قال من قصيدة " من الوافر ":
فَرَقَّعْتُ المصادِرَ مستقيمًا فلا عينا وَجَدْتُ ولا ضِمارا
قال: قيل " المصادر " جمع صَدْر على غير قياس، مثله ما حكاه صاحب الكتاب: شِبْه ومثابه. قال ويروي مستفيئًا أي راجعا، هذا " استفعل " في معنى " فَعَل " وقد تقدم نظائره أي فاء. ومثله " من البسيط ":
عفوا بسهم فلم يُضْرَرْ به أحد ثم استفاءوا فقالوا: حبذا الوَضَح
أي رجعوا.
فلا تَنْسَوا أبا زيد لفقدٍ إذا الخفرات أجلين الفرارا
قال: أجلين أمرين، أي هرين، وفررن. ينبغي أن يكون " الفرار " هنا مفعولا له أي: هربن للفرار، ومثله من المفعول له وفيه اللام بيت الكتاب " من الرجز ":
يركبُ كُلَّ عاقر جُمِهورِ مخافةً وزعَلَ المحسورِ
والهولَ من تهول الهُبورِ
أي وللهول، ومثله لمزاحم " من الطويل ":
[ ٨٩ ]
لك الخير إن زمعت صرمي وأصبحت قوى الحبل بترا حذها الصرم جادف
أي للصرم، وقول الهذلي " من الطويل ":
فلما اصطففن السير والتف كورها عليها كما التفت عروش الجداولِ
وفيها:
بمرتجزٍ كأنَ على ذراه ركابَ الشام يحملن البُهارا
قال: قالوا البُهار عدل فيه أربعمائة رطل، وقال أبو عمرو: البهار ستمائة رطل. ينبغي أن يكون " فُعالًا " من بهرني الأمر، لأن الثقل بهر حامله.
وفيها:
ألا يا عينِ ما فابكي عُبَيْدًا وعَبْدَ اللهِ والنفرَ الخيارا
الفاء بعد النداء سببها عندي ما في النداء من معنى الخبر. وذلك قولك " ألا يا نفس فاصطبري " وقوله " من البسيط ":
يا عين فابكي حنيفًا وسط حيهم الكاسرين القنا في عورة الدبر
ألا ترى أن معناه: أدعوك فابكي، كما تقول: أثنى عليك فزدني من إحسانك. ويدلك على أن في النداء طرفا من الخبر أن رجلا لو قال لها: " يا وانية " لوجب عليه الحد، كما أنه لو قال لها: " أنت زانية " كان الأمر كذلك.
وعادِية يُهَلِّكُ من يراها إذا بُثَّتْ على فَزَعٍ جهارا
[ ٩٠ ]
ليست " على " هنا مثلها في قولك: بثت الخيل على زيد، وعلى سرح فلان إنما هي للحال كقولك: قدمت على ناقة أي قدمت وناقتُك معك، ووردت البلد على شدة أي والشدةُ مصاحبة حاضرة، ومثله قول الأعشى " من الطويل ":
تضيَّفته يوما فقرَب مقعدي وأصفدني على الزمانة قائدا
أي: أصفدني قائدا على ما أنا عليه من الزمانة، ف " على " هذه للحال الأولى في نحو قوله " قدمت على فلان " في موضع المفعول به، ألا ترى أن عبرتها عبرته أي أتيت فلانا، ولذلك تقول: قدمت عليك على ناقة. فالأولى مفعول بها والثانية حال حتى كأنه قال: أتيتك محتاجا، ولو كانتا لمعنى واحد لا اجتمعتا، فكأنه قال: إذا بثت وهناك جزع.
