قالت ليلى الأخيلية، قال أبو العباس: قرأته على الرياشي: الطويل
أقسمت أبكي بعد توبة هالكًا وأحفل من دارت عليه الدّوائر
لعمرك ما بالموت عارٌ على الفتى إذا لم تصبه في الحياة المعاير
فلا الحيّ ممّا يحدث الدّهر سالمٌ ولا الميت إن لم يصبر الحيّ ناشر
وكلّ شبابٍ أو جديدٍ إلى بلىً وكل امريءٍ يومًا إلى الله صائر
فلا يبعدنك الله يا توب هالكًا أخا الحرب إذ دارت عليك الدّوائر
فأقسمت لا أنفكّ أبكيك ما دعت على فننٍ ورقاء أو طار طائر
قتيل بني عوفٍ فيا لهفي له وما كنت إيّاكم عليه أحاذر
قال أبو العباس: وأشعار المراثي كثيرة، وإنما نختار عيونًا من جميعها ومن الشيء آحسنه. وكذلك الكلام غير الشعر. ولم تكن ليلى الأخيلية امرأة لتوبة، ولا بينهما نسب لاصق إلا أنهما جميعًا من بني عقيل بن كعب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة. وكانت تحبه ويحبها. وروت الرواة أن خلا بها مرة فأرادها على ما يريد الرجال، فأبت واشمأزت. ففي ذل تقول: الطويل
[ ١٠٥ ]
وذي حاجةٍ قلنا له لا تبح بها فليس إليها ما حييت سبيل
لنا صاحبٌ لا ينبغي أن نخونه وأنت لأخرى صاحبٌ وخليل
فأقاما دهرًا على حب عفيف، وهي السنة الجارية في العشاق الماضين من بني عذرة، وغيرهم.
وكان سبب قتل توبة أن بني عوف كانوا يطلبونه فأحسوه، وقد قدم من سفر معه عبيد الله بن الحمير، أخوه، وقابض، مولاه. وبينه وبين الحي ليلة، فأتوه طروقًا، فهرب صاحباه وأسلماه فقتل. ففي ذلك تقول ليلى: الطويل
دعا قابضًا والمرهفات تنوشه فقبّحت مدعوًّا ولبّيت داعيا
فليت عبيد الله حلّ محلّه فأودى ولم أسمع لتوبة ناعيا
وقالت: الطويل
عيني على الحزم ألا فابكي على أبن حميّر بدمعٍ كفيض الجدول المتفجّر
لتبك عليه من خفاجة نسوةٌ بماء شؤون العبرة المتحدّر
خفاجة بن عقيل.
سمعن بهيجا أوجفت فذكرنه وقد يبعث الأحزان طول التّذكّر
كأنّ فتى الفتيان توبة لم ينخ بنجدٍ ولم يطلع مع المتغوّر
ولم يرد الماء السّدام إذا بدا سنا الصّبح في أعقاب أخضر مدبر
السدام: الآبار القديمة المندفنة. وجمعها سدوم وقولها: سنا الصبح، السنا: من الضوء، مقصور كقول الله جل وعز: يكاد سنا برقه يذهب بالأبصار. والسناء: من الشرف، ممدود.
وقولها: في أعقاب أخضر مدبر، تعني الليل، تريد بأخضر: أسود. وجعلته مدبرًا لورود الصبح.
ولم يقدع الخصم الألدّ ويملأ ال جفان سديفًا يوم نكباء صرصر
[ ١٠٦ ]
النكباء: الريح بين الريحين. والسديف: شقق السنام، والصرصر: الريح الشديدة الصوت، الباردة.
ألا ربّ مكروبٍ أجبت ونائلٍ فعلت، ومعروفٍ لديك ومنكر
فيا توب للمولى، ويا توب للنّدى ويا توب للمستنبح المتنوّر
فقال لها رجل: ما كان توبة كما ذكرت. وقلت فتى الفتيان وما كان كذاك. فقالت: إن كنت كاذبًا فأشل الله عشرك، وأدام فقرك. كان والله شديد المرة، لين العطفة، يرضيه أقل مما يسخطه.
وقال أيضًا: الطويل
نظرت وركنٌ من أبانين دونه مفاوز حسمى أيّ نظرة ناظر
كأنّ فتى الفتيان توبة لم ينخ قلائص يفحصن الحصى بالكراكر
ولم يبن أبرادًا عتاقًا لفتيةٍ كرامٍ ويرحل قبل فيء الهواجر
فتىً لا تخطّاه الرّفاق ولا يرى لقدرٍ عيالًا دون جارٍ مجاور
فإن تكن القتلى بواءً فإنّكم فتىً ما قتلتم آل عوف بن عامر
البواء: الأمثال. يقال: باء فلان بفلان إذا قتل به. تقول: فإن تكن القتلى يبوء بعضها ببعض، فإن توبة فوق ذلك.
وأما قوله جل وعز: إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك، إنما هو إن فعلت أن تحتمل الإثمين المتساويين: الذي رد عليك قربانك فلم يقبل من أجله، وقتلك إياي، وكان كل واحد منهما كفاء الآخر. هذا اشتقاق هذا المعنى. ومن ذلك قول مهلهل بن ربيعة حين قتل بجير بن الحارث بن عباد: بؤ بشسع كليب، فقيل للحارث بن عباد: إن ابنك بجيرًا قد قتل.
[ ١٠٧ ]
قال: إنه لأعظم قتيل بركة إن أصلح الله به بين ابني وائل. قيل: إن مهلهلًا لما قتله قال: بؤ بشسع كليب. فعند ذلك دخل الحارث في حربهم ولم يكن دخلها.
رجع الشعر
وإلاّ يكن فيها بواءٌ فإنّكم ستلقون يومًا سرّه غير صادر
وكنت إذا مولاك خاف ظلامةً دعاك ولم يعدل سواك بناصر
وقد كنت مرهوب الجنان وبيّنًا ومجدام سيرٍ دائبًا غير فاتر
فنعم الفتى إن كان توبة فاجرًا وفوق الفتى إن كان ليس بفاجر
أتته المنايا دون درعٍ حصينةٍ وأسمر خطّيٍّ وجرداء ضامر
فبالله تبني بيتها أمٌّ عاصمٍ على مثله أخرى اللّيالي الغوابر
وروت الرواة أنها زارت قبره، فجعلت تقول: يا توبة، يا توبة! ثم أقبلت على من معها بعد أن سلمت على القبر. فقالت: ما كذبني قبلها. فقيل: فيم ذاك، وما تبينا منه كذبًا. قالت لأنه قال في بعض قوله: الطويل
ولو أنّ ليلى الأخيليّة سلّمت عليّ ودوني تربةٌ وصفائح
لسلّمت تسليم البشاشة أو زقا إليها صدىً من داخل القبر صائح
قال: وهذا الكلام غاية المدح، لا لأنها جهلت حال الموتى ولكنها دلت على أنه لم تعرف منه كذبة قط حتى يعتد عليه بها ميتًا.
