" من الطويل ":
إذا ما قتلنا بالمحمدِّ مالكٍ سراةَ بني لاي فزاح غليلي
قال: المحمد الذي يُحمد من الرجال، لم يمرر بي هذا اللفظ صفة إلا في هذا الموضع، وقياس من قال الحارث والعباس والمظفر أن يقول في العلم اسم رجل: " هذا المحمد " كقوله: " هذا العباس " إلا أنه لم يمرر بنا في الاستعمال أن يراد به الشيء بعينه ولو قاله قائل لم يكن عندي مخطئا قياسا على الحارث والحسن والحسين والمظفر والمؤمل ونحو ذلك، وعلى أنه لو فعل ذلك لكان النبي ﷺ أولى به من كل أحد لأنه لا أحد أحق بأن يُضعف ويكرر حمده منه ﵇. وقال المذال أيضا:
يا عين فأبكي المالكين أول الفوارس الأضايف المحول
ويروي: فوارس، قال جمع مالك، وقال: الأمور التي تنزل بهم كأن الأمر حول من غيرهم إليهم، وقد يكون الأضايف جمع ضيف كأنه تحول من عند من لم يرض ضيافته إليهم. هذا جميع ما قاله السكري في التفسير، وأما قوله: " أول " فيحتمل أمرين، أحدهما: أن يكون نكرة مصروفا كقوله: " فعلنا هذا أولا وآخرا "، إلا أنه لم يطلقه وجاء به على قوله:
وآخذ من كل حي عُصُم
ولم يقل عصما، وعلى قوله " من الرجز ":
أعددتُ للوِرد إذا الورد حَفَز غربا جرورا وجُلالا خُزَخَز
[ ١٤١ ]
ونحو ذلك. والآخر: أن يكون معرفة بالمضاف المنقطع هو دونه فيكون في موضع ضم كقولك " ابدأ بهذا أول "، وقيده كما قيده في القول الأول لأنه بناه على أنه من السريع لا من الرجز، وأما من روى " فوارس " بلا لام فهو اظهر أمرا في الوزن، لأن وزن قوله: فوارسل: " فواعلن " على مَنْ رواه " الفوارس " باللام، فإنه خزم لام التعريف، وفي هذا ضرب نمن الضعف، وذلك أنه قد ثبت عندنا بوجوه الأدلة القوية أن العرب قد أجرت لام التعريف فيما عرفته مجرى الجزء من الكلمة غير المنفصل منها، والخزم إنما يجوز في حرف المعنى إذا لم يبين مع ما دخل عليه بناء بعضه من بعض نحو واو العطف وفائه ولام الابتداء وغير ذلك إلا أنه يشبه لام التعريف بحرف العطف في نحو قولك: " وهو زيد " ونحوه، ألا ترى انه أسكن الهاء وهذا يوجب ألا ينوي فصل الواو نته لما يلزم في ذاك من نية الابتداء بالساكن. وأيضا فقد رووا بيت عبيد:
لله در الشباب والشعر الأسود والراتكات تحت الرجالِ
فهذا لا يتوجه إلا على خزم لام الجر ولام التعريف جميعا فيكون الابتداء كقوله: لا هدررش " فاعلاتن "، وإذا جاز أن يحذف مع حرف التعريف لام الجر كان حذفه وحده أولى بالجواز. وأما قوله: وقد تكون الأضايف جمع ضيف، فإن " فَعْلًا " لا يكسر على " أفاعل " ولكن يجوز أن يكون كسر ضيفا على أضياف ثم كسر أضيافا على أضايف ثم حذف الياء الزائدة على حد قوله " من الرجز ":
قد قربت سادانها الروائسا والبكرات الفسجَّ العطامسا
[ ١٤٢ ]
إلا أنك مع هذا جعلته جمع ضيف فسد المعنى لأنك تجعل الفوارس هم الأضياف، وليس المعنى على هذا، إنما المعنى: انهم يقرون الأضياف فهذا ظاهره كما تراه منتقض ولكن فيه عندي وجهان سوى هذا الظاهر، أحدهما: أن يكون على حذف المضاف كأنه قال الفوارس ذوي الأضياف أو مُحلى الأضياف ثم حذف المضاف كقولها " من البسيط ":
يا صخر وراد ماء قد تناذره أهل الموارد ما في ورده عار
