وهو أكثر ما تكلم فيه الناس، لأنه لم يعر أحد من مصيبة بحميم، ذلك قضاء الله على خلقه. فكل تكلم إما متعزيًا وإما معزيًا، وإما متصبرًا محتسبًا.
قال أبو الحسن المدائني: كانت العرب في الجاهلية وهم لا يرجون ثوابًا ولا يخشون عقابًا يتحاضون على الصبر، ويعرفون فضله، ويعيرون بالجزع أهله، إيثارًا للحزم وتزينًا بالحلم، وطلبًا للمروءة، وفرارًا من الاستكانة إلى حسن العزاء، حتى إن كان الرجل منهم ليفقد حميمه فلا يعرف ذلك فيه. يصدق ذلك ما جاء في أشعارهم، ونثي من أخبارهم. قال دريد بن الصمة في مرثيته أخاه عبد الله: الطويل
قليل التّشكّي للمصيبات حافظٌ مع اليوم أدبار الأحاديث في غد
صبا ما صبا حتّى إذا شاب رأسه وأحدث حلمًا قال للباطل ابعد
[ ٤٢ ]
قال أبو عبيدة: كان يونس بن حبيب يقول: هذا أشعر ما قيل في هذا الباب.
وقال أبو خراش الهذلي: الطويل
تقول أراه بعد عروة لاهيًا وذلك رزءٌ لو علمت جليل
فلا تحسبي أنّي تناسيت عهده ولكنّ صبري يا أميم جميل
وقال أبو ذؤيب: الطويل
وإنّي صبرت النّفس بعد ابن عنبسٍ وقد لجّ من ماء الشّؤون لجوج
لأحسب جلدًا أو لينبأ شامتٌ وللشّرّ بعد القارعات فروج
وقال أوس بن حجر: المنسرح
أيّتها النّفس أجملي جزعا إنّ الّذي تحذرين قد وقعا
[ ٤٣ ]
وقال أبو ذؤيب: الكامل
وتجلّدي للشّامتين أريهم أنّي لريب الدّهر لا أتضعضع
والشيء يذكر بالشيء: يروى أن الحسين بن علي بن أبي طالب رحمهما الله دخل على معاوية وهو في علة له غليظة، فقال معاوية: ساندوني ثم تمثل بهذا البيت:
وتجلّدي للشامتين أريهم أني لريب الدهر لا أتضعضع
فسلم الحسين ﵀ ثم تمثل:
وإذا المنيّة أنشبت أظفارها ألفيت كلّ تميمةٍ لا تنفع
فاستظرف الجواب كون البيتين من قصيدة واحدة.
وقال عمرو بن معدي كرب: مجزوء الكامل
كم من أخٍ لي صالحٍ بوّأته بيديّ لحدا
ما إن هلكت لفقده ليس البكاء يردّ زندا
ألبسته أثوابه وخلقت يوم خلقت جلدا
وقال حارثة بن بدر الغداني: البسيط
[ ٤٤ ]
الصّبر أجمل والدّنيا مفجّعةٌ من ذا الّذي يجرّع مرةً حزنا؟
وما جاء في هذا أكثر من أن يؤتى على غابره.
وتعزيك الرجل تسليتك إياه. والعزاء هو السلو وحسن الصبر على المصائب وخير من المصيبة العوض منها والرضى بقضاء الله والتسليم لأمره تنجزًا لما وعد من حسن الثواب، وجعل للصابرين من الصلاة عليهم والرحمة. فإنه يقول ﵎: وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون. أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون. وقال وبشر المخبتين الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم. وقال تبارك اسمه: ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه يقول الاسترجاع. خبرني بذلك غير واحد من الفقهاء.
وروى أبو الحسن عن الفضل بن تميم قال: قيل للضحاك بن قيس: من قال عند المصيبة: إنا لله وإنا إليه راجعون، كان ممن أخذ بالتقوى وأدى الفرائض؟ فقال: نعم، أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة.
[ ٤٥ ]
قال الأصمعي عن بعض العلماء: لو وكل الناس بالجزع للجؤوا إلى الصبر.
وروي عن الحسن أنه كان يقول: الحمد لله الذي أجرنا على ما لا بد لنا منه، وأثابنا على ما لو كلفنا غيره لصرنا فيه إلى معصيته.
قال الأصمعي وأبو الحسن: جزع سليمان بن عبد الملك على ابنه أيوب فقال له رجل من القراء: يا أمير المؤمنين إن امرأ حدث نفسه بالبقاء في الدنيا وظن أنه يعرى من المصائب فيها لغير جيد الرأي. فكان ذلك أول ما تسلى به.
وكان علي بن أبي طالب رضوان الله عليه يقول: عليكم بالصبر، فإن به يأخذ الحازم وإليه يعود الجازع.
وروي عن أبي الحسن، عن أبي عمرو بن المبارك قال: دخل زياد بن عثمان بن زياد على سليمان بن عبد الملك، وقد توفي ابنه أيوب، فقال: يا أمير المؤمنين، إن عبد الرحمن بن أبي بكرة كان يقول: من أحب البقاء فليوطن نفسه على المصائب.
[ ٤٦ ]
قال أبو الحسن عن علي بن سليمان عن الحسن: الخير الذي لا شر فيه الشكر مع العافية، والصبر عند المصيبة. فكم من منعم عليه غير شاكر، ومن مبتلى غير صابر.
قال: ومن أحسن التعزية إبلاغ في إيجاز. قال أبو الحسن: ومن أحسن ما سمعنا في ذلك عن أبي الحكم الليثي عن شيبة بن نصاح قال: لما قبض النبي ﷺ صرخت أسماء بنت عميس، فنادى مناد من ناحية البيت، يسمعون حسه ولا يرون شخصه: السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته، أعلى رسول الله تبكون، أم على رسول الله تصرخون؟ فقالت أسماء: ما على رسول الله ﷺ نبكي ولا على رسول الله نصرخ، ولكن على انقطاع الوحي عنا. قال: ثم نادى الثانية: كل نفس ذائقة الموت، وإنما توفون أجوركم يوم القيامة فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور. إن في الله عزاءً من كل مصيبة، وعوضًا من كل مرزئة، ودركًا من كل فائت، وخلفًا من كل هالك. فبالله فثقوا، وإياه فارجوا. المحبور من حبره الثواب، والخائب من أمن العقاب.
[ ٤٧ ]
قال أبو الحسن عن الحسن بن دينار عن علي بن زيد عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ وضع إبراهيم في حجره وهو يجود بنفسه فقال: لولا أن الماضي فرط الباقي وأن الآخر لاحق بالأول لحزنا عليك يا إبراهيم. ثم دمعت عينه فقال: تدمع العين ويحزن القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب. وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون.
قال أبو الحسن: أخبرنا عن مسلمة عن أبان عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: لأن أقدم فرطًا أحب إلي من أن أدع مئة مستلئم. وجاء عنه ﷺ أنه قال: من عزى مصابًا فله مثل أجره قال أبو الحسن عن بعض أصحابه قال: عزى أبو بكر عمر على طفلٍ له، فقال: عوضك الله منه ما عوضه منك.
[ ٤٨ ]
تفسير هذا أنه يقال: إن الطفل يعوض من أبويه الجنة.
قال أبو الحسن عن أبي بكر عن أبي المليح قال: قال رسول الله ﷺ قال الله جل ذكره: إذا أخذت صفي عبدي فصبر لم أرض له ثوابًا دون الجنة.
[ ٤٩ ]