من أبيات " من الوافر ":
فأغريهم ولا أُغري أليًّا فدى لصحابةِ المغُرين نفسي
" أليًا " منصوب على أنه حال لا مفعول به. أي: ولا أغربهم أليًا. أي بالغت في إغرائهم فحذف المفعول به لتقدم ذكره في قوله: " فأغريهم ". وقد يجوز أن يكون أراد: ولا أري بهم أو منهم أليا، فينصبه مفعولا به. ومن أمثال الكتاب: " إلاّ حظيَّة فلا أليّة " أي: فليست ألية. ومعناه: نفسي فداء لأصحابي المغرين. ولا ابعد أن تكون الرواية: " فدى لصاحبتي المغرين نفسي " فتحذف الياء لفظا لالتقاء الساكنين. فأجابه أُهْبان بن لُعْط بن عروة من أبيات " من الوافر ":
فليت أبا بثينة غير فخْرٍ شهدتُ بنى عُتيبة إذ أبيروا
حذف اسم ليت ضرورة. أراد: فليتني يا أبا بثينة شهدت بني عتيبة. ومثله ما أنشده أبو زيد " من الطويل ":
فليت دفعت الهم عن ساعةً فبتنا على ما خليت ناعمي بالِ
[ ٨٤ ]
أراد: فليتك. وله نظائر.
وقال ضُبيس بن رافع العَضَلي يعيّرهم " من الطويل ":
أنتم أكلتم سحفةَ ابن مُخَرَمٍ حُبيش فلم يأمنكم أحد بعدي
ليس هذا باستعمال ل " لم " في المستقبل، وإنما معناه بعدما فعلتم، والوقتان جميعا ماضيان، وهذا كقولك: أحسنت إليك ثم لم أزل بعد إلى هذه الغاية مقيمًا على حسن الرأي فيك، ولكنه لو قال فلن يأمنكم أحد بعد؛ لكانت " بعد " مستقبلة.
وفيها:
وقد خبَأوا جُردانه لرئيسهم معاوية الفلحاء انك ماشُكد
أنت لتأنيث لفظ " معاوية ". وقياسه لولا معاملة اللفظ: " معاوية الأفلح " ومثله قول الآخر " من الطويل ":
وعنترة الفلحاء جاء مُلأَمًا كأنك فِنْدٌ من عماية اسود
ومن تأنيث اللفظ ما أنشدناه أبو علي " من الوافر ":
وما ذكر فأن يكبر فأنثى شديد الأزم ليس بذي ضروس
يريد: القراد. وذلك إنه ما دام صغيرا قراد، فإذا كبر قيل له حلمة. فقوله " أنثى " إنما يريد تأنيث اللفظ لا غير. ومثله مما أطلق عليه أنثى ولا حقيقة تأنيث تحته قوله " من الطويل ":
[ ٨٥ ]
وكنا إذا الجبار صَعَّرَ خده ضربناه فوق الأنثيين على الكَرْدِ
يريد بالأنثيين الادنيين، ومنه قولهم لبيضتي الإنسان: الأنثيان. وهذا مما يضعف عندك التذكير في نحو: " حسن دارك "، و" اضطرم نارك "، وإن كان تأنيثا غير حقيقي، ألا ترى أنه قد أطلق لفظ " أنثى " على ما لا حقيقة تأنيث فيه إطلاقه على المرأة والجارية ونحوه، فكما لا يجوز: " قام المرأة " كذلك يضعف: " حسن دارك " فاعرفه.
وفيها:
وأنْ يجدوا يومًا على بظر أمهم طعامًا فلا رعوى عليه ولا قصد
وضع كل واحد من المفردين موضع الجميع أي: بظور أمهاتهم. ومنه: " من الوافر ":
كلوا في بطن بطنكم تَعِفّوا فإن زمانكُمْ زَمَنٌ خَميصُ
وقال: الرعوي: البُقيا، شيء يرجع إليه، أرعوي: رجع. وهذا كلام يفهم من ظاهره أن الرعوي من لفظ أرعويت، وليس الأمر فيما عند أهل التصريف كذلك وإنما هو عندهم من لفظ رعيت، وأصلها " رعيا " إلا إن اللام قلبت واوًا لأن " فعلى " هنا اسم لا صفه. وقد سبق القول على هذا. وعلى أن بعض أصحابنا ذهب إلى أن " أرعويت " ليس لامه في الأصل واوا بل اصله عندهم " أرعيت " فكره اجتماع الياءين فقلبت الأولى واوا ليختلف اللفظان، وكأن قائل هذا القول شجع عليه من موضعين. أحدهما: أن معنى أرعويت من معنى المباناة والرعاية، والآخر: انه لم يأت عنهم لفظ " ر ع و"، فلما كان المعنى واحدا ولم يجد لفظ " ر ع و" في الكلام جمله على أنه من لفظ " رعيت " وأن البدل وقع رغبة في اختلاف الحرفين كما وقع في الحيوان على ما رآه الخليل.
[ ٨٦ ]