فما أن شائك من أسْدِ تَرْجٍ أبو شبلين قد منع الخِدارا
بأجرأ جرأةً منه وأدهى إذا ما كارب الموت استدارا
جرأة هنا منصوب على التمييز لا على المصدر وذلك إن " افعل " هذه الموضوعة للمفاضلة نحو: " احسن منك "، و" اكرم منك "، لا يجوز استعمال المصدر معها من قبل إن الغرض في المصدر إنما هو التوكيد و" أفعل " هذه قد استغنت بما فيها من المبالغة عن التوكيد بالمصدر، فكذلك لا تقول: " ما أحسنه حسنا ولا إحسانا " ولا " ما اكرم زيدا كرما ولا إكراما " فإذا كان كذلك كان " جرأة " منصوبا على التمييز كقوله
[ ٩١ ]
" هذه جرأة جريئة " و" هذا شعر شاعر " وكقوله " من الطويل ":
ولولا دفاع الله ضَلَّ ضلالنا ولسرنا إنا نُشَلَ ونوأد
وكقولهم: " جن جنونه " و" خرجت خوارجه ". ومنه قول الله سبحانه: (فاذْكُروا اللهَ كذِكرِكُم آباءكُمْ أو أشَدَّ ذِكرًا). وكأنه قال والله أعلم: أو ذكرًا أشد ذكرا، فجعل للذكر ذكرا مبالغة. وذاكرت أبا علي ﵀ بهذه الآية فأخذ ينظر فيها مستأنفًا للنظر ويردد من القول ما دلني إنه لم يكن قدم فيها فيما قبل نظرا فعجبت من ذلك مع كثرة بحثه وطول مزاولته. فأن قلت فهلا كان تقديره عندك: (فاذكروا الله كذكركم آباءكم أو ذكرًا أشد) ثم قدم وصف النكرة عليها فنصب على الحال منها كقوله " من الوافر ":
لمية موحشًا طلل قديم عفاه كل أسحم مستديم
قيل إن هذا باب ذكره سيبويه إنه قلما يجيء غي الكلام واكثر ما يجيء في الشعر، وما كانت هذه حاله لم يحسن حمل التنزيل عليه. وقال البريق بن عياض من أبيات " من الطويل ":
وكنت إذا الأيام أحدثن هالِكا أقول شَوى ما لم يُصِبْنَ صميمي
[ ٩٢ ]
هذا على حذف المضاف أي أحدثن هلك هالك. ويجوز أن يكون على ظاهره فيكون الهالك هنا مصدرا كالفالج والباطل والباغز وهو النشاط.
أنشدنا أبو علي الفارسي " من البسيط ":
واستحمل الشوق مني عِرْمِساَ أُجُداَ تخال باغزها بالليل مجنونا
فكأنه قال: أحدثن هُلكا، ومثله من المصادر على فاعل إلا أنه بالتاء قولهم: العافية والعاقبة والخاصَّة والقاطبة.
وفيها:
فأصبحتُ لا أدعو من الناس واحدًا سوى وِلْدَة في الدارِ غيرَ حكيمِ
لك أن تجعل " سوى " صفة لواحد وغير حكيم استثناءَ، ولك أن تقلب هذا فنجعل " غير حكيم " صفة ل " واحدًا " و" سوى " استثناءً، والوجه الأول كراهية للفصل بين الصفة والموصوف بالاستثناء على أن ذلك مَرَ بنا أنشدنا أبو علي " من الطويل ":
أمَرَتْ من الكتان خيطًا وأرسلت رسولا إلى أخرى جريًا يعينها
ففصل بين " رسول " و" جرى " بقوله: " إلى أخرى ". ولك أن تجعلهما جميعا وصفين وليس لك أن تجعلهما استثناءين، كما لا يجوز لك أن تنصب بالفعل الواحد ظرفين من جنس واحد. وكما لا يجوز لك أن تُعَدّى ما يتعدى إلى الواحد إلى مفعولين نحو: ضربت زيدا، وشتمت
[ ٩٣ ]
خالدا، ليس أن تجعلهما استثناءين الثاني بدل من الأول لأن معنى الثاني ليس كمعنى الأول. ولا يجوز حمله على الغلط لأن هذا بدل لا يجوز في قرآن ولا شعر. وأما " ولدة " فقال أبو علي هي جمع ولد كأخ واخوة وليس مصدرا كوجهة لأن وجْهَ " ولدة " قائم معروف.
وأما قولهم: هو لدتي، فمصدر وصف به.
