قال:
تشوقت اثر الظاعن المتفرق
فيها [٢٨٧] [من الطويل]:
إذا هن ظاهرن اللجين صدعنه بسر الشبا يخرقنه كل مخرق
لام (الشبا) واو وهو الحدة لقولهم في جمعه: شبوات، ومنه شبوة العقرب لحدتها.
وفيها:
يجللها الأحمال عبد كأنما جلين بماء المذهب المترقرق
ينبغي أن يكون (المذهب) هنا مصدرًا كقولك بماء الأذهاب كما قال محمد بن يزيد في قولهم: حروف المعجم، إن المعجم هنا الإعام، وقرأ بعضهم فيما حكاه أبو الحسن: "ومن يهن الله فما له من مُكْرم" أي: من اكرام، هذا هو الوجه. وقد يجوز أن يكون (المذهب) هنا اسم المفعول كأنه قالأ: بماء الشيء الذي يذهب وماء الذي يذهب هو ماء الذهب، ويجوز أن يكون اراد بماء الجوهر المذهب به ثم حذف حرف الجر فأرتفع الضمير لقيامه مقام الفاعل فلما ارتفع [٢٨٨] استتر في اسم المفعول على ما تقدم من قوله [من الطويل]:
[كأن ثبيرا في عرانين وبله] كبير أناس في بجاد مزمل
[ ٢٢٧ ]
أي: مزمل فيه، والجوهر المذهب به هو الذهب فكأنه قال: جلين بماء الذهب ففي (المذهب) على هذا القول والقول الذي قبله ضمير مرفوع، فأما وهو مصدر في القول الأول فلا ضمير فيه لأنه ليس بصفة لأنه ليس باسم مفعول.
وفيها:
أصول الغضا لم نصح حتى تعوددت به من أجيج الواهج المتودق
لام (الغضا) ياء لقولهم فيه: الغضياء كالطرفاء والقصباء، جاء ذلك في شعر الطرماح، قالأ:
[غضي عن الفحشاء يقصر طرفه وإن هو لاقي غارة لم يهلل]
وفيها: لتلتمس عينًا سوى عينك التي وهبت بجاري دمعك المترقرق
[٢٨٩] قال: ويروى (ذهبت)، أما من روى (وهبت) فإنه يحتمل أمرين، أحدهما: أن يريد التي وهبتها فحذف العائد تخفيفًا، والآخر: أن تكون الباء زائدة كأنه قال: التي وهبت جاري دمعها، وأما من قال: (ذهبت) فإنه يحتمل أمرين أيضا، أحدهما: ذهبت بها بجاري دمعها كما تقول ذهبت بمالك بالاتفاق، وحذفت (بها) كقول سيبويه في قول الله تعالى: " واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا"، أي: فيه، فحذفه. ويجوز أن يكون حذف الباء فبقي (ذهبتها) ثم حذف الضمير في الصفة
[ ٢٢٨ ]
ويكون الجاري على هذا مصدرا كالباطل والفالج أي بجريان دمعها، والآخر: أن يكون على ظاهره.
وفيها فإن تنجلي بالود عني وتبخلي بوصلك أو تدلي بأشعث مخلق
يحتمل هذا قولين، أحدهما: حذف المفعول كأنه قال: فإن تصرفي [٢٩٠] الود، وحسن له أيضا زيادة الباء أن معناه: فإن تنصرفي بالود، فهو إذن من قول الله سبحانه: " الرفث إلى نسائكم"، وقد ذكرت أشباهه،
فإني كما قد تعلمين ابن حرة لقرم هجان وابن آل محرقِ
يحتمل: (كما قد تعلمين) أمرين، أحدهما: أن يكون اعتراضا بين اسم (أن) وخبرها أي فإني ابن حرة وقد تقدم ذكر هذا الاعتراض، والآخر: أن يكون خبر (أن) وابن حرة خبرا آخر كقولنا: (هذا حلو حامض)، وإذا كانت (كما قد تعلمين) اعتراضا كانت الكاف خبر مبتدأ محذوف أي الأمر كما تعلمين وحذف المبتدأ.
[ ٢٢٩ ]
ونحن قتلنا مقبلا غير مدبر تأبط ما تزهق بنا الحرب تزهق
هذا يدل على جواز تقديم حال المظهر، أراد: قتلنا تأبط مقبلا، فقدم، ومثله ضربت جالسة هندا، وقد قدمنا نظيره [٢٩١]، وأراد (تأبط شرا) فحذف المفعول للعلم به. ولذا جاز هذا مع ياءي الإضافة إليه تأبطي وفي برق نحره: برقي، ينسب إلى الصدر ويترك العجز فضلة كان، أو أحد ركني الجملة.
صبحناهم والشمس خضراء غضة بذات الغضى حد السنان المخرق
لام (الغضى) ياء لجواز امالتها ولأنها لام مجهولة، وقد تقدم قانون هذا.
