قال الأصمعي: أبو ذُرَّة " من الرجز ":
يا أيُها الشَّاعِرُ لا يُسْمَعْ لكا أعجلتني ولم اكنْ أحفِلْ لكا
ليس قوله في القافيتين: " لكا، لكا " ايطاء، وذلك ان حرف الجر يتصل بالفعل قبله حتى يصير كجزء منه وذلك نحو: مررت بك، ونظرت إليك. ويدلك على أنه معه كالجزء الواحد أشياء منها: إن عبرة الفعل الواصل بحرف الجر عبرة الواصل بنفسه، ألا ترى إن مررت بزيد بمعنى جزت زيدا، ونظرت إلى عمرو بمعنى أبصرت عمرا. ومنها أنك تختار مع حرف الجر من النصب ما تختاره مع الفعل الواصل بنفسه فتختار أزيدًا مررت به، كما تختار: أزيدًا رأيته. ومنها أن حرف الجر هذا قد عاقب ما هو مصوغ في الكلمة حرفا منها، ألا ترى انك تقول: ذهبت بزيد، فمعنى الباء معنى همزة أفعل إذا قلت: أذْهَبتْ زيدًا، وكذلك: علوت به وأعليته. نعم ويعاقب أيضا عن الفعل في قولهم: سرت بزيد، وسيّرت زيدا، وسبقت بزيد، وسبقته.
[ ٣٠ ]
ولهذا أشباه، فإذا جرى حرف الجر مجرى جزء من الفعل الذي اتصل به صار بضعة منه وطرفا له فصارت المعاملة في القافية إذن إنما هي مع الفعلين لا مع الحرفين الجارين المتصلين بهما، فكأنه لا يسمعك ولا يحفلك. وإذا كان كذلك فقد اختلفت القافيتان، ولم يكن هناك إيطاء.
وقال أبو ذَرَّة " من الرجز ":
الجدّ هُوَّ أي بني خُزَيمة أنْ يُنزلوني سواء الخيمة
يجوز أن يكون معناه " الجد "، ثم حذف همزة الاستفهام تخفيفا و" هُوَّ " خبر " الجد "، وهو ضمير ما كانوا عليه نظير الضمير في قوله: " إذا كان قد غدا فاتني "، وقوله " أن تمزلوني " بدل من " هُوَّ " وهذه لغة في " هو " أعني الثقيل. ويجوز أن تكون الرواية " هُوٌ " أي تكسير " هاوٍ " أي محب، أي يا محبي.
وقال أُسيد بن أبى إياس من قصيدة " من الطويل ":
وأكسى لثوبِ الخالِ قَبْلَ اعتراكِه وأعطى لرأس المنهبِ المتجِردِ
[ ٣١ ]
عين " الخال " ياء لانه يختال فيه فهو من الخيلاء الأخيل. وفيها:
فَقَدْني وإياهم فانْ ألْقَ بَعْضَهُمْ يكونوا كتعجيل السَّنامِ المُسَرْهَدِ
عطف " إياهم " على المعنى وذلك أن " ني " من قدني، وان كانت مجرورة بإضافة " قد " إليها فإنها - في المعنى منصوبة، ألا ترى أن معنى " قدك " ليكفك، و" قدني " بمعنى ليكفني. موضع " قد " من قدك رفع بالابتداء تقول: قدك درهمان، كقولك: حسبك درهمان، وإذا جاز أن تتصور في حسبك وهي معربة معنى ليكفك كان اعتقاد ذلك مع قدك المبنية أخرى، ألا ترى إلى قوله " من الطويل ":
إذا كانت الهيجاءُ وانشقت العصا فحسبك والضحاك سيف مهند
ألا ترى انه محمول علة معنى: فليكفك والضحاك. ومن جر " الضحاك " عطفه على الكاف ضرورة. ونحوه قول الله سبحانه: (إنّا مُنَجُّوكَ وأهْلَكَ). لما لم يحسن عطفه على الضمير المجرور حمله على المعنى فصار تقديره: ننجي أهلك. ويجوز فيه عندي وجه آخر وهو
[ ٣٢ ]
