" من الوافر ":
ألا من مبلغ المعبيَّ عني رسولًا أصلها عندي ثبيتُ
وقد قال الفراء في قول الشاعر " من الكامل "
لو كان في قلبي كقدرِ قُلامقٍ حبًا لغيرك قد أتاها أرسلي
إنه إنما كَسَّر رسولًا على أرسل، لأنه ذهب بالرسول هنا إلى المرأة، وذلك إن أكثر من يرسل في هذا المعنى النساء دون الرجال، فلما أراد المرأة غلَب فيه معنى التأنيث فكسَّرَ " فَعُولًا " على " أَفْعُل "، و" أفْعُل " مما يكسَر عليه هذا النحو نحو: أتان أتُن وعُقاب وأعْقُب وعناق وأعنق ولسان والسُن، وإذا كان الرسول بمعنى الرسالة فقد كفينا هذا التمحُّل والتطلّب فلتقل إنه كسَر رسولا على أرسُل؛ لأن الرسول ههنا الرسالة وهو مؤنث البتة، وقد ذكرت في أول هذا الكتاب طرفا مما حمل من هذا النحو على معناه دون لفظه كقوله " من الطويل ":
فكان مجني دون من كنت أتقي ثلاث شخوصٍ كاعبانِ ومعصرُ
[ ١٢٨ ]
وقوله " من الطويل ":
وإن كلابًا هذه عشرُ أبْطُنٍ وأنت بريء من قبائلها العشر
وفيها:
تعلّمْ أنَّ شرَّ فتى أناسٍ وأوضَعَهُ خُزاعِيٌّ كتيتُ
قال: كتيت: بخيل، يقال إنه لكتيتُ اليد أي: بخيل. أصل ذلك أن الكتيت صوت غليان القدر إذا قلّ ماؤها، فهو أقل صوتًا واخفض حالا من غليانها إذا كثر ماؤها فهو إلى الضيق والقلّة.
وقال عمرو بن جنادة " من الوافر ":
لقد أسرفت حين كسَوتُ ثوبي مرابدَ بالحجازِ لها كتيتُ
" قال " أبو عمرو: كتيت: غليان، كتَ يكِتُّ. ينبغي أن يكون هذا اللفظ مشتقا من الصوت، وذلك لأن الكتيت غليان القدر إذا قلَ ماؤها فكأنها تقول: كتّ كتْ، فاشتقّ منه على حكاية الصوت، ومثله قولهم تغطمطت القدر إذا قالت: غِطْ مِطْ حكاية صوتها، ومنه قولهم في صوت البحر " من الرجز ":
كالبحر يدعو هيقمًا وهيقما كالبحر ما لقِمتَهُ تَلقَّما
[ ١٢٩ ]
وأنشدنا أبو علي:
يدعو الأشاخيب هشاما تهشُمُهْ
وقال: هشام حكاية شخب اللبن، ومنه بيت الراعي " من الطويل ":
إذا ما دَعْت شِيبا بجني عُنيزةٍ مشافِرُها في ماءِ مُزْنٍ وباقِلِ
وإنما الشيبُ صوت مشافرها عند الماء، ومنه قولهم في اسم الفرج: الخاقباق، وإنما سمى بصوته. قال " من الرجز ":
قد أقبلت عرةُ من عراقها ممدودة الرجل بخاقباقها
ومثله الخازباز، وإنما هو صوت الذباب فسمي به وهذا كله شاهد للكتيت، وقد ذهب بعضهم إلى أن العبارات كلها إنما أوقعت على حكاية الأصوات وقت وقوع الأفعال، ولا ابعد أن يكون الأمر كذلك، ثم إنها تداخلت وضورع ببعضها بعض، ألا ترى إن الخضم لكل رطب والقضم لكل يابس وبين الرطب واليابس ما بين الخاء والقاف من الرخاوة والصلابة، وكذلك قَطْع وقَدْع، فقدع الإنسان قطع له عن فعله إلا أن الطاء أصفى من الدال، والقطع بالسيف. ونحوه: أصفى ضربا، وانصع فعلا من القذع الذي إنما هو كلام، وبين الطاء والدال ما بين الفعل والقول، وهذا باب إنما يصحب وبنجذب لمتأمله إذا تفطن وتأتى له ولاطفه ولم يجف عليه، ومنه قولهم: بحثت التراب ونحوه، وهو على ترتيب الأصوات الحادثة عنده، فالباء للخفقة بما يبحث به عن التراب والحاء فيما بعد كصوت رسوب الحديدة ونحوها إذا ساخت في الأرض والثاء لحكاية صوت ما ينبث من التراب فتأمله، فإن فيه غموضا. فأما قولهم: بحثت عن حقيقة هذا الأمر، وبحثت عن حقيقة هذه المسألة فاستعارة للمبالغة في طلب ذلك المعنى، ولا نترك الحقيقة إلى المجاز إلاّ لضرب من المبالغة، ولولا
[ ١٣٠ ]
ذلك لكانت الحقيقة أولى من المجاز، ولقد هممت غير دفعة بتصنيف كتاب في هذا المعنى وترتيبه وكشف معانيه وطرقاته وإظهار وجه الحكمة المعجزة الدالة على قوة الصنعة فيه، ولكن الوقت لضيقه مانع منه ومن الله المعونة.
وقال عمرو بن هميل " من الوافر ":
خزيمةُ عمُّنا وأبي هُذَيلٌ وكلُّهُم إلى عِزٍّ وَلِيت
قال أي وليت ذلك منهم. هذا اللفظ منه ربما أوهم إن قوله " وليت " منقطعة الموضع عن إعراب ما قبلها، وليس كذلك بل وليت مجورة الموضع لأنها صفة لعزّ أي إلى عزٍّ وليته، أي كانت لي ولايته وقديمه فحذف عائد الصفة تشبيها للصفة بالصلة، ومنه بيت الكتاب " من الوافر ":
أبحت حمى نهامة بعد نجدٍ وما شيء حميت بمُستباحِ
وله نظائر.
[ ١٣١ ]