تسبي هيوب الّتي تزري
ومن تكن الأوراق والتّبر ذخره فما كان غير الحمد يرغب في ذخر
كلا حالتيه الجود أنّى تصرّفت به دول الأيّام في العسر واليسر
وما عدمت يومًا لكفّيه أنعمٌ تضاف له منها عوانٌ إلى بكر
وما انتسبت إلاّ إليه صنيعةٌ وما نطقت إلاّ به ألسن الفخر
يرى غبنًا يومًا يمرّ وليلةً عليه ولم يكسب طريقًا من الشّكر
تغضّ له الأبصار عند اجتلائه وليس به إلاّ الجلالة من كبر
ترى جهره جهر التّقيّ وسرّه إذا ما اختبرت السّرّ أتقى من الجهر
ولم يصح من يومٍ ولم يمس ليلةً بغير اكتساب الحمد مشتغل الفكر
وكانت تعمّ النّاس نعماء كفّه فعمّوا عليه بالمصيبة والأجر
تناعاه أقطار البلاد تفجّعًا لمصرعه تبكيه قطرًا إلى قطر
تباشر بطن الأرض أنسًا بقربه وأضحت عليه وهي خاشعة الظّهر
ولم تك تسقى الأرض إلاّ بسيبه إذا ما جفا أقطارها سبل القطر
إذا نشأت يومًا لكفّيه مزنةٌ أديل الغنى في كلّ فجٍّ من القفر
هوى جبل الله الّذي كان معقلًا وعزًّا لدين الله، ذلًا على الكفر
عجبت لأيدي الحتف كيف تغلغلت إليك وبين النّسر بيتك والنّسر
وما كنت بالمغضي لدهرٍ على القذى ولا ليّنٍ للحادثات على القسر
ولو دفع العزّ الحمام عن امريءٍ لما نال عمرًا للحمام شبا ظفر
[ ١٨٥ ]
ألم تك أسباب الرّدى طوع كفّه تبين لصرفي ما يريش وما يبري
إذا صاح داعي الرّوع سار أمامه لواءان معقودان بالفتح والنّصر
يقسّم آجال العدى عزم بأسه بهنديّة بيضٍ وخطّيّةٍ سمر
وما ذبّ إلاّ عن حمى الدّين سيفه ولا قاد خيل الله إلاّ إلى ثغر
وقد كان يقري الحتف أعداء سلمه فأضحى قرى ما كان أعداءه يقري
تولّى أبو عمروٍ فقلنا لنا عمروٌ كفانا طلوع البدر غيبوبة البدر
وكان أبو عمروٍ معادًا حياته بعمروٍ، فلمّا مات مات أبو عمروٍ
وكنّا عليه نحذر الدّهر وحده فلم يبق ما يخشى عليه من الدّهر
وهوّن وجدي أنّ من عاش بعده يلاقي الّذي لاقى وإن مدّ في العمر
وهوّن وجدي أنّني لا أرى أمرءًا من النّاس إلاّ وهو مغضٍ على وتر
رمتنا اللّيالي فيك يا عمرو بعد ما حمدنا بك الدّنيا، بقاصمة الظّهر
سأجزيك شكري ما حييت فإن أمت أبقّ ثناءً فيك يبقى إلى الحشر
وأوثر حزني فيك دون تجلّدي وإسبال دمعٍ لا بكيءٍ ولا نزر