وقال البريق أيضا من أبيات " من الطويل ":
لنا الغَوْرُ والإعراض في كل صَيْفَةٍ فذلك عضر قد خلاها وذا عَصْرُ
قال " ها " تنبيه. قد يجوز أن يكون " ها " ضمير الإعراض أي خلافيها ثم حذف حرف الجر وأوصل الفعل، ومثله قوله:
في ساعة يُحَبُها الطعام
أي يحب فيها. وقال أيضا " من المتقارب ":
ونائحةٍ صوتُها رائِعْ بعثت إذا ارتفع المِرْزَمُ
كذا رواه " إذا " ولو قال " إذ " للماضي لكان أشبه، ووجه استعمال " إذا " في الماضي إنه حكى ما كان عليه أي أنه كان يبعثها إذا ارتفع، ونحوه قولهم: كان زيد سيفعل كذا، أي كان متوقعا منه ذاك،
[ ٩٤ ]
وعكسه في الزمان وإن كان نظيره في حكاية الحال قول الله تعالى: (إذ الأغلال في أعناقهم) و" إذ " لما مضى، وإنما هذا حديث عما يكون في القيامة إلا إنه حكى الحال قال " إذ " حتى كأن المخاطبين بهذا حضور للحال. في هذا ضرب من تصديق الخبر أي: كأن الأمر حاضر لا شك فيه وواقع لا ارتياب به. وحكاية الحالين الماضية والآتية كثير في القرآن والشعر، منه ما أنشدناه أبو علي وقرأته على أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى في قوله " من الرجز ":
جارية في رمضان الماضي تقطّع الحديث بالإيماض
ومنه قول الله تعالى: (هذا مِنْ شيعته وهذا من عدوّه) فقال " هذا " و" هذا " ولم يقل أحدهما كذا والآخر كذا، فكذلك قوله: " بعثت إذا ارتفع المرزم " أي: كنت موصوفا بأني أبعثها إذا ارتفع المرزم.
وقال البريق أيضا من أبيات " من الطويل ":
فواللهِ لولا نعمتي وازْدَريتَها للاقيت ما لاقى أبنُ صفوان بالنَّجدِ
أراد: وقد ازدريتها، وليست هذه الواو واوَ حال وإنما هي عاطفة جملة على جملة فهو كقوله: قدم محمد، وقد انصرف سعيدٌ، وقد قامت الصلاة، تعطف جملة على جملة وليست واحدة منها منصوبة الموضع بالأخرى.
وقال البريق " من الوافر ":
[ ٩٥ ]
رَميتُ بثابتٍ من ذي نُمارٍ وأردفَ صاحبانِ له سواه
فيها:
وأومأت الكنانةَ أنَ فيها معابل كالجحيم لها لظاه
قال " لظاه " توقُدٌّ وحِدَّةٌ، أراد إلى الكنانة فلما حذف حرف الجر أوصل الفعل، وقد تقدم نظيره.
