" من البسيط ":
أمن أُمية لا طيفٌ ألَمَّ بنا بجانبِ الفرع والأعراء قد رقدوا
قال: الأعراء القوم الذين لا يهمهم الأمر، واحدهم عِرْوٌ، اللام على ما ترى واو، وقد يجوز أن تكون ياء كأنه عارٍ مما يلحق المهم بالأمر فيعود إلى أنه من العُرْى، وخيل أعراء. وأراد: من أميمة طيف، فزاد " لا " كما قال الهذلي " من الكامل ":
أفعنك لا برقٌ كأنّ وميضَه
فزاد " لا " وهو كثير، واكثر ذلك مع النفي كقوله " من الرجز ":
وما ألوم البيض ألاّ تسخرا لما رأين الشمط القفندرا
يريد: أن تسخر، وكقول الله سبحانه: (لئلا يعلم أهلُ الكتاب) أي: ليعلم وذلك لتوكيد النفي، ونظيره عندي زيادة لام الإضافة مع حال الإضافة كقولهم: لا أبا لك، ولا يدا لك و" قول الشاعر ":
يا بؤس للحرب التي وضعت أراهط فاستراحوا
و" قوله ":
يا بؤس للجهل ضرارا لأقوام
[ ١٢٠ ]
فزيدت اللام وتوكيدا للإضافة، ومثله في التوكيد قوله:
أطربا وأنت قِنسَّريُّ والدهر بالإنسان دواريُّ
أي دوار، فزاد ياء بالإضافة توكيدا لمعنى الصفة، وقد سبق القول على ذلك.
وفيها:
فقلت: رُدي وقولي القومُ قد طلعوا للغور، والغزو يستذكى وينجردُ
قال: يستذكي ويتحرك ويشتد، وهو عندي " يستفعل " في معنى " يفعل " ولامه واو، فكأنه يذكو كما تذكو النار.
وفيها:
ارجع حتى يشيحوا أو يشاح بكم أو تهبطوا الليث إنْ لم يَعْدُنا لَددُ
عين " تشيحوا " ياء لظهورها في قوله " من الطويل ":
بدرت إلى أولاهم فسبقتهم وشايحت قبل اليوم إنك شيح
وعين " الليث " على ظاهرها ياء وهي من لفظ الليث إلا أن يجيء أمر يستنزل عن الظاهر، وكذلك فعل صاحب الكتاب في " سِيد " حمله على لفظه فقال فيه: " سُييد " كفيل وفيل. فقد حصل هذا عيارا يوزن به غيره.
ثم انْصَبَبْنا جبال الصفر معرضة عن اليسارِ وعن أَيماننا جَدَدُ
قوله: " جبال الصُفْر معرضة " جملةَ في موضع الحال من " نا " والجملة
[ ١٢١ ]
إذا جرت حالا لم يكن لها يد، أما من الحرف الرابط وهو الواو وأما من الضمير وان اجتمعا كان أقوى. فمثال الواو وحدها قولنا: مررت بزيد وعمرو جالس، ومثال الضمير وحده قولنا: مررت بزيد وجهه مكشوف، ومثال اجتماعهما قولنا: مررت بزيد وعلى يده باز، وليس في قوله: " جبال الصفر معرضة " حرف رابط ولا ضمير راجع، فالحرف لا يحسن إضماره وحذفه لقلة ذلك، ألا ترى إلى ضيق حكاية أبي عثمان عن أبي زيد من قولهم: " أكلت لحما سمكا تمرا "، فإذا كان كذلك عدلت إلى تقدير حذف الضمير لاتساع ذلك فكأنه قال: جبال الصفر عن اليسار منان ودل على ذلك أمران، أحدهما: أن المعنى عليه، ودلالة الحال في اليان جارية مجرى دلالة اللفظ، والآخر: ما ظهر من الضمير فيما عطف عليه من قوله: " عن إيماننا "، فكأنه قال عن يسارنا أو عن اليسار منا، فأما اليسار فلم تأت عنهم فيما علمت مجموعة، بل " اليمين " قد تجمع شمال وشمائل وأشْمُل، قال العجلي " من الرجز ":
يبري لها من أيمُنٍ وأشمل ذو خرق طلس وشخص مُذألِ
وأما اليسار فلم تجمع، وعلة ذلك عندي شيئان، أحدهما، استغناؤهم عن تكسيرها بتكسير " شمال " فيكون هذا مما قاله سيبويه: " وقد يستغنون بالسيئ عن الشيء حتى يكون المُستغنى عنه مسقطا من كلامهم البتة "، والآخر أن اليسار واليُسرى إنما هو تفاؤل باليُسر وعدول عن الشؤم، وإنما هي الشؤمى ضد اليُمنى، قال:
فأنحى على شؤمي يديه
فلما كانت فرعا معدولا إليه عن أصل قد استمر تكسيره ضاق موضعها فلم
[ ١٢٢ ]
يعامل الفرع في التصرف معاملة الأصل، فهذا فرق. وأعلم انه ليس في كلام العرب اسم في أوله ياء مكسورة إلا قوله " يسار " حكاها بعض الكوفيين وقد سألت نفسي عن ذلك واجب عنه في بعض ما أثبته عن نفسي من كلامي في موضع غير هذا فتركته هنا.
وفيها:
حين السيوف بأيدي القوم ناهلةٌ تصدر عنهم وفيهم تارة تَردُ
ينبغي أن تكون عين " تارة " واوا اشتقاقا وقياسا جميعا، أما الاشتقاق فلأنه من معنى " التَّوْرِ "، والتور: الرسول. قال " من السريع ":
والتور فيما بيننا مُعْمَلٌ يرضى به المأتيّ والمُرْسِلُ
والتقاؤهما أن الرسول من شأنه أن يذهب ويجيء، والتارة هكذا معناها، ألا ترى أنها تردد الشيء طورا كذا وطورا كذا كما أن الرسول مرة يرد وأخرى يصدر، ويؤكد عندك كون عينها واوا أيضا قولهم في معناها: طورا وطورا وأطوارا، والطاء أخت التاء فكأنهما لذلك حرف واحد، وقد ترى تعاقبهما في نحو قولهم: الترياق والطرياق والترنجين والطرنجين، وفي قول علقمة " من الطويل ":
وفي كل حي قد خبطَّ بنعمةٍ فَحُقَّ لشأن من نداك ذنوب
أي خبطت، وقالوا: فحصط برجلي، وله نظائر. وقالوا في المتْرَس: المِطْرَس، وكلاهما أعجمي والعرب تسمى المطرس لزازا. فهذا وجه الاشتقاق. وأما وجه القياس فلأنها عين، وقد سبقت وصية صاحب الكتاب في نحو هذا بما قد عرفته.
[ ١٢٣ ]