وفيها:
ضربنا بهن الهام من كل جائز عن الدين أو من تائه متبطرق
قال: (متبطرق) متكبر، هذا يؤكد عندك صرف ما كان من الأعجمي تدخله الألف واللام واجراه لذلك مجرى أصول كلام العرب لدخول اللام عليه، وذلك نحو رجل سميته نيروزا ولجاما، ألا تراهما لدخول اللام عليهما في النيروز واللجام جاريين مجرى القيصوم والكتاب، ووجه الدلالة [٢٩٢] أنه أشتق من البطريق (تفعلل) فقال: تبطرق فهو متبطرق، فجرى مجرى تدحرج فهو متدحرج، فالاشتقاق منه يحلقه بأصول كلام العرب التي هي مصادر. قال أبو علي ومنه قول رؤبة:
هل ينجيني حلف سختيت أو فضة أو ذهب كبريت
[ ٢٣٠ ]
قال: فسختيت من سخت كزحليل من زحل، وإذا جاز أن يشتق من اعلام كلام العجم على بعدها عن أصول كلام العرب كان الاشتقاق من أجناسها المشابهة لاجناس كلام العرب أجوز وذلك قولهم: قد تفر عن الرجل، إذا طغى وعلا أمره، فهذا من فرعون، وفرعون علم، فسختيت من سخت، ومتبطرق من بطريق لجواز السخت، والبطريق أولى بالجواز. وفيها [٢٩٣]:
بضرب يزيل الهمام شدة وقعه بكل حسام في صبي ورونق
قال: (صبيه) فوق ظبته، لا يجوز أن تكون الباء في (بكل) من صلة الضرب حتى يصير تقديره بضرب بكل حسام، وذلك أن قوله: (يزيل الهام شدة وقعه) صفة لضرب، والصفة إذا جرت على الموصوف آذنت بتمام الاسم وانقضائه، ألا ترى أنه لا يجوز: (عجبت من ضربك الشديد عمرا الضعيف) ـ، ولكن يجوز أن تكون الباء في قوله: (بكل) صفة أخرى لـ (ضرب) فتكون حينئذ متعلقة بمحذوف وفيها ضمير الموصوف كأنه قال: (بضرب كائن بكل حسام) وما يكون من صلة المصدر في حال قد يكون خبرا عنه وصفة له، ألا ترى إلى قولك: عجبت من اياب زيد إليك، فـ (إليك) متعلقة بنفس المصدر وقد قال الله سبحانه: " إن إلينا إيابهم "، فجعل (إلينا) خبرا عن المصدر ويجوز أيضا أن تكون الباء [٢٩٤]، في (بكل حسام) متعلقة بفعل محذوف دل عليه قوله (بضرب) أي: ضربناكم بكل حسام، وقد تقدم نظير هذا. أما لام (صبي السيف) فينبغي أن تكون واوا لأنه طرفه وكأنه صغير بالإضافة إلى جملة السيف كصغر الابن من الأب، أو لأنه طرفه والانسان كالطرف لأبيه وكل واحد
[ ٢٣١ ]
منهما طرف لصاحبه أي ناحية له وقتر، قال [من الطويل]:
فكيف باطرافي إذا ما شتمتني وما بعد شتم الوالدين صلوح
وقد قالوا: صبوت إليه، أي ملت إليه، والشيء إنما يميل إلى الشيء بأطرافه وجهاته فتكون اطرافه أقرب إلى الميل إليه من زبرته ومعظمه.
وقد علمت ذاك القبائل كلها ومن قد فككنا من أسير ومطلق
أي: ممن كان أسيرًا، وهو الان مطلق عنه بفكنا إياه، فحكى حال الأسر في حال الفك كما يحكي حال الموت في حال الحياة في نحو قوله:
إذا ما مات ميت تميم
ونحو ذلك فاعرفه، وقد تقدم ذكره.
وإن أفتخر ابلغ مدى المجد كله وإن اقتصر أبلغ سناء وأصدق
لام (السناء) واو لأنه الشرف، وقالوا: سنايسنو، إذا استقى كأنه رفع الماء من البئر ونحوها، وروينا عن قطرب: سنى في المجد يسنى سناء، وسنا يسنو سناء أيضًا، وهذا قاطع.
وفيها: وداوية ملساء تمسي سباعها بها مثل عواد السقيم المغفق
[ ٢٣٢ ]
يجوز أن يكون من (الدو) فاعلة ثم نسب إليها فحذف لامها كقولك في ناجية: ناجي، وقال الفراء: أصلها دوية، فأبدل الواو الأولى الفا، يريد نحو يا جل ويا حل، ويجوز فيها عندي وجه ثالث، وهو أن يكون بني منها (فعلية) إلا أنه [٢٩٦]، أعل العين وصحح اللام كـ (غاية) و(طاية) و(ثاية)، ومثلها في المثال العارية، إلا أن لام هذه صحيحة فأعلت عينها.
وفيها: بعنس تبيت العيس ترتع تحتها خبيا يبلى كل سفعاء سيلق
قال: (سيلق) حديدة، ينبغي أن تكون من قول الله: سلقوكم بألسنة حداد. وقول الشاعر [من الخفيف]:
إن تحت الأحجار حزما وجودا وخصيما ألد ذا مسلاق
وهذا يحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون ذا صوت مسلاق أي صلب شديد، والآخر: أن يكون اراد: وخصيما ألد مسلاقا، فجاء بذا على ما يقوله في اضافة المسمى إلى اسمه، وقد تقدم نحوه في قوله [من الكامل]:
[فكأنها بالجزع بين نبايع] وآلات ذي العرجاء نهب مجمع
وقال مليح أيضا من قصيدة [٢٩٧] [من الوافر]:
يظفن بعوهج غيداء مثل الـ غمامة برقها عمل منير
[ ٢٣٣ ]
قال: اجتمعت العين والهاء غير مفصولة منها ومفصولة، فغير المفصولة، نحو: عهر وعهار، ومفصولة نحو: عوهج وعمه، فإن تقدمت الهاء على العين لم يكن من الفصل بد وذلك نحو: الهراع وهيع وهجع.
وفيها:
جوافل في السراب كما استقلت فلوك البحر زال بها الشرير
قال: (الشرير) شجر البحر، جمع (الفلك) على فلوك، كـ (برج) وبروج، وينبغي أن يكون ذلك المجموع هو الواحد من قول الله سبحانه: في الفلك المشحون، لا الجميع في قول الله تعالى: حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم. وذلك أن سيبويه قال: لا يكسر التكسير إلا عن تقدم سماع.
فتضجع تارة وتقيم أخرى بهن طوالب القصد الصدور
[٢٩٨] يرتفع (الصدور) بـ (طوالب) كما تقول: (مررت برجال طوالب زيدا نساؤهم)، وإن شئت رفعت (الصدور) بالقصد كقولك: (حب القيام زيد) أي: إن يقوم زيد، فتعمل المصدر، وفيه اللام كقوله (عن الضرب مسمعا)، فيصير تقديره: (طوالب إن تقصد الصدور).