وفيها:
وأحْرِ بآخرٍ قانٍ وإني وثالثكم كمعتسفِ السفاه
قال أي: سفهاء البهمي قوله في أول قوافيها سواء وجمعه بينهما وبين السفهاء ولظاه يدلك على أنه بنى القصيدة على التقيد لا على الإطلاق، لأنه لو أطلقها لقال سواه والسفاه فاختلف الروّيان مع هناك من الأقوام. نعم وليس الرويان متقاربين تقارب الميم والنون والطاء والدال والصاد والسين ونحو ذلك، فيجوز ارتكاب الأكفاء في ذلك، ألا ترى إلى بعد " ما " بين الهاء والتاء، وإذا كان كذلك كاد يفسد علينا أصلا مجتمعا عليه كلنا. ألا ترى إلى وقوع الإجماع على انه ليس في الشعر روى مقيد يمكن إطلاقه إلا وهو بين ضرب أطول منه وضرب أقصر منه، وذلك نحو الضرب الثاني من " الرمل " وهو: " فاعلان "، ألا تراه فوق " فاعلن " ودون فاعلاتن، وكذلك الضرب السابع من " الكامل " وهو " متفاعلان "، ألا تراه فوق " متفاعلن " ودون " متفاعلان "، وكذلك الضرب الثاني من " المتقارب " هو " فعول " وهو فوق " فَعَل " ودون " فعولن ". وقوله في هذا البيت " سواه " و" لظاه ". وزنه " فعول "، والضرب الأول من
[ ٩٦ ]
" الوافر " لا يجوز فيه هذا التقيد لانه إذا قَيَد كان " فعول "، ويمكن إطلاقه قصير " فعولن "، وليس تحت " فعول " ضرب اقصر منه بل لا يجوز غبه إلا " فعولن " مقطوفا كما ترى، فأما ما أنشده الرواة من قول جرير " من الوافر ":
متى كان الخيام بذي طلوح يقيت الغيث أيتها الخيام
وقال عمرو بن كلثوم " من الوافر "
بشبان يرون القتل مجدا وشيب في اللقاء مجربينا
فإنما هو تقييد يعرض في الإنشاد في مذهب بعض العرب، وليس شيئا مجتمعة عليه كل اللغات في جميع الإنشاد. ألا ترى أن بعضهم يطلق بحرف اللين فيقول الخيامو، وبعضهم ينون فيقول: الخيامن، وليس شيء من ذلك جائز في قولهم: سواه وسفاه ولظاه؛ لأنه متى أطلقت اختلف الرويان فصار " سواهو " مع " لظاتي " و" لسفاتي " فقد صح بذلك انه مقيد وانه يمكن إطلاقه إلا انه ليس تحته ضرب أقصر منه على ما تقدم به الشرط فقد بان بذلك خروج هذه القيافة عن سائر القوافي. قال: قلت فان هذا الروي مقيد لا يمكن إطلاقه لأنه إن أطلقه اختلف روياه، وإنما الشرط في الروي المقيد إذا أمكن إطلاقه، وهذا ليس ممكنا فقد سقط ما رمت إلزامه. قيل: هذا ساقط عنا من وجهين، أحدهما: أنه إنما شرط نفس إطلاق ولم يشرط اختلاف الرويين ولا اتفاقهما. والآخر: إنك لم تعتقد إطلاقه جعلت ضرب الوافر " فعول " بناء البتة لا على وجه تقييد الإنشاد في بعض مذاهب العرب دون بعض، وهذا ما لا يراه أحد، ألا ترى أن الإجماع واقع على أن الوافر ثلاثة أضرب، وأنت إن
[ ٩٧ ]
بنيت على هذا التقيد البتة أن له أربعة أضرب فالأمر كما تراه قبيح ضعيف إلا أن له عندي من القياس وجها ما، وذلك أن أبا الحسن قد ذكر أن بعضهم يُنشد " من الرجز ":
أقول إذا جئن مذبّحاتِ ما أقربَ الموتَ من الحياة
فيقف بالهاء فيقول " الحياة "، وهو لا يقف في " مذبحات "، إلا بالتاء، فكما اختلف الرويان في التقيد والوقف لنية اتفاقهما في الإطلاق، كذلك يجوز أن تقول " سواهو " مع " السفاتي " فيختلف الرويان في الوصل، فيحتمل ذلك بعض الاحتمال لنية اتفاقهما في الوقف، وعلى أن هذا أضعف من " مذبحات " مع " الحياة " من قبل ان العمل إنما هو مع الإطلاق لا مع التقيد، ألا ترى أن أكثر الشعر مطلق واقله مقيد. ووجه آخر: وهو أن يجوز " لظاهو " و" السفاهو " فيطلق هاء التأنيث هاء ينوى به الوقف كما حكى صاحب الكتاب من قول بعضهم في العدد الشهربعة ".
ومما أجرى فيه الوصل مجرى الوقف من قولهم " العيهل " و" الكلكل " وقوله " من الوافر ":
ومَنْ يتقْ فإن الله معه ورزق الله مُؤتابٌ وغادي
وهو كثير فاعرفه.