أن يكون إياهم في موضع جر وان كان لفظه للضمير المنصوب. ألا ترى غلى قوله " من الطويل ":
فأحسن وأجمل في أسيرك إنه ضعيف ولم يأسر كإياك آسر
وجاز ذلك عندنا كما جاز قوله: أنا كأنت، وأنت كأنا، وكما جاز، مررت بك أنت، ونزلت عليهم هم. فكما باشرت هذه الضمائر ونحوها الجوار وهي ضمير المرفوع، كذلك جاز أن تباشر إياك الكاف في قوله: كإياك، وإن كانت إياك من ضمير المنصوب. والعلة الجامعة لجواز ذلك هي أن هذه الأسماء المضمرة أسماء في القيقة وعبارات عما المظهرات عبارة عنه وليست الصورة هي نفس الإعراب فنحتشم من وضع ضمير المرفوع موضع المنصوب والمجرور، وإذا كانت اسما جاز أن يقع بعضها موقع بعض كما يقع الاسم الواحد مرفوعا تارة ومنصوبا أخرى ومجرورا تارة، وان كان أكثر الاستعمال ان يَخُص كل واحد من هذه الأسماء بموضع من الإعراب خلافا على الظاهر، فكذلك يجوز ان يكون أيضا قوله " فقدني وإياهم " موضع " إياهم " جر على موضع " ني " من " قدني "، كما كان الضحاك فيمن جره عطفا على الكاف في " حسبك ". وعلى أن " إياهم " هنا أسهل من " الضحاك ". ألا ترى أن " إياهم " لا يبين فيه حقيقة إعراب وقد وقع أيضا نفسه في موضع جر في قوله: " ولم يأسر كإياك آسِرُ "، فكأنه لا فرق بين المنصوب والمجرور في هذا. وليس كذلك " الضحاك " لاختلاف حالي نصبه وجره، فإذا جاز " فحسبك والضحاك " كان " فقدني وإياهم " على أن " إياهم " موضع جر أجوز لا سيما ولم يظهر في " فقدك " إعراب. فالكاف في " قدك " أشبه بالمنصوب من كاف " حسبك "، فكأن " إياهم " وان كان مجرور الموضع نصيبه. فان قلت فقد وقع الإجماع على أن ضمير المجرور لا يكون
[ ٣٣ ]
مفصولا، وأنت فصلته في هذا الموضع، ألا تراك انك لا تقول: " مررت بزيدٍ وَكَ "، ولا " لقيت غلامه وها " أي وغلامهما. فالجواب إن هذا إنما جاز لان لفظه لفظ المنصوب وان كان مجرورا. كما أن " أنت " من قولك: " مررت بك أنت "، مجرورة لوقوعها توكيدا للكاف المجرورة، و" أنت " كما تراه منفصل. وإنما جاز ذلك لان لفظه لظ المرفوع المنفصل، وكذلك يجوز أن يكون " إياهم " من قوله: " فقدني وإياهم " ضميرا مجرورا وان كان مفصولا لمجيئه على لفظ المفصول. واما قوله " يكونوا كتعجيل السنام المسرهد " فانه يحتمل أمرين: أحدهما أن يكون " التعجيل " مصدرا لعجَّلت، فيكون المضاف إذن محذوفا كأنه قال يكونوا كذي تعجيل السنام، و" ذو تعجيله " هو السنام، فكأنه قال يكونوا كالسنام المسرهد. فهذا وجه ظاهر. والآخر أن يكون " التعجيل " اسما من هذا المعنى لا مصدرا، فقد جاء التفعيل اسما لا مصدرا ومن ذلك: التمييز والترغيب لقطع السنام. وقال أبو عمرو الشيباني التمييز: خيط المظلة. وقال أبو زيد: التأويل واحدته تأويله وهي أوعية برز بعض النبت يكون كقرون الكباش، ومثله التنبيت. فيكون على هذا " التعجيل " كالترغيب وزنا ومعنى فأعرفه.
[ ٣٤ ]