[ ١٠٨ ]
وقال سليمان بن قتة، وهو مولىً لبني تيم، وانقطاعه إلى بني هاشم يذكر يوم الحسين بن علي بن أبي طالب ﵀: الطويل
مررت على أبيات آل محمّدٍ فلم أرها كعهدها يوم حلّت
فلا يبعد الله الدّيار وأهلها وإن أصبحت من أهلها قد تخلّت
وكانوا رجاءً ثم عادوا رزيّةً فقد عظمت تلك الرّزايا وجلّت
وإنّ قتيل الطّفّ من آل هاشمٍ أذلّ رقاب المسلمين فذلّت
وعند غنيٍّ قطرةٌ من دمائنا سنجزيهم يومًا بها حيث حلّت
إذا افتقرت قيسٌ جبرنا فقيرها وتقتلنا قيس إذا النّعل زلّت
قال أبو العباس: أنشدنيها الرياشي، وأنشدني ما بعدها مما أمليه إلى انقطاعه.
وقال الفرزدق يذكر ابني مسمع، وكان قد قتلهما معاوية بن يزيد ابن المهلب بعد قتل ابنه، وكانا مروانيين، وكان سائر بكر بن وائل مع يزيد بن المهلب، وكان المنتوف مولى بني قيس بن ثعلبة، على شرطة يزيد، فقتل لسبب عنده مع يزيد فبكته بكر بن وائل وهو مولىً وأعرضت عن ابني مسمع وهما صليبةً. فقال الفرزدق: الطويل
تبكّي على المنتوف بكر بن وائلٍ وتنهى عن ابني مسمعٍ من بكاهما
غلامان شبّا في الحروب وأدركا كرام المساعي قبل وصل لحاهما
ولو كان حيًّا مالكٌ وابن مالكٍ إذن أوقدا نارين يعلو سناهما
وقال الفرزدق أيضًا يرثي ابنين له ماتا في مدة يسيرة: الطويل
بفي الشامتين التّرب إن كان مسّني رزيّة شبلي مخدرٍ في الضّراغم
[ ١٠٩ ]
وما أحدٌ كان المنايا وراءه وإن عاش أيّامًا طوالًا بسالم
أرى كلّ حيٍّ لا تزال طليعةً عليه المنايا من ثنايا المخارم
يذكّرني ابنّي السّماكان موهنًا إذا ارتفعا فوق النّجوم العواتم
وقد رزيء الأقوام قبلي بنيهم وإخوانهم فأقني حياء الكرائم
ومات أبي والمنذران كلاهما وعمرو بن كلثومٍ شهاب الأراقم
وقد كان مات الأقرعان وحاجبٌ وعمروٌ أبو عمروٍ وقيس بن عاصم
وقد مات بسطام بن قيس بن خالدٍ ومات أبو غسّان شيخ اللهازم
وقد مات خيراهم فلم يهلكاهم عشيّة بانا، رهط كعبٍ وحاتم
فما ابناك إلاّ من بني النّاس فاصبري فلن يرجع الموتى حنين المآتم
ويقال: خنين.
وماتت امرأة له أيضًا وبها جمل، فقال: الطويل
وجفن سلاحٍ قد رزئت فلم أنح عليه ولم أبعث عليه البواكيا
وفي جوفه من دارمٍ ذو حفيظةٍ لو أنّ المنايا أرجأته لياليا
وقال بعض الشعراء يعزي رجلًا عن ابنه: الكامل
اصبر لكّلّ مصيبةٍ وتجلّد واعلم بأنّ المرء غير مخلّد
وإذا ذكرت محمّدًا ومصابه فاذكر مصابك بالنّبّي محمّد
وقال الحكمي وأحسن جدًا: الطويل
طوى الموت ما بيني وبين محمّدٍ وليس لما تطوي المنيّة ناشر
لئن أوحشت مّمن أحبّ منازلٌ لقد أنست مّمن أحبّ المقابر
وكنت عليه أحذر الموت وحده فلم يبق لي شيءٌ عليه أحاذر
[ ١١٠ ]
وهذا يشبه قول التيمي في يزيد بن مزيد: الوافر
لقد عزّى ربيعة أنّ يومًا عليها مثل يومك لا يعود
وقال حارثة بن بدر الغداني يرثي زيادًا: البسيط
صلّى الإله على قبرٍ وطهّره عند الثّويّة يسفى فوقه المور
زفّت إليه قريشٌ نعش سيّدها فالجود والحزم فيه اليوم مقبور
أبا المغيرة والدّنيا مفجّعةٌ وإنّ من غرّت الدّنيا لمغرور
قد كان عندك للمعروف معرفةٌ وكان عندك للنّكراء تنكير
وكنت تغشى وتعطي المال من سعةٍ إن كان بابك أضحى وهو مهجور
فالنّاس بعدك قد خفّت حلومهم كأنّما نفخت فيها الأعاصير
وقال خليد عينين يرثي المنذر بن الجارود العبدي وكانت بحرية ابنة المنذر تحت عبيد الله بن زياد، ومات المنذر بالسند في موضع يقال له قصدار: السريع
بحريّ، قومي فاندبي منذرًا وابكي ابن بشرٍ سيّد الوافدين
وأبكي أبا الأشعث لمّا ثوى بالهند لم يقفل مع القافلين
جاور قصدار وأكنافها تسفي عليه الرّيح مور الدّرين
في جدثٍ عافٍ، بمهجورةٍ ناءٍ عن الزّوّار والعائدين
فأصبح المجد بها ثاويًا بين صفًا صمٍّ وصخرٍ رزين
لله قصدارٌ وأكنافها أيّ فتى دنيا أجنّت ودين
قد علمت نفسي فما أمترى حقًّا سوى الظّنّ وقول اليقين
[ ١١١ ]
ما الحيّ والميّت فيما ترى من حدث الدّهر وريب المنون
إلاّ كغادٍ راح أصحابه أو رائحٍ في أثر المغتدين
مات بها الجود وأودى النّدى وانقطع الخير عن السّائلين
وقال جرير يرثي عمر بن عبد العزيز رحمة الله عليه: البسيط
