" من البسيط ":
يا دارُ أعرفها وحشا منازلُها بين القوائمِ مِن رَهطٍ فألبانِ
ليس قوله " أعرفها " وصفا لدار، وذلك أن الجملة نكرة ودار هذه مخصوصة لقصدك أيها بندائك اياها، والمعرفة لا توصف بالنكرة، ألا تراك تقول: " يا رجلُ الظريف أقبلْ "، وإذا كان كذلك فقوله " اعرفها " استئناف خطاب فكأنه قال لصاحبه: أنا أعرفها ومثله بيت الكتاب للأحوص:
يا دار حَسَرها البلى تحسيرا وسفت عليها الريح بعدك مُورا
ولكن قوله " بحزوي " من قوله " من الطويل "
أدارًا بحُزوي هجت للعين عَبْرَةً فماء الهوى يَرْفَضَ أو يترقرق
صفة لدار لانه أخجها مخرج النكرة. واما قوله " من الوافر ":
ألا يا بيت بالعلياء بيتُ
فهو كبيت الهذلي: يا دار اعرفها. وكذلك قوله " من الرجز ":
يا هندُ هندٌ بين خِلْبٍ وكبد
[ ٧٦ ]
و" وحشا " حال من " ها " في قوله اعرفها، والناصب لها " اعرفها " أي: أعرفها وحشا. ويجوز أن تكون حالا من " دار " والعامل فيها على هذا حرف النداء كما قال " من البسيط ":
يا بؤس للدهر ضرارا لأقوامِ
وكذلك قوله " من البسيط ":
يا دار ميَّة بالعلياء فالسند أقوى وطال عليها سالف الأبد
قوله::العلياء " في موضع نصب على الحال من " دار " فاعرف ذلك. ويجوز أن يكون " اعرفها " حالا من " دار " ولم يحتج إلى إظهار الضمير لان الأل هنا فعل لا اسم فاعل.
فيها:
يا وَيْك عمّار لِمْ تدعو لتقتلني وقد أُجيبُ إذا يدعون أقراني
أعمل الأول من الفعلين، أراد: وقد أجيب أقراني إذا يدعون. ومثله من أعمال الأول كثير. أنشدنا أبو علي لذي الرمة " من الوافر ":
ولم امدح لأرضية بشعري لئيما أن يكون أصاب مالا
وأنشد أبو زيد " من الطويل ": قطوب فما تلقاه إلاّ كأنما زوى وجهه أن لاكَهُ فوه حنظلِ وقد يجوز أن يكون قوله: وقد أجيب إذا يدعون أقراني، على أعمال الثاني، ويكون " أقراني " في موضع ب " يدعون "، كأنه أراد: وقد أجيب إذا يدعو أقراني. إلا أنه جاء بعلامة هذا الجمع مع تقدم الفعل على قولهم: " أكلوني البراغيث ".
[ ٧٧ ]
قال: وروى أبو عمرو: " ويك عمار " جعله مخروما. اعلم ان هذا الذي قاله خطأ وذلك ان الخرم لا يصح في هذا البحر أصلا لأنه من البسيط وأوله سبب لأن تفعيله " مس تف علن فاعلن "، وإنما الخرم فيما أوله وتد مجموع، فإذا حذف الأول من المتحركين خلفه للابتداء به الثاني منها، فأما ما أوله " مس تف علن " فانك أن حذفت الميم لزمك الابتداء بالساكن وهو السين. فأما هذا الإنشاد فلا يصح لأنه يصير تقطيعه إلى " وَي كعم ": فاعلن، و" فاعلن " لا يجوز في أول البسيط على وجه من الوجوه، وإنما المتجوز في زحاف " مس تف علن ": مفاعلن ومُفْتَعِلُن وفَعلتُن. فقوله: مخروم، خطأ لما ذكرت لك. ولكن الوجه فيه عندي أن يكون أراد " يا " فحذفها لفظا وهو ينويها تقدبرا ومثله ما أنشده أبو العباس وغيره من قوله " من الطويل ":