قال أبو العباس: وكان مروان بن أبي الجنوب بن سليمان بن يحيى بن أبي حفصة مداحًا للخلفاء من لدن المهدي إلى أن قام محمد ولي عهد، ولم يبلغ خلافته. وكان مطبوعًا خطيبًا في شعره، صحيح المعاني، قليل الإغماض صلب الكلام، وأعطاه المهدي فأكثر. وفي ذلك يقول: البسيط
صدّقت يا خير مأمولٍ ومنتجعٍ ظنّي بأضعاف ما قد كنت أحتسب
أعطيت تسعين ألفًا غير متبعها منًّا ولست بمنّانٍ لما تهب
[ ١٨٦ ]
فلما مات المهدي جزع عليه جزعًا شديدًا، ورثاه بأشعار اخترنا منها قوله: الكامل
لو خلّدت بعد الإمام محمّدٍ نفسي لما فرحت بطول بقائها
كم قائلٍ لمّا أتاه نعيّه: ليت اللّيالي آذنت بفنائها
إنّ البلاد غداة أصبح ثاويًا كادت تعود جبالها كصفائها
ترك المسامع فقده مستكّةً وشجا النّفوس وحال دون عزائها
فاليوم شاغبت النّفوس حرارةٌ كالنّار موصدةً على أحشائها
واليوم أظلمت البلاد وربّما كشفت بغرّته دجى ظلمائها
واليوم أصبحت الأرامل ولّهًا تدعو وما ظلمت بطول شقائها
كانت تعوذ من الشّتاء إذا شتت بفنائه وتعيش في أذرائها
وتبيت آمنةً لدى حجراته كحمام مكّة قطّنًا وظبائها
أفنى البكاء على الإمام محمّدٍ ماء العيون فأستعدت بدمائها
لمّا استنار ببطن مكّة هلكه حنّ التّراب إليه من بطحائها
فرحت بطون الأرض إذ كسيت به نورًا جلا ظلماتها بجلائها
وبكت أمير المؤمنين ظهورها إذ غاب زين عشيّها وضحائها
كانت خلافته خلافة رحمةٍ حتّى مضت أيّامه لمضائها
ما مرّ من يومٍ عليه وليلةٍ إلاّ تدفّق كفّه بعطائها
روّى الظّماء بواديًا وغواديًا عفوًا بأرشية النّدى ودلائها
عمّ الصّحاح بعدله وبعرفه وشفى المراض بسيفه من دائها
وصلت جناحي من فواضل سيبه سبعون ألفًا راشني بحبائها
فلأتبعنّ له المديح مراثيًا يبقى على المهديّ حسن ثنائها
أثني لأجزيه أيادي عرفه عندي ولست ببالغ لجزائها
[ ١٨٧ ]
أقلي الحياة إذا رأيت قصوره غبرًا خواشع بعد طول بهائها
وجياده قد عرّيت وقبابه مختلّةً عرصاتها لخلائها
فقدت مشرّفها الجياد فأصبحت تبكيه عند صباحها ومسائها
ففحولهنّ عن الحجور ذواهلٌ وحجورهنّ تصدّ عن أفلائها
سقيت على الظّمإ القراح لفقدها من كان يعرضها على أسمائها
ولقد تراها والحليب صبوحها وغبوقها في قيظها وشتائها
قلعت لترك ركوبها غلمانها ولقد ترى ثبتًا على أقرائها
القلع: الذي لا يستقر على سرج.
