وقد تروى لمعقل بن خُويلد. قال " من الطويل ":
لَعَمْرك لقد نادى المُنادى فراعني غَداةَ البُوين من بَعيدٍ فأسمعا
فيها:
جَوادًا إذا ما النَّاسُ قَلَّ جَوادُهُمْ وسُفًّا إذا ما صَرَّح الموتُ أرْوَعا
أوقع المضاف اسم جنس وهو قوله " جوادهم " ومثله قولهم: " منعت العراق قفيزها ودرهمها، ومنعت مصر إردبها ". ومنه قول الله سبحانه: (وقالت اليهودُ يَدُ الله مغلولةٌ، غُلَّت أيديهم) معناه نعمته أي نعمة. وأنشد أبو الحسن:
الخالطين لجينهم بنضارهم وذوي الغنى منهم بذي القَقْرِ
[ ٣٥ ]
أي بالفقراء. قال " والسلف " ضرب من الحيات خبيث، ويقال انه الشجاع. ينبغي أن يكون تسميتهم الحية سفًا من قولهم: " أسفَّ الطائرُ " إذا دنا من الأرض في طيرانه وذلك لمباشرة الحية الأرض بطنه، وليس يبعد جسمه من الأرض بُعْدَ ما يمشي على رجليه. فان قلت: كيف خص بهذا الاسم بعض الحياة دون بعض وهو معنى شائع في جميعها؟ قيل هذا لا يلزم في طريق الاشتقاق، ألا ترى انهم يقولون أن القارورة إنما سميت بذلك لاستقرار الماء فيها. وليس يلزم من هذا أن يقال لكل ما استقر فيه شيء قارورة، ألا ترى انه لو لزم ذلك لوجب أن تسمى البئر قارورة لاستقرار الماء فيها، وان يسمى الصندوق قارورة لاستقرار المال فيه أو المتاع فيه، وان يسمى البحر قارورة لاستقرار الماء فيه. وكان اللبس يعظم والبلاء يتسع ويشمل.
وفيها:
فقُلْتُ لهذا الدَّهْرِ انْ كُنْتَ تاركي بخيرٍ فَدَعْ عَمْرًا واخوَتَه معا
يحتمل هذا أمرين: أحدهما أن يكون أراد " تاركي بخير تريده بي " كما تقول " ضربته لشر " و" أحسنت إليه لخير ". والآخر أن يكون مقلوبا أي إن كنت تاركا لي خيرا كقولك: تاركا شيئا خيارا جيدا فدع لي فلانا وفلانا.
[ ٣٦ ]
لَعَمْرُكَ ما غَزَوْتُ دِيشَ بنَ غالِبٍ لِوِتْرٍ ولكن إنما كنت مُوزَعا
عين " ديش " ينبغي أن تكون واوا من قولهم " الدوش " في العين .. كذا رواه " دِيس " بكسر الدال. وقال الأصمعي: أظنه حيا من كنانة. وروى محمد بن الحسن " دَيش " وقال: هو بطن من العرب. وقال أحمد بن يحيي " دَيش " بفتح الدال أيضا وقال: هي قبيلة من الهُونِ وهم من القارة. كذلك حكياه في شعر هُذيل. وقد يجوز أن يكونَ هذا ذاك ال أن الدال عنها مفتوحة، وظاهر الأمر ان العين على هذا ياء، فأما ما قرأته على أبي بكر بن الحسن عن أحمد بن يحيي عن ابن الأعرابي من قوله " من الرجز ":
وان تكلمت جثت في فيش حتى تنقى كنقيق الديش
فانه أراد الديك فأبدل الكاف شينا ونحوه وقوله " من الطويل ":
فعيناش عيناها وجيدش جيدها سوى أن عظم الساق منش دقيقُ
[ ٣٧ ]
والبدل كثير، منه ما أنشدنا أبو علي " من الرجز ":
يا ابن الزبير طالما عَصيكا وطالما عنّيتنا إليكا
لنضربن بسيفنا قفيكا
فقال: عصيك، أبال تاء " عصيت " كافا. ويحكى أن عبد بني الحساس كان إذا أنشد شعرا حسنا قال: " أحسنكَ والله "، يريد أحسنت والله. وهو كثير.
وفيها:
فما لُمْتُ نفسي من دِواءِ خُويلدٍ ولكن أخو العَلْداة ضاعَ وَضُيّعا
" دواء ": علاج. هذا عندي مصدر داويتة وراضيته رضاء. قرأت على أبي بكر محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيي " من الخفيف ":
كم نرحب بما سخطت ولكن مرحبًا بالرضاء منك وأهلا
فهذا مصدر " راضيته "، فأما الدواء فالاسم منه. وحكى الفراء عن أبى الجراح هو الدواء، وانشد " من الطويل ":
يقولون مخمور وهذا دواؤه علّ إذن مشيٌ إلى البيت واجب
وأما العلداة فكالأرْطاة وكالعلقاة ألفها للإلحاق لا للتأنيث.
[ ٣٨ ]
وقال المعطل أيضا:
ألا أصْبَحَتْ ظمياءُ قد نَزَحت بها نوى خَيْتَعورٌ طَرْحُها وشتاتها
وفيها:
وقالَت تَعَلَّمْ أنَّ ما بين شابةٍ وبين دُفاقٍ رَوْحَة وغداتُها
ينبغي أن يكون عين " شابة " واوا حملا على الأكثر من لفظ الثوب، وقد يجوز أن يكون من لفظ " الشيب " وفيها:
فأبنا لنا ريحُ الكِلاء وذِكرُهُ وآوا عليهم فَلُّها وشَماتُها
[ ٣٩ ]
قال " الريح " الدَولة. يجوز أن يكون " الكلاء " مصدر كالاتة أي نحن نتكالأ وينصر بعضنا بعضا لان كلمتنا واحدة فيكون كقوله " من الرجز ":
إنّ نِزارًا أصبحت نزارا دعوة أبرار دَعوا أبرارا
ويجوز أن يكون أراد الكلآءة أي الحفظ فحذف الهاء. والأول أقوى.
[ ٤٠ ]