نعى النّعاة أمير المؤمنين لنا يا خير من حجّ بيت الله واعتمرا
حمّلت أمرًا عظيمًا فاصطبرت له وقمت فيهم بأمر الله يا عمرا
فالشّمس طالعةٌ ليست بكاسفةٍ تبكي عليك نجوم اللّيل والقمرا
وقال بكير بن معدان اليربوعي يرثي يحيى بن مبشر، وكان قتل بمسكن مع مصعب بن الزبير: السريع
صلّى على يحيى وأشياعه ربٌّ غفورٌ وشفيعٌ مطاع
لمّا عصى المصعب أصحابه أدّى إليه الكيل صاعًا بصاع
أمّ عبيد الله محزونةٌ ما نومها بعدك إلا الرّواع
يا فارسًا، ما أنت من فارسٍ موطّأٍ البيت رحيب الذّراع
قوّال معروفٍ وفعّاله عقّار مثنى أمّهات الرّباع
لا تخرج الأضياف من بيته إلاّ وهم منه رواءٌ شباع
من يك لا ساء فقد ساءني ترك أبينيك إلى غير راع
وحدثنا بعض جلساء القحذمي، وذكر امرأة من الأعراب، فقال: كان لها أربعة بنين، وكان يمر بها إخوة أربعة غادون لشأنهم، وكانت تأنس بهم لمشاكلتهم بنيها في العدد والأسنان، ثم أصيب بنوها جميعًا إما بطاعون أو ما يشبهه فاجتنبها الإخوة الأربعة إبقاءً
[ ١١٢ ]
عليها من الحزن إذا رأتهم، ثم عزموا عزمةً على المرور بها مرحًا وبغيًا. فلما رأتهم ذرفت عيناها وتمثلت: الكامل
لن يلبث القرناء أن يتفرّقوا ليلٌ يكرّ عليهم ونهار
فاعتل أحدهم فمات، فغبر الثلاثة لا يقربونها، ثم فعلوا فلما رأتهم تمثلت: السريع
كلّ بني أمٍّ وإن أكثرت يومًا يصيرون إلى واحد
فلم يلبث واحد منهم أن مات. وغبر الاثنان لا يقربانها، ثم اجتازا بها على نحو ما فعلوا من المرح والدالة، فلما رأتهما قالت: الوافر
وكلّ أخٍ مفارقه أخوه لعمر أبيك إلاّ الفرقدان
فمات أحدهما فاجتنبها الباقي دهرًا. ثم مر بها فتمثلت: السريع
والواحد الفرد كمن قد مضى ليس بمتروكٍ ولا خالد
فقال: أقيليني جعلني الله فداك، فإني والله غير عائد.
قال أبو العباس: وهذان بيتان قديمان لا يعرف قائلهما. ويروى أن أبا بكر الصديق ﵀ كان ينشدهما، فبعض الناس يقول: هما له: مجزوء الكامل
تنفكّ تسمع ما حيي ت بهالكٍ حتّى تكونه
والمرء قد يرجو الرّجا ء مغيّبًا والموت دونه
[ ١١٣ ]
وقال وضاح اليمن: المنسرح
يا موت ما إن تزال معترضًا لآملٍ دون منتهى الأمل
لو كان من فرّ منك منفلتًا إذن لأوشكت رحلة الجمل
وقال معن بن أوس المزني: الطويل
ألم تعلمي عمرًا وسفيان بعده وضمرة أمسى فاتني ومسافع
أولئك لا أنتنّ كانوا فوارسي بهم كنت أستخشي العدا وأدافع
فأصبحت أرقي الشّامتين رقاهم ليربو طفلٌ أو ليجبر ظالع
وصانعت في أشياء لو أنّهم معي لباعدت حتّى تستقيد التّوابع
قال: وحدثني الرياشي في إسناد قال: أنشد عروة بن الزبير قوله بهم كنت أستخشي العدا وأدافع، فقال عروة: فهلًا قال: فبالله، أستخشي العدا وأدافع ولا ينكسر عليه شعره قال الرياشي: وأنشد عبد الله بن عمر قول حسان بن ثابت: المنسرح
يأبى لي السّيف واللّسان وقو مٌ لم يضاموا كلبدة الأسد
فقال: هلا قال: يأبى لي الله. ولا حول ولا قوة إلا بالله.
[ ١١٤ ]
وقال محمد بن حرب الهلالي: أتى حيان بن سلمى العامري قبر عامر بن الطفيل ولم يكن شهده فقال: أنعم صباحًا أبا علي، والله لقد كنت سريعًا إلى المولى بوعدك، بطيئًا عنه بإيعادك، ولقد كنت أهدى من من النجم، وأجرأ من السيل. ثم التفت إليهم فقال: كان ينبغي أن يصيروا قبر أبي علي ميلًا في ميل.
وقال محمد بن علي المنسوب إلى أمه الحنفية: أيها الناس، إنكم في هذه الدار أغراض تنتضل فيكم المنايا، لن يستقبل أحد منكم يومًا جديدًا من عمره إلا بآخر من أجله، فأية أكلة ليس معها غصص، أم أية شربة ليس معها شرق؟ فاستصلحوا ما تقدمون عليه بما تظعنون عنه، فإن اليوم غنيمة، وغدًا لا يدرى لمن هو. أهل الدنيا أهل سفر، يحلون عقد رحالهم في غيرها. قد خلت من قبلنا أصول نحن فروعها. فما بقاء الفرع بعد أصله؟ أين الذين كانوا أطول منا أعمارًا وأبعد منا آمالًا؟ أتاك يا بن آدم ما لا ترده، وذهب عنك ما لا يعود إليك. فلا تعدن عيشًا منصرفًا عيشًا مالك منه إلا لذة تزدلف بك إلى حمامك، وتقربك من أجلك، فكأنك قد صرت الحبيب المفقود والسواد المخترم. فعليك بذات نفسك، ودع ما سواها، واستغن بالله يغنك.