يا من علا شمس النهار لفقده رهج القتام فحال دون ضيائها
إنّ القبور قديمها وحديثها لصداك فاضلةٌ على أصدائها
ما حفرةٌ أسنى وأكرم ساكنًا من حفرةٍ حدروك في أرجائها
إلاّ الّتي أمسى النبيّ محمّدٌ فيها فإنّ لتلك فضل سنائها
يا ليت نفسي قبل نفسك غالها ريب المنون فحال دون ثوائها
وبقيت ما بقي النّهار لأمّةٍ ما إن تملّ عليك طول بكائها
فجعت بسيرتك الرّعيّة بعدما أنسيتها الماضين من خلفائها
ألبستها كنفي رؤوفٍ حافظٍ حرم الحقوق، موكّلٍ بأدائها
يمشي اليتامى في ذراه كأنّما يأوي المبيت بها إلى آبائها
لولا أبنك الكافي الخطوب لأدبرت عنّا بقيّة عيشنا برخائها
قال أبو العباس: كتب الحسن بن وهب إلى الأمير محمد ابن عبد الله بن طاهر يعزيه عن مصيبة:
[ ١٨٨ ]
بسم الله الرحمن الرحيم، أطال الله بقاء الأمير مسرورًا غير محزون، ومعطىً غير، مسلوب، ووفقه في أحواله كلها لما يستديم به النعمة، ويستحق عنده المثوبة. أفظعني أعز الله الأمير ما رأيت بالأمير جعلني الله فداءه من هذه الرزية التي كادت تكون أشبه بالنعم منها بالرزايا، لما وفر الله، إن شاء الله، للأمير أيده الله من ثوابها، وبقى له في نفسه حاطه الله من بعدها. فإن حياة الأمير مد الله في عمره حياة لأهله وذوي تأميله، بعد الذي جعل الله للدين والخلافة من الأنس والعز بسلامته، وللأمة من جيل مكانه وموضعه، ووفر الله للأمير، ولا نقصه وتولاه بحسن المدافعة عنه والحياطة، ولا أراه سوءًا في نفس ولا حميم، بقدرته وهذه جعلت فداء الأمير أبيات ينظر فيها أيده الله عند نشاطه إن شاء الله: مجزوء الكامل
قل للمجير على الدّهور ومقيل ذي الجدّ العثور
ولمن يصغّر كبره مستعظم الخطب الكبير
حتّى يرى بعد الجلا لة منه في حال الصّغير
إنّ الأمير أجلّ قد رًا في ملمّات الأمور
من أن تفيض دموعه لفراق إلفٍ أو عشير
لا، بل يكون مسلّمًا لحكومة الملك القدير
ويبثّه منه الرّضى عنه بإخلاص الضّمير
والصّبر في البلوى فيع طى وافيًا أجر الصّبور
والشّكر في النّعمى يغ نم ما يضاعف للشّكور
فالله ينسئ عمره في منتهى رتب الحبور
وإذا بكت غزر العيو ن فلا بكت عين الأمير
لا بل تبيت قريرةً أبدًا على برد السّرور
ماذا بعبدك مذ رآ ك من الكآبة والفتور
[ ١٨٩ ]
عبدٌ يراك وليّ نع مته إلى يوم النّشور
ويراك جابر ما وهى من عظمه ذاك الكسير
ويجنّ ودًّا، خبره عند العليم به الخبير
قال: وكان الحسن بن وهب يقدم حبيب بن أوس أبا تمام الطائي تقديمًا يتجاوز فيه، ولا يرى له في الشعر ندًا قديمًا فضلًا عن حديث. فأتاه خبر موته بالموصل فرثاه بشعر سلك فيه مثل طريقه، وترك مذهبه في السهولة والبيان وألفاظ الكتاب فقال: الوافر
سقى بالموصل القبر الغريبا سحائب ينتحبن له نحيبا
إذا ظلّلنه أطلقن فيه شعيب المزن تتبعها شعيبا
الشعيب: المزادة التي يحملها البعير.