وقال مليح أيضا من قصيدة أولها [من البسيط]:
بأن الخليط الذي ما دونه أحد عندي ولو لم يكن يدري بما أجِدُ
[ ٢٣٤ ]
قال: أي ليس عندي أحد يعدله، واراد: وإن كان هو لا يدري بما أجد، لا يجوز أن يكون (عندي) صفة لـ (أحد)، لأن المعنى أنه ما عندي أحد أقرب إلي منه، وقد يجوز على هذا أن يكون دونه هو المستقر، و(عندي) فضلة فارغة متعلقة بدونه وهو ذو الضمير، ويجوز فيه [٢٩٩] عكس هذا، وهو أن يكون (عندي) هو المستقر وفيه الضمير و(دونه) فضلة فارغة معلقة بـ (عندي)، وقد يجوز أن يكونا خبرين كـ (حلو حامض) من قولك: (هذا حلو حامض)، فإذا كان ذلك كذلك ففي كل واحد منهما ضمير إلا أن الضمير الذي يتقاضها المبتدأ من خبره إذا كان حاملا لضميره إنما هو في مجموع الظرفين لا في إحدهما لأنه ليس إحدهما هو الخبر دون صاحبه فيعود الضمير منه لنفسه على مبتدأه، وقد يجوز أن يكون دونه حالا لـ (أحد)، وأصله أن يكون صفة لـ (أحد) مؤخرًا عنه، فلما قدم عليه نصب على الحال منه كقوله [من الطويل]:
أبنت فما تنفك حول متالع لها مثل آثار المبقر ملعب
ومن رفع بالظرف لم يكن فيه ضمير لرفعه الظاهر إلا أنه لا يجوز أن يكون الرافع للنكرة إلا الظرف [٣٠٠] الأول لأن ما ارتفع بالظرف كالفاعل.
سدسا وبزلا إذا ما قام راحلها تحصنت بشبا اطرافه غرد
صريف الفحل لقطمه، وحد (غرد) وإن كان خبرًا عن الأطراف
[ ٢٣٥ ]
حملًا على المعنى لأنه كأنه قال: كل طرف منها غرد، ومثله ما أنشده أبو الحسن [من البسيط]:
[وجفنة كنضيح البئر متأقة] ترى جوانبها بالشحم مفتوقا
أي: كل جانب منها، ومثله ما حكاه أبو زيد من قولهم: أتينا الأمير فكسانا كلنا حلة وأعطانا كلنا مائة، أي: كسا كل واحد منا حلة واعطى كل واحد منا مائة، عليه قول الله سبحانه: " فاجلدوهم ثمانين جلدة" أي: اجلدوا كل واحد منهم ثمانين جلدة اعتبارًا بقوله جل وعز: " الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة".
قال [٣٠١]
يا ابن التي حد ثناها باع
أي: كل واحدة منهما باع، وعليه عندي قوله تعالى: أو لم نعمركم ما يتذكر فيه من تذكر. أي: أو لم نعمر كل واحد منكم ما يتذكر فيه من تذكر.
وفيها:
فالعين تحمل أشواقًا مضاعفة والعين تكحل فيها الصاب والرمد
ينبغي أن تكون عين (الصاب) واو حملا على الأكثر، وقد مضى ذكرها.
كدلج الشرب المجتار زينه حمل عثاكيل فهو الواثن الركد
[ ٢٣٦ ]
قال: (المجتار) المتجاور، بعضه قريب من بعض، أخرج هذا على موجب قياسه ولم يصحح هنا كما صحح في أكثر الأمر، وأجرى في الاعلال مجرى (اعتاد) و(اقتاد)، وقد تقدم [٣٠٢] القول على بابه.
وفيها: كأنها يوم تثنينا تحيتها غمامة من سماك صوبه قرد
ذكر (السماك) وأخرجه مخرج واحد من جماعة كل واحد منها سماك، وهو نحو قولهم: (أما البصرة فلا بصرة لك) فإن قلت: فهناك سماكان، فمن هنا جازت الإشاعة قيل: هو وإن كان كذلك فإن النوء إنما هو لاحدهما وهو السماك الأعزال والرائح لا نوء له، وفيه أكثر من هذا.
تثني لنا جيد مكحول مدامعها لها بنعمان أو فيض الشرى ولد
قال: (الشرى) ما كان حول الحرم، ينبغي أن تكون لام (الشرى) ياء لأنها مجهولة، فالياء أغلب من الواو على اللام، وكذا رأيته في الخط العتيق مكتوبا بالياء، وإن كانوا قد كتبوا (القرا) للظهر بالياء وهو من الواو وكذا (مازكا) [٣٠٣] كتبوه بالياء.
وفيها:
وحب ليلى ولا تخشى محونته صدع بنفسك مما ليس ينتقد
قال: (محونته) عاره أو تباعته، يمكن أن يكون (محونة): (فعولة) من المحنة لأن العار من أشد المحن وأغلظها، ويجوز أن تكون (مفعلة) من (الحين) على قول أبي الحسن في (مضوفة) و(مبوعة)، وذلك أن
[ ٢٣٧ ]
العار كالقتل أو أشدـ، فإن كسرت على القول الأول همزت فقلت: محائن كعجائز، وعلى الثاني لا تهمز كمعايش.
وفيها:
سعلاة ظلماء حرف لا تورعها خشاشة مثل حجل الساق والمسد
عطف المعرفة على النكرة، والعطف نظير التثنية وأنت لا تجمع في التثنية بين المعرفة والنكرة، وفرق [٣٠٤]، بينهما الذي جاز هذا لأجله أن العطف يتباين وفيه الاسمان، ويمتاز أحدهما من صاحبه، والتثنية يصاغ لها فلا يكونان إلا من لفظ واحد، وأما قوله (لنا قمراها) و(وجزاني الزهدمان) و(سيرة العمرين)، فإنك لم تجمعها إلا بعدأن سميت كل واحد منهما باسم صاحبه فصارا كأنهما قمر وقمر، وعمر وعمر، وزهدم وزهدم، لولا ذاك لم يصغ من اسمين مختلفين اسم واحد من لفظ واحد، ألا ترى أنك لما لم ترد هذا وعمدت إلى صياغة اسم واحد من اسمين البتة ضممت بعض حروف احدهما إلى بعض حروف صاحبه فقلت: عبقسي وعبدري وعبشمية ومرقسي، ومما جاء من عطف المعرفة على النكرة قوله:
[أرمي عليها وهي فرع أجمع] وهي ثلاث أذرع والأصبع
إلا أن النكرة التي هي خشاشة موصوفة فهي أقرب [٣٠٥] من المعرفة.