فلما رَدَّ سامِعَهُ إليه وجَلَّى عن عمايته عماه
[ ٩٨ ]
قال: " سامعة ": أذنه. لا يخلو " السامع " هنا من أن يكون صفة كضارب وشاتم، أو اسما هنا، فإن جعلته صفة فهو على انك نسبت الفعل إليها لظهوره ووقوعه عنها فتكون الأذن كأنها هي السامعة كما قيل للعين " ناظرة "، قال الشاعر " من الطويل ":
تصد وتبدي عن أسيل وتتقي بناظرة من وحش وجرة مطفلِ
قد قيل " الناظرة " هنا العين، وهذا في إسناد الفعل إليه كقوله: " يداك أو كتا وفوك نفخ "، وكقولهم: " فعله برأي عيني وسمع أذني ". قال:
وَهُمُ زبابٌ حائرٌ لا تسمع الآذان رعدا
وكما سمى السيف ماضيا صارما، وان كان آلة، والفعل لغيره، وإنما هو مصروم به أي مقطوع، أنشدنا أبو علي " من المتقارب "
ومن يسمع الصوتَ لا يستجيب ومن يستجيب ولا يَسْمَعُ
فقال: يعني السمع واللسان، وهذا كثير. وكان قياسه أن يؤنث فيقول: فلما ردت سامعته إليه كقوله " بناظرة من وحش وجرة " فيمن أراد بالناظرة العينَ لان الأذن أنثى كما أن العين كذلك، إلا أنه ذكرَّ، ذهب بالأذن إلى العضو كما أنث " البعض " في قول الله سبحانه: " تلتقطه بعضُ السَّيارة "، لان بعض السيارة سيارة وإذا جاز تأنيث المذكر على ضرب من ضروب التأول كان تذكير المؤنث لما في ذلك من رد الفرع غلى الأصل أجدر، وان شئت جعلت السامع هنا اسما بمنزلة الناظر في العين، ويقوى هذا تذكيره ولو أراد الصفة لكان الأظهر التأنيث.
وفيها:
[ ٩٩ ]
فقال: إليكما عنه ولولا مقام الجد ما رقبوا ألاه
قال: ألاه لا يألونه، يقول: لولا يوم من الأيام وقاك الله به شرا، " قال " أبو عمرو: الجد الحظ. " ما رقبوا ألاه " أي لم يكونوا يألونه، هذا جميع ما فسر به البيت. وهو عندي من " إلا لا " وهو العهد. قال الأعشى:
أبيض لا يرهبُ الهُزال ولا يقطع رحما ولا يخون إلا
وفيه وجه آخر أحسن من هذا، يقول: لولا جده ونفاذه ما بالوا بقوله " إليكما " أي لم يحفلوا بتحذيره أي بقوله " إليكما "، كما تقول إذا قال لك الأمير " عليك زيدا " لولا طاعة الأمير لما حفلت علاه. فإن قلت فان " إلى " و" على " إذا اتصلا بالضمير كانا كالياء البتة نحو " إليك " و" عليه ". قيل إنما ذلك ما داما حرفين. وأما في هذا الموضع فقد صارا اسمين فجرى قوله: " لم احفل ألاه " مجرى لم أجد عصاه. كما تقول إذا قال: ما قال زيد ما أحفل به، أي بقوله: " ما "، فتجعلها اسما تمدها، فهذا وجه حسن فيه لطف وصنعة.
على أنى قلبت بني جُريب زمانَ زمانُهم فيمن قلاه
قال: أرادا زمان زمانهم مساعد لهم يكون في الخير والشر، وقلاة: ابغضه. ينبغي أن يكون الكلام على تقدير حذف المضاف أي زمان زمانهم في قلي من قلى أهله فحذف المضافين من الموضعين جميعا كما تقول: " زيد في شغله يعبد الله ".
