" من الطويل ":
أَنّى تَسَدَّى طيفُ أم مسافعٍ وقد نام يا ابن القوم من هو ناعِسُ
لام " تسدّى " ياء لنه تفعّل من سدى الثوب، وهو الياء. يجوز إمالته، وقد قالوا أيضا: سدى إليه يسدي سديا، في معنى أسدى إليه، والمعنيان منضمان، ألا ترى أنهم يصفون السخي بانبساط يده، واللئيم بانقباضها. والسدى ما انبسط من غزل الثوب، ويجوز أن يكون " تسدى " تفعل من السدو وهو بسط يدي البعير في سيره وهذا من الواو.
فيها:
وذي ابل فَجَّعته بخيارها فأصبح منها وهوَ أسوانُ يائس
قال: ويروى أسيان. من قال " أسوان " فأسى يأسى عنده كشقي يشقى ومن قال أسيان فأسى يأسى كبقى وينبغي أن يكون " أسوان " من لفظ الأسوة ومعناها، إلا أنه للسلب لا للإيجاب كما تقدم في أول كتابنا هذا، فيكون من باب: أشكيت الرجل أي زلت له عما يشكوه، وأعجمت الكتاب أي أزلت استعجامه، فكذلك معنى أسوان أي قد زال عنه التأسي بغيره فأسى لذلك، ولو تذكر مصائب غيره لخف عليه حزنه.
[ ٤١ ]
ويؤكد الياء في الكلمة إمالة الأسى. هذا هو باب الاعتبار وأن كان سيبويه قد حكى الأمالة في العشا والمكا والكيا، فإن ذلك شاذ، والعمل على غيره.
وقال رجل من هذيل: من أبيات " من الرجز ":
فَظِلْتُ في شَرَ من اللذ كيدا كاللَذ تزبى زبية فاصطيدا
قد عَدَّ الناس " اللذ " لغة في " الذي "، ويمكن عندي أن يكون ذلك صنعة لا لغة، وذلك إنه يجوز أن يكون حذف الياء تخفيفا لطول الاسم بصلته فصار " اللذ " كما روينا عن قطرب " من الرجز ":
اللذِ لو شاء لكانت برا أو جبلًا أشَمَّ مشمخرا
فلما صار إلى " اللذ " اسكن الذال استثقالا لكسره واتباعا لإقامة الوزن. " قال بعض هذيل من الرجز:
هل لك فيما قلت لي وقلت لك إِن معي ذا حاجة وينفعك
وتجعلين اللذْ معي في اللَذْ معك
أراد " اللذِ " بالكسر، أما لغة أو صنعة فمنعها لإقامة الوزن. وكقول الآخر، أَشده أبو زيد " من الرجز ":
[ ٤٢ ]
قالت سليمي اشْتَرْ لنا سويقا
يريد " اشترِ ". وكإنشاده " من الرجز ":
فاحذر فلا تكترْ كريًا اعوجا
يريد " لا تكترِ ". وكإنشاد الفراء " من الوافر ":
ومن يتقْ فأن الله مَعْهُ ورزق الله مؤتابٌ وغادي
يريد " يتقِ " فأجري المنفصل في هذه المواضع مجرى المتصل فصار لذلك بمنزلة فخذ وكبد وصار يتق كعلم وسلم فأسكن الذال فقال كاللذْ، وازداد الإسكان هنا حسنا لطول الاسم وإفراطه بصلته كما كان حذف النون مع إِرادتها في قوله " من الرمل ":
ولقد يغني به جيرانك ال ممسكو منك بأسباب الوصالِ
أحسن من قوله: الحافظوا عورة العشيرة. فيمن نصب من موضعين أحدهما أن " منك " في " افعل منك " قد عاقبت المضاف إليه فلم يجتمع مع لام التعريف نحو: الأحسن منك، والأظرف منه، كما لا يجتمع معها الإضافة. فكأن " منك " في قوله: الممسكو منك، بمنزلة الكاف في الممسكوك، كذلك حسن حذفها في " الممسكو منك ". والآخر إن " الممسكو " أطول من " الحافظو " وذلك إن لام التعريف قد تمكنت الأدلة على كونها كجزء مما دخلت عليه فعرفته. وقد أوضحت الدلائل على ذلك في كتابي " سر الصناعة "، وفي كتابي الموسوم ب " المعرب في شرح القوافي " عن أبي الحسن وغيرهما من كلامي. فلما كانت اللام في
[ ٤٣ ]
" الممسكو " إنما هي في آخر المصراع الأول وبقية الكلمة في المصراع الثاني وعرض هذا الإدماج ازدادت الكلمة طولا إذ كانت مقتسمة من آخر المصراع الأول وأول المصراع الثاني. والمصراع الأول قد يجوز ويحسن ويكثر الوقوف عليه كما يوقف على آخر البيت نفسه، ألا ترى أن جزئي التصريع والتقفية في آخر المصراع الأول يشبهان القافيتين في آخر البيت ولذلك قطعت العرب ألف الوصل في أول المصراع الثاني في نحو بيت الكتاب " من الكامل ":
ولا يبادر بالعشاء وليدنا القدر ينزلها بغير جعالِ
وعليه أجاز أبو الحسن الخرم والخزم جميعا في أول المصراع الثاني كما يجوز الجميع في أول البيت فلما اسبه آخر المصراع الأول آخر البيت اجمع صار المصراعان كأنهما بيتان فازداد الأمر بذلك طولا، فازداد حذف النون لما ذكرنا حسنا، فاعرف ذلك. وفي قوله: " فاصطيدا " ثلاث لغات إنْ شئت " اصطيدا " بإخلاص كسرة الطاء، وإن شئت " اصطيدا " بإشمام الكسرة ضما، وإن شئت بإخلاص الضمة وقلب الياء واوا تقول " اصْطُودا " والأولى أجودهن ثم التي تلبيها. قال " من مشطور الرجز ":
وابتُذِلَتْ غضبى وأمُّ الرِّحال وقُولَ: لا أهلٌ له ولا مال
[ ٤٤ ]
وقرأته على محمد بن الحسن عن أحمد بن يحيى، وقرأت أيضا عليه عنه " من مشطور الرجز ":
حُوكت على نِيرينِ إذ تُحاك تَخْتَبط الشَّوْكَ ولا تُشاك
وقد ذكرت ذلك في شرح تصريف أبي عثمان.
نجز ما خرج من شعر ربيعة بن جحدر ورجل من هذيل
[ ٤٥ ]