ومما يستحسن من قول متمم بن نويرة الدال على صحة عقله وتمكن الحزن من قلبه، وقلة نسيانه أخاه، أنه كان لا يمر بقبر، ولا يذكر الموت بحضرته إلا قال: يا مالك ثم فاضت عبرته، ففي ذلك يقول: الطويل
[ ١١٥ ]
وقالوا أتبكي كلّ قبرٍ رأيته لقبرٍ ثوى بين اللّوى والدّكادك
فقلت لهم إنّ الأسى يبعث البكا ذروني فهذا كلّه قبر مالك
ومن هذه المختصرات قول هشام بن عقبة، أخي ذي الرمة، وكان له إخوة جماعة فمات أكبرهم، وكان يقال له: أوفى ثم مات ذو الرمة، وكان يقال له: غيلان فقال هشام: الطويل
تسلّيت عن أوفى بغيلان بعده عزاءً وجفن العين بالماء مترع
ولم تنسني أوفى المصيبات بعده ولكنّ نكء القرح بالقرح أوجع
فاختصر هذا اختصارًا يوفر على كل واحد منهما نصيبه من الحزن.
[ ١١٦ ]
ويروى من غير وجه أن حسان بن ثابت دخل على النابغة الذبياني فتلقته الخنساء خارجةً من عنده، فأنشده قصيدته التي يقول فيها: الكامل
أولاد جفنة حول قبر أبيهم قبر ابن مارية الكريم المفضل
يغشون حتّى ما تهرّ كلابهم لا يسألون عن السّواد المقبل
فقال: إنك لشاعر وإن أخت بني سليم لبكاءة.
قال أبو العباس: فمما قدمناه من شعرها واستحسناه من تخلصها قولها: المتقارب
أعينيّ جودا ولا تجمدا ألا تبكيان لصخر النّدى؟
ألا تبكيان الجريء الجميل ألا تبكيان الفتى السّيّدا؟
فجعلته ساد حدثًا ووكدت ذلك وزادت فيه وأوضحته بأن قالت:
طويل العماد عظيم الرّما د ساد عشيرته أمردا
إذا القوم مدّوا يأيديهم إلى المجد مدّ إليه يدا
فنال الّذي فوق أيديهم من المجد ثمّ نما مصعدا
يكلّفه القوم ما عالهم وإن كان أصغرهم مولدا
ترى المجد يهوي إلى بيته يرى أفضل الزّاد أن يحمدا
فقرنت له المجد بالحمد.
ويقال:
[ ١١٧ ]
بل صح أنه كان من دعاء سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج: اللهم ارزقني مجدًا وحمدًا فإنه لا مجد إلا بمال، ولا حمد إلا بفعال.
وكان سبب ميتة أخيها صخر أنه شهد حربًا فأبلى فيها وتقدم، فحمل عليه رجل من القوم فطعنه في خاصرته، فتحامل في الجراحة فجوي منها ولم يفصد فخرج منها كمثل اليد، وأضنته حولًا أو حولين لا ينبعث، فسمع من يسأل امرأته عن علته، وأين بلغت منه، فقالت امرأته قولًا يدل على البرم به، والملل لصحبته: لا حي يرجي، ولا ميت فيحتسب.
والتفت إلى أمه فإذا دموعها تجري فقال: الطويل
أرى أمّ صخر ما تجفّ دموعها وملّت سليمى مضجعي ومكاني
وما كنت أخشى أن أكون جنازةً عليك، ومن يغترّ بالحدثان
فأيّ أمريءٍ ساوى بأمٍّ حليلةً فلا عاش إلاّ في شقًا وهوان
لعمري لقد نبّهت من كان نائمًا وأسمعت من كانت له أذنان
أهمّ بأمر الحزم لو أستطيعه وقد حيل بين العير والنّزوان
فلما رأى ذلك برم بتلك الخراجة من جنبه، فأشاروا بقطعها ففعل، فلما قطعها يئس من نفسه، ففي ذلك يقول: الطويل
أجارتنا إنّ المنون قريب من النّاس كلّ المخطئين تصيب
كأنّي وقد أدنوا إليّ شفارهم من البزل أحوى الصّفحتين نكيب
أجارتنا لا تسأليني فإنني مقيمٌ لعمري ما أقام عسيب
قال أبو عبيدة: وعسيب: جبل معروف، فقبره هناك معروف المكان.
قوله من البزل:
[ ١١٨ ]
يعني: كأني بعير قرم من الإبل قد كوي لداء به، فيقول: أحللت ذاك المحل لقطع ذلك اللحم وكيه، وجعله أحوى الصفحتين، وهما الجنبان، لتتابع الهناء عليه ضنًا به والنكيب والأنكب واحد، وهو الحامل، وذلك مما يوصف به الفحل أنه يحمل نشاطًا وتكبرًا.
وكانت الخنساء تقول الأبيات اليسيرة، فلما أصيبت بأخيها صخر جدت وأجادت، وجمعت نفسها وشهرت. فمما يستحسن من شعرها قولها في قصيدة أولها: البسيط
يا عين جودي بدمعٍ منك تغزار وأبكي لصخرٍ بدمعٍ منك مدرار
وقولها
إنّي أرقت فبتّ اللّيل ساهرةً كأنّما كحلت عيني بعوّار
والعوار والعائر سواء، وهو المستأخذ، أشد الرمد وأغلبه، كما قال القائل: البسيط
بأعينٍ لم يصبها عائر الرّمد
وكما قال الراعي: البسيط
غضًّا كما نظر المستأخذ الرّمد
أرعى النّجوم وما كلّفت رعيتها وتارةً أتغشّى فضل أطمار
إنّي سمعت فلم أبهج به خبرًا مخبّرًا جاء ينثو جمع أخبار
قالوا: ابن أمّك أمسى في الضّريح وقد شدّوا عليه بأعوادٍ وأحجار
اذهب فلا يبعدنك الله من رجلٍ ترّاك ضيمٍ وطلاّبٍ بأوتار
قد كنت تحمل قلبًا غير مؤتشبٍ مركّبًا في نصابٍ غير خوّار
الخوار: الضعيف.
[ ١١٩ ]
وحدثني رجل من بني هاشم عن سعيد بن سلم الباهلي. قال: كنت مع أمير المؤمنين هارون الرشيد في سفر، فسأل عما حمل معه من الثلج، فاستقل ما ذكر له فاغتاظ واحتد، فتركته حتى سكن غربه ثم قلت: يا أمير المؤمنين، إني أقول كلامًا والله ما أريد به ملقًا ولا تنبيهًا على نفسي لأني فطنت إلى ما لم يفطن إليه من سواي، وما أقوله إلا بالنصيحة المحضة. فقال: هات. فقلت: يا أمير المؤمنين، إنك قسمت الدهر شطرين، شطرًا للحج، وشطرًا للغزو؛ والمسافر يرد على ضروب من المياه، وسفرك أكثر من حضرك، فلو أن أمير المؤمنين عود نفسه الخشونة شيئًا فمتى احتاج إليها لم تنكرها النفس لتلك العادة. قال: فأطرق ثم قال: يا سعيد، بنصح قلت: ولكنا نلبس العافية ما لبستنا، فإن اضطررنا رجعنا إلى أصل غير خوار.
