﵀
وأوصى عبد الملك بن مروان حين حضرته الوفاة فقال لبنيه: أوصيكم بتقوى الله، فإنها عصمة باقية وجنة واقية. والتقوى خير زاد، وأفضل في المعاد، وأحصن كهف، وأزين حلية. ليعطف الكبير منكم على الصغير وليعرف الصغير منكم حق الكبير مع سلامة الصدور والأخذ بجميل الأمور. فإنكم إذا فعلتم ذلك كنتم للعز خلقاء، وهابتكم الأعداء. إياكم والتباغي والتحاسد فإن بهما هلك الملوك الماضون، وذوو العز المتكبرون. انظروا يا بني، مسلمة بن عبد الملك فاصدروا عن رأيه، فإنه نابكم الذي تفترون عنه، ومجنكم الذي تستجنون به. وأكرموا الحجاج، فإنه الذي وطأ لكم المنابر، وكفاكم قحم تلك القناطر. كونوا أولادًا أبرارًا، وفي الحرب أحرارًا، وللمعروف منارًا، واحلولوا في مرارة، ولينوا في شدة. ثم رفع رأسه إلى الوليد فقال: لا ألفينك يا وليد، إذا وضعتني في حفرتي تعصر عينيك كما تفعل الأمة، بل شمر واتزر، والبس جلد نمر، وادع الناس إلى البيعة، فمن قال برأسه هكذا فقل بالسيف هكذا. أوصيك بأخيك عبد الله بن عبد الملك وبعمر بن عبد العزيز خيرًا. لا تعزلهما ولا تستبدل بهما. وأوصيك بابن عمنا هذا خيرًا يعني علي بن عبد الله بن العباس. فأما الحجاج فلست تستغني عنه.
ثم أرسل إلى خالد وعبد الله، ابني يزيد بن معاوية. فلما جلسا قال: ما تقولان: أأقيلكما بيعة الوليد؟ قالا: معاذ الله يا أمير المؤمنين. قال: لو قلتما غير ذلك لقتلتكما على حالي هذه. قوما. فقاما فخرجا. ثم دعا بقداح بعدة ولده فأمر بها فجمعت ثم دفعها إلى الوليد فقال: اكسرها. فلم يقدر على ذلك. ثم دفعت إلى آخر، ثم آخر، حتى استقراهم جميعًا، فأعياهم كسرها، فأمر بها ففرقت، ثم دفع إلى كل واحد منهم قدحًا وأمره بكسره ففعل، فقال: هكذا أنتم بعدي، إن اجتمعتم لم يكسر أحد، وإن تفرقتم كسرتم. وقال: احفظوا عني هذه الأبيات: الكامل
انفوا الضّغائن عنكم وعليكم عند المغيب وفي الحضور الشّهّد
بصلاح ذات البين طول بقائكم إن مدّ في عمري وإن لم يمدد
فلمثل ريب الدّهر ألّف بينكم بتواصلٍ وتراحمٍ وتودّد
حتّى تلين قلوبكم وجلودكم لمسوّدٍ منكم وغير مسوّد
إنّ القداح إذا أجتمعن فرامها بالكسر ذو حنقٍ وكسرٍ أيّد
عزّت فلم تكسر وإن هي بدّدت فالوهن والتّكسير للمتبدّد
فلما توفي سجاه الوليد، ثم صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، وصلى على النبي ﷺ، ثم قال: لم أر مثلها مصيبةً ولا مثلها نعمة. فقد الخليفة، فإنا لله وإنا إليه راجعون، على عظم المصيبة. والحمد لله رب العالمين، على عظيم النعمة. ثم دعا الناس إلى بيعة، فبايع الناس ولم يتخلف أحد. فسمع أحد ولد عبد الملك يبكي ويقول: مات، والله، أمير المؤمنين. فقال: ويلك لا تقل هكذا، ولكن قل كما قال أخو بني أسيد أوس بن حجر: الطويل