[ ٢٣٨ ]
مهشة لدليج الليل صادقة وقع الهجير إذا ما شحشح الصرد
شحشح: صاح، لك في نصب (وقع الهجير) مذهبان، إن شئت على أنه مفعول صادقة كقولك: (صدقت القتال) أي بالغت فيه ووفيته ما يجب له، فإن شئت على أنه تمييز مشبه بالمفعول كقوله
أجب الظهر والشعر الرقابا
وقوله، أنشدنا أبو علي [من الطويل]:
لقد علم الايقاظ أخفيه الكرى تزججها من حالك واكتحالها
لا تستزاد ولا تثني براكبها إذا تفاضلت العيدية النجد
قالوا: النجود الماضية، ولا تثني براكبها أي: لا تؤخره حتى ينثوي عليه، والعيدية: الإبل منسوبة إلى عيدان بن مهرة. ينبغي على هذا القول أن يكون [٣٠٦] العيدية مما غيرته ياء الإضافة كقولهم في أمس: أمسي، وفي الدهر: دهري، وفي الحمض: ابل حمضية، وفي الرمل: رملية، ونظائره كثيرة. وأما (عيدان) فينبغي أن يكون من نخلة عيدانة إن ينصرف لأن النون أصلية لأنه من (عدن بالمكان) أي أقام به، وذلك لطول لبث النخل، وإن كان (عيدان) كرحيان إذا جعلته (فيعلان) مخففا فإنه لا ينصرف.
وقال [من الطويل]:
وإن رددوا فيها النسوع تباعدت بها صعداوي كل أحمر بازل
أي: تباعدت اجوافها بالنسوع قبل تنفس صعداوي، وكل جمل بازل، وصعداواه تناهى ما بين نفسيه، فـ (صعداوى) على هذا التفصيل منصوب على الظرف من المكان.
[ ٢٣٩ ]
فلما دنت ملأرض حتى تقربت إليها وحتى طبقت بالكلاكل
[٣٠٧]
وقاموا إليها بالولايا فشمرت بها قردات التي شم الكواهل
قال: أراد فما دنت، قال: ومعناه تقربت الأرض إليها لسعة اجوافها وعظم بطونها، هذا الذي ادعى السكري فيه أن (لما) بمعنى (ما) شيء لم يعلمه أتي في نثر ولا نظم ولا المعنى أيضا عليه، ألا ترى أنه لم يرد أنها لم تدن من الأرض حتى كذا، والمعنى أنها لما دنت من الأرض وتقربت وألزقت أجوافها بها كان كذا، ولكن النظر في جواب (لما) أين هو؟ فأما على مذهبنا فإنه على حذف الجواب للعلم به كما قدمنا القول فيه من قوله جل وعز: " فلما أسلما وتله للجبين، وناديناه"، وأما على قول البغداديين فإنه يجيء على زيادة الواو كأنه قال: قاموا إليها بالولايا، وقال: يجيء على قولينا جميعا أن تكون الفاء زائدة كأنه قال: شمرت لأننا نحن نرى زيادة الفاء كما يرونه هم. [٣٠٨]
وفيها:
نقية بن المحجرين كأنما كست مذهبا مجرى الدموع الهوامل
[ ٢٤٠ ]
(مذهب) هنا مصدر كالمنزل والمدخل والمخرج، وقد يجوز أن يكون على حذف المضاف أي: ماء مذهب، وماء المذهب هو ماء الذهب فكأنه قألأ: كست ماء الذهب، وقد سبق القول على مثله.
فلما اصطففن السير والتف كورها عليها كما التفت غروس الجداول
أراد: اصطففن في السير، فحذف في نصبه تشبيها بالظرف كقول الهذلي:
باسرع الشد مني يوم لانية [لما عرفتهم واهتزت اللمم]
أي في الشد، وإن شئت كان تقديره أصطففن للسير فلما حذف اللام نصبه لأنه مفعول له كبيت الكتاب.
[ويركب كل عاقر جمهور مخافة وزعل المحبور]
والهول من تهول الهبور
وكقول مزاحم [من الطويل]:
لك الخير إن زمعت صرمي وأصبحت قوي الحبل بترا جذها الصرم جاذم
أي: جذها للصرم.
[ ٢٤١ ]
وقال أيضا من قصيدة [من الطويل].
إلى أن رأيناها كأن سحابها وقد نضبت فيه ملاء مضرج
همزة (ملاء) عندنا بدل من واو وهي من الملوين وهما الليل والنهار، والتقاؤهما أن السعة تجمعهما، فأما قول الهزلي [من الوافر]:
كأن ملاءتي على هزف يعن مع العشية للرئال
فإنه إنما بني الواحد على الجماعة وهو الملاء فلذلك همز كما بني العظاءة والعباءة على العظاء والعباء، وقرأت على أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى قال: يقال ملاوة من [٣١٠] الدهر، وملاوة وملاوة ومدوة وملوة ومَلوة، وذلك كله لما اتسع من الزمان ومنه قولهم: (مضى ملي من الليل) فلامه كما ترى واو فهي كعلى وقصى ودعى، فإن قلت: فإن ما يثن واحده على جمعه من هذا النحو تأتي فيه الصحة والهمزة جميعا نحو: عظاءة وعظاية وصلاءة وصلاية، ولم نسمعهم قالوا في ملاءة: ملاوة، يعني الثوب، قيل قد يلزم بعض هذا الفرعية والبدل البتة، ألا تراهم قالوا: ألاءة وهمزها بدل من ياء، وإن كان مذهب صاحب الكتاب أنها همزة أصلية، ويدل على أنها بدل من ياء ما رويناه عن ابن الاعرابي من قولهم: سقاء مألي إذا دبغ بالألاءة، لا يحسن حمل مألى على البدل لأنهم لم نسمعهم قالوا قط: (مألو)، ولأن كون اللام هنا غير همزة أجدر لأمرين، أحدهما: قلة باب سلس، وقلق، والآخر: تكرير الهمزة في المواضع التي [٣١١] تضيق فيها الحروف الصحاح.