لعمري لسعدُ بن الضباب إذا شتا أحب إلينا منك فأقرس حمر
وإنما البيت " لعمري لسعد بن الضباب ". ولا بد من تقدير إرادة " لعمري " ألا ترى أن أحد لا يجيز خرم " فعولن " كله. وقوله " لعمري " وزنه: فعولن. ونحو هذا مما حذف لفظا وهو مثبت تقديرا مذهب سيبويه في قوله " من المتقارب ":
أكُلَّ امرئ تحسبين امرأ ونارٍ تَوَقَّدُ بالليل نارا
ألا تراه ذهب إلى أنه كأنه قد لفظ ب " كلّ " مرة اخرى، فكأنه قال: " وكل نار "، ولولا ذلك لكان فيه عطف على عاملين، وليس هذا مذهب صاحب الكتاب. إلا أن حذف " كل " من بيت عدي امثل من حذف " يا " من بيت الهذلي، ألا ترى أنه قد تقدم ذكر " كل " في أول
[ ٧٨ ]
البيت فصار لذلك كأنه قد جيء به في آخره، وحذف " يا " من أول بيت الهذلي لم يتقدمها مثلها، فيكون كالعوض من حذفها. وعلى هذا يتوجه عندنا قراءة حمزة: " والأرحام " كأنه قال: وبالأرحام فحذف الباء بعد أن اعملها وصار تقدم الباء في " به " دالا عليها، وكالعوض منها. وإذا جاز ما يحكى عن رؤية إذا قيل له: " كيف أصبحت " فيقول: " خير عافاك الله " وهو يريد " بخير "، فيحذف الباء لفظا ويعملها تقديرا ومعنى. وقول الآخر:
رسْمُ دارٍ وقفت في طلله كِدت أقضي الغداة من جلله
وهو يريد " رب " فيحذفها ويعملها، ولّما يتقدم لها ولا للباء في حكاية رؤية دليل عليها، كان حذف الباء في قوله " والأرحام " وإرادتها لتقدم ذكرها في " به " أمثل.
وفيها:
إذا لا يقاتل أطراف الظبات إذا استوقدن إلا كماةٌ غير أجبان
قال " استوقدن " أي التهمن. هذا إذا " استفعل " في معنى " فَعَل " نحو: عجب واستعجب، وهزئ واستهزأ، وقَرَّ واستقر. وقد تقدم ذكره. وأجبان جمع جبان، كسر " فَعال " على " أفعال "، ومثله:
[ ٧٩ ]
جواد وأجواد وجباء الناقة وأجباء وعراء وأعراء، وهو قليل. ونحو: شريف وأشراف، وقد قدمنا إحصاء ما كسر من " فعيل " على " فعال "، ومبلغه فيما جمعته بضعة عشر حرفا. ونحوه: شريف وأشراف، وقد قدمنا إحصاء ما كسر من " فعيل " على " أفعال "، ومبلغه فيما جمعته بضعة عشر حرفا. ونحوه: عدو وأعداء، وفلو وأفلاء. وقال أبو قلابة أيضا ويقال بل قالها المعطل "من الكامل"
أمِن القَتولِ منازِل ومُعَرَّسُ كالوشم في ضاحي الذراع يكرس
رَدْعُ الخلوقِ بجلدها فكأنه رَيْطٌ عتاقٌ في المصان مُضَرَّسُ
قال: " المصان " حيث يصان. اعلم انه يريد هنا الموضع المستقر كالبيت والغرقة والخزانة ونحو ذلك مما لا ينقل فجرى مجرى المَدْخَل والمخرج أي موضع الدخول والخروج، ولو أراد الظرف الذي يصان فيه كالتخت والصندوق لقال: " مصْوَن " كالمحلب والمخيط والمقطع والميزر ونحوه مما ينقل ويستعمل، وكان حينئذ يجب فيه تصحيح العين كما تصح في مِروحة ومِسورة لانه منقوص مما لابد من صحته وهو " مفْعال " كأنه مِراوح ومِسوار.
