قال " من الطويل ":
ألا يا عناءَ القلب من أمِّ عامرٍ ودينتهِ من حُبِّ لا يجاوِرُ
فيها: صَناعٌ بأشفاها حَصانٌ بِشكْرِها جَوادٌ بقوت البطن والعِرقُ زاخِرُ لام " الأشفى " ياء لانه من " شفيت ". والتقاؤهما أنه يصل ويشفى من الصنعة كما يصل الدواء ويشفى من المرض. يزيد في انسك بذاك قوله " من الطويل ": وداويتها حتى شتَتَتْ حبشيّةً كأنَّ سندسًا وسدوسا فقوله: " داويتها " كقولهم: صنع فرسه، وفي البيت صناع وإنما هو لجودة صنعتها. فهذه مواضع إنما يجمعها التأمل ولطف التوفيق والتوصل.
فإنَّك عمرَ الله أنْ تَسْأليهمُ بأحسابِنا إذ ما تجلُّ الكبائِرُ
عمر الله: منصوب على المصدر أي: عمّرتُكِ الله تعميرا. فجاء المصدر محذوف الزيادة كقولهم: مررت بزيد وحدّه. أي أوحدته بمروري إيحادا. وقال بعض بني أميّة أنشده ابن الأعرابي:
دَعْ عنكَ غلق الباب
يريد: أغلقه. ومن المصادر المحذوفة الزيادة قول الشمّاخ وهو
[ ٧١ ]
من أبيات الكتاب " من الطويل ":
أتتني سليم قَضُّها بقضيضها تُمَسِّحُ حولي بالبقيع سبالَها
فتاقض محذوف الزيادة أي: انقضاضها. ألا ترى أن صاحب الكتاب فسَّره فقال: " كأنه يقول انقضّ آخرهم على أولهم ". فأما قضيتها فليس بمحذوف الزيادة، ألا ترى أن فيه الياء زائدة لكنه محرف الصورة عن مصدر انقضّ الذي هو انقضاض. ومثله في التحريف لا في الحذف قول القطامي " من الوافر ".
اكفرًا بعد ردَ الموت عني وبعد عطائك المائة الرّتاعا
فالعطاء ليس محذوف الزيادة، ألا ترى أن فيه الألف زائدة وإنما فيه الانحراف عن " إفعال " إلى " فَعال ". وقد يجوز في قوله: " بقضيضها " أن يكون القضيض جمع " قَضّ " كعبد وعبيد، ورهن ورهين، وعون وعوين، وطسَ وطسيس.
ومعنى نصب " عمر الله " انه كأنه قال: سألت الله أن يعمّرك كما تحب أن يعمّرك. فعمر الله إذن مصدر مضاف إلى الفاعل أي تعمير الله إياك. فأما " ما " من قوله: " إذا ما تجلّ الكبائر " فيحتمل أمرين. أحدهما: أن يكون زائدة كأنه قال: إن تسأليهم إذ يكبر الكبراء لضيق الزمان وشدته فتبين بذلك أفعالهم ويحسن به الثناء عليهم. والآخر: أن يكون نفيا كأنه قال: إذا تصغر الكبراء لضيق الحال وشدة الزمان فتتساوى أحوال الناس وهذا في المعنى كقول الحسن رضوان الله عليه: " لن يزال الناس بخير ما تفاوتت أحوالهم ".
[ ٧٢ ]
وفيها:
فما ذرَّ الشمس حتى كأنما ألاحَ بهم قبلَ الشُرَيقةِ طائر
الشرق: الشمس فلذلك لما حقّر الحق التاء.
[ ٧٣ ]