[ ٢٤٢ ]
وذهب أبو بكر إلى أباية، ولا ألاية، فرب فرع لزم فلم يستعمل أصله. وفيها:
ليوردها الماء الذي نشطت له ومن دونه أثباج فلج فتوج
إن كان (توج) اعجميا لم يتجه تصريفه إلا على أنه لو كان عربيا لوجب فيه كذا وإن كان عربيا احتمل أمرين: أحدهما: (فوعل)، والآخر: (فعول) وكلاهما من لفظ (التاج)، ولا يحسن حمله على (فعل) لأن هذا مثال يخص الفعل فأما (عثر) و(بذر) فمنقولان وهما علمان وكذلك (خضم) لا كله، وأما (شلم) لبيت المقدس فأعجمي وكذلك (بقم)، فأما قول العجاج:
بجوف بصري أو بجوف توجا
فلا يدل على أنه (فعل) لأنه إن ان أعجميا ففيه العجمة [٣١٢]، والتعريف وإن كان عربيا فقد يكون فيه التعريف والتأنيث.
وفيها:
به من هواك اليوم قد تعلمينه جوى مثل موم الربع يبهي ويبهج
يجوز أن تكون الهاء في (تعلمينه) ضمير (جوى) لا على أن تكون (تعلمينه) صفة تجري، لأن الصفة لا تتقدم على الموصوف ولكنه يكون اعتراضا ولا موضع له، ويجوز أن يكون له موضع على أن يكون حالا
[ ٢٤٣ ]
من (جوى) لأنه وصف نكرة قدم عليها و(علمت) ها هنا بمعنى (عرفت) للاقتصار به على مفعول واحد، ويجوز أن يكون الهاء ضمير المصدر كقراءة ابن عامر: فبهداهم اقتده، أي: اقتد الاقتداء. وعين (الموم) واو على ظاهره، وقد يجوز على قول أبي الحسن إن يكون (فعلا) من لفظ الميم لقولهم: (ميمت ميما)، وعلى أنهم قد قالوا: رجل مموم من الموم وهو الجدري والبلسام جيمعا، وهذا [٣١٣] يقطع بالواو ولا يلتفت إلى قولهم [من الطويل]:
[وتأوي إلى زغب مراضيع دونها] فلا، لاتخطاه الرقاب مهوب
وإلى ما حكاه الفراء من قولهم: رجل مسور من السير لقلة ذلك.
وفيها:
تصدت بسهل المدمعين يزينه عذاب اللمى كالاقحوان مفلج
ذهب بجمع (العذاب) إلى الأسنان ووحد (مفلج) لأنه أراد الفم والثغر، وقد تقدمت شواهد نحو هذا.
فقالت: ألا قد طال ما قد غررتنا بخدع، وهذا منك حب مزلج
ليس في كلام العرب (فعل- يفعَل فعْلا) إلا أربعة أحرف:
(سحر = يسحر سحرا) و(خدع- يخدع خدعا) و(صرع- يصرع صرعا) حكاها أبو زيد بكسر الفاء منهما والرابع (فعل – يفعل فعلا) هذا المثال.
[ ٢٤٤ ]
وفيها [٣١٤]:
إذا استحلقت ماطورة يستهلها محال كدكان الضفيرة مدمج
قال: (الضفيرة) حجارة تجع من قبل الماء، إن أخذت دكانا من الدكة فهو (فعلان)، وإن أخذته من دمنت الدكان تدكينا فهو (فعال) حكاها محمد بن الحسن عن الأشنانداني.
وقال أيضا [من الطويل]:
وخفوا فأما الجامل الجون فاسترى بليل، وأما الحي يعد فأصبحوا
(استرى): افتعل، من سرى يسري، وقلما يبنى (افتعل) حتى يكون الثلاثي منه متعديا نحو: قطع وأقتطع، وشوى واشتوى، وعلاه واعتلاه، وقد مر بي نحو هذا مما ثلاثيه غير متعد وهو قوله أنشدناه أبو علي:
حتى إذا اشتاك سهيل في السحر كشعلة القابس يرمي بالشرر
و(شاك) غير متعد، وقال الآخر [من الطويل]:
[بدا منك غش طالما قد كتمته] كما اكتتمت داء ابنها أم مدو
[٣١٥] وهذا لا ثلاثي له متعديا إنما هو مفتعل في الدنواية، ومنه (دنا) و(ادنا) و(سما) و(استما)، وقد مرت بي من نحو هذا أحرف صالحة. وأما (بعد) من قوله: (وأما الحي بعد فأصبحوا) فمتعلقة بقوله
[ ٢٤٥ ]
(أصبحوا)، فإن قلت: فكيف يتقدم ما بعد الفاء وهي جواب عليها وأنت لا تجيز: (إن تأتني زيدًا فاضرب)، قيل: هذا مع (أما) جائز وذلك إن تقدير نظم الكلام معها مخالف لظاهره، ألا ترى إلى قوله الله سبحانه: (فأما اليتيم فلا تقهر)، وذلك أن معناه: مهما يكن من شيء فلا تقهر اليتيم، فهو كلام محمول على باطن معناه دون ظاهر لفظه، والكلام في (أما) هذه، وما يتصل بها طويل دقيق.
وفيها:
فما كان عن يومين حتى تصدعوا لبين كما انشق الرداء المصيح
[٣١٦] يجوز أن يكون (عن) زائدة حتى كأنه قال: فما كان يومان أي قلم يمض يومان حتى تصدعوا، وقد جاءت زيادة (عن) قال [من الطويل]:
أتدفع عن نفس أتاها حملها فهلا التي عن بين جنبيك تدفع
إلا أنه وإن كان زاد (عن) فقد حذف أخرى قبلها ونحوه بيت الكتاب
إن الكريم وأبيك يعتمل إن لم يجد يوما عى من يتكل
زاد (على) وحذف (على) أي: لم يجد يوما من يتكل عليه، وعلى كال حال فقد زيدت في الموضعين (عن) و(على) جميعا، فقد يجوز أن تكون (عن) غير زائدة في البيت، ولكن على أن يكون اسم (كان) مضمرًا فيها فكأنه قال: فما كان ما نحن فيه عن مضى يومين أي بعد مضي يومين حتى كان كذا وكذا، فيكون (عن) بمعنى (بعد) كقول الله جل وعز: " لتركبن طبقا عن طبق".