رجع الشعر
مثل السّنان كضوء البدر صورته جلد المريرة حرٌّ وابن أحرار
فسوف أبكيك ما ناحت مطوّقةٌ وما أضاءت نجوم اللّيل للسّاري
ولن أسالم قومًا كنت حربهم حتّى تعود بياضًا حلكة القار
أبلغ خفافًا وعوفًا غير تقصرةٍ عميد قومٍ نداءً غير أسرار
والحرب قد سعرت حربًا مذكّرةً شهباء تفري بأنيابٍ وأظفار
شدّوا المآزر حتّى تستقيد لكم وشمّروا إنّها أيّام تشمار
وابكوا فتى الحيّ لاقته منيّته وكلّ نفسٍ إلى وقتٍ ومقدار
كأنّهم يوم راموه بجمعهم راموا الشّكيمة من ذي لبدةٍ ضار
[ ١٢٠ ]
والشكيمة: شدة النفس وصحة العزيمة. والشكيمة. الحديدة المعترضة في اللجام.
حتّى تفرّجت الآلاف عن رجلٍ مجدّلٍ خرّ كرهًا غير مختار
تجيش منه فويق الثّدي مزبدةٌ بعاندٍ من نجيع الجوف ثوّار
لو منكم كان فينا لم ينل أبدًا حتّى تلاقوا أمورًا ذات آثار
أعني الّذين إليهم كان منزله هل تعرفون ذمام الضّيف والجار؟
تعاقب خفاف بن ندبة وعوفًا لأنهما هربًا عنه وهما من المعدودين من الفرسان. وكان خفاف من فرسان العرب وأدرك الإسلام فأسلم.
لا صلح حتّى تكرّوا الخيل عابسةً تعدو وترمي بمهراتٍ وأمهار
فتغسلوا عنكم عارًا تجلّلكم غسل الجواري حيضًا عند أطهار
قال: هذا مثل وقالت أيضًا ترثي صخرًا: المتقارب
ألا ما لعينك أم مالها لقد أخضل الدّمع سربالها
فأقسمت آسى على هالكٍ وأسأل نائحةً ما لها
أبعد ابن عمرو بن آل الشري د حلّت به الأرض أثقالها
معنى حلت به الأرض أثقالها: من الحلية: أي زينت به أثقالها، تعني الموتى. قال الله ﷿: وأخرجت الأرض أثقالها قالوا: يعني الموتى.
لعمر أبيه لنعم الفتى تحشّ به الحرب أجذالها
أي توقد به الحرب أجذالها. والجذل: أصل الشجرة. فضربته مثلًا لشدة الاتقاد، وأنه صاحب ذلك.
[ ١٢١ ]
حديد السّنان ذليق اللّسان يجاري المقاريض أمثالها
وخيلٍ تكدّس مشي الوعو ل نازلت بالسيف أبطالها
بمعتركٍ بينهم ضيّقٍ مجرّ المنيّة أذيالها
تقابلها فإذا أدبرت بللت من الطّعن أكفالها
الأكفال: واحدها كفل وهو الردف من الرجل والمرأة.
تهين النّفوس وهون النّفوس غداة الكريهة أوفى لها
يروى عن علي بن أبي طالب ﵁ أنه قال: رب منية سببها طلب الحياة، وحياة سببها التعرض للموت.
ورجراجةٍ فوقها بيضها عليها المضاعف زفنا لها
تعني بقولها: زفنا لها أي جئنا نمشي إليها هونًا.
ككرفئة الغيث ذات الصّبير ترمي السّحاب ويرمى لها
الكرفئة واحدة الكرافيء وهو تكاثف الغيم واسوداده.
قال: وحدثنا المازني بإسناد آخره رؤبة بن العجاج قال: خرجت مع أبي، نريد الوليد بن عبد الملك، فأهدي لنا جنب من لحم عليه كرافيء الشحم ووطب من لبن، فطبخنا هذا بهذا، فما زالت ذفرياي تنتحان منه حتى رجعنا. وإنما شبهه لكثرة الشحم وركوب بعضه على بعض بكرفئة الغيم.
وداهيةٍ جرّها جارمٌ تبيل الخواصر أحبالها
كفيت ابن عمروٍ لم تستعن ولو كان غيرك أدنى لها
وعيرانةٍ كأتان الثّمي ل غادرت بالخلّ أوصالها
قولها: وعيرانة تعني: ناقةً تشبه بالحمار الوحشي. وأتان الثميل: صخرة تكون في الحوض معروفة. والثميل: بقية الماء. فتقول هي صلبة كصلابة هذه الصخرة. والخل: الطريق في الرمل. فتقول: غادرتها هناك لشدة السير.
إلى ملكٍ لا إلى سوقةٍ وذلك ما كان إكلالها
ومحصنةٍ من بنات الملو ك قعقعت بالرّمح خلخالها
[ ١٢٢ ]
وقافيةٍ مثل حدّ السّنا ن تبقى ويهلك من قالها
نطقت ابن عمروٍ فسهّلتها ولم ينطق النّاس أمثالها
فإن تك مرّة أودت به فقد كان يكثر تقتالها
فزال الكواكب من فقده وجلّلت الشّمس أجلالها
هممت بنفسي كلّ الهموم فأولى لنفسي أولى لها
لأحمل نفسي على آلةٍ فإمّا عليها وإمّا لها
ومما يؤثر ويقتفى من قولها: البسيط
أقذىً بعينك أم بالعين عوّار أم أوحشت أن خلت من أهلها الدّار
وينشد بعضهم: قذىً بعينك، وهو أقوم للبيت، وزيادة الألف في قولها: أقذىً؟ أبلغ. ولا ضرورة فيه ولكنه مخزوم.
تبكي لصخرٍ هي العبرى وقد ثكلت ودونه من جديد التّرب أستار
لا بدّ من ميتةٍ في صرفها غيرٌ والدّهر في صرفه حولٌ وأطوار
يا صخر ورّاد ماءٍ قد تناذره أهل المياه فما في ورده عار
وهذا بيت يسأل عنه كيف تناذره أهل المياه ولا عار فيه. فالمعنى أنها تعني الموت.