[ ١٠٠ ]
ولم تفقدْ طوال الدهر حَيًّا أخاك السوء حتى لا تراه
أي ما دمت تراه فلم تفقده إذا لم تره. قوله " حيا ": حال من " أخاك " ففدم حال المظهر عليه، ومثله قوله:
شتى تؤوب ب الحلبة
وقال توسعة أبو نهار " من الكامل ":
وكأنّ مهري إذا أجَدَّ إيابُه يبْرى بجو حمامة لحام
أي: حمامة تبري بجو لحمام، فلما قدم وصف النكرة عليها نصب على الحال منها. وأما " السَّوء " بفتح السين فكأنه المصدر الحقيقي لسؤته سوء كصغته صوغا، وكأن السُّوء الاسم منه، إلا أن " السَّوءَ " بفتح السين لا يستعمل إلا وصفا كهذا البيت أو مضافا إليه كقولهم: " وهذا غلام سوء "، قال أبو الحسن: لو أخبرت عن سَوء من قولهم: " هذا غلام سوء " لم يجز لانه كان يلزمك أن تقول: " هذا الذي غلامه سوء " فتجعله خبر مبتدأ، وإنما يستعمل مضافا إليه، وكذلك لا يجوز الأخبار عنه وهو وصف لأنك لو أخبرت عن السّوء من قولك: " رأيت غلامك السَّوء " للزمك أن تقول: الذي رأيت غلامك إياه السوء: فيفسد من وجهين، أحدهما: أن تجعله خبرا، وليس ذاك مستعملا، والآخر: انك تصف بالمضمر، وهذا فاسد. وقال عثمان لا تخبر عن " مذ " في قولك: " لم أره مذ يومان " ونحو ذلك من قبل انك لو أخبرت عنها لجعلتها مبتدأ وهي لا تكون إلا مبتدأة، وكذلك ما نقض أصلا لا يمكن نقضه، لم يجز الدخول له تحت ذلك.
[ ١٠١ ]
وفيها:
فقلتُ له وليس علي خداع مُجيبا للنصيح وانْ عصاه
فاعل " عصاه " مضمر يدل عليه الحال أي: وان عصاه قلبي، يدل على ذلك البيت الذي قبله والبيت الذي بعده. وقال البريق أيضا " من الوافر ":
فأمّا أُمسِ لا فتيانَ عندي فقد قَطَّعْتُ بالفتيان عَيْشي
في هذا البيت دلالة على جواز تكسير أمثلي الجموع وذلك كقوله: لا فتيان عندي، ألا ترى أن " لا " المبنية مع الاسم بعدها إنما ذلك الاسم واحد يدل على جنسه كقولنا: " لا غلام لك "، ففي هذا نفي جميع الغلمان، فالغلام إذن واحد وقع موقع جنسه. فكذلك قوله: " لا فتيان عندي " إذا فُصَل هذا الجنس فتيانا، ففتيان ها هنا كالواحد الدال على جنسه، وإذا كان في حكم الواحد حَسُنَ تكسيره فكأنه نفى جميع الفتايين لان محل فتيان من فتايين لو نطق به محل رجل من رجال، ونحوه أيضا ما أنشده أبو الحسن من قوله:
كم دون سلمى فلوات بيدُ
وكذلك قوله جل وعز: (كم تروا من جناتٍ وعيونٍ) فهذا كقولك: " كم تركت من دار وبستان ". فدخول " من " عليه يشهد بأنه تحت الجمع الذي فوقه، ألا ترى إن " من " هنا لا يأتي بعدها الواحد إلا نائبا عن جماعة ودالا عليها، وعلى هذا جاء عنهم " عُريان " و" عرايين "، و" عقبان " و" عقابين "، قال " من الطويل ":
عقابين يوم الجن تعلو وتَسْفُلُ
[ ١٠٢ ]
ومنه اسقيه وأساق، وأعبد وأعابد، وأصرام وأصاريم. قال كعب بن معدان الأشقري " من الطويل ":
سنشرب كأسا مُرَّةً تترك الفتى تليلًا لفيه للغرابين والرخم
جمع غربانن ومنه قول العجلان بن خُليدة " من الطويل "
جمعت لرهط العائذين سَريّةً كما جمع المغمور أشفية الصدر
جمع شفاء اشفية، ثم إنهم قالوا في جمع اشفية: أشافٍ
[ ١٠٣ ]