[ ٢٤٦ ]
[٣١٧] وفيها:
وهن مناخات بأجرع تغتدى بأيد لها فيهن للسدو مطرح
لم يصرف (أجرع) وإن كان قد استعمل استعمال الأسماء بتكسيره على الأجارع دون الجرع، ففي هذا شاهد لامتناع سيبويه من صرف (احمر) إذا سمى به ثم اشاعه ونكره.
وفيها:
قصمن الحجول الغامضات باسؤق خراعب حتى تبرها يتضبح
قال: التبر ما لم يدخل النار، فإذا ادخل النار فهو الذهب والابريز والعقيان. قد كنت عملت قديما مسألة في أسماء الذهب والفضة، ونحن نقول هنا ما يقرب، أما التبر فإنه (فِعْل) من التبار، وهو الهلاك من قوله سبحانه: " وليتبروا ما علوا تتبيرا "، وذلك أنه قبل أن يدخل النار ويصفي من تراب معدنه فهو ضائع مستهلك، وأما [٣١٨]، ابريز فـ (افعيل) من (برز - يبرز) كأنه ابرز من خبثه وترابه وأما (العقيان) فـ (فعلان) من (عقى - يعقي) والعقي وهو ما يخرج من بطن المولود قبل أن يأكل الطعام، وقد قالوا للنجو: البراز، فـ (ابريز): (افعيل) من هذا اللفظ، والمعنى، وأما الذهب فكأنه أذهب عنه خبثه ورديئه.
[ ٢٤٧ ]
وفيها:
فبات دموعي توة ثم لم تفض على زند كادت لها العين تمرح
قال: (توة) حينًا طويلا، وقد مضى توة من النهار أي ساعة. ينبغي أن يكون (توة): (فعلة) من التو، والتوى هو الهلاك كأنه شيء قد استهلك وتوي من الزمان كما قال:
وإذا مضى شيء كأن لم يفعلِ
وفيها:
بذي حبك مثل القنى تزينه جدامية من نخل خيبر دلح
[٣١٩] قال: القنو الكباسة وهي القنا وأقناء وقنى جمع الجمع، ويقال (نخل جادم) إذا اوقر هكذا لفظ السكري البتة: قنى جمع الجمع وهذا خطأ إنما ينبغي أن يقول: اقناء جمع القلة، وقنى جمع الكثرة، فأما أن يكسر (أفعال) على (فعول) فذا ما لا يقوله أحد، ولو كان ذلك جائزا لجاز لآخر أن يقول: إن (كلابا) جمع (أكلب) و(حمر) جمع (أحمرة) و(بيوتا) جمع (أبيات) وينبغي أن يكون السكري أراد ما اردناه لفساد ما جاء في ظاهر لفظه إلا أنه أساء في العبارة وذلك أنه ليس من أهل الصناعة.
[ ٢٤٨ ]
وفيها:
بطعمة رجع بات ينسج متنه صبا حيث يستعلى لها حين ينفح
معنى (يستفعل) هنا (يفعل) يريد: يعلو.
وفيها:
وهن على مسلوعة زيم الحصى تنير ويغشاها هماليج طلح
[٣٢٠] قال: (مسلوعة): محجة، تنير: تضح. ينبغي أن يكون هذا من قولهم: السلع للشق في الجبل كأنه انغمز هذا الطريق للسير فيه فصار كالخد في الأرض، والسلع في الجبل لأنه موطأ مذلل، قال أبو النجم:
[يأتي لها من ايمن وأشمل وهي حال الفرقدين تعتلي]
تغادر الصمد كظهر الأجزل
وفيها:
وقد صرع القوم الكرى بعدما مضى هزيع وسرحان المفازة يضبح
هزيع: (فعيل) من قولهم: يتهزع أي يضطرب مشيه ويسرع، وذك لاسراع ذلك الوقت واضطرابه بظلمته كما قالو: (مضى عنك من الليل) وهو من الرمل العانك الذي يضطرب فيه من يمشيه.
وقال مليح أيضا من قصيدة:
[ ٢٤٩ ]
تذكرت ليلى يوم أصبحت قافلا بزيزاء والذكرى تشوق وتشعف
[٣٢١] قال: (زيزاء) أرض خشنة أو بلد، ينبغي أن يكون (زيزاء) هنا علما معرفة لامتناع صرفها، ولو كانت نكرة لانصرفت لأن (فعلاء) ينصرف نحو: علباء وقيقاء وزيزاء للأرض الخشنة.
وفيها: وأغلب من أعلام تيمي كأنه إذا ما اكتسى في طخية الليل أكلف
قصر الممدود، ويجب إذا قصر الممدود أن يعامل معاملة ما ارتجل كذاك مقصورا فصار (تيمي) كـ (سكري) لا يصرف لالف التأنيث المقصورة كما لا يصرف لها إذا كانت ممدودة، وتكتب أيضا بالياء كما تكتب (سكرى) كذلك لأنها الف متجاوزة لعدة الثلاثة كذلك القول في نحو: العروى والنفسيى والاصدقي والاطبي وعاشوري، يكتب ذلك كله إذا قصر بالياء.