قال السكري: المصان كل ما صنت به ثوبا. هذا لفظه البتة وهو فاسد لانه إن أراد موضعا ثابتا غير منتقل فتحه، وان أراد ظرفا يصان فيه الثوب كالتخت ونحوه كسر فقال " مِصْوَن " كما تقدم. ومثله قولهم للدرجة " مَرْقاة " بالفتح وللسلم " مرقاة " وكذلك " المَسقاة " الذي يُسقى فيه، والمِسقاة الإناء يسقى به وفيه. قوله: " كل ما صنعت
[ ٨٠ ]
به ثوبا " عبارة سيئة ضيقة لأنه كل ما صين به الثوب وغيره من جميع المصونات، وأما وصف " الربط " بالجميع وهو عناق بالواحد وهو عتيق فجائز، وقد ورد به القرآن وفصيح الكلام. قال الله سبحانه: (وينشئ السَّحابَ الثِّقالَ)، فجمع. وقال: (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا)، فوحَّدَ، وكلاهما كثير.
يا حَبَّ ما حُبُّ القتولِ وحُبُها فلسق، فلا يُنْضِبْكَ حبٌ مُفلِسُ
ينبغي أن يكون " حَبَّ " ترخيم حبة اسم علم أو حبّى كسكرى أو حبّاء كورقاء. وقوله " ما حُبُّ القتول " لفظ استفهام في معنى التعظيم كقول الله تعالى: (ما الحاقة؟) و(ما القارعة؟). ثم اخبر بعد ذلك فقال: " حبها فَلَس " أي لا نيل معه. ويجوز وجه آخر وهو أن يكون أراد يا حبذا حُبُّ القتول، فوضع " ما " لايهامها موضع " إذا "، إلا أن " ما " نكرة فهي منصوبة الموضع - كقوله " من البسيط ":
" وزاده كلفا في الحب أن منعت " وأحَبَّ شيئا إلى الإنسان ما مُنعا
ويجوز أن يكون " ما " معرفة موصولة، والعائد عليها محذوف أي: " يا حَبّ الذي هو حب القتول ". وحذفه كقراءة من قرأ: " تماما على الذي أحسن ". وحذف أيضا المقصود بالمحبة المعلم به محذفه في
[ ٨١ ]
قوله تعالى: " نِعْمَ العَبْدُ " أي: نعم العبد هو.
وفيها:
يا برق يخفي للقتول كأنِّه غابٌ تشيْمه حَريقٌ يُبَّسُ
قال " تشيمه " دخل فيه، هذا من قولهم: شمت السيف، أي أغمدته وقوله: " يخفي " في موضع نصب على الحال أي: يا برق خافيا. معناه ظاهرا ومثله قوله " من السريع ":
يا دار أقوت بعد إصرامها عاما وما يُبكيك من عامها
وقد تقدم القول في نظيره.
وقال أبو قلابة أيضا " من الوافر ":
يئست من الحذية أمَّ عمرو غداة إذ انتحوني بالجناب
" قال " أبو عمرو: الحذية: العطية. لأم الحذية واو لقوله " من الطويل ":
وقائلةٍ ما كان حذوة بعلها غداتئذ من شاء قِرد وكاهل
ولام " انتحوني ": واو لأنه من نحوت الشيء، و" أم عمرو " منصوبة على النداء ويجوز أن يكون مفعول " الحذية " أي: يئست من أن أحذى أم عمرو فأعمل المصدر، وفيه اللام كقوله " من الطويل ":
لقد علمت أولى المغيرة أنني كررت فلم أنكل عن الضرب مسمعا
[ ٨٢ ]
وفيها:
يُصاح بكاهِلٍ حولي وعمروٍ وهم كالضارياتِ من الكلاب
لام " ضار " واو لقولهم في مصدره: الضراوة. قال عمر ﵁: " اتقوا هذه المجازر فأن لها ضراوة كضراوة الخمر "
يسامُونَ الصبوح بذي مُراخٍ وأخرى القوم تحت حريق غاب
لا يخلو " مراح " من أن يكون " فُعالًا " أو " مُفْعَلًا ". فأن كان فُعالًا فمن لفظ المَرْخ، وإن كان مُفْعَلًا فهو من لفظ: ريَخت فلانا تربيخا إذا ذللته. قال الراجز:
بمثلهم يريّخ المرَيَخ والحسب الأوفى وعزجنبخ
والعين في بادئ الرأي ياء ويجوز أن يكون " مُراخ " مُفاعَلًا من راخيت ولامه واو لا مِن الرخو.
[ ٨٣ ]