مشي السّبنتى إلى هيجاء معضلةٍ له سلاحان: أنيابٌ وأظفار
يقال لكل جريء الصدر: سبندى وسبنتى بالتاء والدال، والأغلب عليه النمر.
عبل الذّراعين قد تخشى بوادره عند الوقيعة للأقران هصّار
فما عجولٌ على بوٍّ تطيف به لها حنينان: إعلانٌ وإسرار
ترتع ما غفلت حتّى إذا ادّكرت فإنّما هي إقبالٌ وإدبار
يومًا بأوجد منّي حين فارقني صخرٌ وللدّهر إحلاءٌ وإمرار
وإنّ صخرًا لوالينا وسيّدنا وإنّ صخرًا إذا نشتو لنحّار
وإنّ صخرًا لتأتمّ الهداة به كأنّه علمٌ في رأسه نار
العلم ها هنا: الجبل، وكذلك قال المفسرون في قول الله جل وعز: وله الجواري المنشآت في البحر كالأعلام. ومنه قول جرير: الرجز
[ ١٢٣ ]
إذا قطعن علمًا بدا علم
طلق اليدين بفعل الخير ذو فخرٍ ضخم الدّسيعة في الّلأواء صبّار
مثل الرّدينيّ لم تنفد شبيبته كأنّ تحت طيّ اليرد أسوار
ليبكه مقترٌ أفنى حلوبته دهرٌ وحالفه بؤسٌ وإقتار
ورفقةٌ حار هاديهم بمهلكةٍ كأنّ ظلمتها في الطّخية القار
لم تره جارةٌ يمشي بساحتها لريبةٍ حين يخلي بيته الجار
فقولها: كأنه علم في رأسه نار أحد ما قدمت به.
فقال عمر بن الخطاب ﵁: أما رضيت أن تجعليه علمًا حتى جعلت في رأسه نارًا. ذاك رسول ﷺ، يريد: البيان والدلالة.
وقال عمر في قول الخطيئة: الطويل
متى تأته تعشو إلى ضوء ناره تجد خير نارٍ عندها خير موقد
كذب الخطيئة. تلك نار موسى ﷺ. وهذا من نوادر الشعر.
وقالت أيضًا: الوافر
كأنّ العين خالطها قذاها بعوّارٍ فما تقضي كراها
على صخرٍ وأيّ فتىً كصخرٍ إذا ما النّاب لم ترأم طلاها
قولها إذا ما الناب لم ترأم طلاها: الطلا: الصغير من أولاد الوحش والنعم، ويقال ذلك في الآدميين، وإنما تريد زمن الصر والبرد.
حلفت بربّ صهبٍ معملاتٍ إلى البيت المحرّم منتهاها
لئن جزعت بنو عمروٍ عليه لقد رزئت بنو عمروٍ فتاها
فتى الفتيان ما يعلى مداه ولا يكدي إذا بلغت كداها
[ ١٢٤ ]
يقال: أكدى، إذا أقل، وأصل ذلك في البئر تحفر، فإذا بلغ منها إلى حجر أو كدن استصعب على الحافر. وقيل: قد بلغت كديتها وجمعها كدى فلا يخرج من التراب إلا اليسير، فلذلك قيل للذي يعطي قليلًا: أكدى. قال الله جل وعز: وأعطى قليلًا وأكدى. فقالت: إذا بلغ الجهد من الناس لم يكن عطاؤه قليلًا ولا نزرًا.
له كفٌّ يشيد بها وكفٌّ تحلّب ما يجفّ ثرى نداها
فمن للضّيف إن هبّت شمالٌ مزعزعةٌ يجاوبها صباها
وألجأ بردها الأشوال حدبًا إلى الحجرات بارزةً كلاها
يقول: لا شحم عليها.
هنالك لو نزلت بآل صخرٍ قرى الأضياف شحمًا من ذراها
هذا على مخاطبتين. قالت: هنالك لو نزلت للذي تخاطبه ثم خبرته فقالت: قرى الأضياف فتأويل هذا على ضربين، أحدهما على حذف المفعول كأنها قالت: لو نزلت به لرأيته يقري الأضياف، ويكون على أنها جعلته وغيره على مخاطبتين، تتحول من إحداهما إلى الأخرى كقول الله ﷿: حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم بريح طيبة، وكقول عنترة: الكامل
شطّت مزار العاشقين فأصبحت عسرًا عليّ طلابك ابنة مخرم
ومثل هذا كثير جدًا.
أمطعمكم وحاملكم تركتم لدى غبراء منهدمٍ رجاها
[ ١٢٥ ]
ترى الشّمط الجحاجح من سليمٍ تبلّ ذرى مدامعها لحاها
ليبك الخير صخرًا من معدٍّ ذوو أحلامها وذوو نهاها
وخيلٍ قد لفقت بجمع خيلٍ فدارت بين كبشيها رحاها
محافظةً ومحميةً إذا ما نبا بالقوم من جزعٍ لظاها
وقالت: الوافر
ألا يا عين فانهملي بغزر وفيضي عبرةً من غير نزر
ولا تعزي عزاءً بعد صخر فقد غلب العزاء وعيل صبري
لمرزئةٍ كأنّ الجوف منها بعيد النّوم يسعر حرّ جمر
على صخرٍ وأيّ فتىً كصخر لعانٍ عائلٍ علقٍ بوتر
وللأضياف إن طرقوا هدوًّا وللكلّ المبرّ وكلّ سفر
إذا نزلت بهم سنةٌ جمادٌ أتى بالدّرّ لم يكسع بغبر
كان من شأنهم، إذا أجدبت السنة أو خافوا الجدب، أن تنضح الضروع بالماء البارد ليبقى اللبن فيها ادخارًا واستعدادًا وبخلًا من بعضهم. فلذلك يقول الحارث ابن حلزة: السريع
لا تكسع الشّول بأغبارها إنّك لا تدري من النّاتج
الغبر: بقية اللبن، وغابر كل شيء: باقيه. ويقول: لا تبخل فتحبس لبنك، فإنك لا تدري لمن يكون ذلك اللبن، ألك أم لوارثك أم لمغير عليك.
واصبب لأضيافك ألبانها فإنّ شرّ اللّبن الوالج
وكل مردود مكسوع.