وفيها:
بتلك علقت الشوق أيام بكرها قصير الخطى في قدعة متعطف
[٣٢٢] قال: (قدعة) دراعة، لا تبلغ ساقيه. ينبغي أن تكون قدعة (فعلة) من قدعت الرجل إذا كففته عن الشيء، والتقاؤهما أن الدراعة القصيرة كأنها قدعت أي: كفت عن أن تبلغ الساقين على معتاد الحال في الدراريع
وفيها:
وبالوتر مما يلقطون من الحصني وبالبدن تكبو في الدماء وتنزف
[ ٢٥٠ ]
لام (الدم) ياء لقولهم [من الوافر]:
[فلو أنا على حجر ذبحنا] جرى الدميان بالخبر اليقين
وقد جاء عنهم (الدموان)، فاللام على هذا واو، بالخبر اليقين وقد جاء عنهم (الدموان)، فاللام على هذا واو، وقالوا أيضا (دمان)، فاللام هنا محتملة ما تحتمله في (دم) وقد قالوا في تكسيره:
أدماء ودمي، قال:
قلت أيا تسفك أدماءهم تق الذي يعلم ما تفعل
وقال [من المتقارب]:
ولا يرد السيف أدماءهم دميا يصاب بها المحرم
[٣٢٣] وقالوا في تأنيثه: دمة، وفي خبر لحاتم قال فخرج فإذا البيوت دمة واحدة يريد بالتأنيث القطعة من الدم وقد قالوا فيه: هذا دما، ورأيت دما ومررت بدما، قصر في هذه اللغة البتة، أنشدنا أبو علي [من الرمل]:
غفلت ثم اتت ترقبه فإذا هي بعظام ودما
كقولك: بعظام وعصا، وأنشدنا هو وغيره بيت ابن الحمام [من الطويل]:
فلسنا على الاعقاب تدمى كلومنا ولكن على أقدامنا يقطر الدما
وفي أمثال بني أسد: (ولدك من دمي عقبيك)، وممنه عندي الدمية المصورة، وقد تقدم وجه الجميع بينهما.
وفيها:
فألقوا عليهن السياط فشمرت سعالى عليها الميس تملو وتقذف
[ ٢٥١ ]
قال: (تملو) تسبح، حقيقته عندي أي تتسع في جريها [٣٢٤]، ومد بوعها من الملاوة والملوين وهما سعة الزمان وامتداده.
وفيها:
وحتى تعممن اللجين كأنه على مستدار الهام عطب مندف
ينبغي أن يكون (العطب) من معنى العطب، وذلك أن القطن لا يكاد ينتفع به إلا بعد أن يستهلك حال القطنية منه بالغزل، ونحو هذا هو العرف في بابه والاكثر وإن كان قد ينتفع به في أول الحال في غير ذلك. وقال مليح أيضا من قصيدة [من الطويل].
تراه كتخفاق الجناح ودونه من النير أو جنبي ضرية منكب
ينبغي أن تكون لام (ضرية) واوا لاستمرار الواو في (الضرو) و(الضرواة) ولا نعرف (ض ر ى).
وفيها:
فقلت لها يا ليل كيف أزوركم وقد جعلت جعلت في جنبك الحرب تحدب
[٣٢٥] قال: تحدب تحرك وتجد.
بلي ثم نرمى بالنجائب نحوها دجى الليل عن هاماتها تتجوب
حذف الفعل لدلالة الكلام عليه، أراد بلى نزورها ثم نرمي فحذف الفعل كما قال الله سبحانه: " بلى قادرين على أن نسوى بنانه ". أي: بل نجمعها قادرين فدلت الحال على الفعل الناصبها كما دل المعطوف وهو نرمي على المعطوف عليه المحذوف وهو (نزورها).
[ ٢٥٢ ]
وقال مليح أيضا من أرجوزة:
أمست خلاف الألة السواحق
الهمزة بدل من واو (الولة)، يعني الرياح كأنها قوله: فنحن في هبوبها، قال ابن احمر:
ولهت عليه كل معصفة هوجاء ليس للبهازير
[٣٢٦] وفيها:
أكدر يغضى عجل التراهق
في قوله (يغضى) دلالة على كون همزة (الغضاء) بدلا من ياء ومثله قوله [من البسيط]:
كم من جراب عظيم جئت تحمله ودهنة ريحها يغضى على المقل
وفيها:
ساج باعراض الفضاء الفاهق
القول على لام (الفضاء) هو واو لقولهم: فضا يفضو فضوا وفضاء والفاضي الواسع، وأفضى إلى الشيء أي صدر في فضائه وفرجته، وجمع الفضاء أفضية.
وفيها:
هركوله ليست من العسالق
كأنما تصبح بالرواوق
حكى أبو الحسن أنه بلغه عن الخليل أن الهاء في (هركولة) زائدة [٣٢٧] كأنها تر ل في مشيها، ومثله من زيادة الهاء غير آخر: (هجرع) و(هبلع) فيمن اخذها من الجرع والبلع، وقالوا: هجزع بالزاي للجبان فهذا على هذا النحو من الجزع، وأنشد ابن الاعرابي:
[ ٢٥٣ ]
[باتت بليل ساهد وقد سهد] هلقم يأكل أطراف النجد
فهذا (هفعل) من اللقم وقالوا في (هركولة) هركلة وأنشدني الشجري لبعض شعراء عقيل وهو عساف (من الكامل):
هركلة فنق نياف طلة لم تعد عن شعر وحول خرعب
فهذا على هذا (هفعلة)، وهذه نوادر، ومما زيدت الهاء فيه حشوا امهات ومثالها فعلهات. وأما (الرواوق) فأراد به الرواويق جمع راووق فحذفت الياء وهو ينويها ولذلك صحيح الواو الثانية والقول فيها القول في قوله:
[حنى عظامي وأراه ثاغرى] وكحل العينين بالعواور
[٣٢٨] وقول الآخر وهو جعال الهمذاني [من البسيط]:
أسد هواوسة بيض غطارفة غلب جحاجحة زيز إذا انطلقوا
إلا أن الواو هنا بعدت عن الظرف فجرى ذلك مجرى طواويس وقال الاخر:
تسمع للمرء بها عواولا
[ ٢٥٤ ]
وفيها: أو كسبايا البربر الحوالق
أما أراد (بربر) وهي قبيلة فزاد اللام كزيادتها في قوله [من الطويل]:
وجدنا الوليد بن اليزيد مباركا شديدا باعبار اخلافة كاهله
يريد ابن يزيد، وهو كثير منه قوله:
ولقد جنيتك اكمؤوا وعساقلا ولقد نهيتك عن بنات الأوبر
قال أبو عثمان سألت الأصمعي عن ذلك فقال أراد اللام. وأما إن يكون أراد جمع بربري كرومي وروم ويهودي [٣٢٩] ويهود، وكذا اجاز أبو على فيما أنشده أبو زيد من قوله [من البسيط]:
يا نصر هل غير ما جهل فإنكم ريش العصافير قد أفسدتم الاسدا
أجاز إن يكون جمع (أسدي) كيهودي ويهود ثم عرف باللام فقال: البربر والأسد كاليهود والروم ونحو ذلك.
