أنت تجيب دعوة المضوف
قال معناه: المُلْجأ المُضاف. وجه ذلك عندي أنه بنى اسم المفعول هنا من الفعل على حذف زيادته وهي الهمزة من " أضفته فهو مُضاف " كأقمته فهو مُقام وأدرته فهو مُدار، فُعِلَ هذا في اسم المفعول كما فُعِل في اسم الفاعل نحو: أبقل المكان فهو باقل وأورس فهو وارس وكقوله " من الرجز ":
يخرجن من أجواز ليلٍ غاض
أي: مُفْضٍ، وكقوله:
يكشف من جُماته ولوُ الدال عباءةً عبراءَ من أجنٍ طال
أي: المدلى، ونظيره ما جاء من اسم المفعول على حذف الزيادة قوله " من الطويل ":
إذا ما استحمت أرضه من سمائه جرى وهو مودوع وواعد مصدق
ولا يقال: ودعته وأودعته من الدّعة، ومثله من حذف زيادة المصدر قوله " من الخفيف ":
[ ١٥٢ ]
عمرك الله ساعةً حدثينا ودعينا من قول مَن يؤذينا
أي: تعميرك الله، وقولهم: جاء زيد وحده أي: أوحد نفسه بالمجيء إيحادا، وقول بعض بني أمية:
دَعْ عنك غلق الباب
أي: إغلاقه. وإذا كان كذلك فقد كان قياسه أن يقول:
أنت تجيب دعوة المضيف
لأنه من الياء لقولهم الضيف، إلا أنه قد جاء نحو هذا، أنشدوا " من الطويل "
ويأوي إلى زُغْبٍ مساكين دونهم فلًا لا تخطاه الرفاق مهوب
وقياسه " مهيب "، لأنه من الهيبة، وحكموا أيضا: " رجل مسور به " من السير و" طعام مكول " وهو من الكيل، وأصلها: مكيول وميسور، فحذفت عين " مفعول " وأقرت واوه، وهذا مما يؤكد قوله خلاف قول أبي الحسن، وكذلك قوله " مضوف ".
وفيها:
وكل سهم حشر مشوف
لك في " حشر " قولان. أن شئت قلت أنه أخرج حشرًا على أصله، وأصله حَشِر، فأسكن تخفيفا، ويؤكد ذلك أن " فَعِلًا " في الصفات أكثر وأقيس من " فَعْل "، أما الكثرة فمن السماع، واما وجه القياس فلأن
[ ١٥٣ ]
سكون العين هو الأصل، والاسم هو الأول فكثر " فَعْل " في الأسماء، وحركة العين زيادة وفرع، والصفات ثوان وفروع فكثر " فَعِل " في الصفات ليضم الفرع إلى الفرع كما ضم الأصل إلى الأصل، وأيضا فإن " فَعِلًا " بوزن الفعل نحو: علم وسلم، والصفة أشبه بالفعل و" فَعْل " مثال لا يوجد في الأفعال أبدا فلذلك كان في الصفة قليلا منفردا، وإن شت قلت أنه في الأصل " فَعل " ساكن العين إلا أنه اضطر إلى تحريكه وكسره فقال " حَشِر " كما انشده أو زيد:
علامَ قتل مسلم تعبدا مذ ستة وخَمِسون عددا
فكسر عين " خمسون " للحاجة إلى إقامة الوزن فكسر ولم يفتح على العرف نحو الخَفَف والحَشَك، له كأنه راجَعَ أصلا، ألا ترى أن " فَعْلًا " قد تجد اصله " فَعِلًا " نحو قولهم في: عَلِمَ، عَلْم، وفي فَخِذ، فَخْذ، فجرى في مراجعة الأصل نحوًا من صرف ما لا ينصرف وقصر الممدود.
وفيها:
ولم تَشْظَ حين الغَمْز والتعطّفِ
لام " الشظا " مشكلة، ولا دلالة في شَظِيَ يشظى، الا انهم قد قالوا فيما يساوقه الشُواظ والوشيظة، ولم أرَ هنا الياء، وهذا مذهب كان أبو علي يأخذ به. ومغنى الوشيظ والشظا متقاربان لان الوشيظة قطيعة عظم لاصقة بالعظم الصميم، وهذا نحو الشظا والشظية، فهذا يقوي الواو.
[ ١٥٤ ]