أي: ما في ترك ورده، فهذا إن حملته على ظاهره فسد معناه، وان حملته على حذف المضاف استقام أمره فهو وعروض البيت الذي نحن في تفسيره سواء، ومثله قوله " من المتقارب ":
وأهلك مهر أبيك الدواء ليس له من طعام نصيب
أي ترك الدواء، وقال الآخر " من الطويل ":
وإني لاستحيي وفي الحق مستحى إذا جاء باغي العرف أن أتعذرا
أي: في تركه، أنشدنا أبو علي هذين البيتين فهذا وجه. وأما الثاني: وهو أغمض من هذا، فإن يكون " الضايف " جمع إضافة على أنه وصف بالمصدر على قولك: هذا رجل عَدْل، أي: عادل، وماء غور أي غائر كأنه جعله هو الشيء بعينه على قوله:
وهن من الأخلاف بعدك والمطلِ
وعلى قوله " من الطويل ":
لخلابة العينين كذابة المنى وهُنَّ من الأخلاف والولعانِ
فكذلك هذا، كأنه جاء به على قوله: هذا رجلٌ إضافة، إذا كثرت أضافته الأضياف كأنه جُعل مخلوقا من إضافة كما أن الأول كأنه
[ ١٤٣ ]
جعلن مخلوقات من الأخلاف والمطل والولعان ثم عكس المصدر على حد قوله " من الطويل ":
وبايعت ليلى في الخلاء ولم يكن شهود على ليلى عدول مقانع
فكما كسر " عدلًا " وإن كان في الأصل مصدرا فكذلك كسر الإضافة على أضايف، وأصلها أضاييف فحذف الياء الثانية التي هي بدل من ألف " إِفعالة "، ورد ما كان حذفه من إضيافة لالتقاء الساكنين، العين كان أو ألف " إِفعالة " على خلاف الرجلين فيه، من قبل إنه قد زال في مثال " مفاعيل " التقاء الساكنين فوجب الرد كما تقول في تحقير مبيع " ومقيل وجمعهما ": مُبييع ومقييل ومباييع ومقاييل فترد موضع العين أو واو " مفعول " لزوال التقاء الساكنين ونحوه قول الآخر " من الرجز ":
سَلِطْ على زرع الجنى الوالج من الدبا ذا طبقٍ أفائج
بالهمز، قال الفراء همز ألف " إِفعالة " وهي مصدر أفاج افاجةً، وذهب إلى أن المحذوف عين الفعل كقول أبي الحسن، والوجه عندي إنا لا وجه له لأنه يريد " أفاعيل " فكان فياسه إن حذف الزائد أن يقول: أفاوج، إلا إنه عندي كهمز مصائب، ثم تنصب بالأضايف كما ترى المحول لأنها مصدر فعمل النصب. قال قلت: فكيف يجوز إعمال المصدر مع جمعه؟ فإن ذلك جائز قياسا وسماعا، أما السماع فلما ورد:
وواعدتني مالا أحاول نفعه مواعيد عرقوب أخاه بيثرب
[ ١٤٤ ]
فنصب بمواعيد وان كان مجموعا، وهذا مما نبه عليه أبو علي، وقد مر بي أنا غير هذا هو قول الأعشى " من البسيط ":
كما جربوه فما زادت تجاربهم أبا قدامة إلا المجد والفنعا
فالوجه إن يكون " أبا قدامة " منصوبا بتجاربهم لامرين، أحدهما: إنه اقرب إليه من " زادت "، والآخر: إنه قد نصبه قبل ذلك ب " جربوه " فكان الأليق أن ينصبه بتجاربهم لأنه مصدره كقولك: ضربته فما زاد ضربي جعفرا إلا خبالا. فالمحول على هذا منصوب بنفس الأضايف، وعلى القول الأول منصوب بفعل محذوف يدل عليه قوله " الأضايف " أي ذوي الأضايف، فكأنه قال: يضيفون المحول، كما إن قوله:
تاجٍ طواه الابنُ مما وجفا طيّ الليالي زلفا فزلفا
سماوةَ الهلال حتى احقوقفا
كذلك ألا ترى إن تقديره عنده صيّره مثل سماوة الهلال، ودل طواه على صيره كذلك، فأما عند أبي عثمان فإنه منصوب ب " طي الليالي " والذي قال كل واحد من الجلين صحيح مستقيم بل إذا جاز بإضمار فعل لم يتقدمه شيء من لفظه كان إضماره بحيث يتقدمه لفظه أعني في الأضايف ويضيفون أولى.
[ ١٤٥ ]