قال الأصمعي: اسمه زهير. قال " من الوافر ":
تَذكّر أُمَّ عَبْدِ اللهِ لّما نأته، والنوى منها لجوج
فيها:
تُصيخُ غلى دَوِيِّ الأرض تَهوى بمسمعِها كما لأصغى الشَّجيجُ
عين " تصيخ " واو قياسا واشتقاقا. أما القياس فلأنها عين، وان تكون واوًا أكثر. وقد تقدم القول في هذا. وأما الاشتقاق فلأنهم قد قالوا أساخ بسمعه وأصاخ، فكأن الصاد فقلبت عن السين لأجل استعلاء الخاء كقولهم في مساليخ: مصاليخ، وفي سالغ: صالغ، لأن الخاء أخص بالغين منها ببقية حروف الحلق، وقد قالوا ساخ الماء في الأرض يسوخ أي دخل فيها. ورووا بيت أبى ذؤيب " من الكامل ":
قصر الصبوح لها فشرّج لحمها بالنيّ فهي تسوخ فيها الإصبع
[ ٢٦ ]
وتثوخ وكأن الثاء بدل من السين لاجتماعها في الهمس. والتقاؤها ان المُسيخ بسمعه مصغ إلى المسموع دأب في إدخاله أذنه وإيصاله غلى حاسته كما يسوخ الماء في الأرض أي يصل إليها ويخالطها وهذا مفهوم. واما " يصغي " فمن الواو من قولهم: صغوه معك وصغاه معك، أي: ميله، والمصغي إلى الشسء، مائل بسمعه إليه. وهذا واضح.
وفيها:
وأَمْهلُها فلما وَرّكتني شمالًا وهي مُعْرِضة تهيجُ
وضع لفظ المضارع في معنى الماضي أي: وأمهلتها فلما وركتني. ومثله ما انشد الأصمعي " في المتقارب ":
فلما خشيت أظافيره نجوت وارهنه مالكا
قال الأصمعي: وهو كقولك: قمت وأصك عينه، أي وصككت عينه. ورواه غيره: نجوت وأرهنتهم مالكا. ومثله " من البسيط ":
ظلت تجوب بها البلدان ناجية عيديةٌ أرهنت فيها الدنانيرُ
[ ٢٧ ]
ومثله قول بعض همدان في نسر قتله " من الطويل ":
أرحتهم منه وأطفأت سُنّة فإن باعدونا فالقلوبُ بِعادُ
فأرميه من جوف الخبا فاختللته وليلي من دون الصباح سوادُ
وقالت فتاة منهم في هذا النسر " من المتقارب ":
فيرميه خالي على رقبة بسهم فانفذ منه الدسيعا
وعليه بيت الكتاب " من الكامل ":
ولق أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثُمَّ قلت: لا يعنيني
أي: ولق مررت. قال أبو علي قال أبو بكر: كان حق الفعال كلها أن تكون مثالا واحدا إذ كان معنى الفعل على اختلاف أمثلة واحدا إلا انه فرق بين أمثلتها لاختلاف أومنتها. قال فان انضم غلى لفظ المثال قريبة من لفظ أو حال جاز وقوع كل واحد منها موقع صاحبه وذلك نحو قولهم في الشرط: " أن قمتَ قمتُ " وأنت تريد: أن تقم اقم، فوضعت الماضي موضع المستقبل لما صحبه من حرف الشرط إذ معلوم أن الشرط لا يصح إلا مع الاستقبال وكذلك الدعاء نحو: " غفر الله لك " لما كان الدعاء في لفظ الأمر، والأمر والنهي لا يصحان إلا مع الاستئناف. وكذلك " لم أقم " لما كان نفي قمتُ، وقمت ماضٍ جاء فيه لفظ المضارع، فهذا شرح هذا فاعرفه. فأما قول الله تعالى: (واتَّبَعُوا ما تتلو
[ ٢٨ ]
الشَّياطينُ) فمعناه: تلت، وهو حكاية حال التلاوة فلذلك جاء بلفظ الحاضر. وقد ذكرنا هذا في موضع آخر من كلامنا.
وفيها:
وصفراءُ البُراية فَرْعُ نَبْعٍ تَضمَنَّهَا الشرائِعُ والنهوجُ
ويروى: فرع قان. وقال: القان الشجر التي تعمل منه القسي. كان أبو علي - ﵀ - يجعل عين " القان " ياء ويأخذه من: قَيَّنْتُ السيئ، أي حسنته وزينته، ويذهب على أن الشجر يُحَسنُ موضعه ويجمله. وليس يبعد عندي أن يكون القين وهو موضع القيد من هذا، وذلك انه بمنزلة الخلخال والسوار من المرأة وهما للجمال والزينة. قال ذو الرمة " من البسيط ":
دانى له القيدُ في ديمومة قَذَفٍ قينية وانحسرتْ عنه الأناعيم
ويكشف لك عن حقيقة ما نحن بسبيله قول أبى نواس " من الطويل ":
إذا قام غنّته علي الساقِ حليةٍ لها خطوة عند القيام قصيرُ
فجعل القيد حلية، أي هو في مكان الحلية من لابسها، وهو أيضا من جوهر الرض كالفضة والذهب.
نجز ما خرج من شعر عمرو بن الداخل.
[ ٢٩ ]