" من المتقارب ":
أرقت ومالك ألا تناما وبت تكابد ليلًا تماما
قد قالوا: ليل التمام، فأضافوه، وقال هنا: ليلًا تماما فوصف به، قال " من الطويل ":
يُسَهَّدُ في ليل التمام سليمُها لحلي النساء في يديه قعاقع
ومثله مما يوصف به تارة ويضاف إليه تارة قولهم: " قدحٌ نضارٌ "، و" قدحُ نضارٍ "، و" سَهْمٌ غَرْبٌ "، و" سَهْمُ غربٍ "، و" عنقاءٌ مُغْرِبٌ "، و" عنقاءُ مغرَبٍ ". وله نظائر وفيها:
إذا الموتُ أن من مَعْشَرٍ فئامًا يعود فيُفنى فئاما
قال: الفئام جماعة من الناس، هو عندي من قول زهير " من الطويل ":
[ ١٥٧ ]
ظهرن من السوبان ثم جزعنه على كل قينى قثييب ومفأمِ
ألا تراهم قالوا في تفسيره أن المفأم: المشبع الصبغ، والتقاؤهما انه كأنه جمعت فيه أجزاء من الصبغ كثيرة، وكلام العرب كله جار مجرى الأمثال.
وفيها:
ربيعاُ وصخرًا ولا جابرًا وعِصمةَ أمسوا عظامًا وهاما
ألف " هامة " بدل من واو قياسا واشتقاقا، أما القياس فالحمل على الأكثر، وأما الاشتقاق فلأنَّ الهامة الميت، قال " من الطويل ":
تمتع بليلى إنما أنت هامة من الهام يدنو كل يوم حمامها
قرأته على أبي سهل عن السكري، وقرأت عليه عنه أيضا " من الطويل ":
كذلك ما كان المحبون قبلنا إذا مات موتاها تزاورُ هامها
والتقاؤهما أن الميت عندهم في حكم النائم، والنائم في حكم الميت، وردت بذلك الأشعار ومطرد الاستعمال، قال " من الطويل ":
ألمّا يئنْ للنائمين انتباهه فقد طال ذا نوما وطال بكائيا
وهو كثير جدا، وقد قلوا: هَوَّم إذا نام، أنشدنا أبو على ﵀ لذي الرمة " من الطويل ":
وألا ينال الركب تهويم وقعة من الليل إلا اعتادني منك زائر
وقرأت عليه للشنفري، وأنشدناه أيضا أبو بكر المراغي محمد بن علي عن أبي إسحاق " من الطويل ":
[ ١٥٨ ]
فلم تَكُ إلا نبأةٌ ثم هَوَموا فقلنا قطاة ريع أم ريع أجدلُ
فهذا واضح كما تراه.
وفيها:
تنال بهم وبأمثالهم بحار العلاء ونأبى الظُلاما
أراد الظلامة، فيجوز أن يكون حذف الهاء كما حذفها الآخر من قوله " من الطويل ":
أبلِغ النعمان عن مألُكًا انه قد طال حبسي وانتظار
يريد: مألكةٌ، ثم أنه أطلق الروي فألحقه الألف، ويجوز غير هذا وهو أن يكون إبدال هاء " الظُلامة " ألفًا كما أبدل الآخر آلاف من قوله " من الوافر ":
ولاعبَ بالعشي بني بنية كفعل الهر تلتمس العظايا
[ ١٥٩ ]
يريد: العظاية، وقال أبو عثمان في " العظايا " انه شبع ألف النصب بهاء التأنيث، فهذا قول، والأول اسلم منه
فبدّل بعد أواري الجياد نَفْحَ جنوب تثير الرَّغاما
واحد الأواري: آرى، ومثالها " فاعول " كعاقول وجاروف، وهو من: " أرت القدر تأرى "، اذا التصق بها اسفلها، فإذا كسر قيل أوارى كعواقيل قال " من البسيط ":
إلا الأواريّ لأيًا ما أينها والنؤى كالحوض بالمظلومة الجلد
ثم حذفت الياء الأولى المبدلة من واو " فاعلول " فبقى " أوار " كقولهم في " أواقيّ ": أواق، قال:
أواقي سدى تغتالهن الحوائك
ولك تخفيف كل ما كان من هذا النحو مثقلا نحو قولك في: أمانيّ: امان، وفي بخاتيّ: بخاتٍ، وفي اواخيّ: أواخٍ، وفي مصاريّ: مصارٍ.
وفيها:
ولم يُبق منها رثا الهالكين ألا تجملها والقَواما
[ ١٦٠ ]
قال: أي مرثيتها اياهم، ينبغي أن يكون وأحدهما رثية كمشية ومشى، ويسرة وسير، يراد به الحال.
وفيها:
ترى الخيلَ حولِ مناديهم رواكدَ متشجراتٍ صياما
ينبغي أن يكون واحد " المنادي ": مندى، وهو النادي أي المجلس، ويجوز أن يكون جمع: مندّى كقوله:
جدب المُندّى شئز المعوَّقِ
وفيها:
على كل شوهاءَ فيّاضة ونَهْدِ المراكل يُرى اللجاما
قال: يشرى: يحرك، هو من قولهم: " شرى البرق يشري " إذا اضطرب فلامه مشكلة وقد تقدم القول عليها، وإذا أشكل أمر اللام فحملها على الياء أولى، وانشد ابن الأعرابي " من البسيط ":
وانني حوث ما يُشرى الهوى بصري من حوث ما سلكوا أدنو فأنظر
كذا رواه " يشري " بالشين معجمة ورواه غيره: " يسري " بالسين غير معجمة من فوق، ورواية ابن الأعرابي أسَدُّ وأعلى.
[ ١٦١ ]
وفيها:
فذلك خُطّ لنا في الكتابِ ما كان طوقٌ يزين الحماما
" ما " ها هنا مصدر إلا إنها منصوبة على الظرف كقولك: " لا أكلمك ما طار طائر " أي مدة طيران الطائر، ولا يجوز أن ينصبها " خُطّ " لانه ماضٍ، و" ما كان طوق يزين الحماما " مستقبل ولا يحسن ان يتناوله " لنا " لأنها هنا فارغة غير مشغولة لتعلقها ب " خط "، والظرف أو حرف الجر اذا تعلق بالظاهر لم يجز أن يتعلق به غيره، وإذا كان كذلك حملته على مضمر يدل عليه ما قبله وكأنه قال: " هو لنا ما طار طائر "، ويجوز فيه وجه آخر وهو أن يجعل لذلك خبرين أحدهما " خط " والآخر " لنا " على قولهم " حلو حامض "، فإذا كان كذلك علقت " لنا " بمحذوف، وعلقت " ما كان طوق يزين الحماما " بقولك " لنا " كقولك: " هذا لنا أبدًا ".
[ ١٦٢ ]