وفيها:
يمشون بين نابل ودارق
استعمله كتارس من الترس ولم أسمعه من الدرقة إلا هنا، فأما تقيله وأما ارتجله.
[ ٢٥٥ ]
وفيها:
وخاتم الملوك غير العالق
قال أراد المتعلق بالباطل، هذا أيضا مما قدمت لك من نقلهم الشيء وقد كان محتملا موضعين يخص به أحدهما كبكر وبابه، وفي هذا عندي طرف من شبهه بنقل [٣٣٠] الأجناس الشائعة إلى الأعلام الضيقة.
وقال مليح أيضا من قصيدة [من الطويل]:
نأى من حراه من يحب قربت صروف النوى منه الذي لا تحاول
لام (الحرى) وهو الذرى والعراء عندي ياء لقولهم: حرى – يحرى، إذا نقص وحية حارية إذا نقص جسمها وانضم بعضهم اجزائها إلى بعض ومنه تحريت الحق أي: نوت منه وقربت إليه وضايقته فلم اتباعد منه وذكلك انت حرى بالامر وحر أي صقب منه وغير بعيد عنه.
وفيها:
ولم ترج في الود المكتم بيننا أأكثر فيه الناس أم قال قائل
قال: (لم ترج) لم تخف، إنما جاز تعليق (رجوت) هذه بما فيها من الخلاج والشك فشابهت (ظنت) فجاز تعليقها [٣٣١] كما تعلق الظن ونحوه وإنما يجوز التعليق بحيث يجوز الالغاء ولولا ما في الخوف والرجاء من معنى الخلاج والإبهام المضارع للظن لما جاز تعليقها كما جاز عرفت لقربها من (علمت) في قولك: (قد عرفت أبو من أنت وأيا من أنت مكني به).
وفيها:
ودوني هيام المعاصم فاللوى ومن دون باب اليون بحر وساحل
إن كان (هيام) من الياء احتمل ثلاثة أوجه، أحدهما: أن يكون (فعالا)
[ ٢٥٦ ]
كالجبار وكالكلاء أو كالضراب والقتال، والآخر: إن يكون (فيعالا) كالخيام والقيام، والثالث: إن يكون (فوعالا) كتوراب وإن كان من الواو كان (فيعالا) لا غير كالزياد والصياغ والقيام. وأما (اليون) فقد ذكرناه.
وفيها [٣٣٢]:
سروا والكرى يمرى العيون وفوقهم ظلال له تغشاهم وغياطل
ينبغي أن يكون لام (الكرى) ياء لاستمرار الامالة فيها، ولو قيل أنها واو لأنها من معنى (الكرة) لاجتماع النائم وتقبضه كاجتماع الكرة وتقبضها، ولام (الكرة) واو لقولهم: كروت بالكرة لكان وجها. وسألني أبو عي ﵀ يوما فقال ما لام قوله:
والظل لم يفضل ولم يكر
أخذنا جميعا ننظر فيه فال: هو من قولهم: (ساق كرواء) لاجتماعها، وانضمام أجزائها، ثم افرقنا قلما لقيته بعد قلت: قد ودت في ذلك المعنى شيئا جيدا قاطعا قال: ما هو؟ قلت: قولهم الكروان لدقة ساقيه فاسحسنه وقال: هذا نهاية.
وقال مليح أيضا من قصيدة [٣٣٣] [من البسيط]:
كأن صفحة باب خل من شبح إلى الشراخيب والدايات منسوج
قال: (الشرخوب) العظيم الفقار، الديات جمع داية إلا أنه اسكن العين والأصل تحريك الهمزة كقوله [من الطويل]:
[ ٢٥٧ ]
كأن علوب النسع في دأياتها [موارد من خلقاء في ظهر قردد]
ولا يجوز أن يكون خفف في الجمع دون اعتقاده التخفيف في الواحدة وخفف الواحدة ثم جمع. فإن كان خفف الجمع وحده فكان قياسه أن يجعل الهمزة بن بين فيقول: دايات، وهذا تكسير موضعه من البيت، وإن كان خفف الواحدة فكان تقديره الداية بالف ساكنة كقولك في رأس: رأس، وفي رأل: رال، فقد كان ينبغي أن يحرك في الجمع الحركة الضعيفة في همزة بين بين وذلك أن الواحد لم يبدل ابدالا على حد اخطيت وقريت وتوضيت، فتجرى داية ودايات مجرى غاية وغايات ودارة ودارات وإنما هو تخفيف قياسي [٣٣٤]، وفيه الهمزة مقدرة معتدة، ولكن سكون الهمزة اضعفها فلم ينبر فيها بشيء من الهمز، فأما إذا صرت إلى الجمع فإنك تعتقد وجوب الحركة فجب حينئذ أن تجعلها للحركة همزة بين بين فتقول: داياتها، فلما حظر الوزن ذلك عليه اسكنها وهمز، وهو مع ذلك معتقد التخفيف في الواحد فيها فوجب اخراجها إلى اللفظ كما وجب مع التخفيف في الواحد، وإذا خففت في نحو هذا الحركة القوية في مثل قوله [الطويل]:
[أبت ذكر عودن أحشاء قلبه خفوقا] ورفضات الهوي في المفاصل
كان تخفيف الحركة الضعيفة في الهمزة المخففة أجدر بالجواز وإن كان ابدالها البتة على رأي أبي الحسن في قوله [من الطويل]:
[ ٢٥٨ ]
[وصم صلاب ما يقين من الوجى] كأن مكان الردف منه على رال
فهو أمر واضح، إلا أن القول الأول أشبه لأنه تخفيف قياسي، وهذا الثاني إبدال ضروري.
وهذا آخر ما نجز من ديوان هذيل
وتم الكتاب
وكتبه أسعد بن المعالي بن إبراهيم بن عبد الله في شهور سنة ثمانين وخمسمائة حامدا الله تعالى على نعمه ومصليا على خيرته من خلقه محمد النبي وعلى آله ومسلما، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
[ ٢٥٩ ]