هنالك كان غيث حيًا وعزًّا لمن أرسى إليه غير وعر
وأحيا من مخبّأةٍ كعابٍ وأشجع من أبي شبلٍ هزبر
[ ١٢٦ ]
هريت الشّدق رئبالٍ إذا ما غدا لم تنه غدوته بزجر
تدين الخادرات له إذا ما سمعن زئيره في كلّ فجر
غياثٌ إن تأوّبه غريبٌ لعسرٍ في الحوادث أو ليسر
إذا ما الوفد حلّ إلى ذراه تلقّاهم بوجهٍ غير بسر
تفرّج بالنّدى الأبواب عنه ولا يكتنّ دونهم بستر
دهتني الحادثات به فأضحت عليّ همومه تغدو وتسري
وقالت أيضًا: البسيط
يا عين مالك لا تذرين تسكابا إذ راب دهرٌ وكان الدّهر ريّابا
فابكي أخاك لأيتامٍ وأرملةٍ وابكي أخاك إذا جاورت أجنابا
وابكي أخاك لخيلٍ كالقطا قطفٍ فقدن لمّا ثوى سبيًا وإنهابا
يعدو به سابحٌ نهدٌ مراكله مجلببٌ من سواد اللّيل جلبابا
حتّى يصبّح قومًا في ديارهم فيسلبوا دون صفّ الموت أسلابا
هو الفتى الكامل الحامي حقيقته مأوى الغريب إذا ما جاء منتابا
يهدي الرّعيل إذا جار السّبيل بهم نهد التّليل لزرق السّمر ركّابا
المجد خلّته والجود علّته والصّدق حوزته إن قرنه هابا
ركّاب مفظعةٍ، حمّال مضلعةٍ إن خاف معضلةً سنّى لها بابا
شهّاد أنديةٍ، هبّاط أوديةٍ حمّال ألويةٍ للوتر طلاّبا
سمّ العداة وفكّاك العناة إذا كان الوغى لم يكن للموت هيّابا
قال أبو العباس: والجود علته أي أن الناس إذا سئلوا اعتلوا في الجود بالعلل، فجعلته هو علته الجود، كما قال الله جل وعز: النار وعدها الله الذين كفروا معناه: الوعد النار.
[ ١٢٧ ]
وقالت أيضًا ترثي أخاها معاوية بن عمرو: الوافر
هريقي من دموعك واستفيقي وصبرًا إن أطقت ولن تطيقي
وقولي إنّ خير بني سليمٍ وفارسهم بصحراء العقيق
ألا هل ترجعنّ لنا اللّيالي وأيّامٌ لنا بلوى الشّقيق
وإذ فينا معاوية بن عمروٍ على أدماء كالجمل الفنيق
فبكّيه فقد ولّى حميدًا أصيل الرّأي محمود الصّديق
فلا والله لا تسلاك نفسي لفاحشةٍ أتيت ولا عقوق
ولكنّي رأيت الصّبر خيرًا من النّعلين والرّأس الحليق
وكانوا في الجاهلية إذا بالغوا في الجزع حلق النساء رؤوسهن، ولطمن خدودهن بالنعال.
وقال عبد مناف بن ربيع الهذلي يذكر أختيه: البسيط
إذا تأوّب نوحٌ قامتا معه ضربًا أليمًا بسبت يلعج الجلدا
ألا يا لهف نفسي بعد عيشٍ تولّى بعده عيشٌ أنيق
وإذ يتحاكم الحكّام فينا إلى أبياتنا وذوو الحقوق
وإذ فينا فوارس كلّ هيجٍ إذا فزعوا وفتيان الخروق
الخروق جمع خرق، وهو المتسع من الأرض، وذلك قول رؤبة ابن العجاج: الرجز
وقاتم الأعماق خاوي المخترق
أي المتسع. وقال بعض المفسرين في قول الله جل وعز: إنك لن تخرق الأرض قال: تبلغ قطريها. والقول الفاشي إنما هو تنقبها بأجمعها إلى حيث بلغت.
[ ١٢٨ ]
إذا ما الحرب صلصل ناجذاها وفاجأها الكماة لدى المضيق
وكان من خبر مقتل معاوية بن عمرو، وكان أخا خنساء لأبيها وأمها، وكان صخرًا أخاها لأبيها وكانت بصخر أمس لفضله على معاوية، ولم يكن معاوية متخلفًا بل كان لاحقًا في السؤدد بأخيه، أو دويبه شيئًا. قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: حدثني أبو بلال وربما قال: أبو بلال سهم بن أبي بن العباس بن مرداس قال: غزا معاوية بن عمرو بن الشريد، أخو خنساء، مرة وفزارة، ومعه خفاف بن ندبة فاعتوره هاشم ودريد المريان، ابنا حرملة، فاستطرد له أحدهما ثم وقف، وشد عليه الآخر فقتله. فلما تنادوا: قتل معاوية! قال خفاف: قتلني الله إن رمت حتى أثأر به فشد على مالك بن حمار، سيد بني شمخ بن فزارة فقتله وقال: الطويل
فإن تك خيلي قد أصيب صميمها فعمدًا على عيني تيمّمت مالكا
وقفت له علوى وقد خام صحبتي لأبني مجدًا أو لأثأر هالكا
علوى: اسم فرسه.
أقول له والرّمح يأطر متنه تأمّل خفافًا إنّني أنا ذالكا
فلما بلغ صخرًا قتل أخيه، أتى مرة في الشهر الحرام فوقف على ابني حرملة، فإذا أحدهما به طعنة في عضده، فقال: أيكما قتل معاوية؟ فسكتا، فقال الصحيح للجريح: مالك لا تجيبه؟ فقال: وقفت له فطعنني هذه الطعنة، وشد عليه أخي فقتله، فأينا قتلت فقد أدركت بثأرك، أما إنا لم نسلب أخاك.