ولطّمت البروق لها خدودًا وشقّقت الرّعود لها جيوبا
فإنّ تراب ذاك القبر يحوي حبيبًا كان يدعى لي حبيبا
لبيبًا شاعرًا فطنًا أديبا أصيل الرّأي في الجلّى أريبا
إذا شاهدته روّاك ممّا يسرّك رقّةً منه وطيبا
أبا تمّامٍ الطّائيّ إنّا لقينا بعدك العجب العجيبا
فقدنا منك علقًا لا نرانا نصيب له مدى الدّنيا ضريبا
وكنت أخًا لنا يدني إلينا ضمير الودّ والنّسب القريبا
وكانت مذحجٌ تطوى علينا جميعًا ثمّ تنشرنا شعوبا
فلمّا بنت نكّرت اللّيالي قريب الدّار والأقصى الغريبا
وأبدى الدّهر أقبح صفحتيه ووجهًا كالحًا جهمًا قطوبا
فأحر بأن يطيب الموت فيه وأحر، بعيشةٍ ألاّ تطيبا
[ ١٩٠ ]
وقال أبو عبد الرحمن العتبي يرثي بنيه: المتقارب
أما يزجر الدّهر عنّا المنونا يبقّي البنات ويفني البنينا
وأنحت عليّ بلا رحمةٍ فلم تبق فوق غصوني غصونا
وكنت أبا ستّةٍ كالبدور وقد فقؤوا أعين الحاسدينا
فمرّوا على حادثات المنون كمرّ الدّراهم بالنّاقدينا
فألقين ذاك إلى صارخٍ وألقين ذاك إلى ملحدينا
فما زال ذلك دأب الزّما ن حتّى أماتهم أجمعينا
وحتّى بكى لي حسّادهم وقد أتعبوا بالدّموع العيونا
وحسبك من حادثٍ بامريءٍ ترى حاسديه له راحمينا
رأيت بنيّ على ظهرها فصاروا إلى بطنها ينقلونا
فمن كان يسليه مرّ السّنين فحزني تجدّده لي السّنونا
وقال فيهم: الكامل
يا ستّةً أودعتهم حفر البلى لخدودهم تحت الجبوب وساد
منعوا جفوني أن يصافح بعضها بعضًا فهنّ وإن قربن بعاد
لمّا بقيت عماد بيتٍ مفردًا قد أسلمت أطنابه الأوتاد
لم تبق عينٌ أسعدت ذا عبرةٍ إلاّ بكت حتّى بكى الحسّاد
ماذا أرجّي بعد خمسٍ بعدها ستّون أكملها لي الميلاد؟
وسطت عليّ من الزّمان يدٌ بها فلّ الجميع وغيّب الأولاد
وقال يرثي أخته: الطويل
لقد خانني صبري بأمّ محمّدٍ فلم يبق لي إلاّ التّأسّف من جهدي
سوى أنّ صدري تحته مستكنّةٌ من الحزن ما تبقي على الرّجل الجلد
وإنّي مذ اليوم الّذي لم أطق به عن ابنة أمّي مدفعًا لعلى وعد
[ ١٩١ ]
وقال يرثي محمد بن عباد بن حبيب بن المهلب: الطويل
محمّد إن آنست منّي جانبا بقربٍ لقد أوحشت بالبعد جانبا
وقد عظمت فيك المصائب إنّها تصغّر عندي في سواك المصائبا
سلوت به عمّن تقدّم قبله وآليت أصفي بعده الودّ صاحبا
ستبكيك أخلاق المروءة إنّها مغيّبةٌ ما دمت عنهنّ غائبا
وقال يرثي ابنه سليمان، وكان نفيسًا من ولده: الطويل
سليمان والله الّذي أنا عبده لقلبي عليلٌ ما بقيت حزين
تقاضاك دهرٌ فاقتضاك بدينه وللدّهر في نفسي عليّ ديون
فقرّت عيونٌ كنت شمل جفونها وجادت بحزنٍ بالدّماء عيون
فليس على دهرٍ مجيرٌ إذا عدا بكرهٍ، ولا خلقٌ عليه معين
دفنت بكفّي بعض نفسي فأصبحت لها دافنٌ من نفسها ودفين
فلله ما أعطى ولله ما حوى وأحر بأمرٍ كائنٍ سيكون
فيا فجعة الدّنيا بمن شبت بعده فسيّان مضنونٌ به وضنين
وقال يرثي صديقًا له يقال له عيسى بن القاسم: الطويل
بكت عين من لم يبك عيسى بن قاسمٍ بأربعةٍ حتّى تجفّ نواظره