إذا مقرمٌ منّا ذرا حدّ نابه تخمّط فينا ناب آخر مقرم
وأوصى أبو قيس بن صرمة الأنصاري ولده عند موته فقال: الخفيف
يا بنيّ، الأرحام لا تقطعوها وصلوها قصيرةً من طوال
واتّقوا الله في ضعاف اليتامى ربّما يستحلّ غير الحلال
اعلموا أنّ لليتيم وليًّا عالمًا يهتدي بغير السّؤال
يا بنيّ، الأيّام لا تأمنوها واحذروا مكرها وكرّ اللّيالي
واعلموا أنّ مرها لنفاد ال خلق ما كان من جديدٍ وبال
واجمعوا أمركم على البرّ والتق وى وترك الخنا وأخذ الحلال
وأنبأنا أبو عبد الرحمن قال: أنبأنا أبو يعقوب الثقفي عن عبد الملك بن عمير اللخمي قال: جاء أبو جهم بن حذيفة العدوي، وهو يومئذ ابن مئة سنة، إلى مجلس لقريش، فأوسعوا له عن صدر المجلس وقائل يقول: بل كان عروة بن الزبير مكان أبي جهم فقال. يا بني أخي، أنتم خير لكبيركم من مهرة لكبيرهم. قالوا: وما شأن مهرة وكبيرهم؟ قال: كان الرجل منهم إذا كبر وضعف أتاه ابنه أو وليه فعقله بعقال ثم قال: قم. فإن استتم قائمًا وإلا حمله إلى محبس لهم يجرى على أحدهم فيه رزقه حتى يموت. قال: فجاء شاب منهم إلى أبيه ففعل ذلك، فلم يستتم قائمًا، فحمله فقال: أي بني إلى أين؟ قال: إلى سنة آبائك، فقال: أي بني لا تفعل، فوالله لقد كنت أوعدك فلا أحقك، وأماشيك فما أبذك وأسقيك الدأدأة قال: وكانت العرب تقول: إذا سقي الغلام اللبن وهو قائم كان أسرع لشبابه فقال الفتى: لا جرم، والله، لا يذهب بك، فاتخذتها مهرة سنة.
وأخبر عبد الرحمن بن إسرائيل عن أشياخه قال: لما حضرت الوفاة سعيد ابن العاصي قال: يا بني، أيكم يكفل عني ديني؟ قال عمرو بن سعيد: علي دينك يا أبه. كم هو؟
[ ١٤٦ ]
قال: ثمانون ألف دينار. قال: وفيم استدنتها؟ قال: في كريم سددت خلله، أو لئيم اشتريت عرضي منه، ثم قال سعيد: هذه خصلة وبقيت خصلتان. قال: ما هما يا أبه؟ قال: يا بني لا تزوجن بناتي إلا من الأكفاء ولو بفلق خبز الشعير. قال: أفعل. قال: يا بني، ذهبت خصلتان وبقيت خصلة. قال: وما هي يا أبه؟ قال: يا بني، إن فقد إخواني وجهي فلا يفقدوا معروفي. قال: أفعل يا أبه. قال: يا بني ما زلت أعرف الكرم في حماليق عينيك وأنت يحرك بك في مهدك حتى بلغت ما أرى. يا بني، ما شاتمت رجلًا مذ كنت رجلًا، ولا زاحمت ركبتاي ركبته ولا كلفت من يرتجيني أن يسألني فيبذل وجهه ويرشح جبينه رشح السقاء، إذن، والله، فما وصلته.