[ ١٢٩ ]
قال: فما فعلت فرسه السماء؟ قال: ها هي تيك، ردوها عليه، فردوها. فلما أتى صخر قومه قالوا: اهجهم. قال: ما بيننا أجل من القذع، لو لم أكفف عن هجائهم إلا رغبةً بنفسي عن الخنا لكففت. وقال: الطويل
وعاذلةٍ هبّت بليلٍ تلومني ألا لا تلوميني كفى اللّوم ما بيا
تقول: ألا تهجو فوارس هاشمٍ ومالي إذ أهجوهم ثمّ ماليا
أبى الشتم أنّي قد أصابوا كريمتي وأن ليس إهداء الخنا من شماليا
إذا ذكر الإخوان رقرقت عبرةً وحيّيت رمسًا عند ليّة ثاويا
إذا ما امرؤٌ أهدى لميتٍ تحيّةً فحيّاك ربّ النّاس عنّي معاويا
وهوّن وجدي أنّني لم أقل له كذبت، ولم أبخل عليه بماليا
ثم زاد عليها بيتًا بعدما أوقع بهم فقال:
وذي إخوةٍ قطّعت أرحام بينهم كما تركوني واحدًا لا أخا ليا
ثم غزاهم في العام المقبل فلما دنا وعلا السماء قال: إني أخاف إذا طلعت أن يعرفوا طلعة السماء، فحمم غرتها، فلما أشرف على أداني القوم قالت امرأة لابنها: هذه، والله، السماء. فنظر إليها فقال: السماء غراء، وهذه بهيم،
[ ١٣٠ ]
فلم يشعروا إلا والخيل دوائس، وقتل صخر دريدًا وأصابوا في مرة، فقال: الكامل
ولقد قتلتكم ثناء وموحدًا وتركت مرّة مثل أمس المدبر
ولقد دفعت إلى دريدٍ طعنةً نجلاء تزغل مثل غطّ المنخر
قوله: تزغل أي تفيض بسجال الدم. قال ابن أحمر يعني القطاة إذا مجت الماء في حوصلة فرخها: السريع
فأزغلت في جيده زغلةً لم تخطيء الجيد ولم تشفتر
والإيزاغ مثل الإزغال.
وأما هاشم بن حرملة فإنه خرج غازيًا، فلما كان في بلاد جشم بن بكر ابن هوازن، نزل فأخذ صفنته ويقال صفنه وخلا لحاجته بين الشجر ورأى غفلته قيس ابن الأسوار الجشمي فتبعه وقال: هذا قاتل معاوية، لا وألت إن وأل. فلما قعد لحاجته تستر له بين الشجر حتى إذا كان خلفه أرسل عليه معبلةً ففلق قحقحه، وهو العصعص الذي عليه عجب الذنب، فقالت الخنساء: الوافر
فدىً للفارس الجشميّ نفسي وأفديه بمن لي من حميم
فداك الحيّ حيّ بني سليمٍ بظاعنهم وبالأنس المقيم
كما من هاشمٍ أقررت عيني وكانت لا تنام ولا تنيم
[ ١٣١ ]
وكان هاشم من أشد العرب، وله يقال: مشطور الرجز
أحيا أباه هاشم بن حرمله يوم الملوك حوله مغربله
يقتل ذا الذّنب ومن لا ذنب له
فقالت الخنساء ترثيه وأخاها صخرًا: الوافر
بكت عيني وعاودت السّهودا وبتّ اللّيل جانحةً عميدا
لذكرى معشرٍ ولّوا وخلّوا علينا من خلافتهم فقودا
فكم من فارسٍ لك أمّ عمروٍ يحوط سنانه الأنس الحريدا
الحريد: البعيد
كصخرٍ أو معاوية بن عمروٍ إذا كانت وجوه القوم سودا
يردّ الخيل داميةً كلاها جديرٌ يوم هيجا أن يصيدا
يكبّون العشار لمن أتاهم إذا لم تصمت الأمّ الوليدا
فتابع بينهم وردٌ فأضحوا مع الهلاّك قد لحقوا ثمودا
وقالت أيضًا ترثي صخرًا: الطويل
ألهفي على صخرٍ لكلّ عظيمةٍ إذا الخيل من طول القياد اقشعرّت
إذا الخيل شكّت في السّريح وطابقت طباق الكلاب في الهراش وصرّت
يقال: شك الفرس والبعير وغير ذلك من الظهر إذا ظلعت ظلعًا خفيفًا كما قال ذو الرمة: البسيط
كأنّه مستبان الشّك أو جنب
[ ١٣٢ ]
وإنما هذا من الخيلاء في هذا الموضع. وطابقت أي وقعت أرجلها مكان أيديها وصرت آذانها.
وخيلٍ تنادى لا هوادة بينها مررت بها دون السّوام ومرّت
كأنّ مدلًاّ من أسود تبالةٍ يكون لها حيث أستدارت وكرّت
شددت عصاب الحرب إذ هي مانعٌ فألقت برجليها مريًّا ودرّت
وكان أبو حسّان صخرٌ يصدّها ويرغثها بالرّمح حتّى أقرّت
وكانت إذا ما حالبٌ يستدرّها تقته بإيزاغٍ دمًا واقمطرّت
اقمطرت: معناه اشتدت وقالت أيضًا ترثيه: الطويل
أمن حدث الأيّام عينك تهمل تبكّي على صخرٍ وفي الدّهر مذهل
ألا من لعينٍ لا تجفّ دموعها إذا قيل تفنى تستهلّ فتحفل
على ماجدٍ ضخم الدّسيعة سيّدٍ له سورةٌ في قومه ما تحوّل
قال: السورة ها هنا: الدرجة من الملك والقدرة العالية، من ذلك قول النابغة: الطويل
ألم تر أنّ الله أعطاك سورةً ترى كلّ ملكٍ دونها يتذبذب
ويقول الرجل: سرت، فمعناه: ارتفعت وعلوت. قال العجاج: الرجز
يا ربّ ذي سرادقٍ محجور سرت إليه من أعالي السّور
وقال الأخطل يصف خمرًا خرجت حين فتح مبزلها: البسيط
لمّا أتوها بمصباحٍ ومبزلهم سارت إليه سؤور الأبجل الضّاري
[ ١٣٣ ]
فما بلغت كفّ امريءٍ متناولٍ من المجد إلاّ حيث ما نلت أطول
وما بلغ المهدون في القول مدحةً وإن كثرت إلاّ الّذي فيك أفضل
وما الغيث في جعد الثّرى دمث الرّبى تبعّق فيه الوابل المتهلّل
بأجزل سيبًا من نداك ونعمةً تعمّ بها بل سيب كفّك أجزل
وجارك محفوظٌ منيعٌ بنجوةٍ من الذلّ لا يؤذى ولا يتذلّل
من القوم مغشيّ الرّواق كأنّه إذا خاف صبحًا خادرٌ متبسّل
شرنبث أطراف البنان ضبارمٌ له في عرين الغاب عرسٌ وأشبل
هزبرٌ هريت الشّدق رئبال غابةٍ مخوف اللّقاء كاليء العين أنجل
أخو الجود معروفٌ له الجود والنّدى حليفان ما قامت تعارٌ ويذبل
[ ١٣٤ ]