فتىً غاب عنه أقربوه فلم يكن له من يحامي دونه ويؤازره
مررت على ربعٍ له بعد موته فباطنه يشكو الخراب وظاهره
تكاد مغانيه تقول لفقده لسائلها عن أهله: مات عامره
سلامٌ على الإخوان والعيش بعده ومن كنت أصفيه الهوى وأعاشره
ومن كان يسلي الهمّ عنّي حديثه إليّ إذا ضاقت بأمري مصادره
فإن أسل عن شيءٍ فما عنه سلوةٌ ومهما أضيّعه فإنّي ذاكره
[ ١٩٢ ]
وقال في ابن له يكنى أبا عمرو مات في آخر ولده قصيدةً يطيلها، اخترت منها هذه الأبيات: الطويل
لقد شمت الأعداء بي وتغيّرت عيونٌ أراها بعد موت أبي عمرو
تجرّا عليّ الدّهر لمّا فقدته ولو كان حيّا لاجترأت على الدّهر
أسكّان بطن الأرض لو يقبل الفدى فديتم وأعطينا بكم ساكني الظّهر
فيا ليت من فيها عليها وليت من عليها ثوى فيها مقيمًا إلى الحشر
فماتوا كأن لم يعرف الموت غيرهم فثكلٌ على ثكلٍ وقبرٌ إلى قبر
وقال دعبل بن علي الخزاعي يرثي أبا القاسم نصر بن حمزة: البسيط
كانت خزاعة ملء الأرض ما اتّسعت فقصّ مرّ اللّيالي من حواشيها
هذا أبو القاسم الثّاوي ببلقعةٍ تسفي الرّياح عليه من سوافيها
هبّت وقد علمت أن لا هبوب به وقد تكون حسيرًا إذ يجاريها
أضحى قرىً للمنايا إذ نزلن به وكان في سالف الأيّام يقريها
وقال أشجع بن عمرو السلمي يرثي محمد بن منصور: السريع
أنعى فتى الجود إلى الجود ما مثل من أنعى بموجود
أنعى فتىً أصبح معروفه منتسبًا في البيض والسّود
أنعى إلى الفتيان أعلاهم كعبًا وأولاهم بتمجيد
أنعى ابن منصورٍ إلى سيّدٍ وأيّدٍ ليس برعديد
وأشعثٍ يسعى على صبيةٍ مثل فراخ الطّير مجهود
وطارقٍ أعيا عليه القرى ومسلمٍ في القدّ مصفود
[ ١٩٣ ]
أنعى فتىً مصّ الثّرى بعده بقيّة الماء من العود
وانثلم المجد به ثلمةً جانبها ليس بمسدود
أنعى فتىً كان ومعروفه يملأ ما بين ذرى البيد
فأصبحا بعد تساميهما قد جمعا في بطن ملحود
اليوم تخشى عثرات النّدى وعدوة البخل على الجود
يا راكب العيس الّتي تختطي ما بين أعناق القراديد
إنّ بباب البردان الفتى الضّ امن حاجات المجاهيد
من قنّع المسكين لمّا مضى من رغد العيش بتصريد
من لم يكن سائله ممسكًا منه بأذناب المواعيد
لا خير في الدّنيا وقد أغلقت أبوابها دون الفتى المودي
ليرتج البخّل عليها فقد مضى فتاها بالمقاليد
أورده حوضًا عظيم الثّأى في المجد يومٌ غير محمود
كلّ فتىً يسعى إلى مدّةٍ من أجلٍ قد خطّ معدود
سينطبق الشّعر بأيّامه على لسانٍ غير معقود
كفاك أنّ المجد قد أصبحت أعلامه في بطن أخدود
جودي بدمعٍ أو دمٍ جودي يا عين لا عذت بمجلود
فكلّ مفقودٍ إلى جنبه وإن تغالى غير مفقود
يا وافدي قومهما إنّ من طلبتما تحت الجلاميد
طلبتما الجود وقد ضمّه محمّدٌ في جوف ملحود
فاتكما بالموت معروفه وليس ما فات بمردود
يا عضدًا للموت مفتوتةً وساعدًا ليس بمعضود
أوهن زنديه وأكباهما قرع المنايا في الصّناديد
وهدّ ذا الرّكن الذي كان بال أمس عمادًا غير مهدود
[ ١٩٤ ]