" من الطويل "
" و" أفلت منا العلقمي تزحفا وقد خطفت بالظهر واللمّة اليدُ
جريضًا وقد ألقى الرداء وراءه وقد ندر السيف الذي يتقلَّدُ
موقع " ج ر ض " في كلامهم الشدة، منه قولهم: جَمَلٌ جِرواض وجرائض للشديد، ومنه الجَرَض للشدة عند الموت. وأما همزة " الرداء " فمنقلبة من ياء لقولهم: فلان حسن الردية، وأما همزة " الوراء " فاصلية، لقولهم في تحقيرها: وُرَيِّئَة، فثبات الهمزة يدل على كونها أصلا، ولو كانت بدلا لعادت ياء وحذفت كسماء وسُمّة وعظاءة وعُظيّة، تقول العرب: " فلان وُرَسِّئَة الحائط " فيها:
جمعنا عليهم طائفيهم بغارةٍ هزيم كما انقار الخباء الممددُ
طائفاهم: ناحيتاهم. همزة " الطائف " بدل من ياء لأنه من طاف الخيال يطيف، إذا ألَمَّ بناحيته، ويجوز أن يكون بدلا من واو من طاف القوم يطوفون بالشيء، إذا أحاطوا به. وأما همزة " الخباء " فبدل من ياءٍ لأنهم يقولون: خبيت الخباء أي اصلحته، وليست من لفظ " خبأت "
[ ١١١ ]
وإن كان المعنى عليه، وقد تقدم ذكره. وعين " اتقار " واو لأنه من قَوَّرْتُ.
وقال سلمى بن المقعد أيضا " من الوافر ":
ستعلمُ يا فُضيلُ أنْ التقينا ذراعي هِرَّةٍ رُبطَتْ بحبلِ
فَلَسْتَ بقاتلي أنْ رُمْتَ قتلي ولا آذتك أمُّكَ أم قَمْلِ
قال: " ذراعي هرة " نداء أي: يا ذراعي هرة، فإذا كان كذلك كان مفعول " تعلم " محذوفا إن كانت بمعنى عرفت، وإن كانت بمعنى " علمت " فمفعولاها محذوفان. وصار قوله " فلست بقاتلي إن رمت قتلي " دليلا عليهما وبدلا في اللفظ، والمعنى منهما، فكأنه قال: ستعلم إنك إن رمت قتلي قصرت عنه، كما صار قوله تعالى: " لهم مَغْفِرةٌ واجرٌ عظيم " بدلا من المفعول المحذوف، ودليلا عليه في قوله: " وَعَدَ اللهُ الذينَ آمنوا وعمِلوا الصالحات " وكما إن قوله " من الطويل ":
عشية ما وَدَّ ابن غَرَاء أمَّه لها من سوانا إذ دعا أبوانِ
فقوله: " لها من سوانا أبوان " بدل من مفعول وددت وله نظائر.
وقال سلمى أيضا " من الطويل "
فيومًا بأذناب الدحوض وتارةً انسئها في زهوِه والسوائلِ
" الزهو ": المكان المرتفع الظاهر من الأرض. و" السوائل ": جمع مسيل وهو ما سال فيه الماء من الأودية. هذا مما تقدم القول على نظيره،
[ ١١٢ ]
وذلك إن المسيل لما أشبه المصدر نحو: المسير والمحيض جمعه جمع اسم الفاعل فقال: السوائل، فأما أبو علي ﵀ فأنشدنا " من الطويل "
فليتك حال البحرُ دونك كله وكنت لقي تجري عليه السوائِلُ
وذهب إلى إنه جمع " سيل "، وكلاهما على تشبيه المصدر باسم الفاعل، والمكان جارٍ مجرى المصدر لاشتراكهما في جريانهما على الفعل وقد سبق ذكر ذلك.
وقال سلمى أيضا:
وقلت تجنبها قريُّ فإنني مُطأطئها في وسط عز الصواهل
قال " قريّ " اسم رجل، يحتمل لام قرى أمرين: الواو فيكون كسريّ من السَرْو، والياء فيكون كسرى النهر لأنهم قد كسره على سُريان، وقد يمكن أن يكون من قرأت مخفف الهمزة، وألزم التخفيف لكونه علما.
وقال سلمى " من الوافر ":
رجال بني زُبيدٍ غيبتهم جبال أمُول لا سُقيتْ أمولُ
" أمول ": فعول، من لفظ الأمل، ولا يجوز أن يكون " فعل " من لفظ
[ ١١٣ ]
المال لأنه لو كان كذلك لوجب تصحيح العين لمشابهة الزيادة في أوله زيادة الفعل، وقد سبق نحو هذا في لوقة وألوقة.
وقال أيضا " من الكامل ":
إنا نزعنا من مجالس نخلة فنجير من حُثُنٍ بياضَ ألَمْلَما
" ألملم " عندنا فَعَلْعَل من لفظ الألم كصمحمح وبَرَهْرَهة، ولا يكون من لفظ " لَمْلَمْتُ "، وهذا حجر ململم؛ لأن ذوات الأربعة لا تلحقها الزيادة من أولها إلا الأسماء الجارية على أفعالها نحو: مُدَحْرَج ومُسَرْهَفِ. وكذلك القول فيمن روى: يَلَمْلَم؛ لأن الياء بدل من همزة " ألَمْلَم " لأنا لا نعرف في الكلام لفظ " ي ل م ". هذا هو الوجه، وقد يجوز أن يكون أصلا برأسه وأن لم يتصرف في غير هذا، وقد تقدم القول على مثله.
وفيها:
لّما عَرَفْنا إنهم آثارنا قلنا وشمسَ لنخضِبنهم دَما
" شمس ": صنم اقسم به. ينبغي أن يكون قولهم على هذا " عبد شمس " غير مصروف إنما أرادوا به عبد هذا الصنم فأضافوه إليه على
[ ١١٤ ]
اعتقادهم في الأصنام إنها آلهة لهم كما قالوا: عبد العزى وعبد اللات وعبد بغوث ونحو ذلك، ويكون هذا الصنم معتقدا فيه التأنيث كتأنيث اللات والعزى والسجة والبجة ونحو ذلك من الأصنام، فلذلك لم تصرف شمس. فأن قلت ما أنكرت أن يكون هذا الصنم مذكرا إلا أنه لم تصرف شمس لأنها مؤنثة؟ قيل: هذا ظاهر عنا وذلك أن المذكر إذا سمي بمؤنث ثلاثي صرف نحو: رجل سميته هندا وجُمْلًا وقدما وكبدا فكذلك لو كان هذا الصنم مذكرا لوجب إذا سمى بشمس أن يصرف أيضا، وقد كان أبو علي ﵀ يقول في قولهم: " عبد شمس " وتركهم صرف " شمس " إنما ذلك لأنه ذهب فيه إلى الشيء بعينه كقول الخليل في الحارث والعباس، وإن شمس من قولهم عبد شمس كقولهم. " من الكامل "
وإلى أبن أم أُناسَ ارحل ناقتي
جعل " أناس " كأنه هو الأم فدخله تأنيث الأم فلم يصرفه.
[ ١١٥ ]