[ ١٤٧ ]
يا بني، أخزى الله المعروف إذا لم يكن ابتداءً عن غير مسألة. فأما إذا أتاك تكاد ترى دمه في وجهه مخاطرًا، لا يدري أتعطيه أم تمنعه، فوالله لو خرجت له من جميع ما تملكه ما كافأته، ولا الذي بات يتململ على فراشه يعقب بين شفتيه أيجدني موضعًا لحاجته أم لا، لهو أعظم علي منةً مني عليه، إذا قضيتها له وفي هذا الحديث بغير هذا الإسناد، ولكن عن الزبير بن أبي بكر قال: كانت علته التي مات فيها في ضيعة له بقرب المدينة، فلما اشتدت علته قال لابنه عمرو: يا بني، قد ترى ما نزل بي، فقال له عمرو: يا أبه، لو حملت إلى المدينة. فقال: يا بني، إن الحركة تتعبني، وإن أهلي لا يبخلون علي بحملي على رقابهم ساعةً. يا بني، إن ضيعتي هذه متريف وليست بمال غلة، فإذا أنا مت ففرغت من دفني، فوجه مطيتك نحو معاوية فانعني له، فإنه سيسألك عن ديني ويتضمنه، فأعلمه أني قد علمت ذلك وجزه خيرًا. ثم قل له: يا أمير المؤمنين، إن له ضيعةً أمر ببيعها للقضاء دينه، فإنه سيشتريها منك، فاسأله أن يكتب لك بمالها إلى المدينة فاقم بها ديني وعداتي. فلما دفن كانت مطايا عمرو موقوفةً فعزي عنه، وركب يريد معاوية من ساعته حتى ورد عليه فنعاه له فتفجع وقال: ما خلف من الدين فهو علي. فقال: يا أمير المؤمنين، قد علم ذاك فوصلتك رحم، ولكنه أمرني ببيع ضيعة له وهي الفلانية. قال: قد اشتريتها بدينه، وكتب له بالمال إلى المدينة،
[ ١٤٨ ]
فجاءه صعلوك من صعاليك قريش بصك على أبيه بعشرين ألف درهم، فيه شهادة مولىً له، فقال له: يا هذا، إني أعرف الخط وإني أنكر أن يكون لمثلك مثل هذا المال عليه، فدعا مولاه فقال له: أتعرف هذا؟ فشهد به؛ فقال له: ما سببه؟ فقال: إن أباك في وقت عزله وكان معاوية يوليه المدينة سنةً ويولي مروان ابن الحكم سنةً رآه وحده وقد ركب لبعض حاجاته، فسار معه حتى بلغها ورجع. فلما انتهى قال له: يا فتى، ألك حاجة؟ فقال: لا، ولكني رأيتك مفردًا فأحببت أن أصل جناحك، فالتمس مالًا يهبه له فلم يحضره فقال لي: عجل علي بصحيفة، فكتب له بهذا دينًا عليه حالًا. فقال عمرو: إذن والله لا يأخذها إلا معجلةً منتقدةً.
قال ابن دأب: لما حضرت عمر بن عبد العزيز الوفاة قيل له: يا أمير المؤمنين، اكتب إلى يزيد بن عبد الملك فأوصه بالأمة خيرًا فقال: وبم أوصيه؟ إني لأعلم أنه من بني مروان. ثم أمر بالكتاب إليه: أما بعد. فاتق، يا يزيد، الصرعة بعد الغفلة فلا تقال العثرة، ولا تقدر على الرجعة. تترك ما تترك لمن لا يحمدك، وتقدم على من لا يعذرك والسلام.
[ ١٤٩ ]
ويروى أن هشام بن عبد الملك لما احتضر نظر إلى حشمه ولحمته يبكون، ففتح عينيه فاطلع في وجوههم ثم قال: جاد عليكم هشام بالدنيا، وجدتم عليه بالبكاء، وترك لكم ما خلف وتركتم عليه ما اكتسب! ما أسوأ حال هشام إن لم يغفر الله له! ولما احتضر معاوية أقبل على ابنة قرظة فقال: بكيني، فقالت: الهزج
ألا أبكيه ألا أبكيه ألا كلّ الفتى فيه
ثم قال لابنتيه: قلباني. فجعلتا تقلبانه لجنب بعد جنب فقال: إنكما لتقلبانه حولًا قلبًا إن وفي كبة النار. ثم أنشد: الكامل
لا يبعدنّ ربيعة بن مكدّمٍ وسقى الغوادي قبره بذنوب
ثم قال ليزيد: إذا أنا قضيت فأحسن غسلي، واجعل في آخره مسكًا وكافورًا، وأحسن الصلاة علي ثم ادفني في لحدي ودعني وربي. فلما بلغ ابن عباس موته قال: الكامل
جبلٌ تصدّع ثمّ مال بجمعه في البحر لا رتقت عليه الأبحر